١٨٧٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عَمْرٌو، قَالَ: حَدَّثَنِي بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنِ احْتَسَبَ ثَلَاثَةً، مِنْ صُلْبِهِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ»، فَقَامَتِ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: أَوِ اثْنَانِ؟ قَالَ: «أَوِ اثْنَانِ». قَالَتِ الْمَرْأَةُ: يَا لَيْتَنِي قُلْتُ وَاحِدًا.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أحمد بن عمرو بن السَّرْح) المصريّ، ثقة [١٠] ٣٥/ ٣٩.
٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصريّ الحافظ الثقة [٩] ٩/ ٩.
٣ - (عمرو) بن الحارث بن يعقوب المصريّ، ثقة ثبت [٧] ٦٣/ ٧٩.
٤ - (بُكير بن عبد اللَّه) بن الأشجّ المدنيّ، ثم المصريّ، ثقة [٥] ١٣٥/ ٢١١.
٥ - (عمران بن نافع) المدنيّ، روى عن حفص بن عبيد اللَّه بن أنس، وعنه بُكير بن الأشجّ، ووثقه النسائيّ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، كما في "تت"، وقال في "ت": ثقة (^١) من [٧]. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (حفص بن عبيد اللَّه) بن أنس بن مالك، ويقال فيه: عبيد اللَّه بن حفص، ولا يصحّ، صدوق [٣].
قال أبو حاتم: لا يثبت له السماع إلا من جده. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: هو أحب إلي من حفص بن عمر، ولا ندري أسمع من جابر، وأبي هريرة أم لا؟، وذكره ابن حبّان في "الثقات". أخرج له الجماعة، سوى أبي داود، وله عند المصنف هذا الحديث فقط.
٧ - (أنس) بن مالك - ﵁ - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عمران. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى بكير. (ومنها): أن فيه رواية الكبير، عن الصغير، فبكير تابعيّ صغير، وعمران من تابع التابعين. (ومنها): أن
_________________
(١) - وقال في "التقريب": مقبول، والصواب أنه ثقة، فقد وثقه المصنف، وابن حبّان. فتنبّه.
[ ١٨ / ٣٤٨ ]
فيه رواية الراوي، عن جده، فأنس - ﵁ - جدّ لحفص. (ومنها): أن فيه أنسًا - ﵁ - أحد المكثرين، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: زاد في "الكبرى" بعد إخراج الحديث: ما نصه: قال أبو عبد الرحمن: بكير هو ابن عبد اللَّه بن الأشجّ، وهم ثلاثة إخوة: يعقوب، وبُكير، وعمَر، وأجلّهم، وأكثرهم حديثًا بُكير انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: "مَنِ احْتَسَبَ ثَلَاَثةً) أي صبر راضيًا بقضاء اللَّه تعالى، راجيًا فضله، ووقع التقييد بالاحتساب في هذا الحديث، ومثله حديث مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: "لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد، فتحتسبهم، إلا دخلت الجنّة … " الحديث، ولأحمد، والطبرانيّ، من حديث عُقبة بن عامر، رفعه: "من أَعْطَى ثلاثة من صلبه، فاحتسبهم على اللَّه، وجبت له الجنّة"، وفي "الموطإ" عن أبي النضر السلميّ، رفعه: "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، فيحتسبهم، إلا كانوا جُنّةً من النار … "، ولم يقع التقييد بالاحتساب في شىء من الأحاديث الآتية في الباب التالي.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وقد عرف من القواعد الشرعية أن الثواب لا يترتّب إلا على النيّة، فلا بدّ من قيد الاحتساب، والأحاديث المطلقة محمولة على المقيدة.
