١٦٨٠ - أَخْبَرَنَا (^٢) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -؟، فَقَالَتْ: كَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَقُومُ، فَإِذَا كَانَ مِنَ السَّحَرِ أَوْتَرَ، ثُمَّ أَتَى فِرَاشَهُ، فَإِذَا (^٣) كَانَ لَهُ حَاجَةٌ، أَلَمَّ بِأَهْلِهِ، فَإِذَا سَمِعَ الأَذَانَ، وَثَبَ، فَإِنْ كَانَ جُنُبًا، أَفَاضَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ، وَإِلاَّ تَوَضَّأَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدم في -١٧/ ١٦٤٠ - وتقدم شرحه، والكلام على المسائل المتعلّقة به هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
_________________
(١) - "الأوسط" ج ٥ ص ١٩٦ - ٢٠٠.
(٢) - وفي نسخة "حدثنا".
(٣) - وفي نسخة "فإن كان".
[ ١٨ / ٤٢ ]
و(محمد) شيخ ابن المثنّى: هو محمد بن جعفر غُندر. و"أبو إسحاق": هو السبيعيّ. وقولها: (فإن كان له حاجة ألمّ بأهله): أي إن كان حاجة إلى زوجته، نزل بها، وهو كناية عن الجماع.
وقولها: (وثب): أي قام سريعًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٩٢ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ أَوَّلِهِ، وَآخِرِهِ، وَأَوْسَطِهِ، وَانْتَهَى وَتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إسحاق بن منصور) الكَوْسَج المروزيّ ثقة ثبت [١١] ٧٢/ ٨٨.
٢ - (عبد الرحمن) بن مهدي الحافظ الحجة البصريّ [٩] ٤٢/ ٤٩.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري الكوفيّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (أبو حَصين) بالفتح- عثمان بن عاصم الأسديّ الكوفي، ثقة ثبت سنّيّ ربما دلّس [٤] ١٠٢/ ١٥٢.
٥ - (يحيى بن وَثّاب) الأسديّ مولاهم الكوفيّ المقرئ، ثقة عابد [٤] ٧٥/ ١٠٠٦.
٦ - (مسروق) بن الأجدع الكوفي، ثقة فقيه مخضرم [٢] ٩٠/ ١١٢.
٧ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيّات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فمروزيّ، وعبد الرحمن، فبصريّ، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فمدنيّة. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: أبو حصين، عن يحيى بن وثّاب، عن مسروق. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ - مِنْ أَوَّلِهِ) هكذا نسخ "المجتبى" دون ذكر مرجع الضمير، وهو "الليل"، أي في أول الليل، وفي نسخة من "الكبرى": "أوتر رسول اللَّه - ﷺ - من كلّ الليل، من أوله … "، ولفظ مسلم: "من كل الليل أوتر رسول اللَّه - ﷺ - … "، ولفظ البخاريّ: "كل الليل أوتر رسول اللَّه - ﷺ -،
[ ١٨ / ٤٣ ]
وانتهى وتره إلى السحر".
والمراد بأول الليل بعد صلاة العشاء، للإجماع على أن ابتداء وقت الوتر مغيب الشفق بعد صلاة العشاء، هكذا نقل الإجماع ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-. لكن أطلق بعضهم أنه يدخل بدخول العشاء، قالوا: ويظهر أثر الخلاف فيمن صلّى العشاء، وبان أنه بغير طهارة، ثم صلى الوتر متطهّرًا، أو ظنّ أنه صلى العشاء، فصلى الوتر، فإنه يجزئ على هذا القول دون الأول. قاله في "الفتح" (^١).
(وَآخِرِهِ، وَأَوْسَطِهِ، وَانتَهَى وِترُهُ إِلَى السَّحَرِ) زاد أبو داود، والترمذيّ: "حين مات".
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: معناه كان آخر أمره الإيتار في السحر، والمراد به آخر الليل، كما قالت في الروايات الأخرى، ففيه استحباب الإيتار آخر الليل، وقد تضافرت الأحاديث الصحيحة عليه، قال: وفيه جواز الإيتار في جميع أوقات الليل بعد دخول وقته. انتهى.
وقال في "الفتح": يحتمل أن يكون اختلاف وقت الوتر باختلاف الأحوال، فحيث أوتر في أوّله لعله كان وجعًا، وحيث أوتر في وسطه لعله كان مسافرًا، وأما وتره في آخره، فكأنه غالب أحواله، لما عُرف من مواظبته على الصلاة في أكثر الليل. واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الاحتمال الذي ذكره غير ظاهر. واللَّه تعالى أعلم.
