قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: "النعي" بفتح، فسكون، وكغنيّ: الإخبار بالموت، يقال: نَعَاه نَعْيًا، ونَعِيا، ونعْيَانًا بالضمّ: أخبر بموته، والنَّعِيّ، كغنيّ: الناعي، والْمَنْعِيّ. قاله في "ق"
وقال في "المصباح": نَعَيتُ الميتَ نَعْيًا، من باب نفع: أخبرتُ بموته، فهو مَنْعِيّ، واسم الفعل الْمَنْعَى، والْمَنْعَاةُ بفتح الميم فيهما، مع القصر، والفاعل: نَعِيّ، على فعيل، يقال: جاء نَعِيّه، أي ناعيه، وهو الذي يُخبر بموته، ويكون النَّعِيّ خَبَرًا أيضًا انتهى.
وقال في "اللسان": قال ابن سِيدَهْ: والنَّعْيُ، والنَّعِيُّ، بوزن فَعِيلِ: نداءُ الداعي، وقيل: هو الدعاء بموت الميت، والإشعارُ به، وجاء نَعِيُّ فلان: وهو خبر موته. وقال أبو زيد: النَّعِيُّ -أي كغنيّ- الرجل الميتُ، والنَّعْيُ -أي بفتح، فسكون- الفِعلُ انتهى (^١).
وقد ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بقوله: "باب الرجل يَنْعَى إلى أهل الميت بنفسه" انتهى.
فقال في "الفتح" بعد ذكر ما يتعلّق بالترجمة: ما نصه: وفائدة هذه الترجمة الإشارة إلى أن النعي ليس ممنوعًا كله، وإنما نهُي عما كان أهل الجاهلية يصنعونه، فكانوا يرسلون من يُعلنُ بخبر موت الميت على أبواب الدُّور والأسواق.
وقال ابن المرابط: مراده أن النعي الذي هو إعلام الناس بموت قريبهم مباح، وإن كان فيه إدخال الكرب والمصائب على أهله، لكن في تلك المفسدة مصالح جمّة، لما يترتّب على معرفة ذلك من المبادرة لشهود جنازته، وتهيئة أمره، والصلاة عليه، والدعاء له، والاستغفار، وتنفيذ وصاياه، وما يترتّب على ذلك من الأحكام.
_________________
(١) - راجع "ق" و"المصباح" و"اللسان" في مادة نعى.
[ ١٨ / ٣٦٧ ]
وأما نعي الجاهلية، فقال سعيد بن منصور: أخبرنا ابن عُليّة، عن ابن عون، قال: قلت لإبراهيم: أكانوا يكرهون النعي؟ قال: نعم، قال ابن عون: كانوا إذا تُوُفي الرجل ركب رجل دابّة، ثم صاح في الناس: أنعى فلانًا. وبه إلى ابن عون قال: قال ابن سيرين: لا أعلم بأسًا أن يُؤذِن الرجل صديقه وحميمه.
وحاصله أن محض الإعلام بذلك لا يكره، فمن زاد على ذلك فلا. وقد كان بعض السلف يشدّد في ذلك حتى كان حذيفة إذا مات له الميت يقول: لا تؤذنوا به أحدًا، إني أخاف أن يكون نعيًا، إني سمعت رسول اللَّه - ﷺ - بأذنيّ هاتين ينهى عن النعي. أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه بإسناد حسن.
قال ابن العربيّ: يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات:
الأولى: إعلام الأهل والأصحاب، وأهل الصلاح، فهذا سنة. الثانية: دعوة الْحَفْل للمفاخرة، فهذه تكره. الثالثة: الإعلام بنوع آخر، كالنياحة، ونحو ذلك، فهذا يحرم. انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٨٧٨ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَنَسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، نَعَى زَيْدًا، وَجَعْفَرًا، قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ خَبَرُهُمْ، فَنَعَاهُمْ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ".
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسحاق) بن إبراهيم المذكور قبله.
