قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قال المجد اللغويّ -رحمه اللَّه تعالى-: "السِّدْر" -بكسر فسكون-: شجر النبِقِ، الواحدة بهاء، جمعه سِدرَات-بكسر فسكون- وسِدِرَات- بكسرتين- وسِدَرَات -بكسر ففتح- وسِدَر- كذلك- وسُدُرٌ -بضمتين- انتهى بإيضاح (^١).
وقال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: "السِّدْرّة": شجرة النَّبِقِ، والجمع سِدَرٌ -بكسر ففتح- ثم يُجمعُ على سِدَرَات، فهو جمع الجمع، وتجُمَع السدرة أيضًا على سِدْرَات - بالسكون- حملًا على لفظ الواحد، قال ابن السَّرَّاج: وقد يقولون: سِدْرٌ -بكسر فسكون- ويريدون الأقلّ، لقلّة استعمالهم التاء في هذا الباب، وإذا أطلق السِّدْر في الغَسْل فالمراد به الوَرَقُ المطحون، قال الحجّة في التفسير: والسدر نوعان: أحدهما ينبت في الأَرْياف، فيُنتَفَع بوَرَقه في الغَسْل، وثمرته طيّبة، والآخر ينبت في البّرّ، ولا يُنتفع بوَرَقه في الغَسْل، وثمرته عَفِصَةٌ (^٢). انتهى (^٣).
قال الزين ابن المنيّر -رحمه اللَّه تعالى-: جعلهما معا آلة لغسل الميت، وهو مطابق لحديث الباب، لأن قوله: "بماء وسدر" يتعلّق بقوله: "اغسلنها"، وظاهره أن السدر يُخلَط في كلّ مرّة من مرّات الغسل، وهو مشعر بأن غسل الميت للتنظيف، لا للتطهير، لأن الماء المضاف لا يُتطهّر به انتهى.
قال الجامع: قوله: "لأن الماء المضاف لا يتطهّر به" غير صحيح، لأن حديث الباب ظاهر في كونه مطهّرًا، ولا يُعدل عن هذا الظاهر إلا لدليل صحيح صريح، فالماء المضاف إليه السدر ونحوه من الأشياء الطاهرة مطهّر ما دام اسم الماء ثابتا له، كما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيّم -رحمهما اللَّه تعالى- (^٤).
وقال في "الفتح" بعد نقل كلام ابن المنيّر المذكور: وقد يُمنع لزوم كون الماء يصير مضافا بذلك، لاحتمال أن لا يُغَيِّر السدرُ وصف الماء بأن يُمعَك بالسدر، ثم يغسل
_________________
(١) - "ق" في مادة س د ر.
(٢) - يقال: طعام عَفِصٌ: فيه تقبّض. قاله في "المصباح".
(٣) - "المصباح" في مادة س د ر.
(٤) - أجاد الشيخ العلامة ابن باز حفظه اللَّه تعالى في هذا فيما علقه على هامش "فتح الباري" فراجع ما كتبه ج ٣ ص ٤٦٤ طبعة مؤسسة الرسالة.
[ ١٨ / ٣٧٦ ]
بالماء في كلّ مرة، فإن لفظ الخبر لا يأبى ذلك. انتهى.
قال الجامع: لكن الأول هو الظاهر، فلا داعي إلى أن يعدل عنه، كما علمت. واللَّه أعلم.
وقال القرطبيّ: يُجعل السدر في ماء، ويُخَضخَض (^١) إلى أن تخرج رغوته (^٢)، ويدلك به جسده، ثم يصب عليه الماء القَرَاح (^٣)، فهذه غسلة.
وحكى ابن المنذر أن قوما قالوا: تُطرح ورقات السدر في الماء، أي لئلا يمازج الماء، فيتغير وصفه المطلق. وحكي عن أحمد أنه أنكر ذلك، وقال: يغسل في كلّ مرّة بالماء والسدر.
قال الجامع: هذا الذي حُكِي عن الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- هو الحقّ، الذي يجب المصير إليه، وما عداه من التأويلات التي ذكروها، فآراء ساقطة، لا أثارة عليها من الأدلة، واللَّه تعالى أعلم.
قال الحافظ: وأعلى ما ورد في ذلك ما رواه أبو داود من طريق قتادة، عن ابن سيرين أنه كان يأخذ الغُسل، عن أمّ عطيّة، فيغسل بالماء والسدر مرتين، والثالثة بالماء والكافور. قال ابن عبد البرّ. كان يقال. كان ابن سيرين من أعلم التابعين بذلك.
قال الجامع: هذا الذي نُقل عن ابن سيرين هو الذي ينبغي اتباعه، لكونه أعلم التابعين بذلك، لكن الثالثة تكون بالماء والسدر، والكافور، لظاهر النصّ، واللَّه تعالى أعلم.
وقال ابن العربىّ: من قال: الأولى بالماء القَرَاح، والثانية بالماء والسدر، أو العكس، والثالثة بالماء والكافور، فليس هو في لفظ الحديث انتهى. وكان قائله أراد أن تقع إحدى الغسلات بالماء الصرف المطلق، لأنه المطهّر في الحقيقة، وأما المضاف فلا.
قال الجامع: قوله: وأما المضاف فلا غير صحيح، لأن الشارع جعل الماء والسدر مطهّرًا حقيقة، فكيف يقال: إن المضاف لا يطهّر، إن هذا لشيء عجيب!!!.
قال: وتمسّك بظاهر الحديث ابن شعبان، وابن الفرضي، وغيرهما من المالكيّة، فقالوا: غسل الميت إنما هو للتنظيف، فيجزئ بالماء المضاف، كماء الورد، ونحوه، قالوا: وإنما يكره من جهة السرف، والمشهور عند الجمهور أنه غسل تعبّديّ يشترط فيه ما يشترط في بقية الأغسال الواجبة والمندوبة. وقيل: شُرع احتياطًا، لاحتمال أن يكون
_________________
(١) - أي يُحرّك.
