١٦٨٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «الْوَتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: (محمد بن يحيى بن عبد اللَّه) هو الذهليّ الحافظ النيسابوريّ، تقدم قبل أبواب. و"أبو التيّاح": هو يزيد بن حُميد الضُّبَعيّ البصريّ، ثقة ثبت [٥] ٥٣/ ٦٧ و"أبو مِجْلَز" بكسر الميم، وسكون الجيم: هو لاحق بن حميد الضبعيّ البصريّ ثقة من كبار [٣] ١٨٨/ ٢٩٦.
والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم شرحه، وبيان مسائله في ٢٦/ ١٦٦٦ وأذكر هنا ما لم يتقدم ذكره هناك، وهو ماترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان كميّة الوتر، فأقول:
[مسألة]: في اختلاف أهل العلم في عدد صلاة الوتر:
قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: قد اختلف أهل العلم في الوتر، فروينا عن ابن عمر - ﵄ - أنه قال: الوتر ركعة، ويقول: كان ذلك وتر رسول اللَّه - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر، وممن روي عنه أنه رأى الوتر ركعةً عثمانُ بن عفّان، وسعد بن مالك، وزيد بن ثابت، وابن عباس، ومعاوية بن أبي سُفيان، وأبو موسى الأشعريّ، وعبد اللَّه بن الزبير، وعائشة، وفَعَل ذلك معاذ القاري (^١)، ومعه رجال من أصحاب النبي - ﷺ -، لا ينكر ذلك عليه منهم أحد. ثم أخرج ابن المنذر هذه الآثار بأسانيدها.
ثم قال: وبه قال سعيد بن المسيّب، وعطاء بن أبي رباح، ومالك بن أنس، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، غير أن مالكًا، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق رأوا أن يصلي ركعتين، ثم يسلّم، ثم يوتر بركعة.
وقالت طائفة: يوتر بثلاث، وممن روي عنه ذلك عمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، وأُبيّ بن كعب، وأنس بن مالك، وابن عباس، وابن مسعود، وأبو أمامة، وعمر ابن عبد العزيز.
قال: وبه قال أصحاب الرأي، وقال سفيان: أعجب إليّ ثلاث.
_________________
(١) - هو معاذ بن الحارث القاري الأنصاريّ، أبو حليمة، اختلف في صحبته، قتل يوم الحرّة سنة (٦٣).
[ ١٨ / ٥٣ ]
وأباحت طائفة الوتر بثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة. قال أبو أيوب الأنصاريّ: من شاء أن يوتر بسبع، ومن شاء أن يوتر بخمس، ومن شاء أن يوتر بثلاث، ومن شاء أن يوتر بركعة (^١). وقال ابن عباس: إنما هي واحدة، أو خمس، أو سبع، أو أكثر من ذلك، يوتر بما شاء. وقال سعد بن أبي وقاص: ثلاث أحبّ إليّ من واحدة، وخمس أحبّ إليّ من ثلاث، وسبع أحبّ إليّ من خمس. وروينا عن عائشة أنهما قالت: الوتر سبع، وخمس، والثلاث بَتْرَاء. وروي عن أبي موسى الأشعريّ أنه قال: ثلاث أحبّ إليّ من واحدة، وخمس أحبّ إليّ من ثلاث، وسبع أحبّ إليّ من خمس. وروينا عن زيد بن ثابت أنه أوتر بخمس ركعات، لا ينصرف فيها.
قال: وقال إبراهيم النخعيّ: الوتر ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وكان سفيان الثوريّ يقول: الوتر ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة. وكان إسحاق ابن راهويه يقول: إن شئت أوترت بركعة، وإن شئت فبثلاث، وإن شئت فبخمس، وإن شئت فبسبع، وإن شئت فبتسع، لا تُسلّم إلا في إحداهنّ إذا فرقته، وإن أوترت لإحدى عشرة تسلّم في كلّ ركعتين، ثم أفرد الوتر بركعة.
قال: ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: والذي نُحبّ أن يصلي الرجل ما قُضي له من الليل ركعتين ركعتين، ثم يوتر بواحدة، وإن أوتر بواحدة ليس قبلها شيء جاز ذلك. انتهى كلام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- باختصار (^٢) وهو حسنٌ جدّا.
وقال الإمام محمد بن نصر -رحمه اللَّه تعالى- في "كتاب الوتر": فالأمر عندنا أن الوتر بواحدة، وبثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، كل ذلك جائز، على ما روينا من الأخبار عن النبي - ﷺ -، وأصحابه من بعده، والذي نختار ما وصفنا من قبلُ. قال: فإن صلى رجل العشاء الآخرة، ثم أراد أن يوتر بعدها بركعة واحدة لا يصلي قبلها شيئًا، فالذي نختاره له، ونستحبّه أن يقدّم قبلها ركعتين، أو أكثر، ثم يوتر بواحدة، فإن هو لم يفعل، وأوتر بواحدة جاز ذلك، وقد روينا عن غير واحد من عِلْيَة (^٣) أصحاب محمد - ﷺ - أنهم فعلوا ذلك، وقد كره ذلك مالك، وغيره، وأصحابُ النبي - ﷺ - أولى بالاتباع انتهى كلام محمد بن نصر -﵀- (^٤).
قال الجامع عفا للَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر، ومحمد بن نصر -رحمهما
_________________
(١) - سيأتي أثر أبي أيوب - ﵁ - هذا للمصنف في ٤٠/ ١٧١٢ و١٧١٣.
(٢) - "الأوسط" ج ٥ ص ١٧٧ - ١٨٥.
(٣) - عِلْيَة الناس، وعِلْيُهُم بكسر العين، وسكون اللام: جِلّتهم، وأشرافهم.
(٤) - كتاب الوتر ١٢٧.
[ ١٨ / ٥٤ ]
اللَّه تعالى بحثٌ نفيس، وتحقيقٌ أنيس.
وحاصله أنه يستحسن أن يوتر بركعة بعد أن يصلي ركعتين، ركعتين، فإن لم يفعل ذلك، بل أوتر بركعة دون أن يُقدّم عليها شفعًا فلا بأس؛ لصحة أحاديث النبي - ﷺ -، وآثار الصحابة - ﵃ - المذكورة بذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٩٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَمُحَمَّدٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا، ثُمَّ ذَكَرَ كَلِمَةً، مَعْنَاهَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «الْوَتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ».
قال الجامع عفا الَله تعالى عنه: هذا طريق آخر لحديث ابن عمر - ﵄ -، وقد أخرجه مسلم أيضًا.
و(يحيى): هو ابن سعيد القطّان. و"محمد" هو ابن جعفر، المعروف بغُندر.
وقوله: (ثم ذكر كلمة) الظاهر أن فاعل "ذكر" هو محمد بن بشّار. وقوله: (معناها) مبتدأ خبره قوله "شعبة، عن قتادة الخ". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٩١ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَفَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ؟، قَالَ: «مَثْنَى مَثْنَى، وَالْوَتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر لحديث ابن عمر - ﵄ -، وقد أخرجه مسلم أيضًا.
و(الحسن بن محمد) هو الزعفرانيّ أبو عليّ البغداديّ، صاحب الشافعيّ. و"عفان": هو ابن مسلم الضفّار البصريّ. و"همّام": هو ابن يحيى العَوْذيّ البصريّ. و"عبد اللَّه بن شقيق": هو العُقيليّ البصريّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…