قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الاحتساب": مصدر "احتسب"، يقال: احتسب الأجر على اللَّه: ادّخره عنده، لا يرجو ثواب الدنيا، والاسم الحِسْبَة. قاله في
_________________
(١) بفتح القاف، وسكون الراء، وفتح الثاء المثلثة، وِزَانُ أحمد.
(٢) - وفي نسخة "عند المصيبة".
[ ١٨ / ٣٣٣ ]
"المصباح". وقال ابن الأثير -رحمه اللَّه تعالى-: الاحتساب من الحَسَب، كالاعتداد من العَد، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه اللَّه: احتسبه، لأن له حينئذ أن يعتدّ عملَه، فجُعِلَ في حال مباشرة الفعل كأنه معتدّ به، والحِسْبةُ اسم من الاحتساب، كالعدة من الاعتداد، والاحتسابُ في الأعمال الصالحة، وعند المكروهات: هو البِدَار إلى طلب الأجر، وتحصِيلِهِ بالتسليم والصبر، أو باستعمال أنواع البرّ والقيام بها على الوجه المرسوم فيها، طلبًا للثواب المرجوّة منها انتهى (^١).
و"الصبر": مصدر صَبَرَ، يقال: صَبَرتُ صَبْرًا، من باب ضَرَب: حَبَسْتُ النفس عن الْجَزَع. ذكره في "المصباح". وقال في "الفتح": وأحسن ما وصف به الصبر أنه حبس النفس عن المكروه، وعقد اللسان عن الشكوى، والمكابدة في تحمله، وانتظار الفرج، وقد أثنى اللَّه تعالى على الصابرين في عدّة آيات. وأخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود - ﵁ - موقوفًا: "اليقين الإيمان كلّه، والصبر نصف الإيمان"، وأخرجه أبو نعيم في "الحلية"، والبيهقي في "الزهد" مرفوعًا، ولا يصحّ رفعه.
وقال الراغب: الصبر الإمساك في ضيق، صبرتُ الشيءَ حبستُهُ، فالصبر حبس النفس على ما يقتضيه العقل، أو الشرع، وتختلف معانيه بتعلقاته، فإن كان عن مصيبة، سمي صبرًا فقط، وإن كان في لقاء عدوّ سمي شجاعةً، وإن كان عن كلام سمي كتمانًا، وإن كان عن تعاطي ما نهُي عنه سمي عفّةً انتهى (^٢).
و"المصيبة": الشدّة النازلة، وجمعها المشهور مَصَائب، قالوا: والأصل مَصَاوب، وقال الأصمعيّ: قد جمُعت على لفظها بالألف والتاء، فقيل: مصيبات، قال: وأرى أن جمعها على مَصَائب من كلام أهل الأمصار. ذكره في "المصباح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٨٦٨ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: أَرْسَلَتْ بِنْتُ النَّبِيِّ - ﷺ - إِلَيْهِ، أَنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ، فَأْتِنَا، فَأَرْسَلَ، يَقْرَأُ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: «إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَ اللَّهِ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ». فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ، تُقْسِمُ عَلَيْهِ، لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ، وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الصَّبِيُّ، وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا؟ قَالَ: «هَذَا رَحْمَةٌ، يَجْعَلُهَا اللَّهُ، فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ».
_________________
(١) - "النهاية" ج ١ ص ٣٨٢.
(٢) - راجع "الفتح" ج ١٣ ص ٩٤.
[ ١٨ / ٣٣٤ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُويد بن نصر) المروزيّ، ثقة [١٠] ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد اللَّه) بن المبارك الإمام الجليل المشهور [٨] ٣٢/ ٣٦.
٣ - (عاصم بن سليمان) الأحول البصريّ ثقة [٤] ١٤٨/ ٢٣٩.
٤ - (أبو عثمان) عبدالرحمن بن ملّ النهديّ المخضرم الثقة الثبت العابد الكوفيّ [٢] ١١/ ٦٤١.
[تنبيه]: كتب في "الكبرى" عقب هذا الحديث: ما نصّه: قال لنا أبو عبد الرحمن: أبو عثمان هو النهديّ، واسمه عبد الرحمن بن ملّ انتهى (^١).
