قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "التلقين" كالتفهيم، وزنًا ومعنًى، يقال: لقّنتُهُ الشيءَ، فلتلقّنه، أي فهَمتُهُ، ففَهِمَمه منّي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
_________________
(١) - انظر "صحيح مسلم" ج ٦ ص ٤٦٠. بنسخة شرح النوويّ الجديد.
[ ١٨ / ٢٢٣ ]
١٨٢٦ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ (^١) ح وَأَخْبَرَنَا (^٢) قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ».
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفيّ البصريّ الحافظ الثبت [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (قتيبة) بن سعيد تقم قريبا.
٣ - (بشر بن المفضّل) بن لاحق، أبو إسماعيلى البصريّ، ثقة ثبت عابد [٨] ٦٦/ ٨٢.
٤ - (عمارة بن غَزيّة) - بفتح الغين المعجمة، وكسر الزاي- الأنصاريّ المازنيّ المدني، لا بأس به [٦] ١٦٨/ ١١٣٧.
٥ - (يحيى بن عُمارة) بن أبي حسن الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقة [٣] ٨٠/ ٩٧.
٦ - (عبد العزيز) بن محمد الدّراورديّ المدنيّ، صدوق كان يحدث من كتب غيره، فيخطئ [٨] ٨٤/ ١٠١.
٧ - (أبو سعيد) سَعْد بن مالك بن سِنَان الخدريّ الصحابي المشهور - ﵁ - ١٦٩/ ١٦٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وفيه أبو سعيد الخدريّ - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ - ﵁ -، أنه (قَالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: لَقِّنُوا) من التلقين، وهو التذكير، أي ذكّروا (مَوْتَاكُمْ) أي الذين هم في سياق الموت، سمّاهم موتى، لأن الموت قد حضرهم. قال الطيبيّ -﵀-: أي من قَرُب منكم من الموت، سماه باعتبار ما يؤول إليه مجازًا، وعليه يُحمل قوله - ﷺ -: "اقرءو على موتاكم ﴿يس﴾ انتهى (^٣).
_________________
(١) - وفي نسخة: "عن أبي سعيد".
(٢) - وفي نسخة: "وأنبأنا".
(٣) - أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، من حديث أبي عثمان، وليس بالنهديّ، عن أبيه، عن معقل بن يسار، قال الدارقطنيّ: هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، ولا يصحّ في الباب حديث انتهى. وأعله ابن القطّان بالاضطراب، وبالوقف، وبجهالة أبي عثمان، وأبيه. انظر "التخليص الحبير" ج ٢ ص ٢١٢ - ٢١٣.
[ ١٨ / ٢٢٤ ]
ويدلّ عليه أن ابن حبّان روى هذا الحديث عن أبي هريرة - ﵁ - باللفظ المذكور، وزاد: "فإنه من كان آخر كلامه لا إله إلا اللَّه، دخل الجنّة يومًا من الدهر، وإن أصابه ما أصاب قبل ذلك" (^١).
قيل: معنى "التلقين" أن يُذكَرَ له "لا إله إلا اللَّه"، ويُتلفّظ به بحضرته، حتى يسمع، فيتفطّن، فيقوله، ولا يؤمر به، إلا أن يكون كافرًا، فيقال له: قل: لا إله إلا اللَّه، كما قال النبي - ﷺ - ذلك لعمه أبي طالب، وللغلام اليهوديّ الذي كان يخدمه - ﷺ -.
والمقصود من التلقين أن يكون آخر كلامه لا إله إلا اللَّه، ولذا قالوا: إذا قال مرة لا تُعاد عليه، إلا أن يتكلّم بكلام آخر. ذكر الترمذي -﵀- في "الجامع" أنه رُوي عن ابن المبارك أنه لما حضره الوفاة جعل رجل يلقنه لا إله إلا اللَّه، ويكثر عليه، فقال له عبد اللَّه: إذا قلتُ ذلك مرّة، فأنا على ذلك ما لم أتكلّم بكلام انتهى.
وقال النوويّ -﵀-: وأجمع العلماء على هذا التلقين، وكرهوا الإكثار عليه، والموالاة، لئلا يَضجَرَ بضيق حاله، وشدّة كربه، فيكره ذلك بقلبه، ويتكلّم بما لا يليق انتهى.
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "لقنوا موتاكم الخ" أي قولوا لهم ذلك، وذكّروهم به عند الموت، وسماهم - ﷺ - موتى لأن الموت قد حضرهم، وتلقين الموتى هذه الكلمةَ سنّة مأثورة، عَمِلَ بها المسلمون، وذلك ليكون آخر كلامه "لا إلى إلا اللَّه"، فيُختم له بالسعادة، وليدخل في عموم قوله - ﷺ -: "من كان آخر كلامه لا إله إلا اللَّه دخل الجنّة" (^٢)، وليُنبّه المحتضر على ما يدفع به الشيطان، فإنه يتعرّض للمحتضر ليُفسد عليه عقيدته، فإذا تلقّنها المحتضر، وقالها مرّة واحدة، فلا تُعاد عليه، لئلا يَضجَرَ، وقد كره أهل العلم الإكثار عليه من التلقين، والإلحاح عليه إذا هو تلقّنها، أو فُهِم عنه ذلك، وفي أمره - ﷺ - بتلقين الموتى ما يدلّ على تعيّن الحضور عند المحتضر، لتذكيره، وإغماضه، والقيام عليه، وذلك من حقوق المسلم على المسلمين، ولا خلاف في ذلك انتهى كلام القرطبي (^٣).