و"السحر" قُبيل الصبح، وحكى الماروديّ أنه السدس الأخير، وقيل: أوله الفجر الأول، وفي رواية طلحة بن نافع، عن ابن عباس - ﵄ - عند ابن خزيمة: "فلما انفجر الفجر قام، فأوتر بركعة"، قال ابن خزيمة: المراد به الفجر الأول.
ورَوَى أحمد من حديث معاذ، مرفوعًا: "زادني ربي صلاةً، وهي الوتر، وقتها من العشاء إلى طلوع الفجر"، وفي إسناده ضعف
وأخرج "أصحاب السنن" عن خارجة بن حُذافة - ﵁ -، قال: خرج علينا رسول اللَّه - ﷺ -، فقال: "إن اللَّه تعالى قد أمدّكم بصلاة، وهي خير لكم من حُمْر النَّعَم، وهي الوتر، فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر"، وهو ضعيف، وهو الذي احتجّ به من قال بوجوب الوتر، وليس صريحا في الوجوب. واللَّه تعالى أعلم.
وأما حديث بُريدة، رفعه: "الوتر حقّ، فمن لم يوتر فليس منّا، وأعاد ذلك ثلاثًا"،
_________________
(١) -"فتح"ج ٣ ص ١٧١.
[ ١٨ / ٤٤ ]
ففي سنده أبو الْمُنِيب، وفيه ضعف، وعلى تقدير قبوله، فيحتاج من احتجّ به إلى أن يُثبت أن لفظ "حقّ" بمعنى واجب في عرف الشرع، وأن لفظ واجب بمعنى ما ثبت من طريق الآحاد. (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا- ٣٠/ ١٦٨٢ - وفي "الكبرى" ٤٤/ ١٣٩٠ - بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢/ ٣١ (م) ٢/ ١٦٨ (د) ١٤٣٥ (ت) ٤٥٦ (ق) ١١٨٥ (الحميديّ) ١٨٨ (أحمد) ٦/ ٤٦ و١٠٠ و١٠٧ و١٢٩ و٢٠٤ (الدارميّ) ١٥٩٥ واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في وقت الوتر:
قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: اختلفوا في أول وقته: فالصحيح في مذهبنا، والمشهور عن الشافعيّ، والأصحاب أنه يدخل وقته بالفراغ من صلاة العشاء، ويمتدّ إلى طلوع الفجر الثاني، وفي وجه يدخل بدخول وقت العشاء، وفي وجه لا يصحّ الإيتار بركعة إلا بعد نفل بعد العشاء، وفي قول يمتدّ إلى صلاة الصبح، وقيل: إلى طلوع الشمس. انتهى.
وقال الشوكاني -رحمه اللَّه تعالى-: أحاديث الباب تدلّ على أن جميع الليل وقت للوتر، إلا الوقت الذي قبل صلاة العشاء، ولم يخالف في ذلك أحد، لا أهل الظاهر، ولا غيرهم، إلا ما ذُكر في وجه لأصحاب الشافعي أنه يصحّ قبل العشاء، وهو وجه ضعيف صرّح به العراقيّ وغيره، وقد حكى صاحب "المفهم" الإجماع على أنه لا يدخل وقت الوتر إلا بعد صلاة العشاء. انتهى (^٢).
وأما آخر وقته فهو إلى طلوع الفجر الثاني، وبعد طلوع الفجر يكون قضاء، وهو المشهور المرجّح الصحيح عند الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، وعند المالكية للوتر وقتان: وقت اختيار، وهو إلى طلوع الفجر، ووقت ضرورة، وهو إلى
_________________
(١) - المصدر السابق ص ١٧٢.
(٢) - "نيل الأوطار" ج ٣ ص ٥٢.
[ ١٨ / ٤٥ ]
تمام صلاة الصبح، ويكره تأخيره لوقت الضرورة بلا عذر، ويندب قطع صلاة الصبح للوتر لفذّ، لا لمؤتمّ، وفي الإمام روايتان.
قال الحافظ: وحكى ابن المنذر عن جماعة من السلف أن الذي يخرج بالفجر وقته الاختياري، ويبقى وقت الضرورة إلى قيام صلاة الصبح، وحكاه القرطبي عن مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإنما قاله الشافعيّ في القديم. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ هو ما عليه الجمهور من أن وقت الوتر من مغيب الشفق بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الصادق، وبعده يكون قضاء، كما دلّت عليه الأحاديث الكثيرة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٨٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ: "مَنْ صَلَّى مِنَ اللَّيْلِ، فَلْيَجْعَلْ آخِرَ صَلَاتِهِ وَتْرًا، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، كَانَ يَأْمُرُ بِذَلِكَ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدَّم في -١٦٦٦ - وتقدم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
ودلالته على الترجمة واضحة، إذ يدلّ على أن وقت الوتر هو الليل.
وقوله: "كان يأمر بذلك، أي أمرَ ندب، كما تقدم بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…