١٨٧٣ - أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ، يُتَوَفَّى لَهُ، ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ، لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ، إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ».
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يوسف بن حماد) الْمَعْنِيّ -بفتح الميم، وسكون المهملة، ثم نون، وتشديد الياء- أبو يعقوب البصريّ، ثقة [١٠].
وثقه النسائي، وابن حبّان، وأبو بكر البزّار، ومسلمة بن قاسم. قال ابن أبي عاصم: مات سنة (٢٤٥) روى عن مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه. وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، بوقم (١٨٧٣) و(٢٨٢٣) و(٤٤٨٥) و(٤٦٥١) و(٥١٨٧) و(٥٥٠٠).
٢ - (عبد الوارث) بن سعيد التَّنُّوريّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٦/ ٦.
٣ - (عبد العزيز) بن صُهيب البُنَانيّ البصريّ، ثقة [٤] ١٧/ ١٦٤٣.
٤ - (أنس) بن مالك - ﵁ - ٦/ ٦.
لطائف هذا الإسناد:
منها. أنه من رباعيات المصنف -﵀-، وهو (١١١) من رباعيات الكتاب. ومنها: أنه مسلسل بثقاة البصريين. ومنها. أن فيه أنسًا - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة - ﵃ - بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ) "من" زائدة، و"مسلم" اسم "ما" الحَجازية، أو مبتدأ على أنها تميمية، والخبر جملة الاستثناء، لأنه مفرّغ. وللبخاريّ: "ما من الناس من مسلم"، فقال في "الفتح": "من" الأولى بيانية، والثانية زائدة انتهى.
والحديث ظاهر في اختصاص ذلك بالمسلم، وهو واضح، فإن الكافر ليس من أهل الأجور، لكن لو مات له أولاد في حال الكفر، ثم أسلم بعد ذلك، هل ينفعه ما مضى من موتهم في زمن كفره، أو لا بدّ أن يكون موتهم في حالة إسلامه؟ قد يدلّ للأول قوله - ﷺ - لحكيم بن حزام - ﵁ -: "أسلمت على ما أسلفت من خير" لَمَّا قال له: أرأيتَ أمورًا كنتُ أتحنّث بها في الجاهلية، هل لي فيها من شيء؟.
لكن قد جاءت أحاديث فيها تقييد ذلك بكونه في الإسلام، فالرجوع إليها أولى، ففي "مسند أحمد" بإسناد صحيح عن امرأة، يقال لها: رجاء، قالت: كنت عند رسول اللَّه
[ ١٨ / ٣٥٧ ]
- ﷺ -، إذ جاءته امرأته بابن لها، فقالت: يا رسول اللَّه ادع اللَّه لي فيه بالبركة، فإنه قد توفي لي ثلاثة، فقال لها رسول اللَّه - ﷺ -: "أمنذ أسلمت؟ " قالت: نعم، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: "جُنّة حَصِينة"، فقال لي رجل: اسمعي يا رجاء ما يقول رسول اللَّه - ﷺ -.
وفي "مسند أحمد" وغيره بإسناد لا بأس به، عن عمرو بن عَبَسَة، قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: "من وُلِد له ثلاثة أولاد في الإسلام، فماتوا قبل يبلغوا الحنث، أدخله اللَّه الجنّة برحمته إياهم".
وفي "مسند أحمد"، و"معجم الطبراني الكبير" بإسناد فيه مجهول، عن أبي ثعلبة الأشجعي، قال: قلت: يا رسول اللَّه مات لي ولدان في الإسلام، فقال: "من مات له ولدان في الإسلام أدخله اللَّه الجنة".
قال الحافظ ولي الدين -﵀-: ما حاصله: وفي حديث عمرو بن عَبَسَة زيادة على غيره، وهي أن تكون ولادتهم في الإسلام، ومقتضاه أنهم لو وُلدوا له قبل أن يسلم، وماتوا بعد إسلامه لم يكن له هذا الثواب انتهى (^١).
