١٦٦٣ - أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارِ بْنِ بِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -يَعْنِي ابْنَ سُمَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدٌ -يَعْنِي ابْنَ وَاقِدٍ- عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «إِنَّ الَّذِي يَجْهَرُ بِالْقُرْآنِ، كَالَّذِي يَجْهَرُ بِالصَّدَقَةِ، وَالَّذِي يُسِرُّ بِالْقُرْآنِ، كَالَّذِي يُسِرُّ بِالصَّدَقَةِ».
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هارون بن محمد بن بكّار بن بلال) العامليّ الدمشقي، صدوق [١١] ١٢٨/ ١٠٩١.
٢ - (محمد بن سُميع) - مصغّرًا - هو محمد بن عيسى بن القاسم بن سُميع الدمشقي الأمويّ مولاهم، صدوق يخطئ، وُيدلّس، ورُمي بالقدر [٩].
روى عن حميد الطويل، وعبيد اللَّه بن عمر، وهشام بن عروة، وغيرهم. وعنه هارون بن محمد، والهيثم بن مروان، وهشام بن عمار، وغيرهم.
قال عثمان الدارميّ، عن دُحَيم: ليس من أهل الحديث، وهو قَدَريّ. وقال أبو حاتم: شيخ دمشقيّ، يُكتب حديثه، ولا يحتجّ به. وقال ابن شاهين: شيخ من أهل الشام ثقة. وقال ابن حبّان: هو مستقيم الحديث، إذا بَيَّن السماع في خبره، فأما خبره الذي روى عن ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب في مقتل عثمان، فلم يسمعه من ابن أبي ذئب، سمعه من إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبي ذئب، فدلّس عنه، وإسماعيل واه. وقال أبو داود: محمد بن عيسى ليس به بأس، إلا أنه كان يُتّهم بالقدر.
وقال الدارقطنيّ: ليس به بأس. وقال هشام بن عمّار: حدثنا محمد بن عيسى الثقة المأمون. وقال ابن عديّ: لا بأس به، وله أحاديث حسان، عن جماعة من الثقات، وهو حسن الحديث، والذي أُنكر عليه حديث مقتل عثمان، أنه لم يسمعه من ابن أبي ذئب.
وقال الحاكم أبو أحمد: مستقيم الحديث، إلا أنه روى عن ابن أبي ذئب حديثًا منكرًا، وهو حديث مقتل عثمان، ويقال: كان في كتابه: عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبي ذئب، فأسقطه، وإسماعيل ذاهب الحديث. مات سنة (٢٠٤) وقيل: (٢٠٦) وكان مولده سنة (١١٤). روى له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث برقم ١٦٦٣ و٣١٣٢ و٣١٥٩ و٣٩٦٦ و٤١٦٧ و٥١٧٦.
٣ - (زيد بن واقد) القرشيّ الدمشقيّ، ثقة [٦] ٢٩/ ٩٢٠.
٤ - (كثير بن مُرّة) الحضرميّ الحمصيّ، ثقة [٢] ١/ ٦٨٨.
[ ١٨ / ٩ ]
٥ - (عقبة بن عامر) الْجُهَنيّ الصحابيّ الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ١٠٨/ ١٤٤. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ كَثِيرِ بنِ مُرَّةَ) الحضرميّ -رحمه اللَّه تعالى- (أَن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ) الجهنيّ - ﵁ - (حَدَّثَهُم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: "إِنَّ الَّذِي يَجْهَرُ بِالْقُرْآنِ) ولفظه في "كتاب الزكاة" [٦٧/ ٢٥٦١]: "الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن، كالمسر بالصدقة" أي الذي يرفع صوته بقراءة القرآن (كَالَّذِي يَجهَرُ بِالصَّدَقَةِ) أي كالمعلن بالصدقة، وقد مدحه اللَّه تعالى بقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا﴾ الآية [البقرة: ٢٧١] (والَّذِي يُسِرُّ بِالْقُرْآنِ) أي يُخفي قراءته، ولا يجهر به (كَالَّذِي يُسِرُّ بِالصَّدَقَةِ") أي كالذي يُعطيها الفقراء سرًا، وقد فضّله اللَّه تعالى على إظهارها، بقوله: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٧١].
