١٦٩٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ
[ ١٨ / ٥٨ ]
أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي رَمَضَانَ؟، قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ، وَلَا غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ، وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ، وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا، قَالَتْ: عَائِشَةُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟، قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْنِي تَنَامُ، وَلَا يَنَامُ قَلْبِى».
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن سلمة) المراديّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠.
٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد المصري القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩.
٣ - (ابن القاسم) عبد الرحمن الْعُتَقيّ المصري الفقيه، ثقة، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠.
٤ - (مالك) بن أنس الإمام المدنيّ الحجة المشهور [٧] ٧/ ٧.
٥ - (سعيد بن أبي سعيد المقبريّ) أبو سَعْد المدنيّ، ثقة [٣] ٩٥/ ١١٧.
٦ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ١/ ١.
٧ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، ومن قبله مصريون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، سعيد، عن أبي سلمة، وهو من رواية الأقران، وفيه أبو سلمة من الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (كَيْفَ كانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي رَمَضَانَ؟، قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ - يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ، وَلَا غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) فيه دلالة على أن صلاته - ﷺ - كانت متساوية في جميع السنة (يُصَلِّي أَرْبَعًا) أي متصلةً (فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَ، وَطُولِهِنَّ) قال النوويّ -﵀-: معناه هنّ في نهاية من كمال الحسن، والطول، مستغنيات بظهور حسنهنّ، وطولهنّ عن السؤال عنه، والوصفِ (^١).
_________________
(١) - "شرح مسلم" ج ٦ ص ٢٠.
[ ١٨ / ٥٩ ]
وفي هذا الحديث دليل لمذهب الشافعي وغيره، ممن قال: تطويلُ القيام أفضل من تكثير الركوع والسجود، وهو المذهب الراجح في المسألة. وقالت طائفة: تكثير الركوع والسجود أفضل. وقالت طائفة: تطويل القيام في الليل أفضل، وتكثير الركوع والسجود في النهار أفضل. وقد تقدّم تفاصيل المسألة بدلائلها في ١٦٨/ ١١٣٧ - فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا) أي أربع ركعات موصولة أيضًا (فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ، وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاَثًا) أي بتسليم واحد، وهذا هو موضع استدلال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- على الترجمة، حيث بُيّن فيه كيفيةُ الإيتار بثلاث، وهو أن يصليهن بتسليمة واحدة.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد اختلفت الرواة على عائشة - ﵂ - في صلاة النبي - ﷺ - في الليل، ففي رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن أنها إحدى عشرة ركعةً، كما هو المذكور في الباب، وفي رواية مسروق، قال: سألتُ عائشة عن صلاة رسول اللَّه - ﷺ -؟ فقالت: سبع، وتسع، وإحدى عشرة، سوى ركعتي الفجر. وفي رواية القاسم عنها: كان يصلي من الليل ثلاث عشرة، منها الوتر، وركعتا الفجر. وفي رواية له: كانت صلاته عشر ركعات، ويوتر بسجدة، ويركع ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة. وفي رواية الزهريّ، عن عروة عنها: كان يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفيتين.
والجواب عن ذلك -كما قال في "الفتح": أن مرادها في رواية مسروق، أن ذلك وقع منه في أوقات مختلفة، فتارة كان يصلي سبعًا، وتارة تسعًا، وتارة إحدى عشرة.
وأما حديث القاسم عنها، فمحمول على أن ذلك كان غالب أحواله، وأما رواية أبي سلمة، فهي بمعنى رواية القاسم، إذ كونها إحدى عشرة إنما هو بغير ركعتي الفجر، فلا مخالفة بين روايتيهما.
وأما حديث عروة، فيحتمل أن تكون أضافت إلى صلاة الليل سنة العشاء، لكونه كان يصليها في بيته، أو ما كان يَفتتح به صلاة الليل، فقد ثبت عند مسلم من طريق سعد ابن هشام عنها أنه كان يفتتحها بركعتين خفيفتين.
قال الحافظ: وهذا أرجح في نظري، لأن رواية أبي سلمة التي دلّت على الحصر في إحدى عشرة ركعة، جاء في صفتها عند البخاريّ وغيره "يصلي أربعًا، ثم أربعًا، ثم ثلاثًا"، فدلّ على أنها لم تتعرّض للركعتين الخفيفتين، وتعرضت لهما في رواية الزهريّ، والزيادة من الحافظ مقبولة، وبهذا يُجمع بين الروايات.