٥ - (أسامة بن زيد) الصحابي ابن الصحابي - ﵄ - ٩٦/ ١٢٠. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف، ورجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو ثقة، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم، وأن صحابيه حبُّ رسول - ﷺ - وابن حِبِّه - ﵄ -. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) النهديّ وفي رواية للبخاري في أواخر "الطبّ" من طريق شعبة، عن عاصم، قال: سمعت أبا عثمان (قَالَ: حَدَّثَنى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) الصحابيّ ابن الصحابيّ، حبّ رسول اللَّه - ﷺ -، وابن حبّه - ﵁ -، تقدمت ترجمته في ٩٦/ ١٢٠ (قَالَ: أَرْسَلَتْ بِنْتُ النَّبِيِّ - ﷺ -) هي زينب، كما وقع في رواية أبي معاوية، عن عاصم المذكور في "مصنّف بن أبي شيبة، وكذا ذكره ابن بشكوال (^٢) (إِلَيْهِ، أَنَّ ابْنًا لِي) قيل: هو علي بن أبي العاص بن الربيع، وهو من زينب، كذا كتب الدمياطيّ بخطه في "الحاشية".
قال الحافظ: وفيه نظر (^٣)، لأنه لم يقع مسمّى في شيء من طرق هذا الحديث، وأيضًا فقد ذكر الزبير بن بكّار وغيره، من أهل العلم بالأخبار أن عليّا المذكور عاش حتى ناهز الحُلُم، وأن النبي - ﷺ - أردفه على راحلته يوم فتح مكة، ومثل هذا لا يقال:
في حقه صبي عرفا، وإن جاز من حيث اللغة.
قال: ووجدت في "الأنساب" للبلاذريّ أن عبد اللَّه بن عثمان بن عفّان من رقية بنت
_________________
(١) - انظر "السنن الكبرى" ج ١ ص٦١٣.
(٢) - انظر "عمدة القاري" ج ٦ ص ٤٣٨.
(٣) - تعقّب العينيّ تعقّب الحافظ على الدمياطيّ، فانظر كلامه في "عمدة القاري" ج ٦ ص ٤٣٨ - ٤٣٩.
[ ١٨ / ٣٣٥ ]
النبي - ﷺ - لَمّا مات وضعه النبي - ﷺ - في حجره، وقال: "إنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء".
وفي "مسند البزّار" من حديث أبي هريرة، قال: ثقل ابن لفاطمة، فبعثت إلى النبي - ﷺ -، فذكر نحو حديث الباب، وفيه مراجعة سعد بن عبادة في البكاء، فعلى هذا، فالابن المذكور محسن بن عليّ بن أبي طالب، وقد اتفق أهل العلم بالأخبار أنه مات صغيرًا، في حياة النبي - ﷺ -، فهذا أولى أن يفسّر به الابن إن ثبت أن القصّة كانت لصبيّ، ولم يثبت أن المرسلة زينب، لكن الصواب في حديث الباب أن المرسلة زينب، وأن الولد صبيّة، كما ثبت في "مسند أحمد"، عن أبي معاوية، بالسند المذكور، ولفظه: "أُتِي النبيُّ - ﷺ - بأمامة بنت زينب"، زاد سعدان بن نصر في الثاني من حديثه، عن أبي معاوية بهذا الإسناد: "وهي لأبي العاص بن الربيع، ونفسها تقعقع، كأنها في شنّ"، فذكر حديث الباب، وفيه مراجعة سعد بن عبادة، وهكذا أخرجه أبو سعيد بن الأعرابيّ في "معجمه"، عن سعدان، ووقع في رواية بعضهم "أُمينة" بالتصغير، وهى أمامة المذكورة، فقد اتفق أهل العلم بالنسب أن زينب لم تلد لأبي العاص إلا عليّا، وأمامة فقط.
وقد استُشكِل ذلك، من حيث إن أهل العلم بالأخبار اتفقوا على أن أمامة بنت أبي العاص من زينب بنت النبي - ﷺ -، عاشت بعد النبي - ﷺ -، حتى تزوجها علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة، ثم عاشت عند عليّ حتى قُتل عنها.
ويجاب بأن المراد في حديث الباب: "أن ابنا لي قُبض"، أي قارب أن يُقبض، ويدلّ على ذلك أن في رواية حماد: "أرسلت تدعوه إلى ابنها في الموت"، وفي رواية شعبة: "أن ابنتي قد حُضِرَت"، وهو عند أبي داود من طريقه: "أن ابني"، أو "ابنتي"، وقد قدّمنا أن الصواب قول من قال: "ابنتي"، لا "ابني".