ولكن أشار الإسماعيليّ إلى اعتراض لفظيّ، فقال يقال في البالغ: احتسب، وفي الصغير: افترط انتهى. وبذلك قال الكثير من أهل اللغة، لكن لا يلزم من كون ذلك هو الأصل أن لا يستعمل هذا موضع هذا، بل ذكر ابن دُرَيد وغيره احتسب فلان بكذا: طلب أجرًا عند اللَّه، وهذا أعمّ من أن يكون لكبير، أو صغير، وقد ثبت ذلك في الأحاديث التي ذكرناها، وهي حجة في صحّة هذا الاستعمال انتهى (^٢).
(مِن صُلْبِهِ) أي من ظهره، قال الفيّومي -﵀-: الصُّلْب -أي بضم، فسكونه-: كلُّ ظهر له فَقَار، وتضمّ لامه للاتباع انتهى. وقال ابن منظور -﵀-: وكلُّ شيء من الظهر فيه فَقَارٌ، فذلك الصُّلْب -أي بضم، فسكون- والصَّلَب بالتحريك لغة فيه، وقال أيضًا: ويقال للظهر: صُلْبٌ، وصَلَبٌ، وصَالَبٌ -أي بفتح اللام- انتهى (^٣) وقيّد بالصلب
_________________
(١) - راجع "الكبرى" ج ١ ص ٦١٤.
(٢) - "فتح"ج ٣ ص ٤٥٦.
(٣) - راجع "المصباح المنير"، و"لسان العرب" في مادة "صلب".
[ ١٨ / ٣٤٩ ]
لإخراج أولاد الأولاد، سواء كانوا أولاد بنين، أو أولاد بنات (دَخَلَ الْجَنَّةَ") أي دخولا أوّليّا، ولا ينافيه ما سيأتي من استثناء تحلّة القسم، لما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى.
[تنبيه] قال الحافظ وليّ الدين -﵀-: ظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يكون شديد المحبة لأولاده، أو خفيفها، أو خاليا من محبتهم، أو كارها لهم، لأن الولد مظنة المحبة والشفقة، فنيط الحكم به، وإن تخلف في بعض الأفراد، وقد يحبّ الشخص بعض أقاربه، أو أصدقائه أكثر من محبة ولده، ومع ذلك فلم يَرِدْ ترتيب هذا الأمر على موت القريب والصديق، ولا على موت الأب والأمّ، لكن في "معجم الطبراني الأسط" بإسناد ضعيف، عن سهل بن حُنيف - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "من لم يكن له فَرَط لم يدخل الجنة إلا تصريدًا"، قال رجل: يا رسول اللَّه ما لكلنا فرط، قال: أو ليس من فرط أحدكم أن يفقد أخاه المسلم؟ ".
وقوله: "تصريدًا" بالصاد المهملة، أي قليلًا، وأصله السقي دون الرّيّ، ومنه صرّد له العطاء: قَلَّله انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله وليّ الدين ظاهر في حديث: "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، فتمسه النار إلا تحلّة القسم"، الآتي في الباب التالي، وأما حديث الباب فيفيد التقييد بالمحبة، حيث قال: "من احتسب"، لأن الاحتساب معناه الصبر راضيا بقضاء اللَّه تعالى، ولا يكون ذلك إلا حيث يتألم قلبه بمصيبته، وأما من مات له من لا يحبه، فلا يتصور منه الصبر عليه.
والحاصل أن تقييد الأحاديث المطلقة عن الاحتساب لا بد منه، كما تقدم التنبيه عليه في كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم.
(فَقَامَتِ امْرَأَةٌ) يحتمل أن تكون أمَّ سليم، وهي أمَّ أنس الراوي - ﵂ -، كما رواه الطبرانيّ بإسناد جيّد عنها، قالت: قال رسول اللَّه - ﷺ - ذات يوم، وأنا عنده: "ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة، لم يبلغوا الحلم، إلا أدخله الجنّة بفضل رحمته إياهم"، فقلت: واثنان؟ قال: "واثنان". وأخرجه أحمد، لكن الحديثَ دون القصّة، ووقع لأمّ مبشر الأنصارية أيضًا السؤال عن ذلك، فروى الطبرى أيضًا من طريق ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر: أن النبي - ﷺ - دخل على أم مبشر، فقال: "يا أم مبشّر، من مات له ثلاثة من الولد دخل الجنة"، فقلت: يا رسول اللَّه واثنان؟ فسكت، ثم قال: "نعم، واثنان"، وفي حديث جابر بن سمرة، أن أم أيمن ممن سأل عن ذلك، ومن حديث ابن
_________________
(١) -"طرح التثريب"ج ٣ ص ٢٤٦ - ٢٤٧.
