١٦٥٩ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، يُصَلِّي جَالِسًا، فَقُلْتُ: حُدِّثْتُ أَنَّكَ قُلْتَ، إِنَّ صَلَاةَ الْقَاعِدِ، عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ، وَأَنْتَ تُصَلِّى قَاعِدًا، قَالَ: «أَجَلْ، وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ».
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُبيد اللَّه بن سعيد) السرخسيّ، ثقة ثبت [١٠] ١٥/ ١٥.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الإمام الحافظ الحجة [٩] ٤/ ٤.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ المذكور في الباب الماضي.
٤ - (منصور) بن المعتمر الكوفي، ثقة ثبت حجة [٥] ٢/ ٢.
٥ - (هلال بن يساف) -بفتح الياء وكسرها-، ويقال: إساف -بكسر الهمزة- الكوفيّ، ثقة [٣] ٣٩/ ٤٣.
٦ - (أبو يحيى) الأعرج، مِصْدَع المُعَرْقب، مقبول [٣] ٨٩/ ١١١.
٧ - (عبد اللَّه بن عمرو) بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٨٩/ ١١١ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: هلال، عن أبي يحيى، وهو من رواية الأقران. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو) بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، يُصَلِّي جَالِسًا، فَقُلْتُ) وفي رواية أبي داود من طريق جرير، عن منصور، قال: حُدّثتُ أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: (صلاة الرجل قاعدًا، نصف الصلاة"، فأتيته، فوجدته يُصلي، جالسًا، فوضعت يدي على رأسي، فقال: (مالك، يا عبد اللَّه بن عمرو؟ "، قلتُ: حُدِّثتُ أنك يا رسول اللَّه قلت: "صلاة الرجل … " الحديث (حُدِّثْتُ) بالبناء
[ ١٧ / ٣٩٣ ]
للمفعول (أَنَّكَ) بفتح همزة "أنّ" لوقوعها موقع المفرد، وهو النائب عن الفاعل (قُلْتَ: إنَّ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها مقول القول، (صَلَاةَ الْقَاعِدِ، عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ) قال النووي -﵀-: معناه أن صلاة القاعد، فيها نصف ثواب القائم، فيتضمّن صحتها، ونُقصان أجرها، وهذا الحديث محمول على صلاة النفل قاعدًا مع القدرة على القيام، فهذا له نصف ثواب القائم، وأما إذا صلّى النفل قاعدًا لعجزه عن القيام، فلا ينقص ثوابه، بل يكون كثوابه قائمًا.
وأما الفرض، فإن صلى قاعدًا، مع قدرته على القيام لم تصحّ، فلا يكون فيه ثواب، بل يأثم به. قال أصحابنا. وإن استحلّه كفر، وجرت عليه أحكام المرتدّين، كما لو استحلّ الزنا، والربا، أو غيره من المحرمات الشائعة التحريم، وإن صلى القرض قاعدًا لعجزه عن القيام، أو مضطجعًا لعجزه عن القيام والقعود، فثوابه كثوابه قائمًا، لم ينقص باتفاق أصحابنا، فيتعيّن حمل الحديث في تنصيف الثواب على من صلى النفل قاعدًا مع قدرته على القيام. هذا تفصيل مذهبنا، وبه قال الجمهور في تفسير هذا الحديث، وحكاه القاضي عياض -﵀- عن جماعة، منهم الثوريّ، وابن الماجشون وحُكي عن الباجيّ، من أئمة المالكية أنه حمله على المصلي فريضة لعذر، أو نافلةً لعذر، أو لغير عذر، قال: وحمله بعضهم على من له عذر، يرخّص في القعود في القرض والنفل، ويمكنه القيام بمشقّة انتهى كلام النووي -﵀- (^١).