ويؤيدّه ما رواه الطبرانيّ في ترجمة عبد الرحمن بن عوف، في "المعجم الكبير" من طريق الوليد ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جدّه، قال: "استُعِزَّ بأمامة بنت أبي العاص، فبَعَثَت زينب بنت رسول اللَّه - ﷺ - إليه، تقول له … "، فذكر نحو حديث أسامة، وفيه مراجعة سعد في البكاء، وغير ذلك. وقوله في هذه الرواية: "استُعِزّ" -بضم المثناة، وكسر المهملة، وتشديد الزاي-: أي اشتدّ بها المرض، وأشرفت على الموت.
قال: والذي يظهر لي أن اللَّه تعالى أكرم نبيّه - ﷺ - لَمَا سَلَّمَ لأمر ربه، وصبّر ابنته، ولم يملك مع ذلك عينيه من الرحمة، والشفقة، بأن عافى اللَّه ابنة ابنته في ذلك الوقت،
[ ١٨ / ٣٣٦ ]
فخَلَصَت من تلك الشدّة، وعاشت تلك المدّة، وهذا ينبغي أن يُذكَر في دلائل النبوّة، واللَّه المستعان انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر في أن الجمع بين هذه الروايات بتعدد الواقعة أولى، من تخطئة الرواية الصحيحة، فالصواب في حديث الباب أن المحتضر "ابن"، لا "ابنة"، كما هو نصّ حديث الباب.
ثم رأيت القسطلاّنيّ نقل عن البرماويّ بأنه جمع بين ذلك باحتمال تعدد الواقعة في بنت، أو بنتين، أرسلت زينب في عليّ، أو أمامة، أو رقيّةُ في عبد اللَّه بن عثمان، أو فاطمة في ابنها محسن بن عليّ انتهى (^٢). واللَّه تعالى أعلم.
(قُبِضَ) بالبناء للمفعول، أي قرب من أن يُقبض، أي هو في حالة القبض، ومعالجة الروح، فأطلق القبض مجازًا، باعتبار أنه في حالة كحالة النزع (فَأْتِنَا، فَأَرْسَلَ، يَقْرَأ) بفتح الياء (السَّلَامَ) بالنصب مفعول، ومتعلِّقُهُ محذوف: أي عليها، لأنه يتعدى إلى المفعول الثاني بـ "على". يقال: قرأت على زيد السلامَ، أقرؤه عليه، قراءةً، وإذا أمرت منه قلتَ: اقْرَأْ - ﵇ -، قال الأصمعيّ: وتعديته بنفسه خطأ، فلا يقال: اقْرَأْه السلامَ، لأنه بمعنى اتلُ عليه، وحكَى ابن القطّاع أنه يتعدّى بنفسه، رباعيًا، فيقال: فلان يُقرِئك السلامَ. قاله في "المصباح". ورواية البخاريّ "يُقرىء" بضم الياء، وجملة "يقرأ" حال من فاعل "أرسل" (وَيَقُولُ) تسليةً لها (إِنَّ لِلهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى) أي فلا حيلة إلا الصبر، وقدّم ذكر الأخذ على الإعطاء، وإن كان متأخرًا في الواقع، لأن المقامَ يقتضيه، والمعنى أن الذي أراد أن يأخذه هو الذي كان أعطاه، فإن أخذه أخذ ما هو له، فلا ينبغي الجزع، لأن مُستَودَعَ الأمانة لا ينبغي له أن يجزع إذا استعيدت منه. ويحتمل أن يكون المراد بالإعطاء إعطاء الحياة لمن بقي بعد الميت، أو ثوابهم على المصيبة، أو ما هو أعمّ من ذلك. أفاده في "الفتح".
وقال النووي -﵀-: قوله: "إن للَّه ما أخذ": معناه الحثّ على الصبر، والتسليم لقضاء اللَّه تعالى، وتقديره أن هذا الذي أُخذ منكم كان له، لا لكم، فلم يأخذ إلا ما هو له، فينبغي أن لا تَجزَعوا، كما لا يجزع من استُرِدّت منه وديعةٌ أو عاريةٌ.
وقوله: "وله ما أعطى": معناه: أن ما وهبه لكم ليس خارجًا عن ملكه، بل هو ﷾ يفعل فيه ما يشاء. انتهى (^٣).
_________________
(١) - "فتح" ج ٣ ص ٥٠٢ - ٥٠٣.