(٢) - الرغوة مثلث الراء: الزَّبَد يعلو الشيء عند غَلَيَانه. اهـ "المصباح".
(٣) - القراح وِزانُ كَلَام: الماء الخالص الذي لم يُخالطه شيء.
[ ١٨ / ٣٧٧ ]
عليه جنابة، وفيه نظر، لأن لازمه أن لا يُشرَع غسل من هو دون البلوغ، وهو خلاف الإجماع. انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٨٨١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، حِينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ، فَقَالَ: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ، إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ، كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي». فَلَمَّا فَرَغْنَا، آذَنَّاهُ، فَأَعْطَانَا حَقْوَهُ، وَقَالَ: «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ».
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧.
٣ - (أيوب) بن أبي تيمة/ كَيسَان السَّخْتِيَاني، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٥] ٤٢/ ٤٨.
٤ - (محمد بن سيرين) أبو بكر ابن أبي عمرة الأنصاريّ مولاهم البصري الإمام الثبت الحجة [٣] ٤٦/ ٥٧.
٥ - (أم عَطيّة الأنصارية) نُسيبة -بالتصغير، ويقال: بفتح النون (^٢) -بنت كعب، أو بنت الحارث، صحابية مشهورة، نزلت البصرة ٧/ ٣٦٨. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه فبغلانيّ، ومالك، فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) وفي رواية للبخاري، من طريق ابن جُريج، عن أيوب، سمعت ابن سيرين، وقد رواه أيوب أيضًا عن حفصة بنت سيرين، كما سيأتي بعد باب - ٣٠/ ١٨٨٣ - ومدار حديث أم عطيّة على محمد، وحفصة، ابني سيرين، وحفظت منه
_________________
(١) - "فتح"ج ٣ ص ٤٦٤ - ٤٦٥.
(٢) - ذكر الحافظ في "الهدي" أن اسمها بنون، ومهملة، وموحّدة، والمشهور فيها التصغير، وقيل: بفتح أوله، وقع ذلك في رواية أبي ذرّ، عن السرخسيّ، وكذا ضبطه الأصيليّ، عن يحيى بن معين، وطاهر بن عبد العزيز في "السيرة الهشامية" انتهى.
[ ١٨ / ٣٧٨ ]
حفصة ما لم يحفظه محمد،، كما سيأتي مبيّنًا.
قال ابن المنذر -﵀-: ليس في أحاديث الغسل للميت أعلى من حديث أم عطيّة، وعليه عَوَّلَ الأئمّة انتهى (^١).
(أَنَّ أُمَّ عَطِيَةَ الأَنْصَارِيَّةَ) - ﵂ -، وفي رواية ابن جريج: جاءت أم عطية، امرأة من الأنصار اللاتي بايعن رسول اللَّه - ﷺ - قدمت البصرة، تُبَادر ابنا لها، فلم تُدركه.
قال الحافظ -﵀-: وهذا الابن ما عَرفتُ اسمه، وكأنه كان غازيًا، فقدم البصرة، فبلغ أم عطيّة، وهي بالمدينة قُدومه، وهو مريض، فرحلت إليه، فمات قبل أن تلقاه، ودلت بعض الروايات أن قدومها كان بعد موته بيوم، أو يومين انتهى (قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، حِينَ تُوُفِّيَتِ ابنَتُهُ) وفي الروية الآتية -٣٣/ ١٨٨٦ -: "قالت دخل علينا رسول اللَّه - ﷺ -، ونحن نغسل ابنته … " قال في "الفتح ": ويجمع بينهما بأن المراد أنه دخل حين شرع النسوة في الغسل، وسيأتي للمصنف -٣٢/ ١٨٨٥ - من طريق هشام بن حسان، عن حفصة أن مجيئهنّ إليها كان بأمره - ﷺ -، ولفظه: ماتت إحدى بنات النبي
- ﷺ -، فأرسل إلينا، فقال: "اغسلنها … ".
[تنييه]: قوله: "ابنته" قال في "الفتح": لم تقع في شيء من رواية البخاريّ مسماة، والمشهور أنها زينب زوج أبي العاص بن الربيع، والدة أُمَامة التي تقدّم ذكرها في "الصلاة"، وهي أكبر بنات النبي - ﷺ -، وكانت وفاتها فيما حكاه الطبريّ في "الذيل" في أول سنة ثمان، وقد وردت مسماة في هذا عند مسلم، من طريق عاصم الأحول، عن حفصة، عن أم عطيّة، قالت: لما ماتت زينب بنت رسول اللَّه - ﷺ -، قال رسول اللَّه - ﷺ -: "اغسلنها … "، فذكر الحديث، قال الحافظ: ولم أرها في شيء من الطرق، عن حفصة، ولا عن محمد مسماة إلا في رواية عاصم هذه، وقد خولف في ذلك، فحكى ابن التين، عن الداوديّ الشارح، أنه جزم بأن البنت المذكورة أم كلثوم، زوج عثمان، ولم يذكر مستنده، وتعقّبه المنذريّ بأن أم كلثوم توفيت، والنبي - ﷺ - ببدر، فلم يشهدها، وهو غلط منه، فإن التي توفيت حينئذ رُقَيَّة. وعزاه النوويّ، تبعًا لعياض لبعض أهل السير، وهو قصور شديد، فقد أخرجه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الوهاب الثقفيّ، عن أيوب، ولفظه: "دخل علينا، ونحن نغسل ابنته، أم كلثوم"، وهذا الإسناد على شرط الشيخين، وفيه نظر (^٢).
_________________
(١) - المصدر الذكور ج ٣ ص ٤٦٦.
