١٨٧١ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ (^١)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ شُعَيْبٍ، كَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، يُعَزِّيهِ بِابْنٍ لَهُ هَلَكَ، وَذَكَرَ فِي كِتَابِهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يُحَدِّثُ عَنْ جَدِّهِ، عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى لِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، إِذَا ذَهَبَ بِصَفِيِّهِ، مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، فَصَبَرَ، وَاحْتَسَبَ، وَقَالَ مَا أُمِرَ بِهِ، بِثَوَابٍ دُونَ الْجَنَّةِ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمر بن سعيد بن أبي حُسين) النوفليّ المكيّ، ثقة [٦] ١٠٤/ ١٣٦٥.
[تنبيه]: وقع في بعض نسخ "المجتبى" "عَمرو" بفتح العين، بدل عُمر بضمها، وهو تصحيف، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٢ - (عمرو بن شُعيب) بن محمد، صدوق [٥] ١٠٥/ ١٤٠.
٣ - (أبوه) شُعيب بن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو صدوق ثبت سماعه من جده [٣] ١٠٥/ ١٤٠.
٤ - (عبد اللَّه) بن عمرو بن العاص - ﵄ - ٨٩/ ١١١.
والباقيان تقدما في الباب الماضي. وعبد اللَّه: هو ابن المبارك. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن جده. (ومنها). أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن عبد اللَّه بن المبارك أنه (قال: أنبأَنا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) النوفلي (أَنَّ عَمْرَو بنَ شُعَيبٍ، كَتَبَ إِلَى عَبدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحمَنِ بْنِ أَبِي حْسَيْنٍ) بن الحارث بن عامر بن نوفل ابن عبد مناف النوفليّ المكيّ، وثقه أحمد، والنسائيّ، وأبو زرعة، والعجلي. وقال أبو حاتم: صالح. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال ابن عبد البرّ: ثقة عند الجميع، فقيه، عالم بالمناسك. وقال
_________________
(١) - سقط من بعض النسخ "ابن نصر".
[ ١٨ / ٣٤٥ ]
في "ت " ثقة عالم بالمناسك من الخامسة. انتهى. روى له الجماعة. وهو ابن عمّ عمر الراوي المذكور (يُعَزِّيهِ) حال من الفاعل، يقال: عزّيته تعزيةً: قلت له: أحسن اللَّه عزاءك، أي رزقك الصبر الحسن. قاله في "المصباح" (بِابْنٍ لَهُ) الجار الأول متعلق بـ "يعزّي"، والثاني بصفة لـ"ابن" (هَلَكَ) أي مات (وَذَكَر) وفي بعض النسخ: "فذكر" بالفاء: أي ذكر عمرو (فِي كِتَابِهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ) شعيبًا (يُحَدِّثُ عَنْ جَدِّهِ، عَبدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ) بجرّ "عبد اللَّهَ" بدلًا من "جده" (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "إِن اللَّهَ لَا يَرْضَى لِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، إِذَا ذَهَبَ بِصَفِيِّهِ) أي قبض صفيّه، و"الصفيّ" بفتح الصاد المهملة، وكسر الفاء، وتشديد التحتانيّة: هو الحبيب المصافَى، كالولد، والأخ، وكلِّ من يُحبّه الإنسان، قال في "النهاية": صَفِيّ الرجل الذي يُصافيه الودَّ، ويُخلصه له، فَعيل بمعنى فاعل، أو مفعول انتهى (^١).
(مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ) متعلق بصفة لـ"صفيّه" (فَصَبَرَ) على ذلك (وَاحْتَسَبَ) أي ادّخر أجره عند اللَّه تعالى، وأصل الحسبة الأُجْرة، والاحتساب طلب الأجر من اللَّه تعالى (وَقَالَ مَا أُمِرَ بهِ) في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٦]، وإنما قال: "ما أُمر به"، وإن كان ظاهر الآية إخبارًا، وليس أمرًا، إشارةً إلى أن المقصود بالإخبار هنا الأمر، واللَّه تعالى أعلم.
وفي بعض النسخ: "وقال: ما أرضى له" بدل "وقال: ما أمر به"، والظاهر أنه تصحيف. واللَّه تعالى أعلم.
وقال الأبّيّ: يحتمل أن الأمر بوحي في غير القرآن، ويحتمل أن الأمر مفهوم من الثناء على قائل ذلك، لأن المدح على الفعل يستلزم الأمر به. وقال الباجيّ: لم يُرد لفظ الأمر بهذا القول، لأنه إنما ورد القرآن بتبشير من قاله، والثناء عليه، ويحتمل أن يُشير إلى غير القرآن، فيخبر - ﷺ - عن أمر الباري لنا بذلك. وقال الطيبيّ: فإن قلت: أين الأمر في الآية؟ قلت: لما أمره بالبشارة، وأطلقها ليعمّ كلّ مبشَّر به، وأخرجه مخرج الخطاب، ليعمّ كل أحد نَبَّهَ على تفخيم الأمر، وتعظيم شأن هذا القول، فنبّه على كون القول مطلوبًا، وليس الأمر إلا طلب الفعل. وقال القاري: والأقرب أن كلّ ما مَدَح اللَّه تعالى في كتابه من خصلة يتضمّن الأمر بها، كما أن المذمومة فيه تقتضي النهي عنها انتهى (^٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله القاري -رحمه اللَّه تعالى- حسنٌ جدَّا،
_________________
(١) - "النهاية" ج ٣ ص ٤٠.
(٢) - انظر "المرعاة" ج ٥ ص ٩٠٣ - ١٣.
[ ١٨ / ٣٤٦ ]
واللَّه تعالى أعلم.
(بثَوَابٍ) متعلق بـ "يرضى" (دُونَ الْجَنَّةِ") متعلق بمحذوف صفة لـ"ثواب"، أي بثواب غيرِ اَلجنةَ، فجزاؤه الجنّة، أي دخولها أوّلًا، ويلزم منه مغفرة الذنوب أجمع، صغيرة، أو كبيرة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - ﵁ - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -٣٢/ ١٨٧١ - وفي "الكبرى" ٣٢/ ١٩٩٨ - وزاد في آخره: قال أبو عبدالرحمن: عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وهم ثلاثة إخوة: عمرو، وعُمَر، وشعيب، بنو شُعيب انتهى. واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ويشهد لحديث الباب ما أخرجه البخاري -رحمه اللَّه تعالى- من حديث أبي هريرة - ﵁ - في "كتاب الرقاق" من "صحيحه"، ولفظه:
٦٤٢٤ - حدثنا قتيبة، حدثنا يعقوب بن عبدالرحمن، عن عمرو، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه - ﷺ -، قال: "يقول اللَّه تعالى: ما لعبدي المؤمن، عندي جزاء، إذا قبضت صفيه، من أهل الدنيا، ثم احتسبه، إلا الجنة". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ثواب من صبر على المصيبة، واحتسب الأجر عند اللَّه تعالى. ومنها: ما كان عليه السلف من تعزية بعضهم بعضا إذا أصابته مصيبة، وما كانوا عليه من شدة الحرص على نشر السنة، ولو بالمكاتبة. ومنها: بيان فضل اللَّه تعالى على عبده المؤمن حيث يثيبه على قبض صفيه بثواب عظيم، ألا، وهو الفوز بدخول الجنة، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١٨ / ٣٤٧ ]