(٢) - "إرشاد الساري" ج ٢ ص ٤٠١ ..
(٣) - "شرح مسلم" ج ٦ ص ٤٦٤.
[ ١٨ / ٣٣٧ ]
ولفظ "ما" في الموضعين مصدريّة، أي إن للَّه الأخذ والإعطاء، ويحتمل أن تكون موصولة، والعائد محذوف للدلالة على العموم، فعلى الأول التقدير إن للَّه الأخذَ والإعطاءَ، أي أخذ الأولاد، وإعطاءهم، أو ما هو أعمّ من الأولاد، وعلى الثاني إن للَّه الذي أخذه من الأولاد، وله الذي أعطى منهم، أو ما هو أعمّ من ذلك.
(وَكُلُّ شَيْء) أي من الأخذ والإعطاء، أو من الأنفس، أو ما هو أعمّ من ذلك (عِنْدَ اللَّهِ) تعالى (بِأَجَلِ مُسَمَّى) أي مقدّر بأجل معلوم، و"الأجل" يطلق على الحدّ الأخير، وعلى مجموع العمر. وفي نسخة "وكلٌ عنده بأجل مسمّى".
وقال النووي -﵀-: معنى قوله: "وكل شيء عنده بأجل مسمى": اصبروا، ولا تجزعوا، فمن كل من مات قد انقضى أجله المسمى، فمحال تقدّمه أو تأخّره عنه، فإذا علمتم هذا كله فاصبروا، واحتسبوا ما نزل بكم. وهذا الحديث من قواعد الإسلام المشتملة على جُمَل من أصول الدين، وفروعه، والآداب. واللَّه أعلم انتهى بتصرّف (^١). (فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ) أي تنوي بصبرها طلب الثواب من ربها، ليُحْسَبَ لها ذلك من عملها الصالح (فأرْسَلَتْ إِلَيهِ) أي أرسلت ابنة النبيّ - ﷺ - إليه مرةً أخرى (تُقْسِمُ عَلَيْهِ) بضمّ التاء، من الإقسام، والجملة في محلّ نصب على الحال، ووقع في حديث عبد الرحمن ابن عوف عند الطبرانيّ أنها راجعته مرتين، وأنه إنما قام في ثالث مرة، وكأنها ألَحَّت عليه في ذلك دفعًا لما يظنه بعض أهل الجهل أنها ناقصة المكانة عنده، أو ألهمها اللَّه تعالى أن حضور نبيه - ﷺ - عندها يدفع عنها ما هي فيه من الألم ببركة دعائه، وحضوره، فحقّق اللَّه ظنها (^٢).
والظاهر أنه امتنع أوّلًا مبالغة في إظهار التسليم لربه، أو ليبيّن الجواز في أن من دُعي لمثل ذلك لم تجب عليه الإجابة، بخلاف الوليمة مثلًا (لَيأْتِيَنَّهَا) بفتح اللام، ونون التأكيد المشددة، والجملة جواب القسم (فَقَامَ) - ﷺ - (وَمعه) الواو للحال أي: والحال أن مع النبي - ﷺ - (سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بنُ جَبَلِ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرِجَال آخرون) ذُكر منهم في غير هذه الرواية عبادةُ بن الصامت، وأَسامة بن زيد، راوي الحديث، وعبد الرحمن بن عوف (فَرُفِعَ) بالبناء للمفعول، قال في "الفتح": كذا هنا بالراء، وفي رواية حماد "فدُفع" بالدال، وبين في رواية شعبة أنه وُضع في حجره - ﷺ -، قال: وفي هذا السياق حذف، والتقدير: فمشوا، إلى أن وصلوا إلى بيتها، فاستأذنوا،
_________________
(١) - المصدر المذكور.
(٢) فيه أن ولدها شفي من مرضه.
[ ١٨ / ٣٣٨ ]
فأُذن لهم، فدخلوا، فرُفِع، ووقع بعض هذا المحذوف في رواية عبد الواحد، ولفظه:
"فلما دخلنا، ناولوا رسول اللَّه - ﷺ - الصبيّ … (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الصَّبِيُّ) أي وضع في حجره - ﷺ - (وَنَفْسُهُ) أي روحه (تَتَقَعْقَعُ) وفي نسخة "تقعقع" بحذف إحدى التاءين، أي تضطرب، وتتحرّك، ولا تثبت على حالة واحدة، كذا في "النهاية". والجملة في محلّ نصب على الحال من "الصبيّ".