وينبغي أن يُستحضَرَ هنا ما تقدّم في أبواب الوتر من ذكر الركعتين بعد الوتر،
[ ١٨ / ٦٠ ]
والاختلاف، هل هما الركعتان بعد الفجر، أو صلاة مفردة بعد الوتر، ويؤيده ما وقع عند أحمد، وأبي داود من رواية عبد اللَّه بن أبي قيس، عن عائشة، بلفظ: "كان يوتر بأربع وثلاث، وستّ وثلاث، وثمان وثلاث، وعشر وثلاث، ولم يكن يوتر بأكثر من ثلاث عشرة، ولا أنقص من سبع".
قال: وهذا أصحّ ما وقفت عليه من ذلك، وبه يُجمع بين ما اختلف عن عائشة من ذلك. واللَّه أعلم.
وقال القرطبيّ: أشكلت روايات عائشة على كثير من أهل العلم حتى نَسَبَ بعضهم حديثها إلى الاضطراب، وهذا إنما يتمّ لو كان الراوي عنها واحدًا، أو أَخبَرَت عن وقت واحد، والصواب أن كلّ شيء ذكرته من ذلك محمول على أوقات متعدّدة، أو أحوال مختلفة بحسب النشاط، وبيان الجواز، واللَّه أعلم.
قال الحافظ: وظهر لي أن الحكمة في عدم الزيادة على إحدى عشرة أن التهجّد والوتر مختصّ بصلاة الليل، وفرائض النهار الظهر، وهي أربع، والعصر، وهي أربعٌ، والمغرب، وهي ثلاث، وتر النهار، فناسب أن تكون صلاة الليل كصلاة النهار في العدد جملة وتفصيلًا، وأما مناسبة ثلاث عشرة، فبضمّ صلاة الصبح لكونها نهارية إلى ما بعدها. انتهى ما في "الفتح" (^١).
(قَالَتْ: عَائِشَةُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟) قال في "الفتح": وفيه كراهة النوم قبل الوتر، لاستفهام عائشة عن ذلك، كأنه تقرّر عندها منع ذلك؛ فأجابها بأنه - ﷺ - ليس في ذلك كغيره انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: استدلاله بما ذُكر على الكراهة غير واضح، فَلْيُتأمّل. واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ: يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْني تَنَامُ) هكذا بالإفراد عند المصنّف، وهو صحيح، إذ "عين" مفرد مضاف، فيعمّ، وفي رواية الشيخين: "إنّ عينيّ تنامان" بالتثنية، وهي واضحة.
(وَلَا يَنَامُ قَلْبِي") يعني أن النوم إنما كان حَدَثًا لما فيه من احتمال الخروج بلا علم النائم به، وذلك لا يُتصوّر في حقه - ﷺ - لأن نومه ليس يحدث حيث إن قلبه يقظان، بخلاف غيره. وهذا من خصائص الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين، ففي رواية البيهقيّ من حديث أنس - ﵁ -: "وكذلك الأنبياء، تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم ".
ونقل الحافظ السيوطيّ -﵀- عن الشيخ عزّ الدين ابن عبد السلام -﵀-، أنه قال:
_________________
(١) - "فتح" ج ٣ ص ٣٢٨.
[ ١٨ / ٦١ ]
قد أُورد على هذا الحديث قضية الوادي لَمّا نام - ﷺ - عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، فلو كانت حواسّه. باقية مُدركة مع النوم لأدرك الشمس، وطلوع النهار. قال: والجواب أن أمر الوادي مستثنى من عادته، وداخل في عادتنا.
وقال القاضي عياض -﵀-: من أهل العلم مَنْ تأوّل الحديث على أن ذلك غالب أحواله، وقد ينام نادرًا، ومنهم من تأوّله على أنه لا يستغرقه النوم حتى يكون منه الحدث. والأولى عندي أن يقال: ما بين الحديثين تناقض، وأنه يومَ الوادي إنما نامت عيناه، فلم ير طلوع الشمس، وطلوعُها إنما يُدرك بالعين، دون القلب. قال: وقد تكون هذه الغلبة هنا للنوم، والخروج عن عادته فيه، لِمَا أراد اللَّه تعالى من بيان سنةَ النائم عن الصلاة، كما قال: "لو شاء اللَّه لأيقظنا، ولكن أراد أن تكون لمن بعدكم". انتهى.