[ ١٨ / ٣٥٠ ]
عباس أن عائشة أيضًا منهنّ، وحكى ابن بشكوال أن أم هانىء أيضًا سألت عن ذلك.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ويحتمل أن يكون كلّ منهن سأل عن ذلك في ذلك المجلس، وأما تعدد القصّة ففيه بُعْدٌ، لأنه - ﷺ - لما سئل عن الاثنين بعد ذكر الثلاثة، وأجاب بأن الاثنين كذلك، فالظاهر أنه كان أوحي إليه ذلك في الحال، وبذلك جزم ابن بطال وغيره، وإذا كان كذلك كان الاقتصار على الثلاثة بعد ذلك مستبعدًا جدًّا، لأن مفهومه يخرج الاثنين اللذين ثبت لهما ذلك الحكم بالوحي، بناء على القول بمفهوم العدد، وهو معتبر هنا، كما سيأتي البحث فيه، نعم في حديث جابر بن عبد اللَّه أنه ممن سأل عن ذلك، وروى الحاكم، والبزّار من حديث بُريدة أن عمر سأل عن ذلك أيضْا، ولفظه: "ما من امرىء، ولا امرأة يموت له ثلاثة أولاد إلا أدخله اللَّه الجنة"، فقال عمر: يا رسول اللَّه واثنان؟ قال: "واثنان". قال الحاكم: صحيح الإسناد، وهذا لا بعد في تعدده، لأن خطاب النساء بذلك لا يستلزم علم الرجال به انتهى (^١).
(فَقَالَتْ: أَوِ اثْنَانِ؟) وفي رواية البخاريّ من حديث أبي سعيد الخدريّ: - ﵁ - قالت: واثنان؟، بالواو، أي أو إن مات اثنان، فما الحكم؟ وفي رواية مسلم: "واثنين" بالنصب (قَالَ: "أَوِ اثْنَانِ) أي أو إن مات اثنان، فالحكم كذلك.
ويحتمل أن يكون قوله: "أواثنان" معطوفًا على "ثلاثة"، ومثله يسمى العطف التلقينيّ، أي قل يا رسول اللَّه: أو اثنان، ونظيره قوله تعالى حكاية عن إبراهيم - ﵇ -: ﴿مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾. وارتضى هذا الوجه العينيّ -رحمه اللَّه تعالى- (^٢).
وقال في "الفتح": وهو ظاهر في التسوية بين حكم الثلاثة والاثنين، وقد تقدم النقل عن ابن بطال أنه محمول على أنه أوحي إليه بذلك في الحال، ولا بُعد أن ينزل عليه الوحي في أسرع من طرفة عين، ويحتمل أن يكون كان العلم عنده بذلك حاصلًا، لكنه أشفق عليهم أن يتّكلوا لأن موت الاثنين غالبًا أكثر من موت الثلاثة، كما وقع في حديث معاذ وغيره في الشهادة بالتوحيد، ثم لما سئل عن ذلك لم يكن بُدٌّ من الجواب. واللَّه
أعلم.
وقال ابن التين تبعًا لعياض -رحمهما اللَّه تعالى-: هذا يدلّ على أن مفهوم العدد ليس بحجة، لأن الصحابيّة من أهل اللسان، ولم تَعتبره، إذ لو اعتبرته لانتفى الحكم عندها عما عدا الثلاثة، لكنها جوّزت ذلك، فسألته.