٢ - (سليمان بن حرب) الأزديّ البصريّ، ثم المكيّ، ثقة ثبت حجة [٩] ١٨١/ ٢٨٨.
٣ - (حماد بن زيد) بن درهم، أبو إسماعيل البصري الحافظ الثبت [٨] ٣/ ٣.
٤ - (أيوب) بن أبي تميمة السختياني البصريّ الفقيه الحافظ الحجة [٥] ٤٢/ ٤٨.
٥ - (حميد بن هلال) البصريّ، ثقة [٣] ٤/ ٤.
٦ - (أنس) بن مالك - ﵁ - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وأنه ومسلسل بالبصريين، غير شيخه، فمروزيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أنس أحد المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) - "فتح" ج ٣ ص ٤٥٣.
[ ١٨ / ٣٦٨ ]
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) - ﵁ - "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، نَعَى) تقدم إيضاح معنى النعي في أول الباب (زَيْدًا) أي زيد بن حارثة، والد أسامة - ﵁ - (وَجَعْفَرًا) أي ابن أبي طالب - ﵁ - (قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ خَبَرُهُمْ) أي قبل مجيء خبر موتهم.
وذكر موسى بن عقبة في "المغازي" أن يعلى بن أميّة قدم بخبر أهلِ مُؤْتَة، فقال له رسول اللَّه - ﷺ -: "إن شئت، فأخبرني، وإن شئت أخبرك"، قال: فأخبرني، فأخبره خبرهم، فقال: والذي بعثك بالحقّ ما تركت من حديثهم حرفا لم تذكره، وعند الطبراني من حديث أبي الْيَسَر الأنصاريّ أن أبا عامر الأشعريّ هو الذي أخبر النبي - ﷺ - بمُصَابهم. انتهى (^١).
[تنبيه]: لم يُذكَر في رواية المصنف عبدُ اللَّه بن رواحة، وكان معهما، وقد ذُكِر في رواية البخاريّ، وغيره، ولفظ البخاريّ عن شيخه أحمد بن واقد، عن حماد بن زيد: أن النبي - ﷺ -، نعى زيدا، وجعفرا، وابن رواحة، للناس، قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: "أخذ الراية زيد، فأصيب، ثم أخذ جعفر، فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة، فأصيب"، وعيناه تذرفان، حتى أخذ الراية سيف من سيوف اللَّه، حتى فتح اللَّه عليهم". انتهى.
[تنبيه آخر]: كان إخبار النبي - ﷺ - بموتهم في غزوة مؤتة -بالهمزة مكان بالقرب من البلقاء، وقيل: على مرحلتين من بيت المقدس- قال البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-:
٤٢٦١ - أخبرنا أحمد بن أبي بكر، حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن، عن عبد اللَّه بن سعيد، عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر، - ﵁ - قال: أَمَّرَ رسولُ اللَّه - ﷺ -، في غزوة مؤتة، زيد بن حارثة، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: "إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر، فعبد اللَّه بن رواحة"، قال عبد اللَّه: كنت فيهم، في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب، فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعا وتسعين، من طعنة ورمية.
وسبب تلك الغزوة أن شرحبيل بن عمرو الغسّاني -وهو من أمراء قيصر على الشام- قتل رسولا أرسله النبي - ﷺ - إلى صاحب بُصرى، واسم الرسول الحارثُ بن عُمير، فجهز إليهم رسول النبي - ﷺ - عسكرًا في ثلاثة آلاف في جمادى، من سنة ثمان من الهجرة (^٢).
(فَنَعَاهُمْ) وفي نسخة: "نعاهم" بدون فاء (وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ") بكسر الراء، يقال: ذَرَفَت العين، ذَرْفًا، من باب ضَرَبَ: دَمِعَت، وَذَرَفَ الدمعُ: سأل، وذَرَفَت العين الدمعَ. قاله
_________________
(١) - المصدر المذكور ج ٧ ص ٥٨٥.
