قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: اعترض ابن بطال على هذه الترجمة، وادعى أن النسائيّ صحف الحديث (^١)، قال: وغلطه فيه ظاهر؛ لأنه ثبت الأمر للمصلى إذا وقع عليه النوم أن يقطع الصلاة، وعقل ذلك بأنه لعله يستغفر، فيسبّ نفسه، قال: فكيف يأمره بقطع الصلاة، ثم يُثبت أن له نصف أجر القاعد. انتهى.
ورَدّ عليه الحافظ العراقي في "شرح الترمذي" -كما نقله في "الفتح"- فقال: ما حاصله: لعله هو الذي صحّف، وإنما ألجأه إلى ذلك حَمْلُ قوله: "نائمًا" على النوم الحقيقي الذي أُمر المصلي إذا وجده بقطع الصلاة، وليس ذلك المراد هنا، إنما المراد الاضطجاع. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فقد أجاد الحافظ العراقي -رحمه اللَّه تعالى- في هذا الردّ، وأفاد.
فترجمة النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- صحيحة موافقة للحديث الذي أورده في الباب، ومن ادعى عليه التصحيف فهو المصحّف، لأنه لم يفهم المراد، من الحديث، فلسوء فهمه حمله على أن النوم هو النوم الحقيقي الذي ورد الأمر بقطع الصلاة من أجله، وليس كذلك، وإنما المراد بالنوم هو الاضطجاع، فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّرْ بتقليد ذوي الاعتساف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٦٦٠ - أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، عَنِ الَّذِي يُصَلِّي قَاعِدًا؟، قَالَ: «مَنْ صَلَّى قَائِمًا، فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا، فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا، فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ».
_________________
(١) - أراد أنه صحّف أن لفظ الحديث "ومن صلى موميا" إلى- قوله: "نائما"، فترجم عليه "فضل صلاة القاعد على النائم". واللَّه أعلم.
[ ١٧ / ٣٩٦ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حُميد بن مَسعَدة) الباهليّ البصريّ، صدوق [١٠] ٥/ ٥.
٢ - (سُفيان بن حَبيب) البصريّ، ثقة [٩] ٦٧/ ٨٢.
٣ - (حُسين المعلّم) بن ذكوان الْعَوْذيّ البصريّ، ثقة ربما وهم [٦] ١٢٢/ ١٧٤.
٤ - (عبد اللَّه بن بُريدة) بن الحُصيب الأسلميّ، أبو سَهْل المروزيّ، ثقة [٣] ٢٥/ ٣٩٣.
٥ - (عمران بن حُصين) بن عُبيد بن خَلَف الخُزاعيّ، أبو نُجَيد الصحابي ابن الصحابي - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٠١/ ٣٢١ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير عبد اللَّه بن بُريدة، فمروزيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وصرح عبد اللَّه بن بريدة بالتحديث عند البخاريّ، فقال: "حدثني عمران بن حُصين، وكان مبسورًا (^١) … " (قَالَ: سَألْتُ النبِي - ﷺ -، عَنِ الذِي يُصَلِّي قَاعِدًا؟) قال الخطّابي -رحمه اللَّه تعالى-. كنت تأولت هذا الحديث على أن المراد به صلاة التطوّع -يعني للقادر- لكن قوله: "من صلّى نائمًا" يُفسده، لأن المضطجع لا يصلي التطوّع كما يفعل القاعد، لأني لا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه رخّص في ذلك، قال: فإن صحّت هذه اللفظة، ولم يكن بعض الرواة أدرجها قياسًا منه للمضطجع على القاعد، كما يتطوّع المسافر على راحلته، فالتطوّع للقادر على القعود مضطجعًا جائز بهذا الحديث، قال: وفي القياس المتقدّم نظر، لأن القعود شكل من أشكال الصلاة، بخلاف الاضطجاع، قال: وقد رأيت الآن أن المراد بحديث عمران المريض المفترض الذي يمكنه أن يتحامل، فيقوم مع مشقّة، فجعل أجر القاعد على النصف من أجر القائم، ترغيبًا له في القيام، مع جواز قعوده. انتهى.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وهو حمل متّجه. قال: فمن صلى فرضًا قاعدًا، وكان
_________________
(١) -أي كان مُصابا بمرض الباسور، بالباء الموحّدة، ويقال له: الناسور بالنون أيضا، أو الذي بالموحدة وَرَمّ في باطن المقعدة، والذي بالنون قرحة فاسدة، لا تقبل البرء، ما دام فيها ذلك الفساد. أفاده في "الفتح" ج ٣ ص ٢٩٨.
