قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -. أراد المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بهذه الترجمة مشروعية نقض الرأس قبل الغسل، لتبليغ الماء إلى البشرة، ولتنظيف الشعر من الأوساخ، وسواء في ذلك كون الميت رجلًا، أو امرأة.
وترجمته أولى من ترجمة الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- بقوله: "باب نقض شعر المرأة"، حيث خصه بالمرأة، ولذا قال في "الفتح": والتقييد بالمرأة خرج مخرج الغالب، أو الأكثر، وإلا فالرجل إذا كان له شعر يُنقض لأجل التنظيف، وليبلغ الماء البشرة، وذهب من منعه إلى أنه قد يفضي إلى انتتاف شعره، وأجاب من أثبته بأنه يضمّ إلى ما انتثر منه انتهى (^٢).
وقوله: "نقض الرأس" من إضافة المصدر إلى المفعول، والمراد بالرأس شعر الرأس، فهو من مجاز المجاورة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٨٨٣ - (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَيُّوبُ سَمِعْتُ حَفْصَةَ، تَقُولُ: حَدَّثَتْنَا أُمُّ عَطِيَّةَ، أَنَّهُنَّ جَعَلْنَ رَأْسَ ابْنَةِ النَّبِيِّ - ﷺ -، ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، قُلْتُ: نَقَضْنَهُ، وَجَعَلْنَهُ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ؟، قَالَتْ: نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يوسف بن سعيد) المصّيصيّ، ثقة حافظ [١١] ١٣١/ ١٩٨.
_________________
(١) - انظر "ميزان الاعتدال" ج ٤ ص ٥١٥.
(٢) - "فتح" ج ٣ ص ٤٧٢ - ٤٧٣.
[ ١٨ / ٣٩٣ ]
٢ - (حجاج) بن محمد المصيصي الأعور، ثقة ثبت [٩] ٢٨/ ٣٢.
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، ثقة فقيه فاضل مدلس [٦] ٢٨/ ٣٢.
٤ - (حفصة) بنت سيرين الأنصارية، أم الْهُذيل البصريّة، ثقة [٣] ٢٢/ ٣٩٠. والباقيان تقدّما قبل باب. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده وهو ثقة. (ومنها): فيه رواية تابعي، عن تابعية. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: يقدر بعد قوله: عن ابن جريج، ما: نصه: "أنه قال"، وفاعل "قال" الأول ضمير ابن جريج، وفاعل "قال" الثاني "أيوب"، أي قال ابن جريج. قال أيوب: سمعت حفصة الخ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن أيوب السخياني أنه (قال: سَمِعْتُ حَفْصَةَ) بنت سيرين (تَقُولُ: حَدَّثَتنَا أُمُّ عَطِيَّةَ) نُسيبة بنت كعب - ﵂ - (أَنَّهُنَّ) أي النسوة اللاتي حضرن غسل بنت النبي - ﷺ -، وقد تقدّم قبل باب بيان أسماء من عُرِف اسمها منهنّ (جَعَلْنَ رَأْس ابنْة) وفي نسخة: "بنت" (النَّبِيِّ - ﷺ -) تقدم الخلاف في أنها زينب، أو غيرها (ثَلَاثَةَ قُرُونٍ) أي ثلاث ضفائر، ضفيرتين، وناصيتها، كما جاء مبيّنا في رواية أخرى، فعند عبد الرزاق، من طريق أيوب، عن حفصة: "ضفرنا رأسها ثلاثة قرون، ناصيتها، وقرنيها، وألقيناه إلى خلفها" (قُلْتُ) الظاهر أن القائلة هي حفصة (نَقَضْنَهُ، وَجَعَلْنَهُ ثَلَاَثةَ قُرُونٍ؟، قَالَتْ: نَعَمْ) أي قالت أم عطية: نعم فعلن ذلك.
وفي الرواية الآتية بعد باب: "ومشطناها ثلاثة قرون، وألقيناها من خلفها".
