قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أراد أن المراد بقوله في الأحاديث الماضية: "الوتر ركعة من آخر الليل" هو أن يصلي صلاة الليل شفعًا
[ ١٨ / ٥٥ ]
شفعًا، فإذا أراد أن يختم صلاته ختمها بركعة واحدة، وقد تقدم أن هذا على سبيل الاستحباب، لا على الوجوب، على الراجح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٦٩٢ - أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنْصَرِفَ، فَارْكَعْ بِوَاحِدَةٍ، تُوتِرُ لَكَ مَا قَدْ صَلَّيْتَ».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا أيضًا طريق آخر لحديث ابن عمر - ﵄ -، والحديث متّفق عليه، كما سبق بيانه فيما مضى.
و(الربيع بن سليمان) هو المراديّ، أبو محمد المصريّ المؤذّن صاحب الشافعي [١١] ١٩٥/ ٣١١.
و(حجاج بن إبراهيم) هو الأزرق، أبو محمد، أو أبو إبراهيم البغداديّ، نزيل طَرَسُوس، ومصر، ثقة فاضل [١٠].
روى عن ابن وهب، وحُديج بن معاوية، ومبارك بن سعيد الثوريّ، وغيرهم. وعنه الربيع بن سليمان، وموسى بن سهل الرمليّ، وأحمد بن الحسن الترمذيّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: ثقة. وقال العجليّ: ثقة صاحب سنّة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن يونس: قدم مصر، وحدّث بها، وكان رجلًا صالحًا ثقة، وتوفي بمصر. وذكر أبو يزيد القَرَاطيسيّ أنه خرج عن مصر إلى الثَّغْر، فمات هناك، وكان خروجه سنة (٢١٣) وذكر الخطيب أنه مات بعد ذلك بزمان طويل. أخرج له أبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
و(عمرو بن الحارث) هو المصري الحافظ الثبت [٧] ٦٣/ ٧٩.
وقوله: (توتر) يحتمل الجزم على أنه جواب الأمر، والرفعَ على الاستئناف، قال السنديّ: أي تجعل أنت بذلك تمام ما صلّيت وترًا، فإن تلك الواحدة، كما أنها بذاتها وتر كذلك يصير بها جميع صلاة الليل وترًا انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا على نسخة "توتر بذلك ما قد صلّيت"، وأما على نسخة "توتر لك ما صليت" ففاعل "توتر" ضمير يعود إلى، "واحدةٍ"، أي تجعل تلك الركعةُ الواحدة ما قد صليت من صلاة الليل وترًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٩٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَالْوَتْرُ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ».
[ ١٨ / ٥٦ ]
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر لحديث ابن عمر - ﵄ - من رواية القاسم بن محمد عنه، وهو حديث صحيح، والإسناد من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو أعلى الأسانيد له، كما سبق بيانه غير مرة، وهو (١٠٥) من رباعيات الكتاب.
و(خالد بن زياد) هو الأزديّ، أبو عبد الرحمن الترمذيّ، قاضيها، صاحب السابَريّ، صدوق [٨].
روى عن مقاتل بن حيّان، وقتادة، ونافع، وغيرهم. وعنه ابنه عبد العزيز، وقتيبة، وصالح بن عبد اللَّه الترمذيّ، وغيرهم.
قال سعيد بن سُويد: حدثنا خالد بن زياد، وكان ثقة. وقال ابن حبّان في "الثقات": يروي عن نافع صحيفةً مستقيمة، وعن قتادة الحرف بعد الحرف، مات وهو ابن مائة سنة وسنة، وكان على القضاء بترمذ، وكان ابنه بعده. روى له الترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٩٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ، صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى».
قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: هذا طريق آخر أيضًا لحديث ابن عمر - ﵄ - من رواية نافع، وعبد اللَّه بن دينار، كلاهما عنه، وهو متّفقٌ عليه.
و(ابن القاسم) هو عبد الرحمن بن القاسم العُتَقيّ المصريّ الفقيه الثبت، صاحب الإمام مالك -رحمهما اللَّه تعالى-.
وقوله: (وعبد اللَّه بن دينار) بالجرّ عطفًا على "نافع"، فمالك يروي عنهما جميعًا. وقوله: (توتر له ما قد صلّى) أي تجعل تلك الواحدةُ له تمام ما صلّى وترًا، فالضمير في "توتر" يعود إلى "واحدة". واستُدِلّ به على أن الركعة الأخيرة هي الوتر، وأن كلّ ما تقدّمها شفع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٩٥ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ- قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ -وَهُوَ ابْنُ سَلاَّمٍ- عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَنَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، أَنَّهُ سَمِعَهُ، يَقُولُ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَإِذَا خِفْتُمُ الصُّبْحَ، فَأَوْتِرُوا بِوَاحِدَةٍ».
[ ١٨ / ٥٧ ]
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه - هذا أيضًا طريق آخر لحديث ابن عمر - ﵄ -، من رواية أبي سلمة، ونافع، كلاهما عنه، وهو متفق عليه، وقد تقدّم هذا الإسناد قبل ثلاثة أبواب.
وقوله: (ركعتين ركعتين) هكذا نُسَخُ "المجتبى" بالنصب على أنه مفعول لفعل مقدر، أي أن تصلّوا ركعتين ركعتين، والجملة في تأويل المصدر خبرُ "صلاةُ الليل"، يعني أن صفة صلاة الليل أن يُصَلّي المتهجّد ركعتين ركعتين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٩٦ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه، لكن ذكر الاضطجاع بعد الوتر فيه كلام، فقد اتّفق أصحاب الزهريّ، فرووا هذا الحديث عنه، فجعلوا الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، لا بعد الوتر، وخالفهم مالك، فجعله بعد الوتر، وقال الإمام محمد بن يحيى الذهليّ الحافظ وغيره: الصواب رواية الجمهور، وردّ ذلك الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ بأنه لا يُدفع ما قاله مالك؛ لموضعه من الحفظ والإتقان، فيحمل على أنه - ﷺ - كان يضطع مرّة كذا، ومرّة كذا. وقد تقدم تمام البحث في ذلك في شرح الحديث رقم ٤١/ ٦٨٥ - مستوفًى، وترجيح ما قاله الحافظ أبو عمر -﵀- تعالى، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
و(إسحاق بن منصور) هو الكَوْسج المروزيّ الحافظ. و(عبد الرحمن): هو ابن مهدي الإمام الحافظ الحجة الثبت.
ومطابقته للباب ظاهرة، حيث بيّن كيفية الوتر بواحدة، وهو أن يتنفّل قبلها بالشفع، ثم يصليها آخرًا، وهذا كما تقدّم على سبيل الاستحباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…