(٢) - راجع "الفتح" ج ٧ ص ٥٨٣. طبعة دار الريان.
[ ١٨ / ٣٦٩ ]
في "المصباح". والجملة الاسميّة حال من فاعل "نعى"، أي أخبر - ﷺ - بموتهم، والحال أن عينيه تسيلان دمعا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس - ﵁ - هذا أخرجه البخاريّ.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٧/ ١٨٧٨ - وفي "الكبرى" ٢٦/ ٢٠٠٥ - وأخرجه (خ) ١٢٤٦ و٢٧٩٨ و٣٦٣٠ و٣٧٥٧ و٤٢٦٢ (أحمد) ١١٧٠٤ و٤١٠٧ و٢٢٤٩٤. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواز الإخبار بموت الشخص، ليقوم الناس بتجهيزه، والصلاة عليه، ودفنه، وغير ذلك، والنهي الوارد عن النعي محمول على ما كان من نعي الجاهلية، كما سبق تفصيله. ومنها: أن فيه علما من أعلام النبوة، ومعجزةً من معجزات رسول اللَّه - ﷺ -، حيث أخبر بموتهم بالشام، وهو بالمدينة قبل أن يأتي الخبر بذلك. ومنها: جواز البكاء على الميت، وقد تقدم البحث فيه مُستَوْفًى. ومنها: جواز ظهور الحزن على الإنسان عند المصيبة، والجلوس في المسجد لذلك، ففي رواية عائشة - ﵂ - لهذا الحديث، كما تقدم -١٤/ ١٨٤٧ - أن النبي - ﷺ - لما جاءه قتل زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن رواحة - ﵁ - جلس يعرف فيه الحزن، زاد في رواية البيهقيّ: "جلس في المسجد". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٧٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، أَخْبَرَهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، نَعَى لَهُمُ النَّجَاشِيَّ، صَاحِبَ الْحَبَشَةِ، الْيَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ».
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أبو داود) سليمان بن سَيْف الحرّانيّ، ثقة حافظ [١١] ١٠٣/ ١٣٦.
٢ - (يعقوب) بن إبراهيم بن سعد الزهري المدنيّ، ثم البغداديّ، ثقة، من صغار [٩] ١٩٦/ ٣١٤.
٣ - (أبوه) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدني، ثم البغداديّ، ثقة حجة [٨] ١٩٦/ ٣١٤.
[ ١٨ / ٣٧٠ ]
٤ - (صالح) بن كيسان الغفاريّ مولاهم المدنيّ، ثقة ثبت [٤] ١٩٦/ ٣١٤.
٥ - (ابن شهاب) الزهريّ الإمام الحافظ الحجة المدنيّ [٤] ١/ ١.
٦ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ١/ ١.
٧ - (ابن المسيب) سعيد القرشيّ المدني الفقيه الثبت الحجة من كبار [٣] ٩/ ٩.
٨ - (أبو هريرة) - ﵁ - ١/ ١.
والسند مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فحرّانيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعي، عن تابعيين، وفيه اثنان من الفقهاء السبعة؛ وفيه أبو هريرة أحد المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
وسيأتى شرح الحديث، والكلام على مسائله في "باب الصفوف على الجنازة" ٧٢/ ١٩٧٠ إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٨٠ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، ح وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَعِيدٌ (^١): حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ سَيْفٍ، الْمَعَافِرِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ، نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، إِذْ بَصُرَ بِامْرَأَةٍ، لَا تَظُنُّ أَنَّهُ عَرَفَهَا، فَلَمَّا تَوَسَّطَ الطَّرِيقَ، وَقَفَ، حَتَّى انْتَهَتْ إِلَيْهِ، فَإِذَا فَاطِمَةُ، بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ لَهَا: «مَا أَخْرَجَكِ مِنْ بَيْتِكِ، يَا فَاطِمَةُ؟». قَالَتْ: أَتَيْتُ أَهْلَ هَذَا الْمَيِّتِ، فَتَرَحَّمْتُ إِلَيْهِمْ، وَعَزَّيْتُهُمْ بِمَيِّتِهِمْ، قَالَ: «لَعَلَّكِ بَلَغْتِ، مَعَهُمُ الْكُدَى»، قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ، أَنْ أَكُونَ بَلَغْتُهَا، وَقَدْ سَمِعْتُكَ، تَذْكُرُ فِي ذَلِكَ، مَا تَذْكُرُ، فَقَالَ لَهَا: «لَوْ بَلَغْتِهَا مَعَهُمْ، مَا رَأَيْتِ الْجَنَّةَ، حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيكِ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: رَبِيعَةُ ضَعِيفٌ.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُبيد اللَّه بن فَضَالة بن إبراهيم) النسائي، ثقة ثبت [١١] ١٧٠/ ٨٩٨.