وزاد في رواية للبخاري بعد قوله: "ونفسه تتقعقع": ما لفظه: "قال: حسبت كأنها شَنّ"، ولفظه في رواية: "ونفسه تقعقع، كأنها في شنّ". قال في "الفتح": والقعقعة صوت الشيء اليابس إذا حُرّك، والشّنّ بفتح المعجمة، وتشديد النون: القِرْبة الخَلَقَة اليابسة، وعلى الرواية الثانية شبّه البدن بالجلد اليابس الخَلَق، وحركةَ الروح فيه بما يُطرح في الجلد من حصاة ونحوها، وأما الرواية الأولى، فكأنه شبّه النفس بنفس الجلد، وهو أبلغ في الإشارة إلى شدة الضعف، وذلك أظهر في التشبيه انتهى (^١).
(فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) أي سألت بالدموع عينا رسول اللَّه - ﷺ - (فَقَالَ سَعْدٌ) أي ابن عبادة المتقدّم، ووقع في رواية ابن ماجه من طريق عبد الواحد: "فقال عبادة بن الصامت"، والصواب ما في "الصحيح". قاله في "الفتح" (يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا؟) أي أيّ شيء هذا البكاء الذي نشاهده منك؟. وفي رواية للبخاريّ: "فقال سعد بن عبادة: أتبكي؟ "، وزاد أبو نعيم في "المستخرج": وتنهى عن البكاء" (قَالَ) - ﷺ - (هَذَا رَحْمَةٌ) أي هذا الدمع الذي تراه أثر رحمه من اللَّه تعالى، وللبخاري: "هذه رحمة"، أي الدمعة.
(يَجْعَلُهَا اللَّهُ، فِي قُلُوب عِبَادِهِ) أي أن الذي يَفيض من الدمع من حزن القلب بغير تعقد من صاحبه، ولا استدعاء منه، لا مؤاخذة عليه، وإنما المنهي عنه الجزع، وعدم الصبر.
وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: "قوله: "هذه رحمة": أي هذه رقّة يجدها الإنسان في قلبه، تبعثه على البكاء من خشية اللَّه، وعلى أفعال البرّ والخير، وعلى الشفقة على المبتلَى والمُصاب، ومن كان كذلك جازاه اللَّه برحمته، وهو المعنيّ بقوله - ﷺ -: "إنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء"، وضدّ ذلك القسوة في القلوب الباعثةُ على الإعراض عن اللَّه تعالى، وعن أفعال الخير، ومن كان كذلك قيل فيه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الزمر: ٢٢] انتهى (^٢).
وقال النووي -﵀-: قوله: "ففاضت عيناه، فقال له سعد: ما هذا؟ الخ": معناه:
_________________
(١) - "فتح" ج ٣ ص ٥٠٤.
(٢) - "المفهم" ج ٣ ص ٥٧٥ - ٥٧٦.
[ ١٨ / ٣٣٩ ]
أن سعدًا - ﵁ - ظنّ أن جميع أنواع البكاء حرام، وأن دمع العين حرامٌ، وظنّ أن النبيّ - ﷺ - نسي، فذكّره، فأعلمه النبي - ﷺ - أن مجرّد البكاء، ودمع العين، ليس بحرام، ولا مكروه، بل هو رحمة، وفضيلة، وإنما المحرّم النوح، والندب، والبكاء المقرون بهما، أو بأحدهما انتهى (^١) (وَإِنَّمَا يَرحَمُ اللَّهُ مِن عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) وفي رواية للبخاريّ في "كتاب الطبّ": "ولا يرحم اللَّه من عباده إلا الرحماء".
و"مِنْ" في قوله: "من عباده" بيانية، وهي حال من المفعول، وهو "الرحماء"، وقُدِّم عليه ليكون أوقع.
و"الرحماء": جمع رحيم، وهو من صيغ المبالغة، ومقتضاه أن رحمة اللَّه تختصّ بمن اتصف بالرحمة، وتحقّق بها، بخلاف من فيه أدنى رحمة، لكن ثبت في حديث عبد اللَّه ابن عمرو، عند أبي داود وغيره: "الراحمون يرحمهم الرحمن"، و"الراحمون" جمع راحم، فيدخل كلّ مَن فيه أدنى رحمة.