قال الحافظ رحمه للَّهُ: كذا قال، والظاهر أنها اعتبرت مفهوم العدد، إذ لو لم تعتبره لم
_________________
(١) - "فتح" ج٣ ص ٤٥٩.
(٢) - عمدة القاري ج ٦ ص ٣٨٩.
[ ١٨ / ٣٥١ ]
تسأل، والتحقيق أن دلالة مفهوم العدد ليست يقينية، وإنما هي محتملة، ومن ثَمّ وقع السؤال عن ذلك.
وقال الحافظ ولي الدين -رحمه اللَّه تعالى-: ما حاصله: ثبت في الصحيح من غير وجه أنه قيل: يا رسول اللَّه، واثنان؟ فقال: "واثنان". ورَوَى الترمذيّ عن ابن عباس - ﵁ - أنه سمع رسول اللَّه - ﷺ - يقول: "من كان له فَرَطَان من أمتي أدخله اللَّه بهما الجنة"، فقالت عائشة: فمن كان له فَرَطٌ من أمتك؟ فقال: "ومن كان له فَرَطٌ يا موفّقة" قالت: فمن لم يكن له فرط من أمتك؟ قال: "أنا فَرَط أمتي، لن يُصابوا بمثلي". قال الترمذيّ: حسنٌ غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد ربه بن بارق، وقد رَوَى عنه غير واحد من الأئمة انتهى.
قال وليّ الدين: وعبد ربه هذا مختلف فيه، ضعفه ابن معين، والنسائيّ، وقال أحمد: ما به بأس، ووثقه ابن حبّان. ورَوَى الترمذيّ، وابن ماجه عن أبي عُبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود، عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "من قدّم ثلاثة، لم يبلغوا الحنث، كانوا له حصنًا حصينًا"، قال أبو ذرّ: قدمت اثنين، قال: "واثنين"، فقال أبيّ بن كعب، سيد القرّاء: قدّمت واحدًا، قال: "وواحدًا، ولكن إنما الصبر عند الصدمة الأولى". قال الترمذيّ: حسن غريب، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه.
ورُوي ذكرُ الواحد من حديث جماعة من الصحابة أيضًا، وهو محمول عند العلماء على أنه - ﷺ - أوحي إليه ذلك عند سؤالهم عن الاثنين، وعن الواحد إن صحّ، ولا يمتنع نزول الوحي عليه في أسرع من طرفة عين، كما في نزول قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] لما قام ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول اللَّه إني رجل ضرير البصر، فنزلت: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، هذا. على أن العلماء يختلفون في مفهوم العدد، هل هو حجة، أم لا، فمن لم يجعله حجة لا يحتاج إلى ذكر هذا الجواب، ويقول: ذكر هذا العدد لا ينافي حصول ذلك بأقل منه، بل ولو جعلناه حجة، فليس نصا قاطعًا، بل دلالته ضعيفة، يقدّم عليها غيرها عند معارضتها.
وقال أبو العباس القرطبيّ بعد ذكره نحو ما قلناه: ويحتمل أن يقال: إن ذلك بحسب شدة وجد الوالدة، وقوّة صبرها، فقد لا يبعد أن يكون مَن فَقَدت واحدًا، أو اثنين أشدّ ممن فقدت ثلاثة، أو مساوية لها، فتُلحَق بها في درجاتها.
قال ولي الدين: ظاهر الحديث حَمْلُ ذلك على كلّ فاقد اثنين، وعلى كلّ فاقد واحد، فالتقييد بشدّة الوجد الذي يصيّره كفاقد ثلاثة يحتاج إلى دليل.