والحديث دليل على أن إخفاء القراءة أفضل من الجهر بها، كما أن إخفاء الصدقة أفضل من إعلانها، وذلك لقربه من الإخلاص، والسلامة من الرياء.
وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: الظاهر من الحديث أن السرّ أفضل من الجهر، كما
أشار إليه المصنّف، لكن الذي يقتضيه أمره - ﷺ - لأبي بكر، "ارفع من صوتك" أن الاعتدال في القراءة أفضل، فإما أن يُحمل الجهر في الحديث على المبالغة، والسرّ على الاعتدال، أو على أن هذا الحديث محمول على ما إذا كان الحال، تقتضي السرّ، وإلا فالاعتدال في ذاته أفضل، واللَّه تعالى أعلم انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث الذي أشار إليه السندي في قصة أبي بكر - ﵁ - هو ما أخرجه أبو داود في "سننه"، قال:
حدثنا موسى بن إسمعيل، حدثنا حماد، عن ثابت البناني، عن النبي - ﷺ - ح وحدثنا الحسن بن الصباح، حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد اللَّه بن رَبَاح، عن أبي قتادة، أن النبي - ﷺ -، خرج ليلة، فإذا هو بأبي بكر - ﵁ -، يصلي
_________________
(١) - "شرح السندي" ج ٣ ص ٢٢٥ - ٢٢٦.
[ ١٨ / ١٠ ]
يَخفض من صوته، قال: ومَرّ بعمر بن الخطاب، وهو يصلي، رافعا صوته، قال: فلما اجتمعا عند النبي - ﷺ -، قال: "يا أبا بكر مررت بك، وأنت تصلي تخفض صوتك"، قال: قد أسمعتُ مَن ناجيت، يا رسول اللَّه، قال: وقال لعمر: "مررت بك وأنت تصلي، رافعا صوتك"، قال: فقال: يا رسول اللَّه أُوقِظ الوَسْنَان، وأَطْرُد الشيطان.
زاد الحسن في حديثه: فقال النبي - ﷺ -: "يا أبا بكر، ارفع من صوتك شيئا" وقال لعمر: "اخفض من صوتك شيئا" (^١).
حدثنا أبو حَصِين بن يحيى الرازي، حدثنا أسباط بن محمد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، بهذه القصة، لم يذكر: فقال لأبي بكر: "ارفع من صوتك شيئا"، ولعمر: "اخفض شيئا"، زاد: "وقد سمعتك يا بلال، وأنت تقرأ من هذه السورة، ومن هذه السورة"، قال: كلام طَيِّبٌ، يجمع اللَّه تعالى بعضه إلى بعض، فقال النبي - ﷺ -: "كلكم قد أصاب" (^٢) .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عقبة بن عامر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا-٢٤/ ١٦٦٣ - وفي "الكبرى" ٣٦/ ١٣٧٤ - بالإسناد المذكور، وفي "كتاب الزكاة" [٦٧/ ٢٥٦١]- و"الكبرى" ٧٠/ ٢٣٤٢ - عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن بَحِير بن سَعْد، عن خالد بن مَعْدان، عن كَثير بن مرّة به. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) ١٣٣٣ (ت) ٢٩١٩ (أحمد) ٤/ ١٥١ و١٥٨ و٢٠١ (البخاري في خلق أفعال العباد) [٧١]. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف -﵀-، وهو بيان فضل إسرار القراءة على الجهر بها. ومنها: جواز الجهر بالقراءة، والإسرار بها، وإن كان الإسرار أفضل. ومنها: أن صدقة السرّ أفضل من صدة العلانية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
_________________
(١) - حديث صحيح.
(٢) - حديث صحيح.
[ ١٨ / ١١ ]