(٢) - ووجه النظر أنه ذكر البخاري في "باب كيف الإشعار": "ولا أدري أيّ بناته" انتهى. فإنه يدل على أنه لم يسمع تسميتها.
[ ١٨ / ٣٧٩ ]
وكذا وقع في "المبهمات" لابن بشكوال، من طريق الأوزاعيّ، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية، قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم … الحديث، وقرأت بخطّ مغلطاي: زعم الترمذيّ أنها أم كلثوم، وفيه نظر. كذا قال، ولم أر في الترمذيّ شيئًا من ذلك.
وقد روى الدُّولابي في "الذرية الطاهرة" من طريق أبي الرجال، عن عمرة، أن أم عطية كانت ممن غسل أم كلثوم، ابنة النبي - ﷺ - … الحديث.
فيمكن ترجيح ذلك لمجيئه من طرق متعددة، ويمكن الجمع بأن تكون حضرتهما جميعًا، فقد جزم ابن عبد البر -﵀- في ترجمتها بأنها كانت غاسلة الميتات.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: طريقة الجمع أولى من الترجيح، إذ فيه العمل بالحديثين، بخلاف الثاني، فإن فيه إدعاءَ أحدهما. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ووقع لي من تسمية النسوة اللاتي حضرن معها يعني أم عطيّة ثلاث غيرها، ففي "الذرّيّة الطاهرة" أيضًا من طريق أسماء بنت عُمَيس أنها كانت ممن غسلها، قالت: ومعنا صفية بنت عبد المطّلب، ولأبي داود من حديث ليلى بنت قَانِف -بقاف، ونون، وفاء- الثقفيّة، قالت: كنت فيمن غسلها، وروى الطبرانيّ من حديث أم سلمة شيئًا يومىء إلى أنها حضرت ذلك أيضًا انتهى (^١).
(فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا) قال ابن بزيزة: استُدِلّ به على وجوب غسل الميت، وهو مبنيّ على أن قوله فيما بعدُ: "إن رأيتنّ ذلك" هل يرجع إلى الغسل، أو العدد، والثانى أرجح، فثبت الْمُدَّعَى. قال ابن دقيق العيد: لكن قوله: "ثلاثًا" ليس للوجوب على المشهور من مذاهب العلماء، فيتوقّف الاستدلال به على تجويز إرادة المعنيين المختلفين بلفظ واحد، لأن قوله: "ثلاثا" غير مستقلّ بنفسه، فلا بدّ أن يكون داخلا تحت صيغة الأمر، فيراد بلفظ الأمر الوجوب بالنسبة إلى أصل الغسل، والندب بالنسبة إلى الإيتار انتهى. وقواعد الشافعية لا تأبى ذلك، ومن ثمّ ذهب الكوفيون، وأهل الظاهر، والمزنيّ إلى إيجاب الثلاث، وقالوا: إن خرج منه شيء بعد ذلك يغسل موضعه، ولا يعاد غسل الميت، وهو مخالف لظاهر الحديث. وجاء عن الحسن مثله، أخرجه عبد الرزاق، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، قال: يغسل ثلاثًا، فإن خرج منه شيء بعدُ فخمسًا، فإن خرج منه شيء غسل سبعا. قال هشام: وقال الحسن: يغسل ثلاثًا، فإن خرج منه شيء غسل ما خرج، ولم يُزد على ثلاث انتهى.
_________________
(١) - "فتح" ج ٣ ص ٤٦٧.
[ ١٨ / ٣٨٠ ]
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الكوفيون، والظاهرية، والمزني من وجوب غسل الثلاث هو الذي يظهر لي، لظاهر حديث الباب، وأما إعادة الغسل فيما إذا خرج منه شيء، فمما لا دليل عليه، بل الظاهر أن يغسل الخارج فقط. واللَّه تعالى أعلم.
(ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا) وفي رواية هشام بن حسان، عن حفصة الآتية: "واغسلنها وترًا، ثلاثًا، أو خمسًا"، و"أو" هنا للترتيب، لا للتخيير، قال النووي -﵀-: المراد اغسلنها وترًا، وليكن ثلاثًا، فإن احتجتنّ إلى زيادة، فخمسًا، وحاصله أن الإيتار مطلوب، والثلاث مستحبّة، فإن حصل الإنقاء بها لم يشرع ما فوقها، وإلا زيد وترًا، حتى يحصل الإنقاء، والواجب من ذلك مرة واحدة عامّة للبدن انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: قد علمت أن الراجح وجوب الثلاث، فتنبّه.
وقال ابن العربي: في قوله: "أو خمسًا" إشارة إلى أن المشروع هو الإيتار، لأنه نَقَلَهُنّ من الثلاث إلى الخمس، وسكت عن الأربع انتهى.
(أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ) بكسر الكاف لأنه خطاب للمؤنّث، إذ القاعدة العربية أن يُجعل أول الكلام لمن يُسأل عنه، وآخره لمن يخاطبه، فيقول: كيف ذلك الرجل يا امرأة، وكيف تلك المرأة يا رجل. قاله ابن الملقّن -رحمه اللَّه تعالى- (^١).
وفي رواية أيوب، عن حفصة الآتية: "ثلاثا، أو خمسًا، أو سبعًا".
قال الحافظ: -﵀-: ولم أر في شيء من الروايات بعد قوله: "سبعا" التعبير بأكثر من ذلك إلا في رواية لأبي داود (^٢)، وأما ما سواها، فإما "أو سبعًا"، وإما "أو أكثر من ذلك"، فيحتمل تفسير قوله: "أو أكثر من ذلك" بالسبع، وبه قال أحمد، فكره الزيادة على السبع. وقال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدًا قال بمجاوزة السبع، وساق من طريق قتادة، أن ابن سيرين كان يأخذ الغسل عن أم عطيّة، ثلاثا، وإلا فخمسًا، وإلا فأكثر، قال: فرأينا أن أكثر من ذلك سبع. وقال الماورديّ: الزيادة على السبع سرف. وقال ابن المنذر: بلغني أن جسد الميت يسترخي بالماء، فلا أحبّ الزيادة على ذلك انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الأقوال كلها مخالفة للنصّ الصحيح الصريح في الزيادة على السبع، إن دعت الحاجة إليها، فإن رواية: "ثلاثا، أو خمسًا، أو سبعًا، أو
_________________
(١) - "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ج ٤ ص ٤٢٩.