وقال الشيخ وليّ الدين العراقيّ -﵀-: وفي "مسند أحمد": أنّ ابن صيّاد تنام عينه، ولا ينام قلبه، وكان ذلك في المَكْرِ به، وأن يصير (^١) مستيقظ القلب في الفجور والمفسدة، ليكون أبلغ في عقوبته، بخلاف استيقاظ قلب المصطفى - ﷺ -، فإنه في المعارف الإلهيّة، والمصالح التي لا تُحصَى، فهو رافع لدرجاته، ومُعَظِّمٌ لشأنه. انتهى (^٢) .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا-٣٦/ ١٦٩٧ - عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، كلاهما عن ابن القاسم، عن مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عنها. وفي "الكبرى" ٥٨/ ١٤٢١ عن قتيبة بن سعيد، عن مالك به. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) في "الصلاة" عن عبد اللَّه بن يوسف- وفي "الصوم" عن إسماعيل- وفي "صفة النبي - ﷺ - عن القعبيّ- (م) في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى- (د) في
_________________
(١) - هكذا نسخة "الزهر" "وأن يصير الخ" بالواو، ولعل الصواب "بأن يصير الخ" بالباء، فليُتأمّل.
(٢) - راجع "زهر الربى" ج٣ ص ٢٣٤ - ٢٤١.
[ ١٨ / ٦٢ ]
"الصلاة" عن القعنبيّ- (ت) في "الصلاة" عن إسحاق بن موسى، عن معن بن عيسى- خمستهم عن مالك به. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان كيفية الإيتار بثلاث ركعات، وهو أن يصلّيها متّصلة، وفي ذلك اختلاف بين العلماء، سيأتي في شرح الحديث التالي، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها). ما كان عليه هدي النبيّ - ﷺ - من تطويل صلاة الليل. (ومنها): بيان خصوصيته - ﷺ - في كون نومه لا ينقض وضوءه؛ لأن نومه في عينه لا في قلبه، فيشعر بخروج ما يُخشى منه نقض الوضوء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٩٨ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّ عَائِشَةَ، حَدَّثَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، كَانَ لَا يُسَلِّمُ فِي رَكْعَتَيِ الْوَتْرِ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة، و"سعيد": هو ابن أبي عروبة، والحديث تقدّم تخريجه في ٢/ ١٦٠١.
وقولها: "كان لا يسلّم في ركعتي الوتر" أي حتى يضمّ إليهما الركعة الثالثة، فيسلّم بعدها. هكذا قال السنديّ في "شرحه".
وظاهره أن النبي - ﷺ - كان يوتر بثلاث ركعات متصلة، ولهذا أورده المصنف - رحمه اللَّه تعالى - في هذا الباب لبيان كيفية الوتر بثلاث، لكن المشهور من حديث عائشة - ﵂ - من رواية سعد بن هشام عنها أن وتره - ﷺ - كان تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الثامنة، ثم يقوم، فيصلي التاسعة، ثم يسلّم بعدها، فلما أسنّ أوتر بسبع، هذا هو المعروف من حديثها من روايته، بل في بعض الطرق التي مرّت من روايته أن تلك ما زالت صلاة رسول اللَّه - ﷺ -، وأما كونه أوتر بثلاث ركعات، فليس معروفًا من روايته، ففي صحة هذه الرواية نظر. واللَّه تعالى أعلم.
ثم رأيت الحافظ محمد بن نصر -﵀- تكلّم على هذه الرواية في "كتاب الوتر" له، وحاصل ما قاله هناك: فأما الحديث الذي حدّثناه عباس النّرسيّ، ثنا يزيد بن زُريع، ثنا سعيد، عن قتادة، عن زُرارة، عن سعد بن هشام، عن عائشة - ﵂ -: "أن النبي - ﷺ - كان لا يُسلّم في ركعتي الوتر"، وفي رواية: "كان لا يسلّم في الركعتين الأوليين من الوتر".
