قال الجامع اللَّه تعالى عنه: "الحميم" بفتح أوله. الماء الحارّ، أراد المصنف -رحمه اللَّه تعالى- الاستدلال بحديث الباب على استحباب غسل الميت بالماء الحارّ، لكن الحديث ضعيف، لا يصلح للاستدلال به، كما سيأتي الكلام عليه، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٨٨٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ، مَوْلَى أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ، عَنْ أُمِّ قَيْسٍ، قَالَتْ: تُوُفِّىَ ابْنِي، فَجَزِعْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لِلَّذِى يَغْسِلُهُ: لَا تَغْسِلِ ابْنِى بِالْمَاءِ الْبَارِدِ، فَتَقْتُلَهُ، فَانْطَلَقَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِهَا، فَتَبَسَّمَ، ثُمَّ قَالَ: «مَا قَالَتْ، طَالَ عُمْرُهَا؟». فَلَا نَعْلَمُ امْرَأَةً، عُمِرَتْ مَا عُمِرَتْ.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور في الباب السابق.
٢ - (الليث) بن سعد الإمام الحافظ الحجة الفقيه المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (يزيد بن أبي حبيب) سُويد، أبو رجاء المصري، ثقة فقيه [٥] ١٣٤/ ٢٠٧.
٤ - (أبو الحسن مولى أم قيس بنت مِحصَن) مقبول [٣].
روى عن مولاته أم قيس بنت محصن الأسدية، وعنه يزيد بن أبي حبيب، جهّله ابن القطان انتهى. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنف، وله عنده هذا الحديث فقط.
٥ - (أم قيس بنت مِحْصن) يقال: اسمها آمنة، صحابية - ﵂ - ١٨٥/ ٢٩٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الاسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن مولاته، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٨ / ٣٩١ ]
شرح الحديث
(عَنْ أُمِّ قَيْسٍ) - ﵁ -، أنها (قَالَتْ: توُفْيَ ابْنِي، فَجَزِعْتُ عَلَيه) بكسر الزاي، من الجَزَع بالتحريك، وهو نقيض الصبر، وقد جزع، كفرِحَ، جَزَعًا، وجُزُوعًا، فهو جازع، وجَزعٌ، ككتف، ورَجُلٍ، وصَبُور، وغُرَاب قاله في "ق".
(فَقُلْتُ لِلّذِي يَغْسِلُهُ: لَا تَغْسِلِ ابْنِي بِالْمَاءِ الْبَارِدِ، فَتَقْتُلَهُ) إنما قالت ذلك لشدة جزعها، وغلبة الحزن على قلبها، فذهلت عن موته (فَانْطَلَقَ عُكَاشَةُ) بضم العين المهملة، وتشديد الكاف، وتخفيفها. أيضًا (ابْنُ مِحْصَنٍ) -بكسر الميم، وسكون الحاء المهملة، وفتح الصاد المهملة- بن حُرْثان بن قيس بن مُرّة بن بُكير بن غَنْم بن دُودان بن أسد بن خُزيمة الأسديّ، حليف بني عبد شمس، من السابقين الأولين، وشهد بدرًا، ووقع ذكره في "الصحيحين"، في حديث ابن عباس - ﵄ - في السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، فقال عكاشة. ادع اللَّه أن يجعلني منهم، قال: "أنت منهم"، فقام آخر، فقال: "سبقك بها عكاشة"، وقد ضُرِب بها المثل، يقال للسبق في الأمر: سبقك بها عكاشة. قيل: استُشهِد عكاشة في قتل أهل الردة، قتله طُليحة بن خُويلد الذي تنبأ (^١). ذكره في "الإصابة" (^٢).
(إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَأخبَرَهُ بِقَولِهَا) لا تغسل ابني بالماء البارد، فتقتلَه (فَتَبَسَّمَ) - ﷺ -، قال الفيّوميّ: بَسَم بَسْمًا، من باب ضرب: ضَحِكَ قليلًا، من غير صوت، وابتسم، وتَبَسّم كذلك، ويقال: هو دون الضَّحِكِ انتهى (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - (مَا قَالَتْ) استفهام للتعجّب من قولها المذكور.
وهذا محلّ استدلال المصنّف -﵀- على الترجمة، حيث لم ينكر النبي - ﷺ - عليها أن لا يُغسَل ابْنُهَا بالماء البارد، فمنه يدلّ على استحباب الغسل بالماء الحارّ، لكن الحديث ضعيف، فلا وجه للاستدلال به، فلا فرق في جواز الغسل ببين الماء البار، والحارّ، واللَّه تعالى أعلم.
(طَالَ عُمْرُهَا؟) جملة دعائية، دعا لها النبي - ﷺ - بطول العمر (فَلَا نَعْلَمُ امْرَأَةً) والظاهر أن هذا من قول أبي الحسن مولى أم قيس (عُمِرَتْ مَا عُمِرَتْ) ببناء الفعلين للمفعول، من الْعَمْر، أو التعمير، يقال: عَمَرَهُ اللَّه، يَعْمُرُه، من باب قتل، وعَمَّرَه تَعْمِيرًا: أي أطال عُمْرَه. قاله في "المصباح". والجملة صفة لـ"امرأة". وْفيه معجزة للنبي - ﷺ -، حيث طال عمر أم قيس - ﵂ - بسبب دعائه لها. واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) - وقد ثبت أن طليحة عاد إلى الإسلام. قاله في "الإصابة".
(٢) - "الإصابة" ج ٧ ص ٣٢.
[ ١٨ / ٣٩٢ ]
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أم قيس - ﵂ - هذا ضعيف، لجهالة مولاها، فإنه لا يعرف إلا بهذا الحديث، ولم يرو عنه غير يزيد بن أبي حبيب، كما قاله الحافظ الذهبي في "الميزان" (^١).
وهو من أفراد المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٢٩/ ٨٨٢ - وفي "الكبرى" ٢٩/ ٢٠٠٩. وأخرجه (أحمد) ٢٦٤٥٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…