٢ - (محمد بن عبد اللَّه بن يزيد المقرئ) أبو يحيى المكيّ، ثقة [١٠] ١١/ ١١.
٣ - (عبد اللَّه بن يزيد المقرئ) المكيّ، ثقة فاضل [٩] ٤/ ٧٤٦.
٤ - (سعيد) بن أبي أيوب مِقْلاص الْخُزَاعيّ مولاهم، أبو يحيى المصريّ، ثقة ثبت [٧]. قال أحمد: لا بأس به. وقال ابن معين: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا. وقال ابن
_________________
(١) - وفي بعض النسخ "قال: قال سعيد: حدثني الخ".
[ ١٨ / ٣٧١ ]
يونس: كان فقيهًا. وقال ابن وهب: كان فَهِمًا حُلْوًا، فقيل له: كان فقيهًا؟ فقال: نعم واللَّه. وقال الساجيّ: صدوق. ووثقه يحيى بن بكير. وذكره ابن حبان في "الثقات".
مات سنة (١٦١) وقيل: غير ذلك. وكان مولده سنة (١٠٠) روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث.
٥ - (ربيعة بن سيف) بن ماتع -بكسر المثناة- الْمَعَافريّ (^١) الصَّنَّمِيّ (^٢) الإسكندارانيّ، صدوق له مناكير [٤].
قال البخاريّ: عنده مناكير، وقال أيضًا في "الأوسط": روى أحاديث لا يُتابع عليها. وقال النسائيّ: ليس به بأس، وضعّفه في "المجتبى" هنا. وقال الدارقطنيّ: مصريّ صالح. وقال العجليّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: يُخطىء كثيرًا. وقال ابن يونس: في حديثه مناكير، توفي قريبًا من سنة (١٢٠).
روى له أبو داود، والنسائيّ، حديث الباب، وروى له الترمذيّ آخَرَ من روايته عن عبد اللَّه بن عمرو في الموت يوم الجمعة، وقال: غريب، وليس إسناده بمتصل، ربيعة إنما يروي عن الْحُبُليّ، عن عبد اللَّه بن عمرو، ولا نعرف لربيعة سماعًا من ابن عمرو انتهى.
٦ - (أبوعبد الرحمن الْحُبُليّ" (^٣) عبد اللَّه يزيد الْمَعَافريّ المصري، ثقة [٣] ٦٠/ ١٣٠٣.
٧ - (عبد اللَّه بن عمرو) بن العاص - ﵄ - ٨٩/ ١١١.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وأنه مسلسل بالمصريين، غير شيخه عبيد اللَّه، فنسائيّ، ومحمد، وأبوه مكيان، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن عَبدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) - ﵁ -، أنه (قَالَ: بَينَمَا نَحْنُ، نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) وفي رواية أبي داود من طريق المفضّل بن فضالة، عن ربيعة: "قبرنا مع رسول اللَّه - ﷺ - يعني ميتًا - فلما فرغنا انصرف رسول اللَّه - ﷺ -، وانصرفنا معه، فلما حاذى بابه وقف، فإذا نحن بامرأة مُقبلة … الحديث (إِذ بَصُرَ بامرَأَةٍ) بضم الصاد، وكسرها، من بابي
_________________
(١) - "المعافري"- بفتح الميم، وكسر الفاء والراء: نسبة إلى المعافر بطن من قحطان. انتهى "لب اللباب" ج ٢ ص ٢٦٤.