(٢) - قلت: يردّه أنها في "صحيح البخاريّ" برقم-١٢٥٨ - وعند المصنّف أيضًا، كما سيأتي رقم ٣٤/ ١٨٨٨ و١٨٨٩. فتنبّه.
[ ١٨ / ٣٨١ ]
أكثر من ذلك" صحيحة، أخرجها البخاريّ برقم [١٢٥٨]، ومسلم برقم [٢١٦٨] والمصنّف كما سيأتي [٣٤/ ١٨٨٨/ و١٨٨٩]، فلا التفات إلى خلاف من خالفها، فإن السنّة إذا صحّت فهي الحجة برأسها، وإن خالفها الجلّ، إلا لدليل ينسخها، أو يقدّم عليها، وليس هنا شيء من ذلك، فوجب المصير إليها.
وسيأتي للمصنف -رحمه اللَّه تعالى- ترجمة خاصّة بمشروعية الزيادة في الغسل على السبعة [٣٤]، "غسل الميت أكثر من سبعة"، ويستدل بالزيادة المذكورة، فللَّه درّه، ما أحسن استنباطه -رحمه اللَّه تعالى-!!!.
وأما قول الحافظ: لم أر التعبير بقوله: "أكثر من ذلك" بعد قوله: "أو سبعا" الخ، فهو سهو منه، فقد عرفت أن التعبير به ثابت في "الصحيحين". واللَّه تعالى أعلم.
(إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ) قال العلامة ابن الملقّن -﵀-: وأتى - ﷺ - بالنون الثقيلة لجماعة النساء من حيث إن الغسل لا يتعاطاه إلا جماعة منهنّ، لكن نظرًا للمصلحة الشرعية قد يكون لواحدة منهنّ، فحسن جمعهنّ في الرواية، وإفراد أم عطيّة في الخطاب.
قال: ومعنى "إن رأيتنّ" أي إن رأيتنّ الزيادة في العدد، وعند الاحتياج، وليس معناه التخيير والتفويض إلى شهوتهنّ، وقيل: معناه إن رأيتنّ الغسل، وما أبعده، وبنى المالكية على ذلك منهم المازريّ الخلاف عندهم في وجوب الغسل، فمن قال بالثاني قال: إن غسله سنة، ومن قال بالأول قال: إنه واجب، وهذا مبنيّ على الخلاف في أن التقييد، والاستثناء، والشرط إذا تعقب جمُلًا، هل يعود إلى جميعها، إلا ما أخرجه الدليل، أو إلى أقربها.
وتعجّب بعضهم من النوويّ في نقله الإجماع على أن غسل الميت فرض كفاية، فإن الخلاف فيه عندهم، حكاه المازريّ وغيره، وقال القرطبيّ: الأولى أنه سنّة.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كونه فرضا هو الحقّ، كما هو قول الجمهور، لأمر النبي - ﷺ - بذلك، وهو للوجوب عند عدم الصارف، كما هنا. واللَّه تعالى أعلم.
قال: وليس عند مالك، وبعض أصحابه في غسل الميت تحديد بعدد معيّن، ولكن يُنقّى الميت، ولا يقتصر مع ذلك على ما دون الثلاث، فإن احتيج إلى الزيادة استحبّ الوتر، وليس لذلك عنده حدّ.
قال القاضي عياض: وإلى هذا يرجع قول الشافعيّ وغيره من العلماء، وكذا إذا احتاج الغاسل إلى أكثر من ذلك، لقوله: "إن رأيتنّ ذلك"، ونحا أحمد، وإسحاق إلى أن لا يزاد على سبع، والرواية التي أسلفناها تردّ ذلك انتهى كلام ابن الملقّن
[ ١٨ / ٣٨٢ ]
-رحمه اللَّه تعالى- (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: الحاصل أن القول بالزيادة على السبع إذا احتيج إليه هو الصواب، لما تقدم من رواية الشخين وغيرهما "أو سبعًا، أو أكثر من ذلك". واللَّه تعالى أعلم.
وقال ابن المنذر: إنما فوّض الرأي إليه بالشرط المذكور، وهو الإيتار. وحكى ابن التين عن بعضهم، قال: يحتمل قوله: "إن رأيتنّ" أن يرجع إلى الأعداد المذكورة، ويحتمل أن يكون معناه إن رأيتنّ أن تفعلن ذلك، وإلا فالإنقاء يكفي انتهى (^٢).
قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: قد عرفت الردّ على هذا القول فيما تقدّم، فلا تغفل، وباللَّه تعالى التوفيق.
(بمَاءٍ وَسدْرٍ) قال ابن العربيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا أصل في جواز التطهّر بالماء المضاف إذا لم يُسلب الماء الإطلاق انتهى. قال الحافظ -﵀-: وهو مبنيّ على أن الصحيح أن غسل الميت للتطهير، كما تقدّم انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله العلامة ابن العربي -رحمه اللَّه تعالى- هو الحقّ الذي يدلّ عليه حديث الباب وغيره، وقد تقدّم الردّ على الأقوال المخالفة له، فلا تغفل، وباللَّه تعالى التوفيق.