[ ١٧ / ٣٩٧ ]
يشقّ عليه القيام أجزأه، وكان هو، ومن صلى قائمًا سواءً، قال: فلو تحامل هذا المعذور، وتكلف القيام، ولو شق عليه كان أفضل لمزيد أجر تكلّف القيام، فلا يمتنع أن يكون أجره على ذلك نظير أجره على أصل الصلاة، فيصحّ أن أجر القاعد على النصف من أجر القائم، ومن صلّى النفل قاعدًا مع القدرة على القيام أجزأه، وكان أجره على النصف من أجر القائم بغير إشكال.
وأما قول الباجيّ: إن الحديث في المفترض والمتنفّل معًا، فإن أراد بالمفترض ما قرّرناه فذاك، وإلا فقد أبى ذلك أكثر العلماء.
وحكى ابن التين وغيره عن أبي عُبيد، وابن الماجشون، وإسماعيل القاضي، وابن شعبان، والإسماعيليّ، والداوديّ، وغيرهم أنهم حملوا حديث عمران على المتنفّل، وكذا نقله الترمذيّ عن الثوريّ، قال: وأما المعذور إذا صلى جالسًا، فله مثل أجر القائم. ثم قال: وفي هذا الحديث ما يشهد له، يشير إلى ما أخرجه البخاري في "الجهاد"، من حديث أبي موسى - ﵁ -، وقد تقدم لفظه. قال. ويؤيد ذلك قاعدة تغليب فضل اللَّه تعالى، وقبول عذر من له عذر. واللَّه أعلم.
ولا يلزم من اقتصار العلماء المذكورين في حمل الحديث المذكور على صلاة النافلة أن لا تَرِدَ الصورة التي ذكرها الخطابي، وقد ورد في الحديث ما يشهد لها، فعند أحمد من طريق ابن جُريج، عن ابن شهاب، عن أنس، قال: قدم النبي - ﷺ - المدينة، وهي مَحَمَّةٌ (^١)، فحُمَّ الناسُ، فدخل النبي - ﷺ - المسجد، والناس يُصلّوْن من قُعود، فقال: "صلاة القاعد نصف صلاة القائم"، ورجاله ثقات، زاد في رواية: "فتجشّم الناس الصلاةَ قيامًا"، وله متابع عند النسائيّ (^٢)، من وجه آخر، وهو وارد في المعذور، فيحمل على من تكلّف القيام مع مشقّته عليه، كما بحثه الخطّابيّ.
وأما نفي الخطّابيّ جواز التنفّل مضطجعًا، فقد تبعه ابن بطال على ذلك، وزاد: لكن الخلاف ثابت، فقد نقله الترمذيّ بإسناده إلى الحسن البصريّ، قال: إن شاء الرجل صلى صلاة التطوع قائما، وجالسًا، ومضطجعًا، وقال به جماعة من أهل العلم، وأحد الوجهين للشافعية، وصححه المتأخّرون، وحكاه عياض وجهًا عند المالكيّة أيضًا، وهو اختيار الأبهريّ منهم، واحتجّ بهذا الحديث.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الحسن البصريّ -رحمه اللَّه تعالى-، ومن تبعه
_________________
(١) - يقال: أرض مَحَمّة، بفتح الميم، والحاء، وتشديد الميم الثانية، كمَذَمَّة، وبضم الميم، وكسر الحاء: ذات حُمَّى، أو كثيرتها. أفاده في "ق".