(٢) - "الصِّنَّمِيّ" بفتحتين: نسبة إلى صَنَّم، بطن من الأشعريين في المعافر انتهى "لب اللباب". ج ٢ ص ٢٦٤.
(٣) - "الْحُبُليّ" -بضم المهملة، والموحّدة- ووقع في بعض نسخ "المجتبى": "الجبلي" بالجيم بدل الحاء، وهو تصحيف. فتنبّه.
[ ١٨ / ٣٧٢ ]
كَرُم، وفرِحَ، بصَرًا، وبَصَارة، وُيكسَر: صار مبصرًا. قاله في "ق"، وقال في "المصباح": بَصُرتُ بالشيء -بالضمّ، والكسرُ لغةٌ- بَصَرًا -بفتحتين-: علمتُ، فأنا بصير به، يتعدّى بالباء في اللغة الفصحى، وقد يتعدّى بنفسه انتهى (^١) (لَا تَظُنُّ أَنَّهُ عَرَفَهَا) أي لا تظنّ تلك المرأة أن النبي - ﷺ - عرفها. وفي نسخة: "لا نظنّ". وفي أخرى: "لا يُظَنّ"، وعليها فالفعل مبنيّ للمفعول. ولفظ رواية أبي داود المذكورة: "أظنّه عرفها"، والظان على هذا هو عبد اللَّه بن عمرو. واللَّه تعالى أعلم.
(فَلَما تَوَسَّطَ الطَّرِيقَ) وفي رواية أبي داود المذكورة: "فلما حاذى بابه … " ولا تنافي بينهما أيضا، لأن المحاذاة لا تستلزم وصوله إلى الباب، بل كان وقوفه في وسط الطريق المحاذي لبابه، واللَّه تعالى أعلم.
(وَقَفَ، حَتَّى انْتَهَتْ إِلَيْهِ) أي وصلت تلك المرأة إلى النبي - ﷺ - (فَإِذَا فَاطِمَةُ) "إذا" للمفاجاة، أي ففاجأه كونها فاطمة - ﵂ - (بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) بدل من "فاطمة" (قَالَ: لَهَا) - ﷺ - (مَا أَخْرَجَكِ مِنْ بَيْتِكِ، يَا فَاطِمَةُ؟) "ما" استفهامية، أي أيّ شيء جعلك تخرجين من بيتك الذي أمرك اللَّه بأن تَقَرّي فيه، حيث قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ الآية [الأحزاب: ٣٣]، (قَالَتْ: أَتَيْتُ أَهْلَ هَذَا الْمَيَّتِ) أي الذي دفنه هو وأصحابه، كما تقدم في رواية أبي داود، ولفظ "الكبرى": "أهل البيت" بالباء بدل الميم (فَتَرَحَّمْتُ إِلَيْهِمْ) أي دعوت بالرحمة لميتهم، فقلت فيه: رحم اللَّه ميتكم، فأوصلت ذلك إليهم، حتى يفرحوا به (وَعَزَّيتُهُمْ بِمَيِّتِهِمْ) أي قلت لهم: أحسن اللَّه عَزَاءَكُم، يقال: عَزِي يَعْزَى، من باب تَعِبَ: صَبَرَ على ما نابه، وعَزّيته تَعْزية: قلت له: أحسن اللَّه عَزَاءك، أي رَزَقَك الصبر الحسن. قاله في "المصباح" (قَالَ) - ﷺ - (لَعَلَّكِ بَلَغْتِ، مَعَهُمُ الْكُدَى؟) زاد في رواية ابن حبّان: فسألتُ ربيعة عن الكُدَى؟ فقال: القبور انتهى (^٢).
