١٧٢٨ - أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، أَنَّ أَبَا مُوسَى، كَانَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى رَكْعَةً، أَوْتَرَ بِهَا، فَقَرَأَ فِيهَا بِمِائَةِ آيَةٍ، مِنَ النِّسَاءِ، ثُمَّ قَالَ: مَا أَلَوْتُ، أَنْ أَضَعَ قَدَمَيَّ، حَيْثُ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَدَمَيْهِ، وَأَنَا أَقْرَأُ بِمَا قَرَأَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -.
رجال هذا هذا الإسناد: ستة:
١ - (إبراهيم بن يعقوب) الْجُوزَجاني، ثم الدمشقيّ، ثقة حافظ رمي بالنصب [١١] ١٢٢/ ١٧٤.
٢ - (أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسيّ، الملقب بعَارِمِ، أبو الفضل البصريّ، ثقة ثبت تغير بآخره، من صغار [٩] ١٨/ ٧٩٩.
قال الذهليّ: حدثنا محمد بن الفضل عارم، وكان بعيدًا من العَرَامَة، (^١) صحيح الكتاب، وكان ثقة. وقال ابن وَارَةَ: حدثنا عارم بن الفضل الصدوق المأمون. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: إذا حدّثك، فاختم عليه، وعارم لا يتأخّر عن عفّان، وكان سليمان ابن حرب يُقدّم عارمًا على نفسه، إذا خالفه عارم رجع إليه، وهو أثبت أصحاب حماد ابن زيد بعد ابن مهديّ، قال: وسئل أبي عن عارم، وأبي سلمة؟ فقال: عارم أحبّ إلي، قال: وسئل أبي عنه؟ فقال: ثقة. قال: وسمعت أبي يقول: اختلط عارم في آخر عمره، وزال عقله، فمن سمع منه قبل الاختلاط، فسماعه صحيح، وكتبت عنه قبل
_________________
(١) - رجل عارم: أي خبيث شرّير، والفعل كنصر، وضرب، وكرم وعلم.
[ ١٨ / ٩٨ ]
الاختلاط سنة (١٤) ولم أسمع منه بعد ما اختلط، فمن سمع منه قبل سنة عشرين، فسماعه جيّد، وأبو زرعة لقيه سنة (٢٢). وقال البخاري: تغير فى آخر عمره، قال: وجاءنا نَعْيه سنة (٢٤) وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: كنت عند عارم، فحدّث عن حمّاد، عن هشام، عن أبيه أن ما عزًا الأسلميّ سأل عن الصوم في السفر، فقلت له: حمزة الأسلميّ، يعني أن عارمًا قال هذا، وقد زال عقله. وقال أبو داود: بلغنا أنه أُنكِر سنة (١٣)، ثم راجعه عقله، ثم استحكم به الاختلاط سنة (١٦) وقال أبو داود: سمعت عارمًا يقول: سمّاني أبي عارمًا، وسمّيت نفسي محمدًا. وقال سليمان بن حرب: إذا ذَكرتَ أبا النعمان فاذكر ابن عون، وأيوب. وقال العُقيليّ: قال لنا جدّي: ما رأيت بالبصرة أحسن صلاةً منه، وكان أخشع مَنْ رأيتُ. وقال النسائيّ: كان أحد الثقات قبل أن يختلط، قال: وقال سليمان بن حرب: إذا وافقني أبو النعمان فلا أبالي من خالفني. وقال الدارقطنيّ: تغيّر بأَخَرَةٍ، وما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر، وهو ثقة. وقال ابن حبّان، اختلط في آخر عمره، وتغيّر حتى كان لا يدري ما يحدّث به، فوقع في حديثه المناكير الكثيرة، فيجب التنكب عن حديثه فيما رواه المتأخرون، فإن لم يُعلم هذا من هذا تُرك الكلّ، ولا يُحتجّ بشيء منها. قال الذهبي: لم يَقْدِر ابنُ حبّان لأن يسوق له حديثًا منكرًا، والقول فيه ما قال الدارقطنيّ. وقال العُقيليّ: سماع علي البغويّ من عارم سنة (١٧) يعني بعد الاختلاط. وقال سعيد بن عثمان الأْهوازيّ: حدّثنا عارمٌ، ثقة، إلا أنه اختلط، وقال الخطيب: سماع الكُديميّ منه قبل اختلاطه. وقال العجليّ: بصريّ ثقة رجلٌ صالحٌ، وليس يُعرف إلا بعارم. قال أبو داود عن المقدّميّ: مات في صفر سنة (٢٢٤) وفيها أرّخه غير واحد. وقيل: مات سنة (٢٢٣). روى له الجماعة، وفي "الزهرة" روى عنه البخاريّ أكثر من مائة حديث. وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث برقم ١٧٢٨ و٢٥٧٦ و٢٧٦٦ و٣٣٦٢ و٣٦٢٥ و٣٩١٩ و٥٣٠٨.