(يُتَوَفَّى لَهُ) بالبناء للمفعول، ووقع في رواية ابن ماجه: "ما من مسلمين يَتَوَفَّى لهما … " (ثَلَاَثَةٌ مِنَ الْوَلَد، لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ) بكسر المهملة، وسكون النون، بعدها مثلّثة، وحكى ابن قرقول، عن الداوديّ أنه ضبطه "الْخَبَثَ" بفتح المعجمة، والموحّدة، وفسّره بأن المراد لم يبلغوا أن يعملوا المعاصي، قال: ولم يذكره كذلك غيره، والمحفوظ الأول، والمعنى لم يبلغوا الْحُلُمَ، فتكتبَ عليهم الآثام. قال الخليل: بلغ الغلام الحنث: إذا جرى عليه القلم، والحنث الذنب، قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦]. وقيل: المراد بلغ إلى زمانٍ يؤاخذ بيمينه إذا حنث. وقال الراغب: عبّر بالحنث عن البلوغ، لما كان الإنسان يؤاخذ بما يرتكبه فيه بخلاف ما قبله، وخصّ الإثم بالذكر لأنه الذي يحصل بالبلوغ، لأن الصبيّ قد يثاب، وخصّ الصغير بذلك لأن الشفقة عليه أعظم، والحبّ له أشدّ، والرحمة له أوفر، وعلى هذا فمن بلغ الحنث لا يحصل لمن فقده ما ذكر من هذا الثواب، وإن كان في فقد الولد أجر في الجملة، وبهذا صرّح كثير من العلماء، وفرقوا بين البالغ وغيره بأنه يتصوّر منه العقوق المقتضي لعدم الرحمة، بخلاف الصغير، فإنه لا يتصوّر منه ذلك، إذ ليس بمخاطب.
وقال الزين ابن المنيّر -﵀-: بل يدخل الكبير في ذلك من طريق الفحوى، لأنه إذا
_________________
(١) - "طرح التثريب" ج ٣ ص ٢٤٩.
[ ١٨ / ٣٥٨ ]
ثبت ذلك في الطفل الذي هو كَلٌّ على أبويه، فكيف لا يثبت في الكبير الذي بلغ معه السعي، ووصل له من النفع، وتوجه إليه الخطاب بالحقوق؟ ن قال: ولعلّ هذا هو السرّ في إلغاء البخاريّ التقييد بذلك في الترجمة انتهى. أي حيث قال: "باب فضل من مات له ولد، فاحتسب".
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ويقويّ الأول قوله في بقية الحديث: "بفضل رحمته إياهم"، لأن الرحمة للصغار أكثر، لعدم حصول الإثم منهم، وهل يلتحق بالصغار من بلغ مجنونا مثلًا، واستمرّ على ذلك، فمات؟ فيه نظر، لأن كونهم لا إثم عليهم يقتضي الإلحاق، وكون الامتحان بهم يَخِفُّ بموتهم يقتضي عدمه.
ولم يقع التقييد في طرق الحديث بشدّة الحب ولا عدمه، وكان القياس يقتضي ذلك، لما يوجد من كراهة بعض الناس لولده، وتبرّمه منه، ولا سيما من كان ضيّق الحال، لكن لما كان الولد مظنة المحبّة، والشفقة، نِيطَ به الحكم، وإن تخلّف في بعض الأفراد. انتهى (^١).
(إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ) تقدم أن هذا الاستثناء، وما بعده خبر "ما" الحجازية، أو خبر المبتدإ. وفي حديث عُتبة بن عبد اللَّه السلميّ، عند ابن ماجه بإسناد حسن، نحو حديث الباب، لكن فيه: "إلا تلقّوه من أبواب الجنة الثمانية، من أيها شاء دخل"، وهذا أمر زائد على مطلق دخول الجنة، ويشهد له ما تقدم للمصنّف قبل بابين بإسناد صحيح، من حديث معاوية بن قرّة، عن أبيه، مرفوعًا، وفيه: "ما يسرّك أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنة إلا وجدته عنده يسعى يفتح لك" (بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ") أي بفضل رحمة اللَّه تعالى للأولاد. وقال ابن التين: قيل: إن الضمير في "رحمته" للأب، لكونه كان يرحمهم في الدنيا، فيُجازَى بالرحمة في الآخرة، والأول أولى، ويؤيده أن في رواية ابن ماجه من هذا الوجه "بفضل رحمة اللَّه إياهم"، وللمصنف من حديث أبي ذر - ﵁ - الحديثُ التالي لهذا الحديث بلفظ: "إلا غفر اللَّه لهما بفضل رحمته إياهم". ولأحمد والطبراني، من حديث الحارث بن أُقَيش -بقاف ومعجمة مصغّرًا - عن أبي برزة - ﵁ - مرفوعًا: "ما من مسلين يموت لهما أربعة أفراط، إلا أدخلهما اللَّه الجنة بفضل رحمته"، وقد تقدم في الباب الماضي
وكذا في حديث عمرو بن عَبَسَة، كما تقدم.
وقال الكرماني: الظاهر أن المراد بقوله: "إياهم" جنس المسلم الذي مات أولاده،
_________________
(١) - "فتح" ج ٣ ص ٤٥٧ - ٤٥٨.
[ ١٨ / ٣٥٩ ]
لا الأولاد، أي بفضل رحمة اللَّه لمن مات لهم، قال: وساغ الجمع لكونه نكرة في
سياق النفي، فتعمّ انتهى.
قال الحافظ: وهذا الذي زعم أنه ظاهر ليس بظاهر، بل في غير هذا الطريق ما يدلّ على أن الضمير للأولاد، ففي حديث عمرو بن عَبَسَة عند الطبرانيّ: "إلا أدخله اللَّه برحمته هو وإياهم الجنة"، وفي حديث أبي ثعلبة الأشجعيّ المتقدم ذكره: "أدخله اللَّه الجنة بفضل رحمته إياهم"، قاله بعد قوله: "من مات له ولدان"، فوضح بذلك أن الضمير في قوله: "إياهم" للأولاد، لا للآباء، واللَّه أعلم انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عمرو بن عَبَسَة، وحديث أبي ثعلبة قد تقدم أنهما متكلم فيهما، فالأولى في الردّ على الكرماني حديث أبي ذرّ، وأبي هريرة - ﵁ - المذكوران في هذا الباب، مرفوعًا: "ما من مسلمين يموت بينهما ثلاثة أولاد، لم يبلغوا الحنث إلا غفر اللَّه لهما بفضل رحمته إياهم"، لفظ أبي ذرّ - ﵁ -، ولفظ أبي هريرة: "إلا أدخلهما اللَّه بفضل رحمته إياهم الجنة". ففيه بيان واضح أن الضمير للأولاد لا للآباء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس - ﵁ - هذا أخرجه البخاريّ.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٣/ ١٨٧٣ - وفي "الكبرى" ٢٥/ ٢٠٠١ - وأخرجه (خ) ١٢٤٨ و١٣٨١ (ق) ١٦٠٥ (أحمد) ١٢١٢٦ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٧٤ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ، قُلْتُ: حَدِّثْنِي، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ، يَمُوتُ بَيْنَهُمَا، ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ، لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ، إِلاَّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُمَا، بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدريّ البصريّ ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧.
٢ - (بشر بن المفضّل) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت عابد [٨] ٦٦/ ٨٢.
٣ - (يونس) بن عُبيد بن دينار العبديّ البصريّ، ثقة ثبت فاضل وَرع [٥] ٨٨/ ١٠٩.
_________________
(١) - "فتح" ج ٣ ص ٤٥٨.
[ ١٨ / ٣٦٠ ]
٤ - (الحسن) بن أبي الحسن يَسَار البصريّ الإمام الحجة الفقيه الثبت [٣] ٣٢/ ٣٦.
