١٦٧٩ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ مُلَازِمِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَدْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، قَالَ: زَارَنَا أَبِي، طَلْقُ بْنُ عَلِيٍّ، فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَأَمْسَى بِنَا، وَقَامَ بِنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَأَوْتَرَ بِنَا، ثُمَّ انْحَدَرَ إِلَى مَسْجِدٍ، فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ، حَتَّى بَقِيَ الْوِتْرُ، ثُمَّ قَدَّمَ رَجُلًا، فَقَالَ لَهُ: أَوْتِرْ بِهِمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، يَقُولُ: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ».
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هنّاد بن السّريّ) تقدم قبل باب.
٢ - (مُلازم بن عمرو) بن عبد اللَّه بن بدر، أبو عمرو اليماميّ، صدوق [٨] ١١٩/ ١٦٥.
٣ - (عبد اللَّه بدر) بن عَميرة الحنفيّ السُّحَيميّ اليماميّ، ثقة [٤] ١١٩/ ١٦٥.
٤ - (قيس بن طلق) بن علي الحنفيّ اليماميّ، صدوق [٣] ١١٩/ ١٦٥.
٥ - (طلق بن علي) بن المنذر الحنفيّ السُحَيميّ، أبو عليّ اليماميّ، صحابي، له وفادة - رضي اللَّه تعالى عنه - ١١٩/ ١٦٥ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل باليماميين، غير شيخه، فكوفيّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ) الحنفي -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قَالَ: زَارَنَا أَبِي، طَلْقُ بْنُ عَليِّ) بالرفع بدل من "أبي" (فِي يَوْم مِنْ رَمَضَانَ، فَأمْسَى بِنَا) أي تأخر معنا حتى دخل وقت المساء (وَقَامَ بنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ) أيَ صلى بنا إمامًا صلاة الليل (وَأَوْتَرَ بِنَا) أي صلى بنا صلاة الوتر إمامًا (ثُمَّ انْحَدَرَ) أي نزل (إِلَى مَسْجِدٍ) من مساجد قومه، ولفظ أبي داود: "إلى مسجده" بالإضافة إلى ضميره (فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ) قال السندي -﵀-: الظاهر أنه صلى بهم الفرض والنفل جميعًا، فيكون اقتداء القوم به في الفرض من اقتداء المفترض بالمتنفّل
[ ١٨ / ٣٩ ]
(حَتَّى بَقِيَ الْوِتْرُ) أي صلى بهم صلاة الليل إلى أن انتهت كلها، وبقيت صلاة الوتر (ثُمَّ قَدَّمَ رَجُلًا) أي جعله إماما لهم (فَقَالَ لَهُ: أَوْتِرْ بِهمْ) أي صلّ بهم صلاة الوتر (فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -) تعليل لتأخره عن الإمامة، وتقديم ذلك الرجل، أي لأني سمعت رسول اللَّه - ﷺ - (يَقُولُ: "لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةِ) أي لا يجتمع وتران، أو لا يجوز وتران في ليلة واحدة، فـ "وتران" فاعل لفعل محذوف، كما قدّرنا، ويحتمل أن تكون "لا" عاملة عمل "ليس"، فـ"وتران" بالرفع اسمها، أو عاملة عمل "إنّ" على لغة من يُلزم المثنّى الألف في الأحوال الثلاثة، وهي لغة بلحارث، كما قاله الحافظ السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى-.
وقال السنديّ: وليست "لا" نافية للجنس، وإلا لكان "لا وترين" بالياء؛ لأن الاسم بعد "لا" النافية للجنس يُبنى على ما يُنصب به، ونصب التثنية بالياء، إلا أن يكون ههنا حكاية، فيكون الرفع للحكاية. وقال السيوطي: على لغة من ينصب المثنى بالألف انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول بالحكاية، غير صحيح؛ لأن المقام ليس مقام حكاية، فالصواب ما قدّمناه من توجيهات الرفع. واللَّه تعالى أعلم.
ثم إن النفي هنا بمعنى النهي، فكأنه قال: لا توتروا مرّتين في ليلة واحدة، وفيه دليل على أنه لا يجوز إعادة الوتر بعد صلاته، وبه قال أكثر أهل العلم، وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث طلق بن علي - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا-٢٩/ ١٦٧٩ - وفي "الكبرى" ٤٣/ ١٣٨٨ بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) ١٤٣٩ (ت) ٤٧٠ (أحمد) ٤/ ٢٣ (ابن خزيمة) ١١٠١ واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في نقض الوتر:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف أهل العلم في الرجل يوتر، ثم ينام، ثم يقوم للصلاة (^١)، فقالت طائفة: يصلي إلى الركعة التي أوتر بها قبل أن ينام
_________________
(١) - وقع في نسخة "الأوسط" "ثم ينام للصلاة"، والظاهر أنه خطأ، والصواب ثم ينام، ثم يقوم للصلاة الخ، كما أثبته هنا.