وقد ذكر الحربيّ مناسبة الإتيان بلفظ "الرحماء" في حديث الباب بما حاصله: أن
لفظ الجلالة دالّ على العظمة، وقد عُرف بالاستقراء أنه حيث ورد يكون الكلام مسوقًا للتعظيم، فلما ذُكر هنا ناسب ذكر من كثرت رحمته، وعظمته، ليكون الكلام جاريًا على نسق التعظيم، بخلاف الحديث الآخر، فإن لفظ الرحمن دالّ على العفو، فناسب أن يُذكر معه كلّ ذي رحمة، وإن قلّت، واللَّه تعالى أعلم، ذكره في "الفتح" (^٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أسامة بن زيد - ﵁ - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢٢/ ١٨٦٨ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ١٩٩٥ - وأخرجه (خ) ١٢٨٤ و٥٦٥٥ و٦٦٠٢ و٦٦٥٥ و٧٣٧٧ و٧٤٤٨ (م) ٩٢٣ (د) ٣١٢٥ (ف) ١٥٨٨ (أحمد) ٢١٢٨٢ و٢١٢٩٢. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو الحثّ على الاحتساب، والصبر عند نزول المصيبة. ومنها: مشروعيّة استحضار أهل الفضل، والصلاح عند المحتضر.
_________________
(١) - "شرح مسلم" ج ٦ ص ٤٦٤ - ٤٦٥.
(٢) - "فتح"ج ٣ ص ٥٠٤ - ٥٠٥.
[ ١٨ / ٣٤٠ ]
ليدعوا له، وجواز القسم عليهم لذلك. ومنها: جواز المشي إلى التعزية، والعيادة بغير إذن، بخلاف الوليمة. ومنها: جواز إطلاق اللفظ الموهم لما وقع على ما سيقع، وذلك حيث قالت: أن ابنًا لي قُبض، مبالغة في ذلك، لينبعث خاطر المسؤول في المجيء للإجابة إلى ذلك. ومنها: مشروعيّة إبرار القسم. ومنها: أَمْرُ صاحب المصيبة بالصبر قبل وقوع الموت ليقع، وهو مستشعر بالرضا، مقاومًا للحزن بالصبر. ومنها: إخبار من يُسْتَدْعَى بالأمر الذي يُسْتَدْعَى من أجله. ومنها: تقديم السلام على الكلام. ومنها: عيادة المريض، ولو كان مفضولًا، أو صبيًا صغيرًا. ومنها: أن أهل الفضل لا ينبغي أن يَقطعوا الناس عن فضلهم، ولو رَدُّوا أول مرّة. ومنها: استفهام التابع من إمامه عما أشكل عليه، مما يتعارض ظاهره. ومنها: حسن الأدب في السؤال، لتقديمه قوله: "يا رسول اللَّه" على الاستفهام. ومنها: الترغيب في الشفقة على خلق اللَّه، والرحمة لهم، والترهيب من قساوة القلب، وجمود العين. ومنها: جواز البكاء من غير نوح ونحوه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٦٩ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى».
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفيّ الحافظ الثبت [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (محمد بن جعفر) غُندر البصريّ المذكور قبل باب.
٣ - (شعبة) الإمام المشهور المذكور قبل باب.
٤ - (ثابت) بن أسلم البنانيّ البصريّ، ثقة عابد [٤] ٤٥/ ٤٧.
٥ - (أنس) بن مالك - ﵁ - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف، وأنه مسلسل بالبصريين، وفيه "عمرو بن عليّ" الفلّاس، أحد مشايخ السنة الذين رووا عنهم بلا واسطة، وفيه ثابت من ألزم الناس لأنس - ﵁ -، لزمه أربعين سنة، وفيه أنس أحد المكثرين السبعة روى (٢٢٨٦) حديثًا، وأنه آخر من مات من الصحابة - ﵃ - كل بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ ثَابِتٍ) البنانيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) - ﵁ - (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى) مبتدأ وخبر، وفي رواية للشيخين: "عند أول صَدْمة". وهي مرّة من الصدم، وهو ضرب الشيء الصلب بمثله، ثم استعمل في كلّ مكروه حصل
[ ١٨ / ٣٤١ ]
بغتة، والمعنى: أن الصبر الكامل الذي يُحمَد عليه صاحبه، ويثاب عليه فاعله بجزيل الأجر ما كان منه عند مفاجاة المصيبة، بخلاف ما بعد ذلك، فإنه على مدى الأيام يسلو، وينسى.