(وَاجْعَلنَ فِي الآخِرَةِ، كَافُورًا) قال المجد -﵀- عند تعداد معاني الكافور: ما نصّه: وطيب معروف، يكون في شجر بجبال بحر الهند والصين، يُظِلُّ خلقا كثيرًا، وتَألَفُهُ النُّمُورة، وخشبه أبيض هَشٌّ، ويوجد في أجوافه الكافور، وهو أنواع انتهى (^٣) (أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ) هو شكّ من الراوي، أيَّ اللفظين قال، والأول محمول على الثاني، لأنه
نكرة في سياق الإثبات، فيصدق بكلّ شيء منه.
وظاهره جعل الكافور في الماء، وبه قال الجمهور. وقال النخعيّ، والكوفيّون: إنما يجعل في الحنوط، أي بعد إنهاء الغسل والتجفيف. قاله في "الفتح".
وعبارة ابن الملقّن: انفرد أبو حنيفة، فقال: لا يستحبّ استعمال الكافور (^٤)، وخالفه الثلاثة والجمهور، وهذا الحديث حجة عليه. وروي عن النخعيّ: إنما ذلك في الحنوط، لا في الغسل، وعزاه القرطبيّ إلى الأوزاعيّ، ويمكن أن يتأول من قال هذا "في الأخيرة"، أي بعد تمامها، والظاهر بخلافه انتهى (^٥).
_________________
(١) - انظر "الإعلام بقواعد عمدة الأحكام" ج ٤ ص ٤٢٩ - ٤٣٠.
(٢) "فتح" جـ٣ ص ٤٦٨.
(٣) - انظر "ق" في مادة ك ف ر.
(٤) - الذي رأيته في كتب الحنفية أن قولهم في ذلك نحو قول النخعيّ، فليتأمل.
(٥) - "الإعلام" ج٤ ص ٤٣٣ - ٤٣٤.
[ ١٨ / ٣٨٣ ]
قال الجامع: هذه الأقوال كلها يردها ظاهر الحديث، كما أشار إليه ابن الملقّن، فالصواب مشروعية استعمال الكافور فى المرة الأخيرة من الغسلات. واللَّه تعالى أعلم.
قيل: الحكمة في الكافور مع كونه يَطيّب رائحة الموضع لأجل من يحضر من الملائكة وغيرهم، أن فيه تجفيفًا، وتبريدًا، وقوّة نفوذ، وخاصيّةً في تصليب بدن الميت، وطرد الهوامّ عنه، وردع ما يتحلل من الفضلات، ومنع إسراع الفساد إليه، وهو أقوى الأراييح الطيّبة في ذلك، وهذا هو السرّ في جعله في الأخيرة، إذ لو كان في الأولى مثلا لأذهبه الماء.
وهل يقوم المسك مثلًا مقام الكافور؟ إن نظر إلى مجرّد التطييب، فنعم، وإلا فلا، وقد يقال: إذا عُدم الكافور قام غيره مقامه، ولو بخاصيّة واحدة مثلا. قاله في "الفتح" (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ أن غير الكافور لا يقوم مقامه، عند وجوده، بل يجب استعماله، لأمر النبى - ﷺ - بذلك، حيث قال: "واجعلن فى الآخرة كافورًا". واللَّه تعالى أعلم.
(فَإِذَا فَرَغْتُنَّ) أي من غسلها على الكيفية المذكورة (فَآذِنَّنِي) أي أعلمنني، وهو بمد الهمزة، وتشديد النون الأولى من الإيذان، وهو الإعلام، قال السنديّ: ويحتمل أن يُجعل من التأذين، والمشهور الأول انتهى (فَلَمَّا فَرَغْنَا، آذَنَّاهُ) أي أعلمناه بفراغنا من الغسل المذكور (فَأعْطَانَا حَقْوَهُ) بفتح المهملة، -ويجوز كسرها، وهي لغةُ هُذيل- بعدها قاف ساكنة، والمراد به هنا الإزار، كما وقع مفسّرًا في آخر هذه الرواية عند البخاريّ، والحقو في الأصل مَعْقِد الإزار، وأطلق على الإزار مجازا.
وقال ابن الملقّن -﵀-: الحقو بالكسر، وفتحها لغتان، والمعروف من كلام العرب الثاني، وقالته هذيل بالأول، كما أفاده القرطبيّ، وهو الإزار، والأصل فيه الخصر (^٢) معقد الإزار، وسمي الإزار مجازًا، لملازمته إياه، وهو من باب تسمية الشىء بما يلازمه، كما قالوا للمَزَادة راوية، والراوية اسم للجمل الحامل لها. انتهى (^٣).
_________________
(١) - ج٣ ص ٤٦٨ - ٤٦٩.
(٢) - الْخَصْرُ: بفتح، فسكون: من الإنسان وسطه، وهو المستدقّ فوق الوركين، والجمع خُصُور، كفلس وفلوس. اهـ "المصباح".
(٣) - "الإعلام" ج٤ ص ٤٣٥ - ٤٣٦.
[ ١٨ / ٣٨٤ ]
وقال في "المصباح": الْحَقوُ موضع شَدّ الإزار، وهو الخاصرة، ثم توسّعوا حتى سَمَّوُا الإزار الذي يُشدّ على العورة حَقْوًا، والجمع أَحْقٍ، وحُقِيٍّ، مثل فلس وفُلُوس، وقد يُجمع على حِقَاءٍ، مثل سَهْم وسِهَام انتهى.
ووقع عند البخاريّ من رواية ابن عون، عن محمد بن سيرين بلفظ: "فنزع من حقوه إزاره"، والحقو في هذا على حقيقته. قاله في "الفتح".
(وَقَال: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ) أي اجعلنه شِعارَها، أي الثوب الذي يلي جسدها، وسيأتي للمصنف -﵀- باب مفرد للإشعار.