٥ - (صعصعة بن معاوية) بن حُصين التميميّ السعديّ، عم الأحنف بن قيس، له صحبة، وقيل: إنه مخضرم، وقال النسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان في ولاية الحجّاج على العراق. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والنسائيّ، وابن ماجه. وله فى هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٨٧٤) و(٣١٨٥).
٦ - (أبو ذرّ) جُنْدب بن جُنَادة، وقيل: غير ذلك - ﵁٢٠٣/ ٣٢٢.
وفي هذا السند ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، يونس، والحسن، وصعصعة، على الخلاف الذي تقدم فيه. وشرح الحديث يعلم مما قبله.
وأما تخريجه: فقد أخرجه المصنف هنا -٢٣/ ١٨٧٤ - وفي "الكبرى" ٢٥/ ٢٠٠٢ - وأخرجه (أحمد) ٢٠٨٣٤ و٢٧٦٩٩ و٢٧٧٤٩ و٢٥٩٤٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٧٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «لَا يَمُوتُ لأَحَدٍ (^١) مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ، فَتَمَسَّهُ النَّارُ، إِلاَّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ».
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد البَغْلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإمام الفقيه الحجة المدنيّ [٧] ٧/ ٧.
٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدنيّ الإمام الحجة الحافظ [٤] ١/ ١.
٤ - (سعيد) بن المسيّب القرشيّ المدني الإمام الفقيه الحجة من كبار [٣] ١/ ١.
٥ - (أبو هريرة) - ﵁ - ١/ ١.
والسند مسلسل بالمدنيّين، غير شيخه، فبغلانيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه سعيد بن المسيّب أحد الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة أحد المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
وشرح الحديث يعلم مما تقدّم.
وقوله: "فتمسّه النار" المشهور عندهم نصب "فتمسَّه" على أنه جواب النفي، لكن يشكل ذلك بأن الفاء في جواب النفي، تدلّ على سببية الأول للثاني، قال اللَّه تعالى: ﴿لَا يُقْضَي عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦]، وموت الأولاد ليس سببا لدخول النار، بل
_________________
(١) - وفي نسخة: "لرجل".
[ ١٨ / ٣٦١ ]
سبب للنجاة عنها، وعدمِ الدخول فيها، بل لو فُرض صحّة السببية فهي غير مرادة ههنا، لأن المطلوب أن من مات له ثلاثة ولد لا يدخل بعد ذلك النار، إلا تحلّة القسم، وعلى تقدير كونه جوابًا يصير المعنى فاسدًا قطعًا، إذ لازمه أن موت ثلاثة من الولد لا يتحقّق لمسلم قطعًا، وأنه لو تحقّق لدخل ذلك المسلم النار دائمًا، إلا قدر تحلّة القسم، فالوجه الرفع، على أن الفاء عاطفة للتعقيب، والمعنى أنه بعد موت ثلاثة ولد لا يتحقّق الدخول في النار إلا تحلّة القسم، وأقرب ما قيل في توجيه النصب أن الفاء بمعنى الواو المفيدة للجمع، وهي تنصب المضارع بعد النفي، كالفاء، والمعنى لا يجتمع موت ثلاثة من الولد، ومسّ النار، إلا تحلّة القسم. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- (^١).
وقوله: "إلا تحَلَّةَ القسم". -بفتح المثناة، وكسر المهملة، وتشديد اللام- أي ما تنحَلّ به القسم، وهو اليمين، وهو مصدر حَلَّلَ اليمينَ، أي كفّرها، يقال: حلّل تحَليلًا، وتَحِلّةً، وتحَلاّ، بغير هاء، والثالث شاذّ. وقال الخطابيّ: حلّلت القسم تحلّةً: أي أبررتها. واللَّه تعالى أعلم.
