١٦٨٥ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ فِي مَسْجِدِ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَجَعَلُوا يَنْتَظِرُونَهُ، فَجَاءَ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أُوتِرُ، قَالَ: وَسُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ، هَلْ بَعْدَ الأَذَانِ وَتْرٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَبَعْدَ الإِقَامَةِ، وَحَدَّثَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، أَنَّهُ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه في [٥١/ ٦١٢]، وأذكر هنا الكلام على ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو قضاء الوتر:
اعلم: أن المصنف -رحمه اللَّه تعالى- يرى مذهب القائلين بمشروعية قضاء الوتر بعد طلوع الفجر، ولذا ترجم عليه، واستدلّ بحديث عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ - على ذلك، ووجه الاستدلال به كونه - ﷺ - قضى الصلاة التي فاتته نائمًا، والنفل في ذلك كالفرض، وأيضًا ثبت أنه - ﷺ - قضى سنة الصبح حينما فاتته صلاة الصبح مع سنتها، بالنوم، وقد اختلف العلماء في ذلك:
قال الإمام ابن المنذر -﵀-: أجمع أهل العلم على أن ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر وقت للوتر. واختلفوا فيمن لم يوتر حتى طلع الفجر على أقوال:
الأول: أنه إذا طلع الفجر، فقد فات الوتر، كذلك قال عطاء بن أبي رباح، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جُبير، وقال مكحول: من أصبح، ولم يوتر فلا وتر عليه. وقال سفيان الثوريّ، وإسحاق، وأصحاب الرأي: الوتر ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر.
الثاني: إن الوتر ما بين صلاة العشاء الآخرة إلى صلاة الصبح، روينا عن عبد اللَّه بن مسعود أنه قال: الوتر ما بين الصلاتين، ورُوي عن أبي موسى الأشعريّ، أنه قال: لا وتر بعد الأذان، فأتوا عليّا، فقال: لقد أغرق في النزع، وأفرط في الفتيا، الوتر ما بيننا وبين صلاة الغداة، ورُوي عن ابن عباس أنه أوتر بعد طلوع الفجر، وروي ذلك عن ابن عمر - ﵁ -.
وممن رُوي عنه أنه أوتر بعد طلوع الفجر عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وحذيفة، وابن مسعود، وعائشة، وعبد اللَّه بن عامر بن ربيعة - ﵃ -.
[ ١٨ / ٤٩ ]
قال: وكان مالك، والشافعيّ، وأحمد، يقولون: يوتر ما لم يصلّ الصبح، وحُكي عن سفيان الثوريّ، أنه قال: إن أوترت بعد طلوع الفجر فلا بأس، وهكذا قال الأوزاعيّ، وقال النخعيّ، والحسن، والشعبيّ: إذا صلى الغداة فلا يوتر، وقال أيوب السختياني، وحميد الطويل: إنّ أكثر وترنا بعد طلوع الفجر.
الثالث: يصلي الوتر، وإن صلى الصبح، كذلك قال طاوس، وقيل لأحمد بن حنبل: قال سفيان: اقض الوتر، إذا طلعت الشمس. قال أحمد: لا. وقال إسحاق كما قال أحمد.
وقال النعمان: إذا صلى الفجر، ولم يوتر، ثم ذكر الوتر، فعليه قضاء الوتر.
الرابع: يصلي الوتر، وإن طلعت الشمس، روي هذا القول عن عطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن، والشعبي، وحماد بن أبي سليمان، وبه قال الأوزاعيّ، وأبو ثور.
الخامس: قول سعيد بن جبير فيمن فاته الوتر حتى صلى الصبح، قال: يوتر من القابلة. انتهى كلام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- بتصرّف، واختصار (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الراجح عندي قول من قال: إن الوتر إذا فات يُقضَى مطلقًا أبدًا ليلًا أو نهارًا، لحديث أبي داود وغيره من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، مرفوعًا: "من نام عن وتره، أو نسيه، فليصلّه إذا ذكره". صححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ، وصححه أيضا الحافظ العراقي، وفي لفظ للترمذيّ: "من نام عن الوتر، أو نسيه، فليصل إذا ذكر، وإذا استيقظ"، ولحديث الباب، ولأنه - ﷺ - قضى سنة الصبح بعد طلوع الشمس حينما فاتته مع الفرض، ولعموم: "من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلّها إذا ذكرها"، فإنه يدخل فيه الفرض، والنفل، وهو في الفرض أمر فرض، وفي النفل أمر ندب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…