قال ابن منظور -﵀-: الوِتْر -بالكسر- والوَتْر -بالفتح-: الفرد، أو ما لم يتشفّع من العدد، وأوتره: أفَذّه، قال اللِّحْيانيّ: أهل الحجاز يُسمّون الفرد الوَتْر، وأهل نجد يكسرون الواو، وهي صلاة الوِتْر، والوَتْرِ لأهل الحجاز، ويقرءون: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣]، والكسر لتميم، وأهلِ نجد يقرءون ﴿وَاَلشَّفعِ وَالوَتْرِ﴾ وأوتر: صلّى الوتر، وقال اللِّحْيانيّ: أوتر في الصلاة فعدّاه بـ "في"، وقرأ حمزة، والكسائيّ: ﴿وَالوَتْرِ﴾ بالكسر، وقرأ عاصم، ونافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: ﴿وَالوَتْرِ﴾ بالفتح، وهما لغتان معروفتان. انتهى. (^١).
[فائدة]: قال ابن التين -﵀-: اختُلف في الوتر في سبعة أشياء: في وجوبه، وعدده، واشتراط النيّة فيه، واختصاصه بقراءة، واشتراط شفع قبله، وفي آخر وقته، وصلاته في السفر على الدابّة. وزاد الحافظ -﵀-: وفي قضائه، والقنوت فيه، وفي محل القنوت منه، وفيما يقال فيه، وفي فصله ووصله، وهل تسنّ ركعتان بعده، وفي صلاته من قعود، لكن هذا الأخير ينبني على كونه مندوبًا، أو لا، وقد اختلفوا في أول
وقته أيضًا، وفي كونه أفضل صلاة التطوّع، أو الراتبُ أفضل منه، أو خصوص ركعتي الفجر. انتهى (^٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر ما ذهب إليه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أن الأمر للاستحباب، حيث أتى بعد حديثِ "يا أهل القرآن أوتروا … " بقول علي - ﵁ -: "الوتر ليس بحتم … "، وهذا الذي ذهب إليه هو الحقّ -كما هو مذهب الجمهور- وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة الرابعة من الحديث التالي -إن شاء اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب
١٦٧٥ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمٍ، وَهُوَ ابْنُ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ -، قَالَ: أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، ثُمَّ قَالَ: «يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، أَوْتِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ -﷿- وِتْرٌ، يُحِبُّ الْوِتْرَ».
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هنّاد بن السَّرِيّ) التيميّ، أبو السريّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥.
_________________
(١) -"لسان العرب" مادة وتر.
(٢) -"فتح" ج ٣ ص ١٦١.
[ ١٨ / ٢٨ ]
٢ - (أبو بكر بن عيّاض) الأسديّ الكوفي المقرئ، مشهور بكيته، والأصحّ أنها اسمه، وقيل: محمد، وقيل: عبد اللَّه، وقيل: شعبة، وقيل: غير ذلك، ثقة عابد، كَبِرَ، فساء حفظه، وكتابه صحيح [٧] ٩٨/ ١٢٧.
٣ - (أبو إسحاق) السبيعي، عمرو بن عبد اللَّه الكوفي، ثقة عابد اختلط بآخره، وكان يدلّس [٣] ٣٨/ ٤٢.
٤ - (عاصم بن ضمرة) السلُوليّ الكوفيّ، صدوق [٣] ٦٥/ ٨٧٤.
٥ - (علي) بن أبي طالب، أبو الحسن الخليفة الراشد - رضي اللَّه تعالى عنه - ٧٤/ ٩١ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي: أبي إسحاق، عن عاصم، وهو من رواية الأقران. (ومنها): أن صحابيّه أحد الخلفاء الراشدين، والعشرة المبشّرين بالجنة، وابن عمّ النبيّ - ﷺ -، وزوج ابنته - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَليِّ - ﵁ -) أنه (قَالَ: أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) أي صلى صلاة الوتر (ثمَ قَالَ: يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ) يعني المؤمنين المصدّقين به، والمعتنين بحفظه وتلاوته.
وقال القاري: أي أيها المؤمنون به، فإن الأهلية عامّة شاملة لمن آمن به، سواء قرأ، أو لم يقرأ، وإن كان الأكمل منهم من قرأ، وحَفِظَ، وعَلِم، وعمل، ممن تولّى قيام تلاوته، ومراعاة حدوده وأحكامه انتهى.