وقال القاضي عياض: يحتمل أنه - ﷺ - قاله ابتداء لأتمّ الأشياء، لأن ثلاثًا أول الكثرة،
[ ١٨ / ٣٥٢ ]
فأخبرهم بذلك، لئلا يتكل من مات له ولد على ولده في شفاعته، وسكت عما وراءه، فلما سئل أَعْلَمَ بما عنده في ذلك، قال: وفى قولها: "أو اثنان" بعد ذكر النبي - ﷺ - ذلك في الثلاثة، وهي من أهل اللسان دليل على أن تعليق الحكم بعددٍ مّا لا ينافيه (^١) من جهة دليل الخطاب عما عداه من العدد، كان أقلّ، أو أكثر إلا بنصّ انتهى.
وقال أبو العباس القرطبي: إنما خصّ الولد بثلاثة، لأن الثلاثة أول مراتب الكثرة، فبعظم المصائب تكثر الأجور، فأما إذا زادت على الثلاثة، فقد يخفّ أجر المصيبة بالزائد، لأنها كأنها صارت عادة ودَيدَنا، كما قال المتنبي [من الكامل]:
أَنْكَرْتُ طَارِقَةَ الْحَوَادِثِ مَرَّةً … ثُمَّ اعْتَرَفْتُ بِهَا فَصَارَتْ دَيْدَنَا
وقَال آخر [من البسيط]:
رُوعْتُ بِالبَيْنِ حَتَّى مَا أُرَاعُ لَهُ … وَبِالْمَصَائِبِ فِي أَهْلي وَجِيرَانِي
ثم قال: ويحتمل أن يقال: إنما لم يذكر ما بعد الثلاثة لأنه من باب الأحرى والأولى، إذ من المعلوم أن مَن كثرت مصائبه كثر ثوابه، فاكتفى بذلك عن ذكره.
قال الحافظ ولي الدين: إذا جعلنا لمفهوم العدد دلالة، فدلالته في هذه الصورة في منع النقصان، لا في منع الزيادة، فإن من مات له أربعة، فبالضرورة قد مات له ثلاثة، فلا معنى لهذا الكلام الذي ذكره القرطبيّ، وإذا أخبر الصادق بأن من مات له ثلاثة لم يَلِجِ النارَ إلا تحِلَّةَ القسم، فمات لشخص ثلاثة، فحصلت له هذه البشرى، ثم مات له أربع انقطعت هذه البشرى بموت هذا الرابع، وصار على خطر دخول النار بعد تلك البشرى، وهَبْ أن حزنه بهذا الرابع خفيف لاعتياده المصائب، فهل يزيد ذلك على كونه لم تحدث له هذه المصيبة أصلًا، وكيف السبيل إلى إحباط ثواب ما مضى من المصائب بهذه المصيبة الرابعة، هذا ما لا يتخيّله ذو فهم، فإن فُرض أن الأربعة ماتوا دفعة واحدةَ كموت نفس واحدة على خلاف ما أجرى اللَّه تعالى العادة ترتبت البشرى بعدم دخول النار على موت ثلاثة، ويثيب اللَّه تعالى على موت الرابع بما يشاء، وقد دخلت هذه الصورة في هذا الحديث، لكونه صَدَقَ أنه مات له ثلاثة من الولد، واللَّه أعلم انتهى (^٢).
وقال الحافظ -﵀- بعد نقل كلام القرطبيّ المذكور: ما نصه: وهذا مصير منه إلى انحصار الأجر المذكور في الثلاثة، ثم في الاثنين، بخلاف الأربعة والخمسة، وهو جمود شديد، فإن من مات له أربعة، فقد مات له ثلاثة ضرورةً، لأنهم إن ماتوا دفعة
_________________
(١) - أي لا ينافي الحكم عما عدى العدد المعلق به ذلك الحكم.
(٢) - "طرح التثريب" ج ٣ ص ٢٤٣ - ٢٤٥.