وقال في "الفتح": المعنى: إذا وقع الثبات أولَ شيء يهَجُمُ على القلب، من مقتضيات الجَزَع، فذلك هو الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر، وأصل الصدم ضربك الشيء الصلب بمثله، فاستعير للمصيبة الواردة على القلب. وحكى الخطابي عن بعضهم: أن المرأ لا يؤجر على المصيبة لأنها ليست من صنعه، وإنما يؤجر على حسن تثبته، وجميل صبره. وقال ابن بطال: أراد أن لا يجتمع على المصاب مصيبة الهلاك، وفقد الأجر. انتهى (^١).
وهذا الحديث فيه قصَّةٌ، وقد ساقها البخاري في "صحيحه"، قال: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك، - ﵁ -، قال: مر النبي - ﷺ - بامرأة تبكي، عند قبر، فقال: "اتقي اللَّه، واصبري"، قالت: إليك عني (^٢)، فإنك لم تصب بمصيبتي (^٣)، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي - ﷺ -، فأتت باب النبي - ﷺ -، فلم تجد عنده بوَّابِين، فقالت: لم أعرفك، فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى".
قال الطبيبي -﵀-: صدر هذا الجواب منه - ﷺ - من قولها: لم أعرفك على أسلوب حكيم، كأنه قال لها: دعي الاعتذار، فإن من شِيمَتي أن لا أغضب إلا للَّه، وانظري لنفسك.
وقال الزين ابن المنيّر: فائدة جواب المرأة بذلك أنها لما جاءت طائعة لما أمرها به من التقوى والصبر، معتذرةً عن قولها الصادر عن الحزن بيّن لها أن حقّ هذا الصبر أن يكون في أول الحال، فهو الذي يترتّب عليه الثواب. انتهى.
قال الحافظ: ويؤيده أن في رواية أبي هريرة: فقالت: أنا أصبر، أنا أصبر. وفي مرسل يحيى بن أبي كثير، فقهال: "اذهبي إليك، فإن الصبر عند الصدمة الأولى"، وزاد عبد الرزاق فيه من مرسل الحسن: "العَبْرة لا يملكها ابن آدم". انتهى (^٤). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) - "فتح" بتصرّف ج ٣ ص ٤٩٤ - ٤٩٥.
(٢) - اسم فعل، بمعنى ابعُد عني.
(٣) - وعند أبي يعلى من حديث أبي هريرة - ﵁ -، أنها قال: "يا عبد اللَّه إني أنا الحريّ الثكلى، ولو كنت مصابا عذرتني".
(٤) -"فتح"ج ٣ ص ٤٩٥.
[ ١٨ / ٣٤٢ ]
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
السألة الأولى: في درجته: حديث أنس - ﵁ - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرحه هنا -٢٢/ ١٨٦٩ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ١٩٩٦ وأخرجه (خ) ١٢٨٣ و١٣٠٢ و٧١٥٤ (م) ٩٢٦ و٩٨٧ (د) ٣١٢٤ (ت) ٩٨٨ (ق) ١٥٩٦ (أحمد) ١٢٨٦٠. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في ذكر الفوائد التي اشتمل عليها الحديث بطوله:
منها: ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو الأمر بالاحتساب، والصبر عند المصيبة، فإن قوله: "الصبر عند الصدمة الأولى" فيه الحثّ على التَغَلُّب على الجزع عند أول نزول المصيبة، واحتسابها على اللَّه تعالى. ومنها: ما كان عليه النبي - ﷺ - من التواضع والرفق بالجاهل. ومنها: مسامحة المصاب، وقبول اعتذاره. ومنها: أن القاضي لا ينبغي له أن يتخذ من يحجبه عن حوائج الناس. ومنها: أن من أُمِر بمعروف ينبغي له أن يقبل، ولو لم يعرف الآمر. ومنها. كونُ الجزع من المنهيات، لأمره - ﷺ - لها بالتقوى، مقرونا بالصبر. ومنها: الترغيب في احتمال الأذى عند بذل النصيحة، ونشر الموعظة. ومنها: أن المواجهة بالخطاب إذا لم تُصادف المنويَّ لا أثر لها، وبَنَى عليه بعضهم ما إذا قال: يا هند أنت طالق، فصادف عمرة، أن عمرة لا تطلق. ومنها: جواز زيارة القبور، سواء كان الزائر رجلًا، أو امرأةً، وسواء كان المزور مسلمًا أو كافرًا، لعدم الاستفصال في ذلك، قال النوويّ -﵀-: وبالجواز قطع الجمهور، وقال صاحب "الحاوي": لا تجوز زيارة قبر الكافر، وهو غلط انتهى وسيأتي اختلاف العلماء في زيارة القبور في بابه [١٠٠/ ٢٠٣٢و٢٠٣٣]، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٧٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِيَاسٍ، وَهُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، - ﵁ -، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -، وَمَعَهُ ابْنٌ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: «أَتُحِبُّهُ؟». فَقَالَ: أَحَبَّكَ اللَّهُ، كَمَا أُحِبُّهُ، فَمَاتَ، فَفَقَدَهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ؟ فَقَالَ: «مَا يَسُرُّكَ، أَنْ لَا تَأْتِيَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، إِلاَّ وَجَدْتَهُ، عِنْدَهُ يَسْعَى، يَفْتَحُ لَكَ».