٣ - (حمّاد بن سلمة) أبو سَلَمة البصريّ، ثقة عابد، من كبار [٨] ١٨١/ ٢٨٨.
٤ - (عاصم الأحول) ابن سليمان، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقة [٤] ١٤٨/ ٢٣٩.
٥ - (أبو مِجْلَز) لاحق بن حميد بن سعيد السَّدُوسيّ البصريّ، ثقة، من كبار [٣] ١٨٨/ ٢٩٦.
٦ - (أبو موسى) الأشعريّ، عبد اللَّه بن قيس بن سُليم بن حَضّار الصحابي المشهور -- رضي اللَّه تعالى عنه - ٣/ ٣. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من- سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم
[ ١٨ / ٩٩ ]
رجال الصحيح، غير شيخه، فمنه تفرد به هو وأبو داود، والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فدمشقيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي مِجْلَزِ) -بكسر الميم، وسكون الجيم، وفتح اللام- لاحق بن حُميد (أَنَّ أَبَا مُوسَى) الأشعري - رضي اللَّه تعالى عنه - (كَانَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ) لكونه مسافرًا، وفي رواية أحمد من طريق ثابت، عن عاصم، عن أبي مِجْلز، قال: "صلى أبو موسى بأصحابه، وهو مرتحلٌ من مكة إلى المدينة، فصلى العشاء ركعتين، وسلم … " (ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى رَكْعَةَ) الظاهر أنه ما صلى قبلها شفعًا (أَوْتَرَ بِها، فَقَرَأَ فِيهَا بِمِائَةِ آيَةٍ، مِنَ النِّسَاءِ) وفي رواية أحمد المذكورة: "ثم قام، فقرأ مائة آية، من سورة النساء في ركعة … ".
وفيه مشروعية تطويل القراءة في صلاة الوتر، فما يأتي في الباب التالي محمول على
الغالب (ثم قَالَ) أبو موسى لَمّا أنكروا عليه ذلك، ففي رواية أحمد المذكورة: "فأنكر ذلك عليه، فقال: ما ألوت … " (مَا أَلَوْتُ) أي ما قصّرت (أَنْ أَضَعَ قَدَمَيَّ) بالتثنية، والكلام على حذف حرف الجرّ، وهو مقيس مع "أَنْ"، و"أَنَّ" المصدريّتين، أي في أن أضع قدميّ (حَيْثُ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَدَمَيْهِ) أي في المكان الذي وضع - ﷺ - قدميه عليه.
وأراد أبو موسى - ﵁ - بهذا شدّةَ عنايته بمتابعة سنن رسول اللَّه - ﷺ -، فشبه ذلك بمن يمشي وراء رجل، ويضع قدمه حيث وضع ذلك الرجل قدمه عليه.
وفيه ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من شدة الاعتناء بمتابعة سنة رسول اللَّه - ﷺ - (وَأَنَا أَقْرَأُ بِمَا قَرَأَ بهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) فيه أنه - ﷺ - قرأ من السورة المذكورة مائة آية في الوتر. واللهَ تعالى أَعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٤٦/ ١٧٢٨ - وفي "الكبرى" ٥٩/ ١٤٢٤ - بالإسناد المذكور. وأخرجه أحمد ٤/ ٤١٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١٨ / ١٠٠ ]