[ ١٨ / ٣٥٣ ]
واحدة، فقد مات له ثلاثة وزيادة، ولا خفاء أن المصيبة بذلك أشدّ، وإن ماتوا واحدًا بعد واحد، فإن الأجر يحصل له عند موت الثالث بمقتضى وعد الصادق، فيلزم على قول القرطبيّ أنه إن مات له الرابع أن يرتفع عنه ذلك الأجر، مع تجدد المصيبة، وكفى بهذا فسادًا، والحقّ أن تناول الخبر الأربعةَ، فما فوقها من باب أولى، وأحرى، ويؤيد ذلك أنهم لم يسألوا عن الأربعة، ولا ما فوقها، لأنه كالمعلوم عندهم، إذ المصيبة إذا كثرت كان الأجر أعظم، واللَّه أعلم. انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تَعَقُّبُ الحافظين: ولي الدين وابن حجر على ما ذكره القرطبي فيما زاد على الثلاثة تعقب جميل، ومما يؤيده أنه قد ورد النصّ على الأربعة، فيما أخرجه الإمام أحمد في "مسنده"، ونصه:
١٧٤٠٣ - حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود، عن عبد اللَّه بن قيس، عن الحارث بن أُقَيش، قال: كنا عند أبي برزة ليلة، فحدث ليلتئذ، عن النبي - ﷺ -، أنه قال: "ما من مسلمين، يموت لهما أربعة أفراط، إلا أدخلهما اللَّه الجنة، بفضل رحمته"، قالوا: يا رسول اللَّه وثلاثة؟ قال: "وثلاثة"، قالوا: واثنان؟ قال: "واثنان" قال" "وإنّ من أمتي لمن يدخل الجنة بشفاعته مثل مضر"، قال: "وإن من أمتي، لمن يَعظُمُ للنار حتى يكون أحدَ زواياها". انتهى.
ورجاله إسناده ثقات، غير عبد اللَّه بن قيس، وقد وثقه ابن حبان، وجهله ابن المدينيّ، و"داود" هو ابن أبي هند، والحارث بن أقيش صحابيّ مقلّ. واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَتِ الْمَرأَةُ: يَا لَيْتَنِي قُلْتُ وَاحِدًا) أي سألت حكم موت واحد من الولد.
وهذا الحديث نصّ في كونه - ﷺ - لم يسأل عن حكم الواحد، ومثله ما أخرجه أحمد من طريق محمود بن لبيد، عن جابر، - ﵁ -، رفعه: "من مات له ثلاثة من الولد، فاحتسبهم دخل الجنة"، قلنا: يا رسول اللَّه، واثنان؟ قال: "واثنان"، قال محمود: قلت لجابر: أراكم لو قلتم: وواحد، لقال: وواحد؟ قال: وأنا واللَّه أظنّ ذلك".
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن عبد الرحمن بن الأصفهاني، قال: أتاني أبو صالح يُعَزّيني عن ابن لي، فأخذ يحدّثني عن أبي سعيد، وأبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: "ما من امرأة تدفِنُ ثلاثة أفراط، إلا كانوا لها حجابا من النار"، فقالت امرأة: يا رسول اللَّه قدمت اثنين، قال: "واثنين"، ولم تسأله عن الواحد انتهى.
_________________
(١) - "فتح" ج ٣ ص ٤٦٠.
[ ١٨ / ٣٥٤ ]
وقد تقدم حديث أبيّ بن كعب، وعائشة، وأم أيمن في سؤالهم عن الواحد، لكنها ليس في شيء من طرقها ما يصلح للاحتجاج بها، بل أحاديث عدم السؤال مقدمة عليها لصحتها.
لكن يشهد لأحاديث السؤال عن الواحد ما تقدم قبل باب من حديث معاوية بن قرّة، عن أبيه، في قصة الرجل الذي مات ولده، وفيه: "ما يسرّك أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنّة إلا وجدته عنده، يسعى، يفتح لك"، فإنه صريح في كون الولد الواحد كالثلاثة والاثنين، ويشهد لها أيضًا ما تقدم في الباب الماضي من حديث عبد اللَّه بن عمرو - ﵁ -، مرفوعًا: "إن اللَّه لا يرضى لعبده المؤمن إذا ذهب بصفيه من أهل الأرض … " الحديث، وهو عند البخاريّ في "كتاب الرقَاقِ" من حديث أبى هريرة - ﵁ -، بلفظ: "ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنة"، وهو أصحّ ما ورد في ذلك، كما قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-.