وقال الخطابي في "المعالم" ج ١ ص ٢٨٥: تخصيصه أهل القرآن بالأمر فيه يدلّ على أن الوتر غير واجب، ولو كان واجبًا لكان عامّا، وأهل القرآن في عرف الناس هم القرّاء، والحفّاظ، دون العوام، ويدلّ على ذلك أيضًا قوله للأعرابي: "ليس لك، ولا لأصحابك" انتهى. (أَوْتِرُوا) أمر بصلاة الوتر، وهو أن يصلي مثنى مثنى، ثم يصلي في آخرها ركعة مفردة، أو يضيفها إلى ما قبلها من الركعات. كذا في "النهاية". وقال الطيبيّ: يريد بالوتر في هذا الحديث قيام الليل، فإن الوتر يُطلق عليه، كما يُفهم من الأحاديث، فلذا خصّ الخطاب بأهل القرآن انتهى. والأمر للندب، لا للوجوب بدليل قول علي - رضي اللَّه تعالى عنه - التالي: "الوتر ليس بحتم، كهيئة المكتوبة … " الحديث
[ ١٨ / ٢٩ ]
(فَإِن اللَّهَ -﷿-) الفاء للتعديل، أي لأنه تعالى (وِتْرٌ) قال الجزريّ: الوتر الفرد، وتكسر واوه، وتفتح، فاللَّه واحد في ذاته، لا يقبل الانقسام والتجزئة، واحد في صفاته، فلا شِبْه له، ولا مِثْل، واحد في أفعاله، فلا شريك له، ولا معين (يُحِبُّ الْوِتْرَ") فيه إثبات المحبة للَّه تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، وأما تفسير من فسّره بأنه يُثيب عليه، ويَقبله، من عامله، -وهو تفسير باللازم- فإنه غير مرضيّ.
قال القاضي: كل ما يناسب الشيء أدنى مناسبة كان أحبّ إليه مما لم يكن له تلك المناسبة انتهى (^١) .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث علي - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
المسألة الثانية: "في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا-٢٧/ ١٦٧٥ - وفي "الكبرى" ٤١/ ١٣٨٤ - بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (ت) ٤٥٣ (ق) ١١٦٩ (أحمد) ١/ ١٠٠ و١٠٧ و١١٠ و١١٥ و١٢٠ (عبد بن حميد) ٧٠ (الدارميّ) ١٥٨٧ (ابن خزيمة) ١٠٦٧. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- وهو الأمر بصلاة الوتر، وسيأتي اختلاف العلماء، هل هو للوجوب، أم للاستحباب؟، في المسألة الرابعة من مسائل الحديث التالي، إن شاء اللَّه تعالى.
ومنها: تأكد الطلب بالوتر لحفظة كتاب اللَّه تعالى أشدّ من غيرهم، للعناية بالمحافظة- على كتاب اللَّه، والقيام به. ومنها: وصف اللَّه تعالى بأنه وتر، لكونه فردا في ذاته، وصفاته، وأفعاله. ومنها: محبة اللَّه تعالى لمن يصلي صلاة الوتر محبة خاصّة، وإن كان يحب المؤمنين عامة. ومنها: إثبات صفة المحبّة للَّه تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٧٦ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي
_________________
(١) - انظر "المرعاة" ج ٤ ص ٢٧٥ - ٢٧٦.
[ ١٨ / ٣٠ ]
إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ -، قَالَ: الْوِتْرُ لَيْسَ بِحَتْمٍ، كَهَيْئَةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَلَكِنَّهُ سُنَّةٌ، سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن إسماعيل بن إبراهيم) ابن عُليّة قاضي دمشق، ثقة حافظ [١١] ٢٢/ ٤٨٩.
٢ - (أبو نعيم) الفضل بن دُكين الكوفيّ، ثقة ثبت [٩] ١١/ ٥١٦.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧.