قيل: الحكمة في تأخير الإزار معه إلى أن يفرغن من الغسل، ولم يناولهنّ إياه أوّلًا، ليكون قريب العهد من جسده الكريم - ﷺ -، حتى لا يكون بين انتقاله من جسده إلى جسدها فاصل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أم عطيّة - ﵂ - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٨/ ١٨٨١ و١٨٨٣ و١٨٨٤ و١٨٨٥ و١٨٨٧ و١٨٨٨ و١٨٨٩ و١٨٩٠ و١٨٩١ و١٨٩٢ و١٨٩٣ و١٨٩٤ - وفي "الكبرى" ٢٠٠٨ و٢٠١٠ و٢٠١١. و٢٠١٢ و٢٠١٣ و٢٠١٤ و٢٠١٥ و٢٠١٦ و٢٠١٧ و٢٠١٨ و٢٠٢٠ و٢٠٢١.
وأخرجه (خ) ١٦٧ و١٢٥٣ و١٢٥٤ و١٢٥٧ و١٢٥٩ و١٢٦١ (م) ٢١٦٥ و٢١٦٦ و٢١٦٧ و٢١٦٨ و٢١٦٩ و٢١٧٠ و٢١٧١ و٢١٧٢ و٢١٧٣. (د) ٣١٤٢ (ت) ٩٩٠ (ق) ١٤٥٥ (مالك في الموطإ) ٥١٨ (أحمد) ٢٠٢٦٦ و٢٦٧٥٢. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوب له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعية غسل الميت، وكون الغسل بالماء والسدر. ومنها: استعمال الكافور في الغسلة الأخيرة. ومنها: ما كان عليه النبي - ﷺ - من تعليم أمور الدين لأمته رجالا ونساءً. ومنها: أنه ينبغي للعالم إذا علّم أمرا يتعلّق بالمأمورية، لا يمكن الائتمار به إلا بالفعل على سورة أن يقيّد الأمر، والتعليم بغاية، لتوضع موضعه. ومنها: أنه ينبغي للمأمور التقيّد بالأمر فورًا وغايةً. (^١) ومنها: أن على العالم أن يبتدىء بتعليم العلم إذا علم أن العامل يجهل ذلك العلم، أو يقصّر في
_________________
(١) - نبه على هاتين الفائدتين العلامة ابن الملقّن -رحمه اللَّه تعالى- في "الإعلام" ج ٤ ص ٤٣٥.
[ ١٨ / ٣٨٥ ]
العمل به. ومنها: مشروعية الإيتار في غسل الميت على حسب الحاجة، كما سبق.
ومنها: تفويض الحاجة في ذلك إلى العامل على حسب المصلحة الشرعية، من غير إسراف. ومنها: التبرّك بآثار رسول اللَّه - ﷺ -. ومنها: جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في وجوب غسل من غسل ميتًا:
(اعلم): أنه استدلّ بعض أهل العلم بهذا الحديث على أنه لا يجب الغُسل على من غَسَلَ الميت، من حيث إنه موضع تعليم، فلو وجب لذكره النبي - ﷺ -، قال العلامة ابن الملَقِّن -﵀-: وعدم الوجوب هو الصحيح، من مذهب الشافعي، ورواية المدنيين عن مالك، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد، والجمهور، لكن قال الخطابي: لا أعلم أحدًا قال بوجوبه (^١). وأوجب أحمد، وإسحاق الوضوء منه، والجمهور على استحبابه.
والحديث المرويّ فيه من طريق أبي هريرة - ﵁ -: "من غسل ميتا فليغتسل، ومن مسّه فليتوضأ". ضعيف بالاتفاق، كذا قال النووي في "شرح مسلم"، وتبعه بعض شراح هذا الكتاب يعني "عمدة الأحكام" وليس بجيد، فقد حسّنه الترمذيّ، وصححه ابن حبّان، وابن السكن. وقال البخاريّ: الأشبه وقفه على أبي هريرة.
ويحمل على الاستحباب بدليل حديث ابن عباس - ﵄ -، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "ليس عليكم في غسل ميتكم غسل، إذا غسلتموه، فإن ميتكم ليس بنجس". رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: صحيح على شرط البخاريّ، ثم قال: وفيه ردّ لحديث أبي هريرة الذي أسلفناه، وليس كما قال، بل يُعمل بهما، فيستحبّ الغسل، فإذا قلنا بالوجوب، فقيل: تعبّد، وقيل: محمول على نجاسة بدن الآدمي بالموت، وهو قول بعضهم. وقيل: المعنى فيه حرمة الميت، حكاه الماورديّ. انتهى كلام ابن الملقّن -رحمه اللَّه تعالى- (^٢).
وقال البغويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح السنة":
واختلف أهل العلم في الغسل من غسل الميت، فذهب بعضهم إلى وجوبه، وذهب أكثرهم إلى أنه غير واجب، قال ابن عمر، وابن عباس - ﵄ -: ليس على غاسل الميت غسل. وروي عن عبد اللَّه بن أبي بكر، عن أسماء بنت عُميس امرأة أبي بكر أنها غسلت أبا بكر حين توفي، فسألت من حضرها من المهاجرين، فقالت: إني صائمة، وهذا يوم
_________________
(١) - سيأتي أن بعضهم قال بوجوبه، فتنبّه.
(٢) - "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ج ٤ ص ٤٣٩ - ٤٤٣.
[ ١٨ / ٣٨٦ ]
شديد البرد، فهل عليّ من غسل؟ فقالوا: لا (^١).
وقال مالك، والشافعيّ: يستحب له الغسل، ولا يجب. وقال النخعي، وأحمد، وإسحاق: يتوضأ غاسل الميت. وقال أحمد: لا يثبت في الاغتسال من غسل الميت حديث. وقال ابن المبارك: لا يغتسل، ولا يتوضأ انتهى كلام البغوي -﵀- تعالى (^٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث: "من غسل ميتا فليغتسل … " قال الحافظ في الفتح": رواه أبو داود، من طريق عمرو بن عمير، ورواته ثقات، إلا عمرو بن عمير، فليس بمعروف، وروى الترمذيّ، وابن حبّان، من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة نحوه، وهو معلول، لأن أبا صالح لم يسمعه من أبي هريرة - ﵁ -. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: الصواب عن أبي هريرة موقوف. وقال أبو داود بعد تخريجه: هذا منسوخ، ولم يبين ناسخه. وقال الذهليّ فيما حكاه الحاكم في "تاريخه": ليس فيمن غسل ميتًا حديث ثابت انتهى (^٣).