والحاصل أن أحاديث السؤال عن الولد الواحد، قويّة بما ذُكر لها من الشواهد، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس - ﵁ - هذا حديث صحيح.
فإن قلت: كيف يصحّ، وفيه عمران بن نافع، لم يرو عنه غير بكير بن عبد اللَّه؟. قلت: الحديث صححه ابن حبّان برقم -٢٩٤٣ - وعمران قد وثقه النسائيّ، وابن حبّان، ولحديثه هذا شواهد:
منها: حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول اللَّه - ﷺ - قال لنسوة من الأنصار: "لا يموت لإحداكنّ ثلاثة من الولد، فتحتسبه، إلا دخلت الجنة، فقالت امرأة منهنّ: أو اثنتين يا رسول اللَّه؟ قال: "أو اثنين". أخرجه مسلم ٨/ ٣٩، وأحمد ٢/ ٢٤٦ و٣٧٨.
ومنها: حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - مرفوعًا نحوه، وفيه: فقال رسول اللَّه - ﷺ -: "واثنين، واثنين، واثنين". أخرجه مسلم أيضا، وكذا البخاري ٣/ ٤٥٥ نسخة الفتح دون تكرار "واثنين". واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-٢٣/ ١٨٧٢ - وفي "الكبرى" ٢٣/ ١٩٩٩، وهو من أفراده -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه ابن حبّان في "صحيحه" ٢٩٤٣. واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٨ / ٣٥٥ ]
المسألة الثالثة: فى فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ثواب من احتسب ثلاثة من صلبه. ومنها: أن من احتسب اثنين، فهو كالثلاثة. ومنها: ما كان عليه الصحابيات من الحرص في معرفة أحكام الشرع، حيث إن هذه المرأة سألت عن الاثنين، ثم لما فاتها السؤال عن الواحد تأسفت على ذلك، فقالت: ياليتني قلت: واحدًا. ومنها: بيان فضل اللَّه تعالى على المسلمين، حيث جعل لهم الجنة عوضا عما يصيبهم من البلاء بموت أولادهم. ومنها: أن المصيبة بمن لم يبلغ الحلم أشدّ من غيره، فلذا كان الأجر عليه أعظم. ومنها: أن أولاد المسلمين في الجنّة، لأن من يكون سببا في حجب النار عن أبويه أولى بأن يُحجَبَ هو، لأنه أصل الرحمة، وسببها، بل جاء التصريح به في الحديث الأخير من الأحاديث الآتية في الباب التالى، ولفظه: "فيقال: ادخلوا الجنّة أنتم وآباؤكم". واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: كون أولاد المسلمين في الجنّة هو الذي عليه الجمهور، وتوقفت طائفة قليلة في ذلك:
قال النووي -﵀-: أجمع من يُعتدّ به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين، فهو من أهل الجنة، وتوقف فيه بعضهم، لما أخرجه مسلم عن عائشة - ﵁ -، قالت: أُتي رسول اللَّه - ﷺ -، بصبي من صبيان الأنصار، فصلى عليه، قالت عائشة: فقلت: طوبى لهذا، عصفور، من عصافير الجنة، لم يعمل سوءا، ولم يدركه، قال: "أو غير ذلك يا عائشة، خلق اللَّه -﷿- الجنة، وخلق لها أهلا، وخلقهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار، وخلق لها أهلا، وخلقهم في أصلاب آبائهم".
قال: والجواب عنه أنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير دليل، أو قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١٨ / ٣٥٦ ]