(٢) - هو في "الكبرى" برقم ٣٢/ ١٣٦٤.
[ ١٧ / ٣٩٨ ]
أرجح عندي؛ لصحة حديث الباب، وما تقدم للخطابي من احتمال الإدراج فغير صحيح؛ لعدم استناده إلى حجة. وأما ما قاله السنديّ، من أن العلماء عَدُّوه بدعةً، وحدثا في الإسلام، فكلام لم يعتمد على تأمّل الحديث، وأقوال أهل العلم فيه، فكيف يكون بدعة، وقد صحّ الحديث فيه، وقال به جماعة من أهل العلم الذين تقدّم ذكرهم، إن هذا من العَجَب العُجَاب!. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: سؤال عمران - رضي اللَّه تعالى عنه - عن الرجل خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، بل الرجل والمرأة في ذلك سواء (^١).
(قَالَ: "من صَلَّى قَائِمًا، فَهُوَ أَفْضَلُ) ثوابًا ممن صلى قاعدًا (وَمنْ صَلَّى قَاعِدًا، فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِمِ) وهذا يُستثنَى من عمومه النبي - ﷺ -، فإن صلاته قاعدًا، لا ينقص أجرها عن صلاته قائما، لحديث عبد اللَّه بن عمرو المتقدّم في الباب السابق (وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا) أي مضطجعًا، كما فسره به البخاري في "صحيحه" فإنه قال عقب حديث الباب: ما نصه: قال أبو عبد اللَّه: "نائما" عندي مضطجعًا ههنا. انتهى. (فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ") هذا نصّ صريح في صحة صلاة النافلة مضطجعًا، وقد قال به جماعة من أهل العلم، وهو الحقّ، كما أسلفناه قريبا .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عمران بن حصين - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا-٢١/ ١٦٦٠ وفي "الكبرى" ٣١/ ١٣٦٢ - بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢/ ٥٩ (د) ٩٥١ (ت) ٣٧١ (ق) ١٢٣١ (أحمد) ٤/ ٤٣٣ و٤٣٥ و٤٤٢ و٤٤٣ (ابن خزيمة) ١٢٣٦ و١٢٤٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
_________________
(١) - "فتح" بتصرّف ج ٣ ص ٢٩٨ - ٢٩٩.
[ ١٧ / ٣٩٩ ]
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإِتْيُوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرمة، - عفا اللَّه تعالى عنه - وعن والديه ومشايخه آمين: قد انتهيت من كتابة الجزء السابع عشر من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائي -رحمه اللَّه تعالى-، المسمّى "ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى"، أو "غاية المنى في شرح المجتبى".
وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، في مكة المكرمة زادها اللَّه تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأعْظِمْ به تكريمًا.
وآخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة اللَّه، وبركاته".
ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء الثامن عشر مفتتحًا بالباب ٢٢ "نوع آخر" الحديث رقم ١٦٦١.
"سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".
[ ١٧ / ٤٠٠ ]
شرح سنن النسائي
المسمى
شرح سُنن النّسَائي
المُسَمَّى
لجَامِعه الفَقير إلى مَوْلَاه الغَنيّ القَديْر
محمد ابن الشيخ العلامة على بن آدم بن موسى الأيتُوبي الوَلَّوِي
المُدرّس بدَار الحَديثْ الخيريَّة بمكّة المكرَّمة
عَفَا اللَّه عَنْه وَعَنْ والدَيه آمِينْ
الجزْء السَّابع عَشر
[ ١٨ / ١ ]
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
[ ١٨ / ٢ ]
شرح سنن النسائي
[ ١٨ / ٣ ]
جَمِيع الحقُوق مَحفُوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
دَار آل بُروم للِنشر وَالتّوزيع
المملكة العَربيّهَ السّعوديّة - مكّة المكرّمة - المكتب الرئيسي التنعيم
صَ بْ: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوّال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)
[ ١٨ / ٤ ]