وقال القاري -﵀-: الجمهور على أنه يُندب هذا التلقين، وظاهر الحديث يقتضي وجوبه، وذهب إليه جمع، بل نقل بعض المالكية الاتفاق عليه انتهى (^٤).
_________________
(١) - حديث صحيح. انظر "الإحسان" ج ٧ ص ٢٧٢.
(٢) - حديث صحيح، رواه أحمد، وأبو داود من حديث معاذ بن جبل - ﵁ -.
(٣) - "المفهم" ج ٢ ص ٥٧٠.
(٤) - انظر "المرعاة" ج ٥ ص ٣٠٨.
[ ١٨ / ٢٢٥ ]
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر قول من قال بالوجوب؛ لصريح الأمر في قوله - ﷺ -: "لقّنوا"، والذين قالوا بالندبية لم يذكروا له صارفًا عن الوجوب. واللَّه تعالى أعلم.
(لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ") فقط على الأصحّ، وقيل: مع "محمد رسول اللَّه"، فالمراد كلمتا الشهادة. قال الزين ابن المنيّر: قول: "لا إله إلا اللَّه" لَقَبٌ جرى على النطق بالشهادتين شرعًا انتهى. وقال الدَّمِيريّ: نقل في "الروضة" عن الجمهور الاقتصار على "لا إله إلا اللَّه"، ونقل جماعة من الأصحاب -يعني الشافعيّة- أنه يضيف إليها "محمد رسول اللَّه"، لأن المراد ذكر التوحيد، والمراد موته مسلمًا، ولا يسمّى مسلما إلا بهما، والأول أصحّ، أما إذا كان المحتضر كافرًا، فينبغي الجزم بتلقين الشهادتين، لأنه لا يصير مسلما إلا بهما كذا في "السراج الوهّاج"، ونقله في "المرعاة" (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاقتصار على "لا إله إلا اللَّه" هو الراجح عندي، عملًا بظاهر النصّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه المصنف هنا -٤/ ١٨٢٦ - و"الكبرى" ٤/ ١٩٥٢ - وأخرجه (م) رقم ٩١٦ وأخرجه أيضًا من حديث أبي هريرة - ﵁ - ٩١٧ (د) ٣١١٧ (ت) ٩٧٦ (ق) ١٤٤٥ (أحمد) ٣/ ٣ (عبد بن حميد) ٩٧٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٢٧ - أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ ابْنُ صَفِيَّةَ، عَنْ أُمِّهِ، صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَقِّنُوا هَلْكَاكُمْ، قَوْلَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إبراهيم بن يعقوب) الجُوزَجانيّ نزيل دمشق الحافظ الحجة [١١] ١٢٢/ ١٧٤.
٢ - (أحمد بن إسحاق) بن زيد بن عبد اللَّه بن أبي إسحاق الحضرميّ، أبو إسحاق البصريّ، ثقة [٩].
_________________
(١) - المصدر المذكور.
[ ١٨ / ٢٢٦ ]
وثقه يعقوب بن شيبة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ، ومحمد بن سعد. وقال النسائيّ أيضًا: ليس به بأس. وقال المرّوذيّ، عن أحمد: لم يكن به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان يحفظ حديثه. وقال ابن سعد: مات بالبصرة سنة (٢١١) روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وابن ماجه، وله عند المصنف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: هذا، و١٩٣٥ حديث. "لا تذكروا هلكاكم إلا بخير"، و٢٨٤٠ حديث: "تزوج ميمونة، وهو محرم".
٣ - (وهيب) بن خالد الباهليّ مولاهم البصريّ، ثقة ثبت تغير قليلا في الآخر [٧] ٢١/ ٤٢٧.
٤ - (منصوو ابن صفيّة) هو ابن عبد الرحمن الحَجَبيّ المكّيّ، نُسب إلى أمه، ثقة [٥] ١٥٩/ ٢٥١.
٥ - (صفية بنت شيبة) بن عثمان بن أبي طلحة العبدريّة، اختلف في صحبتها ١٥٩/ ٢٥١.
٦ - (عائشة) - ﵂ - ٥/ ٥.
وقوله: "هلكاكم" كموتاكم وزنًا ومعنى، ووقع في النسخة "الهندية"، و"الكبرى" بلفظ "موتاكم"، واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عائشة - ﵂ - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٤/ ١٨٢٧ - و"الكبرى" ٤/ ١٩٥٣ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…