وفيه استحباب تسريح المرأة الميتة، وتضفيرها، والقاؤها خلف ظهرها. واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متَّفق عليه وتقدم الكلام على تخريجه، وسائر ما يتعلّق به من المسائل، وبقي الكلام على ما بوّب له المصنّف -﵀- تعالى، وهو حكم نقض رأس الميت، وقد اختلف أهل العلم في ذلك:
قال العلامة ابن الملقّن -رحمه اللَّه تعالى- عند الكلام على قوله: "وجَعَلْنا رأسها ثلاثة قرون": ما حاصله: أي ثلاث ضفائر، ضفيرتين، وناصيتها، كما جاء مبينًا في رواية
[ ١٨ / ٣٩٤ ]
أخرى، وتضمّن ذلك التسريحَ، والضَّفْرَ، بناء على أن الغالب في أن الضفر بعد التسريح، وإن كان هذا اللفظ لا يُشعر به صريحًا، وقد جاء في رواية في "الصحيح": "فمَشَطْناها ثلاثة قرون"، وبه قال الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وابن حبيب المالكي.
وقال الأوزاعيّ، والكوفيون: لا يستحبّ المشط، ولا الضَّفْر، بل يُرسَل شعرها على جانبيها مفرّقًا. ونقل القرطبيّ عن الأوزاعيّ أنه لا يجب الْمَشْطُ، وما نقلناه عن الأوزاعيّ تبعنا فيه النووي -﵀-، ولم يَعرِف ابنُ القاسم الضَّفْر، وقال: يُلَفّ. وقال بعض الشافعية -فيما حكاه الشيخ تقي الدين-: تُجعَل الثلاث خلف ظهرها، قال: ورَوَى في ذلك حديثًا أثبت استحبابه به، وهو ثابت من فعل من غَسَل بنت رسول اللَّه - ﷺ -، أي كما أخرجه البخاريّ من حديث أم عطيّة (^١) - ﵂ -.
وقال ابن الجوزيّ: إنه السنّة، قال القاضي: ومن حجة مَن مَنَعَ الاستحباب أنه ليس في الحديث معرفة النبي - ﷺ - بفعل أم عطية، فيُجعلَ سنةً وحجةً. قال النوويّ: الظاهر اطلاعه عليه، واستبيانه فيه كما في غيرها. واعترض عليه الفاكهيّ، فقال: هذا الظاهر عنده، غير ظاهر.
قال ابن الملقّن: قلت: عجيب منه، ومن القاضي عياض، ففي "صحيح ابن حبّان" أنه - ﷺ - أمر بذلك، ولفظ روايته: "واجعلن لها ثلاثة قرون"، وترجم عليه: "باب ذكر البيان بأنّ أم عطيّة إنما مَشَطَت قرونها بأمر المصطفى - ﷺ -، لا من تلقاء نفسها"، فاستفيد ذلك، ولم يطّلع القرطبيّ أيضًا على هذه الرواية، فادعى أن ذلك لم يرد مرفوعًا انتهى كلام ابن الملقن -رحمه اللَّه تعالى- (^٢).
وقال في "الفتح": وقد رواه سعيد بن منصور بلفظ الأمر من رواية هشام، عن حفصة، عن أم عطيّة، قالت: قال لنا رسول اللَّه - ﷺ - "اغسلنها وترًا، واجعلن شعرها ضفائر". انتهى (^٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن المذهب الراجح مشروعية نقض شعر رأس الميت، وتسريحه، وجعله ثلاث ضفائر، وإلقاؤه خلف ظهره، لصحة الأحاديث بذلك، على قدّمنا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
_________________
(١) - وقع في نسخة ابن الملقّن "عائشة" بدل أم عطية، وهو غلط، فتنبّه.
(٢) - "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ج ٤ ص ٤٤٣ - ٤٤٥.
(٣) - "فتح" ج ٣ ص ٤٧٥.
[ ١٨ / ٣٩٥ ]