والباقون تقدّموا في السند الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فإنه بصري، نزيل دمشق. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَليٍّ - ﵁ -) أنه (قَالَ: «الْوِتْرُ لَيْسَ بِحَتْم) أي واجب (كَهَيْئَةِ الْمَكْتُوبَةِ) أي كصفة الصلاة المفروضة، وهي كونها حتما لازمًا، لا تبرأ ذمّة المكلّف ما دام مكلّفًا إلا بأدائها، وهو ظاهر في عدم وجوب الوتر، كما هو مذهب الجمهور، وهو الحقّ، كما يأتي قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى (وَلَكِنَّهُ) ولفظ "الكبرى" "ولكنها" بتأنيث الضمير، وإن كان عائدًا على "الوتر" باعتبار أنه صلاة (سُنَّةٌ، سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) أي طريقة شرعها رسول اللَّه - ﷺ - لأمته، بقوله: "أوتروا" .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث على - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-٢٧/ ١٦٧٦ - بالإسناد المذكور، وفي "الكبرى"-٤١/ ١٣٨٥ - عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان به. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (ت) ٤٥٤ (أحمد) ١/ ٨٦. واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٨ / ٣١ ]
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في حكم الوتر:
قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: دلت الأخبار على أن فرائض الصلوات خمس، وسائرهنّ تطوّع، وهو قول عوامّ أهل العلم، غير النعمان، فإنه خالفهم، وزعم أن الوتر فرض، وهذا القول مع مخالفته للأخبار الثابتة عن النبيّ - ﷺ - خلاف ما عليه عوامّ أهل العلم، عالمهم، وجاهلهم، ولا نعلم أحدًا سبقه إلى ما قال، وخالفه أصحابه، فقالوا كقول سائر الناس. انتهى (^١).
وقال الإمام أبو عبد اللَّه محمد بن نصر المروزي -رحمه اللَّه تعالى- في "كتاب الوتر": افترض اللَّه على النبي - ﷺ -، وأمته أول ما افترض ليلة أُسري به خمس صلوات في اليوم والليلة، فأخبر النبيُّ - ﷺ - بذلك أمته، ثم لم يزل بعد هجرته، وقدومه المدينة، ونزول الفرائض عليه، فريضة بعد فريضة، من الزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، يُخبر بمثل ذلك إلى أن توفّي- صلوات اللَّه، وسلامه عليه- وقَدِمتْ وفودُ العرب، بعد فتح مكة، ورجوعه إلى المدينة، وذلك في سنة تسع وعشر، من البادية، ونواحيها، يسألونه عن الفرائض، يخبرهم في كلّ ذلك أن عدد الصلوات المفترَضَات خمس، ووجّه معاذَ بنَ جبل إلى اليمن، وذلك قبل وفاته بقليل، فأمره أن يُخبرهم بأن فرض الصلوات خمس، ثم آخره ما خطب به بذلك في حجة الوداع (^٢)، فأخبرهم أن عدد الصلوات المفترَضات خمس، لا أكثر من ذلك، وفيها نزلت: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ الآية [المائدة: ٣]، ثم لم ينزل بعد ذلك فريضة، ولا حرام، ولا حلال، فرجع رسول اللَّه - ﷺ -، فمات بعد رجوعه بأقلّ من ثلاثة أشهر، ثم أخبر أبو بكر - ﵁ - بذلك بعد وفاته، ثم أخبر علي بن أبي طالب - ﵁ - أن الوتر ليس بحتم، كالصلوات المكتوبة، ولكنه سنة، وغير جائز أن يكون مثل أبي بكر، وعلي - ﵄ - يجهلان فريضة صلاة من الصلوات المفروضات، وهما يحتاجان إليها في كلّ ليلة، حتى يجحدا فرضها، مَن ظنّ هذا بهما، فقد أساء الظنّ بهما. قال: وكان أبو حنيفة يوجب الوتر،
_________________
(١) - "الأوسط" ج ٥ ص ١٦٧ - ١٦٨.
(٢) - قال محمد بن نصر: حدثنا علي بن حُجر، أخبرنا فَرَج بن فَضَالة، عن لقمان، عن أبي أمامة - ﵁ -، قال: خطبنا النبي - ﷺ - في حجة الوداع، فقال: ألا لعلكم لا تروني بعد عامكم هذا، فقام إليه رجل، فقال: يا رسول اللَّه، ما الذي تَعهَد إلينا؟ قال: "اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وحُجوا بيتكم، وأدوا زكاتكم، طيّبة بها أنفسكم، تدخلوا الجنة". انتهى. قال الجامع: رجال هذا الإسناد ثقات، غير لقمان بن عامر الوصّابي، فإنه صدوق، وفرج بن فضالة، ضعّفوه في غير الشاميين، وهذا من أحاديث الشاميين، فالحديث حسن. واللَّه أعلم.
[ ١٨ / ٣٢ ]
وخالفه أصحابه في الوتر، فقالوا: هو سنة، وليس بفرض. انتهى كلام محمد بن نصر باختصار -رحمه اللَّه تعالى- (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن المنذر، وابن نصر -رحمهما اللَّه تعالى- من كون الوتر سنة من السنن، وليس بواجب، هو الحقّ، كما هو مذهب جمهور أهل العلم --رحمهم اللَّه تعالى--.
والحاصل أن الوتر سنة مؤكّدة، وليس بواجب، لهذه الأدلة الواضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…