قال: فهذا عندنا قد اختصره سعيد من الحديث الطويل الذي ذكرنا، ولم يقل في هذا
[ ١٨ / ٦٣ ]
الحديث: إن النبي - ﷺ - أوتر بثلاث، لم يسلّم في الركعتين، فكان يكون حجةً لمن أوتر بثلاث بلا تسليم في الركعتين، إنما قال: لم يسلّم في ركعتي الوتر، وصدق في ذلك الحديث أنه لم يسلّم في الركعتين، ولا في ثلاث، ولا في أربع، وفي الخمس، ولا في الستّ، ولم يجلس أيضًا في الركعتين، كما لم يسلّم فيهما. انتهى كلام ابن نصر -رحمه اللَّه تعالى- (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن نصر -رحمه اللَّه تعالى- في تأويل
الرواية المذكورة حسنٌ جدَّا.
وحاصله أن الحديث بهذا اللفظ المختصر غير صحيح، وإنما الصحيح من حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هو الطويل المذكور آنفًا. واللَّه تعالى أعلم.
[مسألة]: في اختلاف العلماء في حكم الفضل والوصل بين الشفع والوتر لمن يوتر بثلاث ركعات:
قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف أهل العلم في الفصل بين الشفع والوتر، فرأت طائفة أن يفصل بينهما، وممن فعل ذلك ابن عمر،، كان يسلّم بين الركعة والركعتين من الوتر حتى يأمر ببعض حاجته، وكان معاذ بن أبي حليمة القارئ يسلّم من الثنتين في الوتر، وبه قال عبد اللَّه بن عيّاش بن أبي ربيعة، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وحكى أبو ثور عن الكوفيّ أنه قال: لا يفصل بين الركعة والركعتين بسلام، ولا يكون الوتر ركعة، وقال أبو ثور: الوتر في اللغة هو الواحد المفرد، والشفع هو الشيء المجتمع. وقال الأوزاعيّ في الفضل بين الركعتين والركعة الآخرة: إن فعل فحسن، وإن تركه فحسن.
وكان مالك يقول فيمن نسي أن يسلّم بين الركعتين اللتين قبل الوتر، وبين الوتر حتى استوى قائمًا للثالثة، وهو ممن يَغفُلُ قال: إن ذكر قبل أن يركع جلس، ثم سلّم، وسجد سجدتي السهو بعد السلام، وإن لم يذكر حتى ركع فليمض، ويسجد سجدتي السهو قبل السلام.
وعنه في الإمام الذي يوتر بالناس في رمضان بثلاث لا يسلّم بينهنّ: أرى أن يصليَ خلفه بصلاته، ولا يخالفه.
وعنه قال: لقد كنت أنا أصلي معهم مرّة، فإذا كان الوتر انصرفت، ولم أوتر معهم.
_________________
(١) -"كتاب الوتر" ص ١٢٦.
[ ١٨ / ٦٤ ]
قال ابن المنذر: أُوتر معهم، ولا أُخالفهم، لا أحبّ أن أنصرف، ولا أُوترَ معهم؛ لحديث أبي ذرّ - ﵁ -، مرفوعًا: "إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كتبت له بقية ليلته … الحديث (^١).
قال ابن المنذر: وقد ثبت أن رسول اللَّه - ﷺ - أوتر بخمس لم يجلس إلا في آخرهنّ، وأوتر بسبع، وثبت أنه أوتر بتسع، لا يقعد فيهنّ إلا عند الثامنة، ثم قعد في التاسعة، فأيُّ فعل مما جاء به الحديث من أْفعال رسول اللَّه - ﷺ - في الوتر فعله رجل، فقد أصاب السنّة، غير أن الأكثر من الأخبار، والأعمّ منها أنه سئل عن صلاة الليل، فقال: "مثنى مثنى"، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة، وإن شاء المصلي صلى ركعتين ركعتين، وإذا أراد أن يوتر بثلاث صلى ركعتين، قرأ في الأولى منها بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ثم يسلم، ويأتي بالركعة الثالثة، ويقرأ فيها بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوّذتين (^٢). انتهى كلام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- بتصرّف، واختصار (^٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- بحث نفيسٌ جدَّا. واللَّه تعالى أعلم.
وقال في "الفتح" عند قوله: "فإذا خشي أحدكم الصبح، صلّى ركعة واحدة": ما نصه: واستُدلّ به على أن فصل الوتر أفضل من وصله.
وتُعقب بأنه ليس صريحًا في الفضل، فيحتمل أن يريد بقوله: "صلَّى ركعة واحدة" أي مضافة إلى ركعتين مما مضى.