وقد استوفى الكلام عليه الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "التلخيص الحبير"، ودونك عبارته: قال -﵀-: حديث: "من غسل ميتا فليغتسل" رواه أحمد، والبيهقيّ، من رواية ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة بهذا، وزاد: "ومن حمله فليتوضأ". وصالح ضعيف. ورواه البزار، من رواية العلاء، عن أبيه، ومن رواية محمد ابن عبد الرحمن بن ثوبان، ومن رواية أبي بحر البكراويّ، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، كلهم عن أبي هريرة. ورواه الترمذيّ، وابن ماجه، من حديث عبد العزيز ابن المختار، وابن حبان من رواية حماد بن سلمة، كلاهما عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -. ورواه أبو داود، من رواية عمرو بن عُمير، وأحمد من رواية شيخ، يقال له: أبو إسحاق، كلاهما عن أبي هريرة - ﵁ -. وذكر البيهقيّ له طرقا، وضعّفها، ثم قال: والصحيح أنه موقوف. وقال البخاري: الأشبه موقوف. وقال عليّ، وأحمد: لا يصحّ في الباب شيء، نقله الترمذيّ عن البخاريّ، عنهما. وعلّق الشافعيّ القول به على صحّة الخبر، وهذا في "البويطيّ". وقال الذهليّ: لا أعلم فيه حديثا ثابتًا، ولو ثبت للزمنا استعماله. وقال ابن المنذر: ليس في الباب حديث
_________________
(١) - أخرجه مالك في "الموطإ" ١/ ٢٢٣ ورجاله ثقات، لكنه منقطع، عبد اللَّه بن أبي بكر، هو ابن محمد بن عمرو بن حزم لم يدرك أسماء.
(٢) - "شرح السنة"ج ٢ ص ١٦٩ - ١٧٠.
(٣) - "فتح" ج ٣ ص ٤٦٥.
[ ١٨ / ٣٨٧ ]
يثبت. وقال ابن أبي حاتم في "العلل" عن أبيه: لا يرفعه الثقات، إنما هو موقوف.
وذكر الدارقطني الخلاف في حديث ابن أبي ذئب، هل هو عن صالح، أو عن المقبري، أو عن سهيل، عن أبيه، أو عن القاسم بن عباس، عن عمرو بن عمير، ثم قال: وقوله: عن المقبريّ أصحّ. وقال الرافعي: لم يصحح علماء الحديث في هذا الباب شيئًا مرفوعًا. قلت: قد حسنه الترمذيّ، وصححه ابن حبان.
وله طريق أخرى، قال عبد اللَّه بن صالح: ثنا يحيى بن أيوب، عن عُقيل، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، رفعه: "من غسل ميتا، فليغتسل". ذكره الدارقطنيّ، وقال: فيه نظر. قلت: رواته موثقون. وقال ابن دقيق العيد في "الإمام": حاصل ما يُعلُّ به وجهان: أحدهما من جهة الرجال، ولا يخلو إسناد منها من متكلّم فيه، ثم ذكر ما معناه أن أحسنها رواية سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، وهي معلولة، وإن صححها ابن حبّان، وابن حزم، فقد رواها سفيان، عن سهيل، عن أبيه، عن إسحاق مولى زائدة، عن أبي هريرة. قلت: إسحاق مولى زائدة أخرج له مسلم، فينبغي أن يصحح الحديث. قال: وأما رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فإسناد حسن، إلا أن الحفّاظ من أصحاب محمد بن عمرو رووه عنه موقوفًا.
وفي الجملة هو بكثرة طرقه أسوأ أحواله أن يكون حسنا، فإنكار النووي على الترمذيّ تحسينه معترض. وقد قال الذهبيّ في "مختصر البيهقي": طرق هذا الحديث أقوى من عدة أحاديث، احتجّ بها الفقهاء، ولم يُعلّوها بالوقف، بل قدّموا رواية الرفع. واللَّه أعلم.
وفي الباب عن عائشة، رواه أحمد، وأبو داود، والبيهقيّ، وفي إسناده مصعب بن شيبة، وفيه مقال، وضعفه أبو زرعة، وأحمد، والبخاري، وصححه ابن خزيمة. وفيه عن عليّ، وسيأتي في "الجنائز" (^١)، وعن حذيفة ذكره ابن أبي حاتم، والدارقطنيّ في "العلل"، وقالا: لا يثبت. قلت: ونفيهما الثبوت على طريقة المحدثين، وإلا فهو على طريقة الفقهاء قويّ، لأن رواته ثقات، أخرجه البيهقيّ، من طريق معمر، عن أبي إسحاق، عن أبيه، عن حذيفة، وأعلّه بأن أبا بكر بن إسحاق الصبغيّ، قال: هو ساقط، قال: وقال علي بن المدينيّ: لا يثبت فيه حديث انتهى. وهذا التعليل ليس بقادح، لما قدمناه. وعن أبي سعيد، رواه ابن وهب في "جامعه"، وعن المغيرة، رواه أحمد في "مسنده".
_________________
(١) - هكذا قال في "التلخيص"، ولم أره في الجنائز منه، فليحرر.
[ ١٨ / ٣٨٨ ]
وذكر الماورديّ أن بعض أصحاب الحديث خرّج لهذا الحديث مائة وعشرين طريقًا.
