قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بيان كيفية القعود لمن يصلي قاعدًا، وهي أن يجلس متربّعًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٦٦١ - أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا، قَالَ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا، رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ، غَيْرَ أَبِي دَاوُدَ، وَهُوَ ثِقَةٌ، وَلَا أَحْسِبُ هَذَا الْحَدِيثَ إِلاَّ خَطَأً، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هارون بن عبد اللَّه) أبو موسى الحمّال البغداديّ، ثقة [١٠] ٥٠/ ٦٢.
٢ - (أبو داود الحَفَريّ) عُمر بن سَعْد بن عُبيد الكوفيّ، ثقة عابد [٩] ١٥/ ٥٢٣.
٣ - (حفص) بن غِياث بن طَلْق النخعيّ الكوفيّ، ثقة فقيه تغير قليلًا بآخره [٨] ٨٦/ ١٠٥.
٤ - (حميد) الطويل البصريّ، ثقة مدلس [٥] ٨٧/ ١٠٨.
[تنبيه]: كون حميد هذا هو الطويل هو الذي صرح به المصنف في "الكبرى"، وابن حبّان في "صحيحه"، والحاكم في "المستدرك"، لكن قال الحافظ المزّيّ في "تحفة الأشراف" ج ١١ ص ٤٤٢ و"تهذيب الكمال" ج ٧ ص ٣٧٤: إنه حميد بن طَرْخان، ونَفَى أن يكون حميدًا الطويل. وردّ عليه الحافظ مغلطاي بأن النسائيّ في "السنن الكبرى" رواية ابن الأحمر فسره بأنه الطويل. وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب" ج ٣ ص ٤٣: فرق ابن حبّان بين حُميد بن طرخان، وبين حُميد الطويل، في"الثقات"، وقد تقدم أن والد حميد الطويل، يقال له طرخان، وأن الطويل يروي عن عبد اللَّه بن شقيق، فالظاهر أنه هذا؛ إذ ليس في الرواية ما يدلّ على أنه غيره، لا سيما وفي "السنن الكبرى" رواية الأحمر، عن النسائيّ، عن هارون، عن أبي داود، عن حفص، عن حميد، وهو الطويل، فقوله: "وهو الطويل" يحتمل أن يكون من قول النسائي، أو من قول مَنْ فوقه، أو دونه، وهو الأشبه (^١)، ثم وجدت الحديث في "سنن البيهقيّ" من طريق
_________________
(١) - لم يذكر وجه كونه أشبه، والظاهر أن الأشبه كونه ممن فوقه بدليل ما وقع في "سنن البيهقي" و"صحيح ابن حبان " من غير طريق النسائيّ، فإنه يدلّ على أنه ممن فوق النسائي، فتأمل. واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٨ / ٥ ]
يوسف بن موسى، عن أبي داود الحَفَريّ، عن حفص، عن حميد الطويل، فتبيّن أنه هو. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كونه حميدًا الطويل هو الصواب؛ لاتفاق هؤلاء الأئمة: النسائيّ، وابن حبّان، والحاكم، والبيهقيّ عليه. واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (عبد اللَّه بن شقيق) العُقيليّ البصريّ، ثقة فيه نصب [٣] ١٧/ ١٥٤٤.
٦ - (عائشة) الصديقة بنت الصدّيق - رضي اللَّه تعالي عنهما - ٥/ ٥ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى - عنها من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، يُصَلِّي مُتَرَبِّعَا) فيه استحباب التربع لمن يصلي قاعدًا، وإلى ذلك ذهب أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وهو أحد القولين للشافعيّ، وذهب الشافعيّ في أحد قوليه إلى أنه يجلس مفترشًا، كالجلوس بين السجدتين، وحكى صاحب "النهاية" عن بعض المصنّفين أنه يجلس متورّكًا. وقال القاضي حُسين من الشافعية: إنه يجلس على فخذه اليسرى، وينصب ركبته اليمنى، كجِلْسة القارئ بين يدي المقرئ.
وهذا الخلاف إنما هو في الأفضل، وقد وقع الاتفاق على أنه يجوز له أن يقعد على أيّ صفة شاء، من القعود، لإطلاق الأحاديث المذكورة في الأبواب الثلاثة الماضية، وعمومها (^١).
(قَالَ: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -﵀- (لَا أَعْلَمُ أَحَدًا، رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ، غَيْرَ أَبِي دَاوُدَ) الحَفَريّ (وَهُوَ ثِقَةٌ، وَلَا أَحْسِبُ هَذَا الْحَدِيثَ إِلا خَطَأ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ) هكذا قال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "المجتبى": إن أبا داود تفرّد به، وأن الحديث خطأ، وليس في "الكبرى" الجزء الثاني (^٢)، ولفظه: "قال أبو عبد الرحمن: لا نعلم أحدًا روى
_________________
(١) - أفاده في "نيل الأوطار" ج ٤ ص ٣٧٠.
(٢) - ونقل محقق صحيح ابن حبان عن مغلطاي أنه قال: وزيادة "ولا أحسبه إلا خطأ" وقع في بعض نسخ "المجتبى"، وفي بعضها لم يزد على هذا -أي الذي في "الكبرى"-. فهذا يدلّ على أن نسخ "المجتبى" ليست متفقة بذكر قوله: "ولا أحسب هذا الحديث إلا خطأ". واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٨ / ٦ ]
هذا الحديث غير أبي داود، عن حفص". انتهى.
وقد اعتُرض عليه في ذلك، فقال الحافظ -﵀- بعد نقل كلام المصنّف: ما نصه: قد رواه ابن خُزيمة، والبيهقيّ من طريق محمد بن سعيد الأصبهانيّ بمتابعة أبي داود، فظهر أنه لا خطأ فيه، وروى البيهقيّ من طريق ابن عُيينة، عن ابن عجلان، عن عامر بن عبد اللَّه بن الزبير، عن أبيه: "رأيت رسول اللَّه - ﷺ - يدعو هكذا، ووضع يديه على ركبتيه، وهو متربّع جالس". ورواه البيهقيّ عن حميد، رأيت أنسًا يُصلي متربّعًا على فراشه. وعلقه البخاريّ. انتهى. هكذا نقله الشوكاني في "نيل الأوطار" ج ٤ ص ٣٦٩ - ٣٧٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا صحيح، وقد صححه الأئمّة: ابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم، وأقرّه الذهبي، وقد عرفت الجواب عما قاله المصنف من تفرد أبي داودا الحَفَريّ به بأنه لم ينفرد به، بل تابعه فيه محمد بن سعيد الأصبهاني، عن حفص بن غياث، عند الحاكم، والبيهقيّ، ومحمدُ بن سعيد هذا هو الملقّب بحمدان، وهو ثقة ثبت، فظهر بهذا أن الحديث صحيح، لا مطعن فيه. واللَّه تعالى أعلم.
وهو من أفراد المصنف، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا-٢٢/ ١٦٦١ - وفي "الكبرى" ٣٢/ ١٣٦٣ - وأخرجه ابن خزيمة ١٢٣٨، والحاكم ١/ ٢٧٥، وعنه البيهقيّ ٢/ ٣٠٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…