و"الكُدُى" بضمّ الكاف، جمع كُدْية، وهي في الأصل القطعة من الأرض، سميت قبورهم بها، لأنها كانت تحُفر في المواضع الصلبة، خشية السقوط. قال ابن الأثير -﵀-: وُيروَى "الكُرَا" بالراء، جمع كُرية، أو كُروة، من كريت الأرض، وكروتها: إذا حفرتها، كالحُفْرَة، من حَفَرْتُ انتهى (^٣). والحديث يدلّ على مشروعية التعزية، وعلى جواز خروج النساء لها.
(قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ) منصوب على أنه مصدر لفعل مقدّر، أي أعوذ معاذَ اللَّه (أَنْ أَكُونَ بَلَغْتُهَا) في تأويل المصدر مجرور بحرف جرّ محذوف قياسًا، أي من كوني بلغت تلك
_________________
(١) - راجع "ق" و"المصباح" في مادة بصر.
(٢) - انظر "صحيح ابن حبان" ج ٧ ص ٤٥١. رقم الحديث ٣١٧٧.
(٣) - "النهاية" ج ٤ ص ١٥٦ وص ١٦٩.
[ ١٨ / ٣٧٣ ]
الكُدَى (وَقَدْ سَمِعْتُكَ، تَذْكُرُ فِي ذَلِكَ، مَا تَذْكُرُ) أي من الوعيد، من نحو قوله - ﷺ -: "لعن اللَّه زَوَّارات القبور" حديث حسن أخرجه الترمذي، وابن ماجه (فَقَالَ لَهَا: لَوْ بَلَغْتِهَا) أي الكدى (مَعَهُمْ) مع أهل هذا الميت (مَا رَأَيْتِ الْجَنَّةَ، حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيكِ) يعني عبد المطّلب، قال الإمام ابن حبّان -رحمه اللَّه تعالى-: يريد ما رأيت الجنّة العاليةَ التي يدخلها مَن لم يرتكب ما نَهَى رسول اللَّه - ﷺ - عنه، لأن فاطمة علمت النهي قبل ذلك، والجنةُ هي جنان كثيرة، لا جنة واحدة، والمشرك لا يدخل جنّة من الجنان أصلًا، لا عالية، ولا سافلة، ولا ما بينهما انتهى (^١).
وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: ظاهر السياق، يفيد أن المراد ما رأيت أبدًا، كما لم يرها فلان، وأن هذه الغاية من قبيل ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، ومعلوم أن المعصية غيرَ الشرك لا تؤدي إلى ذلك، فإما أن يحمل على التغليظ في حقها، وإما أن يحمل على أنه علم في حقها أنها لو ارتكبت تلك المعصية لأفضت بها إلى معصية تكون مؤدية إلى ما ذُكر انتهى.
وقال السيوطي -﵀-: أقول: لا دلالة في هذا على ما توهمه المتوهمون، لأنه لو مشت امرأة مع جنازة إلى المقابر، لم يكن ذلك كفرًا، موجبًا للخلود في النار، كما هو واضح، وغاية ما في ذلك أن يكون من جملة الكبائر التي يُعذّب صاحبها، ثم يكون آخر أمره إلى الجنة، وأهل السنّة يؤولون ما ورد من الحديث في أهل الكبائر، أنهم لا يدخلون الجنة، والمراد لا يدخلونها مع السابقين الذين يدخلونها أوّلًا بغير عذاب، فغاية ما يدلّ عليه الحديث المذكور هو أنها لو بلغت معهم الكُدَى لم تر الجنة مع السابقين،
بل يتقدم ذلك عذاب، أو شدة، أو ما شاء اللَّه، من أنواع المشاقّ، ثم يَؤُول أمرها إلى دخول الجنة قطعًا، ويكون عبد المطلب كذلك لا يرى الجنة مع السابقين، بل يتقدّم ذلك الامتحان وحده، أو مع مشاقّ أخر، ويكون معنى الحديث لم تَرَي الجنةَ حتى يجيء الوقت الذي يراها فيه جدّ أبيك، فترينها حينئذ، فتكون رؤيتك لها متأخّرة عن رؤية غيرك من السابقين لها. هذا مدلو الحديث، لا دلالة له على قواعد أهل السنة غير ذلك، والذي سمعتُهُ من شيخنا شيخ الإسلام شرف الدين المناويّ، وقد سئل عن عبد المطلب، فقال: هو من أهل الفترة الذين لم تبلغهم الدعوة، وحكمهم في المذهب معروف انتهى (^٢).