[ ١٨ / ٤٠ ]
ركعة أخرى، ثم يصلي ما بداله، ثم يوتر في آخر صلاته، واحتج بعضهم بأن رسول اللَّه - ﷺ - أمر أن يجعل آخر الصلاة بالليل وترًا، هكذا قال إسحاق وغيره.
فممن رُوي عنه أنه كان يشفع وتره عثمانُ بن عفّان، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد اللَّه ابن عمر بن الخطاب. وممن رُوي عنه أنه فعل ذلك علي بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن مسعود، وابن عباس - ﵃ -. وبه قال عمرو بن ميمون، وابن سيرين.
ومذهب سعد، وابن عمر، وابن عبّاس، وابن مسعود، وابن سيرين، وإسحاق: إذا نقض وتره أوتر في آخر صلاته، ولعلّ هذا مذهبُ الآخرين، وإن لم يُذكر ذلك عنهم.
قال: وأنكر بعضهم هذا، وقال: إذا نام الرجل، وأحدث أحداثًا، ثم قام، فتوضّأ، وتكلّم بين ذلك، ثم صلى ركعة، وهذه الركعة غير الركعة التي ركعها قبل أن ينام، إذ بينهما من الفضل بالنوم والأحداث ما بينهما، ثم إذا صلى، وأوتر بعد ذلك في آخر صلاته، فقد صار مُوتِرًا مرّتين (^١) في ليلة، وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لا وتران في ليلة"، وإنما قول النبي - ﷺ -: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" في الرجل يريد الصلاة من الليل، فإذا أراد ذلك، فالسنّة أن يصلي مثنى مثنى، ثم يوتر آخر صلاته، وليس ذلك لمن قد أوتر مرّة، إذ ليس من السنّة أن يوتر في ليلة مرتين، والدليل على أن معنى قول ابن عمر المعنى الذي قلناه أن ابن عمر، وهو الراوي لقول النبي - ﷺ -: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا"، وقد سئل عن نقض الوتر، فقال: إنما هو شيء أفعله برأي، لا أرويه عن أحد. ثم أخرج بسنده عن مسروق، أنه قال: سألت ابن عمر عن نقضه الوتر؟ فقال: إنما هو شيء أفعله برأي، لا أرويه عن أحد.
قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: ولا أعلم اختلافًا في أن رجلًا بعد أن أدى صلاة فرض كما فُرضت عليه، ثم أراد بعد أن فرغ منها نَقْضَها أن لا سبيل له إليه، فحُكْمُ المختَلَفِ فيه من الوتر حُكْمُ ما لا نعلمهم اختلفوا فيه، مما ذكرناه، وكذلك الحجّ، والصوم، والعمرة، والاعتكاف، لا سبيل إلى نقض شيء منها بعد أن يُكْمِلها.
رَوَينا عن أبي بكر الصدّيق - ﵁ - أنه قال: إنما أنا فإني أنام على وتر، فإن استيقظت صليت شفعًا حتى الصباح، وروي هذا القول عن ابن عبّاس، خلاف القول الأول، ورَوَينا ذلك عن عائذ بن عمرو، وسعد بن أبي وقّاص، وعمّار بن ياسر، وعائشة - ﵃ -، ومَن رُوي عنه من أصحاب رسول اللَّه - ﷺ - في هذه المسألة قولان، فلعلّه قد فعل الفعلين جميعًا.
_________________
(١) - وقع في "الأوسط" "فقد صار موترًا في ليلة"، والظاهر أن الصواب ما أثبتّه هنا.
[ ١٨ / ٤١ ]
وكان علقمة لا يرى نقض الوتر، وهكذا مذهب النخعيّ، وطاوس، وأبي مِجْلَز، وبه قال مالك، والأوزاعيّ، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور. انتهى كلام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- باختصار (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المذهب الراجح عندي مذهب أكثر أهل العلم، وهو عدم نقض الوتر، إذ لا دليل عليه، كما قرره ابن المنذر -﵀-، وأن من صلى الوتر قبل النوم، ثم استيقظ بعد النوم صلى ركعتين ركعتين، وأما احتجاج القائلين بنقض الوتر بحديث "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا"، فالجواب عنه أن الأمر فيه ليس للإيجاب، وإنما هو للاستحباب، بدليل أنه - ﷺ - كان يصلي بعد الوتر ركعتين جالسًا، فإنه يدلّ على أن الأمر المذكور للاستحباب، لا للإيجاب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…