واحتجّ بعض الحنفية لما ذهب إليه من تعيّن الوصل، والاقتصار على ثلاث بأن الصحابة أجمعوا على أن الوتر بثلاث موصولةِ حسنٌ جائزٌ، واختلفوا فيما عداه، قال: فأخذنا بما أجمعوا عليه، وتركنا ما اختلفوا فيه.
وتعقبه محمد بن نصر المروزي بما رواه من طريق عراك بن مالك، عن أبي هريرة، مرفوعًا وموقوفًا: "لا توتروا بثلاث، تشبّهوا بصلاة المغرب". وصححه الحاكم من طريق عبد اللَّه بن الفضل، عن أبي سلمة، والأعرج، عن أبي هريرة مرفوعًا نحوه،
_________________
(١) - تقدم للمصنف بنحوه في "باب ثواب من صلى مع الإمام حتى ينصرف" ٣/ ٨٣.
(٢) - وأفاد الحافظ أن حديث ابن عباس، وأبي بن كعب لإسقاط المعوّذتين أصحّ، وقال ابن الجوزي: أنكر أحمد، ويحيى بن معين زيادة المعوذتين اهـ "التلخيص الحبير" ج ٢ ص٤٠. النسخة المحققة.
(٣) - "الأوسط" ج ٥ ص ١٨٥ - ١٨٨.
[ ١٨ / ٦٥ ]
وإسناده على شرط الشيخين، وقد صححه ابن حبّان، والحاكم، ومن طريق مِقْسَم، عن ابن عبّاس، وعائشة كراهية الوتر بثلاث، وأخرجه النسائيّ أيضًا. وعن سليمان بن يسار أنه كره الثلاث في الوتر، فقال: لا يُشبهُ التطوّعُ الفريضةَ. فهذه الآثار تقدح في الإجماع الذي نقله.
وأما قول محمد بن نصر: لم نجد عن النبي - ﷺ - خبرًا ثابتًا أنه أوتر بثلاث موصولة، نعم ثبت عنه أنه أوتر بثلاث، لكن لم يبيّن الراوي، هل هي موصولة، أو مفصولة انتهى.
فيَرُدُّ عليه ما رواه الحاكم من حديث عائشة أنه كان - ﷺ - يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهنّ. وروى النسائيّ من حديث أُبَيّ بن كعب - ﵁ - نحوه، ولفظه: "يوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ولا يسلّم إلا في آخرهنّ"، وبين في عدّة طرق أن السور الثلاث بثلاث ركعات.
ويجاب عنه باحتمال أنهما لم يثبتا عنده، والجمع بين هذا، وبين ما تقدّم من النهي عن التشبيه بصلاة المغرب أن يُحمل النهي على صلاة الثلاث بتشهّدين، وقد فعله السلف أيضًا، فرَوَى محمد بن نصر من طريق الحسن أن عمر - ﵁ - كان يَنهَض في الثالثة من الوتر بالتكبير، ومن طريق المِسْوَر بن مخرمة أن عمر أوتر بثلاث لم يُسلّم إلا في آخرههنّ، ومن طريق ابن طاوس، عن أبيه أنه كان يوتر بثلاث، لا يقعد بينهنّ، ومن طريق قيس بن سعد، عن عطاء، وحمّاد بن زيد عن أيوب مثله، ورَوَى محمد بن نصر، عن ابن مسعود، وأنس، وأبي العالية أنهم أوتروا بثلاث كالمغرب، وكأنهم لم يبلغههم النهي المذكور. انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تحرّر مما تقدّم من الأدلّة، وأقوال أهل العلم، أن الأرجح استحباب الفضل بين الركعتين، والوتر بسلام، وإن صلى ثلاث ركعات بلا فصل جاز، لكنه لا يجلس في الوسط، بل يجلس في آخرها، وأما الإيتار بثلاث ركعات بتشهّدين كالمغرب، كما يقول الحنفية، فلا يُشرع؛ لصحة النهي عن تشبيه الوتر بالمغرب كما تقدّم آنفًا، وأما ما نقل عن بعض السلف أنهم أوتروا بثلاث كالمغرب، فيُحمل على أنهم لم يبلغهم النهي المذكور، كما سبق آنفًا عن "الفتح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
_________________
(١) - "فتح"ج ٣ ص ١٦٤ - ١٦٥.
[ ١٨ / ٦٦ ]