(وَأَنْتَ تُصَلِّي قَاعِدًا، قَالَ: أَجَلْ) كـ"نعم" وزنًا ومعنى، وهي أحسن في مثل هذا من "نعم"، كما تقدّم. (وَلَكِنِّي لَسْتُ كأَحَدٍ مِنْكُمْ) أي لست مثلكم في كون ثواب صلاتي قاعدًا على النصف من صلاتي قائمًا، بل هو كصلاتي قائما، لا ينقص منه شيء.
قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: هو عند أصحابنا من خصائصه - ﷺ -، فجُعلت نافلته قاعدا مع القدرة على القيام كنافلته قائمًا، تشريفًا له، كما خُصّ بأشياء معروفة في كتب أصحابنا، وقد استقصيتها في أول "كتاب تهذيب الأسماء واللغات" (^٢).
وقال القاضي عياض -﵀-: معناه أن النبي - ﷺ - لَحِقَه مشقّة من القيام لحطم الناس، وللسنّ، فكان أجره تامًّا، بخلاف غيره، ممن له عذر.
وردّ عليه النوويّ، فقال: هذا ضعيف، أو باطل، لأن غيره - ﷺ - إن كان معذورًا، فثوابه أيضًا كامل، وإن كان قادرًا على القيام، فليس هو كالمعذور، فلا يبقى فيه تخصيص، فلا يحسن على هذا التقدير "لست كأحد منكم"، وإطلاق هذا
_________________
(١) - "شرح مسلم" ج ٦ ص ١٤/ ١٥.
(٢) - قلت: تقدم سردها من ألفية الحافظ العراقي -﵀- في السيرة، راجع شرح حديث "أُعطيت خمسا، لم يعطهن أحد قبلي … " رقم ٢٦/ ٤٣٢ - "كتاب التيمم" من هذا الشرح تستفد، وباللَّه التوفيق.
[ ١٧ / ٣٩٤ ]
القول (^١)، فالصواب ما قاله أصحابنا أن نافلته قاعدًا مع القدرة على القيام ثوابها كثوابه قائمًا، وهو من الخصائص. واللَّه أعلم انتهى كلام النووي -﵀-.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -، هذا الذي ردّ به النوويّ كلام عياض هو الصواب عندي. والحاصل أن من صلى قاعدا لعذر، فله الأجر كاملا، سواء النبي - ﷺ -، أو غيره، فلا خصوصية له في ذلك، إنما الخصوصية له فيما إذا صلى قاعدًا من غير عذر، فإن له الأجر كاملًا.
ودليل ثبوت الأجر كاملًا للمعذور مطلقًا ما أخرجه البخاري -﵀- في "كتاب الجهاد" من طريق إبراهيم السَّكْسَكيّ، قال: سمعت أبا بردة، واصطحب هو ويزيد بن أبى كبشة، في سفر، فكان يزيد يصوم في السفر، فقال له أبو بردة: سمعت، أبا موسى مرارا، يقول: قال رسول اللَّهﷺ -: "إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا"، انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته، حديث عبد اللَّه بن عَمْرو - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا-٢٠/ ١٦٥٩ - وفي "الكبرى" ٣٠/ ١٣٦١ - بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) ٢/ ١٦٥ (د) ٩٥٠ (أحمد) ٢/ ١٦٢ و١٩٢ و٢٠١ و٢٠٣ (الدارمي) ١٣٩١ (ابن خزيمة) ١٢٣٧. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل صلاة القائم على صلاة القاعد، حيث إنه يفضل عليه بنصف الأجر. ومنها: جواز النافلة قاعدًا مع القدرة على القيام. ومنها: بيان شرف النبي - ﷺ -، وعظيم منزلته عند اللَّه تعالى، حيث خصّه بعدم نقص أجر صلاته قاعدًا، بخلاف غيره، فينقص منهم نصف أجورهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) - هكذا عبارة النوويّ في "شرح مسلم"، وفيها ركاكة، ولو قال: فلا يحسن إطلاق قوله: "لست كأحد منكم"، لكان أوضح. واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٧ / ٣٩٥ ]
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…