قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المصنف -رحمه اللَّه تعالى- أراد بهذه الترجمة بيان معنى قوله في الحديث: "أشعرنها إياه"، فكأنه يقول معنى الإشعار هو أن يُلَفّ بذلك الشعار جسدها، لا بمعنى أنه يجعل لها إزرًا يعقد على حقوها، كما كان النبي - ﷺ - متزرًا به كذلك، وعلى هذا المعنى يدلّ كلام أيوب في جوابه الآتي لسؤال ابن جريج، عن معنى "أشعرنها إياه". واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٨٩٣ - أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَيُّوبُ بْنُ أَبِي تَمِيمَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: كَانَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ، امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، قَدِمَتْ تُبَادِرُ ابْنًا لَهَا، فَلَمْ تُدْرِكْهُ، حَدَّثَتْنَا، قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَيْنَا، وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ، فَقَالَ: "اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إِنْ رَأَيْتُنَّ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا" أَوْ "شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي"، فَلَمَّا فَرَغْنَا أَلْقَى إِلَيْنَا حَقْوَهُ، وَقَالَ: «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ». وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ: لَا أَدْرِي؟، أَيُّ بَنَاتِهِ؟، قَالَ: قُلْتُ: مَا قَوْلُهُ: «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ»، أَتُؤَزَّرُ بِهِ؟ قَالَ: لَا أُرَاهُ، إِلاَّ أَنْ يَقُولَ: الْفُفْنَهَا فِيهِ.
رجال هذا الإسناد: ستة، كلهم تقدّموا في ٣٠/ ١٨٨٣ - و"حجاج" هو ابن محمد الأعور. و"ابن أبي تميمة" والد أيوب السختياني، اسمه كيسان.
وقوله: "تُبَادر ابنا لها": أي تسابق موته، وكانه كان غازيا، فقدم البصرة، فبلغ أم
[ ١٩ / ٩ ]
عطية، وهي بالمدينة قدومه، وهو مريض، فرحلت إليه، فمات قبل أن تلقاه، وفي بعض الروايات ما يدلّ على أن قدومها كان بعد موته بيوم، أو يومين، وهذا الابن لم يعرف اسمه، أفاده في "الفتح" (^١).
وقوله: "ولم يزد على ذلك": أي قال أيوب: لم يزد ابن سيرين على المذكور شيئًا، بخلاف حفصة أخته، فإنها زادت أشياء، منها: قولها: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها"، كما سبق في-٣١/ ١٨٨٤ - ومنها قولها: "ومشطناها ثلاثة قرون، وألقيناها خلفها". واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "قال: لا أدري أيُّ بناته"، أي قال أيوب أيضًا: لا أدري أيّ بنات النبيّ - ﷺ - كانت المغسولة"، فـ"أيُّ" مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير: أي بناته ماتت، أو مغسولة.
قال العينيّ -﵀-: وهذا لا ينافي ما قاله الآخرون: إنها زينب، إذ عدم علمه لا ينافي علم غيره، وقد صرّح عاصم في روايته عن حفصة أنها زينب، وهي رواية مسلم. انتهى (^٢).
وقوله: "قال: قلت: ما قوله: "أشعرنها إياه"، فاعل "قال" هو ابن جريج، كما بينه عبد الرزاق في روايته عن ابن جريج، قال: قلت لأيوب: قوله: "أشعرنها"، تؤزر به؟، قال: ما أراه إلا قال: الفُفْنها فيه انتهى (^٣). وقوله: "أتؤزّر به" بهمزة الاستفهام، و"تؤزر" بضم التاء، وفتح الهمزة، وتشديد الزاي، من التأزير.
يعني هل معنى قوله في الحديث: "أشعرنها إياه" أن يُجعل لها ذلك الشعار مثل الإزار؟.
وقوله: "قال: لا أُراه إلا أن يقول: الفُفْنها فيه". فاعل "قال" هو أيوب أيضًا، و"أراه" بضم الهمزة، بمعنى أظنه. وقوله: "الففنها" بهمزة الوصل، من اللَّفِّ، يقال: لففته لَفًا، من باب قَتَلَ، فالتفّ، والتفّ النباتُ بعضُهُ ببعض: اختلط، ونَشِبَ، والتفّ بثوبه: اشتَمَلَ، واللّفَافَةُ بالكسر: ما يُلَفّ على الرِّجْلِ وغيرها، والجمع لَفَائف. قاله في "المصباح".
والمعنى: لا أظنه أراد بقوله: "أشعرنها إياه" إلا معنى الفُفْنها به، أي يجعل لها لفافة يُلَفّ بها جميع بدنها، لا أنه يجعل لها إزرًا. واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) - "فتح" ج ٣ ص ٣٦٦.
(٢) - "عمدة القاري" ج ٦ ص ٤٠٦.
(٣) - راجع "الفتح" ج ٣ ص ٤٧٤.
[ ١٩ / ١٠ ]
زاد في رواية البخاريّ: وكذلك كان ابن سيرين يأمر بالمرأة أن تُشعَر، ولا تُؤزّر انتهى.
والحديث أخرجه البخاريّ، وتقدم تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٩٤ - أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ النَّسَائِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: تُوُفِّيَ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: "اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ، إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ، وَاغْسِلْنَهَا بِالسِّدْرِ وَالْمَاءِ، وَاجْعَلْنَ فِي آخِرِ ذَلِكِ كَافُورًا" أَوْ "شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي»، قَالَتْ: فَآذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حَقْوَهُ، فَقَالَ: «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ».
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شعيب بن يوسف النسائيّ) ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٩.
٢ - (يزيد) بن هارون، أبو خالد الواسطيّ، ثقة متقن عابد، من كبار [٩] ١٥٣/ ٢٤٤.
٣ - (ابن عون) عبد اللَّه، أبو عون البصريّ، ثقة ثبت فاضل [٥] ٢٩/ ٣٣.
والباقيان تقدما قريبًا، والحديث متفق عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…