_________________
(١) - راجع "صحيح ابن حبان" ج ٧ ص ٤٥١ - ٤٥٢ رقم الحديث ٣١٧٧.
(٢) - راجع "زهر الربى"، و"شرح السنديّ" ج ٤ ص ٢٧ - ٢٨.
[ ١٨ / ٣٧٤ ]
قال الجامع عفا اللَّه تعالى منه: عندي ما تقدم من تأويل ابن حبان هو الأولى، وحاصله أن الجنة المنفي رؤيتها هي نوع أعلى من أنوع الجنان، بمعنى أنها تحُرَم منها لارتكابها المنهيّ عنه، لا أنها تحرم من أصل الجنة. واللَّه تعالى أعلم.
وأما ما نقله السيوطيّ عن شيخه مما يدلّ على نجاة عبد المطلب، فإنه محل نظر، إذ يحتاج إلى نصّ صحيح صريح في ذلك، فقد صحّ أنه - ﷺ - استأذن ربه أن يستغفر لأمه فلم يأذن له، حتى بكى، وأبكى من حوله، وهي ماتت قبل عبد المطلب، وقبل مبعثه - ﷺ - بزمان، وسيترجم المصنّف -﵀- لقصة الاستغفار لها بقوله: "باب زيارة قبر المشرك" في [١٠١/ ٢٠٣٤]، وسيكون لنا عودة إلى إتمام البحث في المسألة هناك، إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(قال أبو عبدالرحمن) أي المصنف (ربيعة) يعني بن سيف الراوي عن أبي عبد الرحمن الحُبُليّ (ضعيف) وكذا قال البخاريّ عنده مناكير، وقال ابن يونس: في حديثه مناكير، وقال البخاريّ أيضا في "الأوسط": روى أحاديث لا يتابع عليها، وقال ابن حبان: يخطىء كثيرًا.
وقال الذهبيّ في "الميزان": وضعفه عبد الحقّ الأزديّ عند ما روى له حديث: "يا فاطمة أبلغت معهم الكدى … "، فقال: هو ضعيف الحديث، عنده مناكير. وقال ابن حبّان: لا يتابع ربيعة على هذا، في حديثه مناكير، فأما النسائيّ في "كتابه التمييز"، فأورد له هذا، وقال: ليس به بأس انتهى (^١).
[تنبيه]: وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة، من جهة أن النبي - ﷺ - لم يذهب إلى دفن الميت المذكور إلا بعد النعي له بموته، وإعلامهم إياه بذلك، ففيه دليل على جواز النعي.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد اللَّه بن عَمْرٍو - ﵁ - هذا ضعيف؛ لضعف ربيعة بن سبق.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢٧/ ١٨٨٠ - وفي "الكبرى" ٢٧/ ٢٠٠٧ - وأخرجه (د) ٣١٢٣ (أحمد) ٦٥٣٨. (ابن حبّان) ٣١٧٧ (الحاكم) ج١ ص٣٧٣ - ٣٧٤ (البيهقي) ج ٤ ص ٧٧ - ٧٨ - وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وهو غير صحيح، فإن ربيعة ليس من رجالهما، وقد ضعفه الأكثرون، كما تقدم قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) - راجع ميزان الاعتدال ج ٢ ص ٤٣ - ٤٤.
[ ١٨ / ٣٧٥ ]
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…