فائدة: يستفاد من هذا الحديث أن من حلف أن يفعل كذا، ثم فعل منه شيئًا، ولو قلّ برّت يميمنه، خلافا لمالك،، قاله عياض وغيره. واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٥/ ١٨٧٥ - وفي "الكبرى" ٢٥/ ٢٠٠٣ - وأخرجه (خ) ١٢٥٠ و١٢٥٦ و١٠٢ و٧٣١٠ (م) ٢٦٣٢ (ت) ١٠٦٠ (ق) ١٦٠٣ (مالك في الموطإ) ٥٥٤ (أحمد) ١٧٠٢٢ و١٠٩٠٣ و١١٢٨٩.
المسألة الثالثة: قال القرطبيّ: اختُلِفَ في المراد بالقسم في قوله: "إلا تحلّة القسم":
فقيل: هو معيّن، وقيل: غير معيّن، فالجمهور على الأول، وقيل: لم يُعنَ به قسم بعينه، وإنما معناه التقليل لأمر وردوها، وهذا اللفظ يُستعمل في هذا، تقول: لا ينام هذا إلا لتحليل الأَلِيّةِ، وتقول: ما ضربته إلا تحليلًا، إذا لم تُبالغ في الضرب، أي قدرًا يصيبه منه مكروه. وقيل: الاستثناء بمعنى الواو، أي لا تمسّه النار قليلًا، ولا كثيرًا، ولا تحلّة القسم، وقد جوّز الفرّاء والأخفش مجيء "إلا" بمعنى الواو، وجعلوا منه قوله
_________________
(١) - "شرح السندي" ج ٤ ص ٢٥.
[ ١٨ / ٣٦٢ ]
تعالى: ﴿لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾، والأول قول الجمهور، وبه جزم أبو عبيد وغيره، وقالوا: المراد به قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، قال الخطابيّ: معناه لا يدخل النار ليُعاقَبَ بها، ولكنه يدخلها مُجتازًا، ولا يكون ذلك الجواز إلا قدر ما يُحَلِّل به الرجل يمينه، ويدلّ على ذلك ما وقع عند عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهريّ في آخر هذا الحديث: "إلا تحلّة القسَم" يعني الورود.
وفي "سنن سعيد بن منصور"، عن سفيان بن عُيينة في آخره: ثم قرأ سفيان: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، ومن طريق زمْعَةَ بن صالح، عن الزهريّ في آخره: قيل: وما تحلّة القسم؟ قال: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾. قال في "الفتح": وكذا وقع في رواية كريمة في الأصل: قال أبو عبد اللَّه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، وكذا حكاه عبد الملك بن حبيب، عن مالك في تفسير هذا الحديث، وورد نحوه من طريق أخرى في هذا الحديث، رواه الطبرانيّ من حديث عبد الرحمن بن بشر الأنصاريّ، مرفوعًا: "من مات له ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث، لم يرد النار إلا عابر سبيل"، يعني الجواز على الصراط، وجاء مثله من حديث آخر، أخرجه الطبراني، من حديث سهل بن معاذ ابن أنس الجهنيّ، عن أبيه مرفوعًا: "من حَرَسَ وراء المسلمين في سبيل اللَّه، متطوّعًا، لم يَرَ النارَ بعينه، إلا تحلّة القسم، فإن اللَّه -﷿- قال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ انتهى.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: اختلف في موضع القسم من الآية، فقيل: هو مقدّر، أي واللَّه إن منكم، وقيل: معطوف على القسم الماضي في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ أي قسمًا واجبًا، كذا رواه الطبرانيّ وغيره من طريق مرة، عن ابن مسعود، ومن طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ومن طريق سعيد، عن قتادة في تفسير هذه الآية. وقال الطيبيّ: يحتمل أن يكون المراد بالقسم ما دلّ على القطع والبتّ من السياق، فمن قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ﴾ تذييل، وتقرير لقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾ فهذا بمنزلة القسم، بل أبلغ لمجيء الاستثناء بالنفي والإثبات. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: اختلف السلف في المراد بالورود في الآية، فقيل: هو الدخول، روى عبد الرزّاق، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، أخبرني من سمع ابن عباس، فذكره. وروى أحمد، والنسائيّ، والحاكم، من حديث جابر مرفوعًا: "الورود الدخول، لا يبقى بَرّ، ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين بردًا وسلامًا". وروى الترمذيّ، وابن أبي حاتم، من طريق السُّدّيّ، سمعت مرة، يحدث عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: يردونها، أو يَلِجونها، ثم يصدرون عنها بأعمالهم، قال عبد الرحمن بن