رجال هذا الإسناد: خمسة.
١ - (يحيى) بن سعيد القطان البصريّ الإمام الحجة [٩] ٤/ ٤.
٢ - (معاوية بن قرّة) بن إياس بن هلال المزنيّ، أبو إياس البصريّ، ثقة عالم [٣].
وثقه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ، وابن سعد، وابن حبّان، وقال: كان من
[ ١٨ / ٣٤٣ ]
عقلاء الرجال. وقال مطر الأعنق، عن معاوية بن قرّة: لقيت من الصحابة كثيرًا، منهم خمسة وعشرون من مزينة. مات سنة (١١٣) وهو ابن (٧٦) سنة. قال أبو زرعة: معاوية بن قرة عن عليّ مرسل. وقال أبو حاتم: لم يلق ابن عمر. وقال الشافعيّ: روايته عن عثمان منقطعة. أخرج له الجماعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: هذا، وقد كرره مرتين، و٢٦١٠ حديث: "ابن أخت القوم من أنفسهم و٣٢٢٧ حديث: "تزوجوا الولود الودود … ".
٣ - (أبوه) قرة بن إياس بن هلال بن رئاب المزنيّ، أبو معاوية البصريّ، صحابيّ روى عن النبي - ﷺ -، وعنه ابنه معاوية. قال ابن عبد البرّ: سكن البصرة، ولم يرو عنه غير ابنه، ويقال له: قرة بن الأغرّ، قتل في حرب الأزارقة مع عبد الرحمن بن عُبيس في زمن معاوية - ﵁ -. قال الحافظ: وقد أرخه ابن سعد، وخليفة، وأبو عروبة، وابن حبّان، وغيرهم سنة (٦٤) فيكون ذلك في زمن معاوية بن يزيد بن معاوية، وذكره ابن سعد في طبقات الخندقيين. انتهى. علّق له البخاريّ أثرًا، وأخرج له في "الأدب المفرد"، والأربعة، وله عند المصنّف هذا الحديث فقط، وقد أعاده برقم ٢٠٨٨. والباقيان تقدما في السند الماضي.
وقوله: "أحبك اللَّه الخ" دعاء للنبي - ﷺ - بزيادة محبّة اللَّه له، كما يحب هو ولده، وأراد بذلك أنه يحبّ ولده حبّا شديدًا، بلغ الغاية، بحيث إنه يَطلَب أن يحب اللَّه تعالى النبي - ﷺ - مثله، أي في بلوغ الغاية، وإلا فشتان بين المحبتين.
وقوله: "ففقده" أي فقد النبي - ﷺ - ذلك الرجل، كما تدلّ عليه الرواية الآتية في "باب التعزية"، ويحتمل أن يكون المراد الابن، والأول أظهر.
وقوله: "فقال ما يسرك الخ" مرتب على محذوف، أي فلقيه، فقال له الخ. وقوله: "ما يسرك" بتقدير همزة الاستفهام، أي أما يسرّك الخ. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث صحيح، وسيأتي مطوّلًا في "باب التعزية"-١٢٠/ ٢٠٨٨ - وسيأتي تمام شرحه، وبيان مسائله هناك، إن شاء اللَّه تعالى، ومطابقته للباب واضحة، إذ فيه الحثّ على احتساب الأجر، والأمر بلاصبر على المصيبة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١٨ / ٣٤٤ ]