قال الحافظ: وليس ذلك ببعيد. وقد أجاب أحمد عنه بأنه منسوخ، وكذا جزم بذلك أبو داود، ويدلّ له ما رواه البيهقيّ عن الحاكم، عن أبي عليّ الحافظ، عن أبي العباس الهمدانيّ الحافظ، ثنا أبو شيبة، ثنا خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ -، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "ليس عليكم في غَسل ميتكم غُسْل، إذا غسلتموه، إن ميتكم يموت طاهرًا، وليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم". قال البيهقيّ: هذا ضعيف، والحمل فيه على أبي شيبة.
قال الحافظ: أبو شيبة هو إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة، احتجّ به النسائيّ، ووثقه الناس، ومَن فوقه احتجّ بهم البخاريّ، وأبو العباس، هو ابن عقدة حافظ كبير، إنما تكلّموا فيه بسبب المذهب، ولأمور أخرى، ولم يضعفه بسبب المتون أصلًا، فالإسناد حسن، فيجمع بينه وبين الأمر في حديث أبي هريرة بأن الأمر على الندب، أو المراد بالغسل غسل الأيدي، كما صرّح به في هذا.
قلت (^١): ويؤيد أن الأمر فيه للندب ما رواه الخطيب في ترجمة محمد بن عبد اللَّه المخرِّميّ من طريق عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، قال: قال لي أبي: كتبتَ حديث عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر: "كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل، ومنا من لا يغتسل"؟. قال: قلت: لا، قال: في ذلك الجانب شابّ، يقال له: محمد بن عبد اللَّه، يحدّث به، عن أبي هشام المخزوميّ، عن وهيب، فاكتبه عنه.
قلت: وهذا إسناد صحيح، وهو أحسن ما جمع به بين مختلف هذه الأحاديث، واللَّه أعلم انتهى كلام الحافظ في التلخيص" (^٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لقد أجاد الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في تحقيق الكلام على هذا الحديث، وأفاد، وخلاصته أن حديث أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: "من غسل ميتا، فليغتسل " حسنه الترمذيّ، وصححه ابن حبّان، وابن القطان، واحتجّ به ابن حزم، فالراجح أنه صحيح، لكنه محمول على الاستحباب لحديث ابن عباس - ﵄ -، مرفوعًا: "ليس عليكم في غسل ميتكم غسل … " الحديث، وأثر ابن عمر - ﵄ -: "كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل … " الحديث، وكلاهما ثابتان، فالعمل بكلها متعيّن.
والحاصل أن المذهب الصحيح هو القول باستحباب الغسل من غسل الميت، والوضوء من حمله عملا بكلّ الأحاديث. ثم إن الراجح أن الأمر فيه تعبّديّ، والقول
_________________
(١) القائل هو الحافظ ابن حجر.
(٢) - "التخليص الحبير" ج١ ص ١٣٦ - ١٣٨.
[ ١٨ / ٣٨٩ ]
بكون الميت نجسا باطل، لما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في غسل أحد الزوجين للآخر إذا مات: (اعلم): أنه استدلَ بعض أهل العلم بحديث الباب على أن النساء أحقّ بغسل الميتة من زوجها، وأنه لا يغسلها، إلا عند عدمهنّ، وهو مذهب الحسن، قال ابن الملقّن -﵀-: وقد يمنع من ذلك حتى يتحقق أن زوج زينب كان حاضرًا إذ ذاك، لا مانع له من غسلها، وأنه لم يفوّض الأمر إلى النسوة، وجمهور العلماء على خلافه، وأنه أحقّ، وذهب الشعبيّ، والثوريّ، وأبو حنيفة إلى أنه لا يغسلها جملة. وقال سحنون: الأولياء أحق. واختلف الشافعيّة في أن النساء أحقّ بغسل الميتة من زوجها على وجهين، أصحهما نعم، لأنهنّ أليق. وأجمعَ العلماء على أن لها غسل زوجها، وإن كان فيه رواية عن أحمد، والأصحّ أنها تغسله أبدًا. انتهى.
وقال الإمام أبو بكر ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: أجمع أهل العلم على أن للمرأة أن تغسل زوجها إذا مات، وقد روينا عن أبي بكر الصديق - ﵁ - أنه أوصى أن تغسله أسماء بنت عميس زوجته، قال: وذلك بحضرة المهاجرين والأنصار، لم ينكر ذلك منهم منكر، وإن أبا موسى غسلته امرأته.
قال: واختلفوا في الرجل يغسل زوجته، فقالت طائفة: يغسلها، هكذا قال علقمة، وجابر بن زيد، وعبد الرحمن بن الأسود، وسليمان بن يسار، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، ومالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق. وكرهت طائفة ذلك، كرهه الشعبيّ، وقال الثوريّ، وأصحاب الرأي: لا يغسلها.
قال ابن المنذر: وبالقول الأول أقول، ولا فرق بين غسل الرجل زوجته، وبين غسلها إياه، وليس فيما يحلّ لكلّ واحد بينهما، ويحرم من صاحبه في حياته، وبعد مماته فرق، فإن قال قائل: إن أبا بكر غسلته أسماء؟ قيل له: وغسل عليّ فاطمة، وليست العلة التي اعتلّ بها ناس، من باب غسل الموتى بسبيل، لأنه يطلقها ثلاثًا، فتكون في عدة منه، وتموت، فلا تغسله عند من خالفنا، فبطل لما كان هذا مذهب من خالفنا أن يكون لقوله: هي فى عدة منه، وليس هو في عدة منها معنى، واللَّه أعلم انتهى كلام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-، من ترجيح القول بأن لكل واحد من الزوجين غسلَ الآخر هو الحقّ، لما ذكره، واللَّه تعالى
_________________
(١) - "الأوسط" ج ٥ ص ٣٣٤ - ٣٣٦.
[ ١٨ / ٣٩٠ ]
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…