[ ١٨ / ٣٦٣ ]
مهديّ: قلت لشعبة: إن إسرائيل يرفعه، قال: صدق، وعمدًا أدعه، ثم رواه الترمذيّ، عن عبد بن حميد، عن عبيد اللَّه بن موسى، عن إسرائيل، مرفوعًا. وقيل: المراد بالورود الممرّ عليها، روه الطبريّ وغيره من طريق بشر بن سعيد، عن أبي هريرة، ومن طريق أبي الأحوص، عن عبد اللَّه بن مسعود، ومن طريق معمر، وسعيد، عن قتادة، ومن طريق كعب الأحبار، وزاد: "يستوون كلهم على متنها، ثم ينادي مناد أمسكي أصحابك، ودعي أصحابي، فيخرج المؤمنون نَديّة أبدانهم". وهذان القولان أصحّ ما ورد في ذلك.
ولا تنافي بينهما، لأن من عبّر بالدخول تجوّز به عن المرور، ووجهه أن المارّ عليها فوق الصراط في معنى من دخلها، لكن تختلف أحوال المارّة باختلاف أعمالهم، فأعلاهم درجةً من يمرّ كلمع البرق، ويؤيّد صحّةَ هذا التأويل ما رواه مسلم من حديث أمّ مبشّر، أن حفصة قالت للنبيّ - ﷺ -: لَما قال: "لا يدخل أحد شهد الحديبية النار": أليس اللَّه يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فقال لها: "أليس اللَّه تعالى يقول: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ " الآية.
وفي هذا بيانُ ضعفِ قول من قال: الورود مختصّ بالكفّار، ومن قال: معنى الورود الدنوّ منها، ومن قال: معناه الإشراف عليها، ومن قال: معنى ورودها ما يصيب المؤمن في الدنيا من الحمّى، على أن هذا الأخير ليس ببعيد، ولا ينافيه بقية الأحاديث، واللَّهأعلم. قاله في "الفتح" (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٧٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، وَهُوَ الأَزْرَقُ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ، يَمُوتُ بَيْنَهُمَا، ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ، لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ، إِلاَّ أَدْخَلَهُمَا اللَّهُ، بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمُ (^٢) الْجَنَّةَ»، قَالَ: «يُقَالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ، فَيَقُولُونَ: حَتَّى يَدْخُلَ آبَاؤُنَا، فَيُقَالُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ، أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ابن عُليّة) الدمشقي القاضي، ثقة [١١] ٢٢/ ٤٨٩.
٢ - (عبدالرحمن بن محمد) بن سلاّم بن ناصح البغداديّ، ثم الطُّوسيّ، أبو
_________________
(١) - "فتح" ج٣ ص ٤٦١ - ٤٦٣.
(٢) - وفي نسخة: "إياهما".
[ ١٨ / ٣٦٤ ]
القاسم، مولى بني هشام، وقد ينسب إلى جدّه، لا بأس به [١١] ١٧٢/ ١١٤١.
٣ - (إسحاق) بن يوسف بن مِرداس المخزوميّ الأزْرق الواسطيّ، ثقة [٩] ٢٢/ ٤٨٩.
٤ - (عوف) بن أبي جمَيلَة الأعرابيّ البصريّ، ثقة رمي بالقدر وبالتشيع [٦] ٤٦/ ٥٧.
٥ - (محمد) بن سيرين أبو بكر البصريّ الإمام الحجة الثبت [٣] ٤٦/ ٥٧.
وشرح الحديث يعلم مما سبق.
وهو حديث صحيح، انفرد به المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ٢٥/ ١٨٧٦ وفي "الكبرى" ٢٥/ ٢٠٠٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…