قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في قول المصنّف -﵀-: "على شعبة" نظر، لأن الظاهر أن الاختلاف على ذَرّ، لا على شعبة، ووجه ذلك، أن شعبة رواه عن سلمة بن كُهيل، وزُبيد بن الحارث، كلاهما عن ذَرّ بن عبد اللَّه، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، فخالفه منصور بن المعتمر، فرواه عن سلمة وحده، عن سعيد بن عبد الرحمن، فأسقط ذرا، وخالفه أيضًا عبد الملك بن أبي سليمان، فرواه عن زُبيد وحده، عن سعيد بن عبد الرحمن، فاسقط ذرَّا، وتابعه محمد بن جُحادة، عن زبيد كذلك.
[ ١٨ / ١٠٤ ]
والظاهر أن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ بصحّة الحديث، كما تقدّم في الاختلاف المذكور في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٧٣٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ، وَزُبَيْدٍ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، كَانَ يُوتِرُ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، وَ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَكَانَ يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ: «سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ»،
ثَلَاثًا، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالثَّالِثَةِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، كما سبق بيانه آنفًا.
و"عمرو بن يزيد". هو أبو بُرَيد الْجَرْميّ، صدوق [١١] ١٠٠/ ١٣٠. و"بهز بن أسد"، هو العمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقة ثبت [٩] ٢٤/ ٢٨. و"شعبة": هو ابن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٦. و"سلمة". هو ابن كُهيل الحضرمي، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة [٤] ١٩٥/ ٣١٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٧٣٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَلَمَةُ، وَزُبَيْدٌ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، كَانَ يَقْرَأُ فِي الْوَتْرِ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، وَ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ثُمَّ يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ: «سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ»، وَيَرْفَعُ بِـ "سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ" صَوْتَهُ بِالثَّالِثَةِ.
رَوَاهُ مَنْصُورٌ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَرًّا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، كما سبق بيانه، و"محمد بن الأعلى" هو الصنعاني البصريّ الحافظ. و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ الحافظ الثبت.
وقوله: (ويرفع صوته بـ"سبحان الملك القدوس" صوته بالثالثة) الباء الثانية بمعنى "في"، أي في المرّة الثالثة، فلا يلزم منه تعلق حرفي جرّ بلفظ واحد ومعنى واحد بالفعل، وهو ممنوع، كما هو مشهور في محلّه. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "رواه منصور" الخ: يعني أن هذا الحديث رواه منصور بن المعتمر عن سلمة ابن كهيل، فأسقط ذرّا مخالفا لرواية شعبة، كما تقدّم بيان ذلك أوّلَ الباب، ثم ذكر روايته بقوله:
١٧٣٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، يُوتِرُ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ
[ ١٨ / ١٠٥ ]
رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، وَ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وَكَانَ إِذَا سَلَّمَ، وَفَرَغَ، قَالَ: «سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ»، ثَلَاثًا، طَوَّلَ فِي الثَّالِثَةِ.
وَرَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ زُبَيْدٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَرًّا.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، كما سبق بيانه، و"محمد بن قُدَامة" هو المصّيصيّ الثقة ١٩/ ٥٢٨. و"جرير": هو ابن عبد الجميد.
وقوله: "طوّل في الثالثة" يعني أنه رفع صوته بقوله: "سبحان الملك القدوس" في المرة الثالثة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: "ورواه عبد الملك بن أبي سليمان": يعني أن هذا الحديث رواه عبد الملك بن أبي سليمان العَرْزَميّ، عن زُبيد وحده، عن سعيد بن عبد الرحمن، فأسقط ذرّا أيضًا، كما تقدّم أوّل الباب، ثم ذكر روايته بقوله:
١٧٣٥ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُوتِرُ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، وَ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾
وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، عَنْ زُبَيْدٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَرًّا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح أيضًا.
و"أحمد بن سليمان": هو أبو الحسين الرُّهَاويّ، ثقة حافظ [١١] ٣٨/ ٤٢. و"محمد بن عُبيد": بن أبي أُميّة، واسمه عبد الرحمن، ويقال: إسماعيل الطّنافسيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الأحدب، مولى إياد، ثقة حافظ [٩].
قال الأثرم: سألت أحمد بن حنبل عن عمر بن عُبيد، ومحمد بن عُبيد، وَيعلى بن عُبيد؟ فوثقهم. وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: سمعت يحيى بن معين، وسئل عن ولد عُبيد: محمدِ، وعمر، ويعلى؟ فقال: كانوا ثقات، وأثبتُهُم يعلى. وقال المفضّل الغَلاّبيّ، عن يحيى: بنو عُبيد ثقات. وقال ابن عمّار: كلهم ثبت، وأحفظهم يعلى، وأبصرهم بالحديث محمد، وعمر شيخهم، وكان الأخ الرابع لا يُحسن قليلًا، ولا كثيرًا. وقال العجليّ: كوفيّ ثقة، وكان عثمانيّا، وكان حديثه أربعة آلاف يحفظها. وقال الآجريّ، عن أبي داود: حدّث محمد بن عُبيد، عن عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يضرب ولده على اللحن، فقال له: رجل: لو أخذناك بهذا ما رفعنا عنك العصا. وقال النسائيّ: ثقة. وقال الدارقطنيّ: محمد، وعمر، ويعلى، وإدريس،
[ ١٨ / ١٠٦ ]
وإبراهيم، بنو عُبيد، كلهم ثقات، وأبوهم ثقة حدّث أيضًا. وقال عباس الدُّوريّ، عن ابن معين: أتيناه، وكان لا يجترىء على قراءة كتابه حتى نُعينه عليه، أو نحو هذا، قاله يحيى، وما ذكره إلا بخير. وقال الدُّوريّ: سمعت محمد بن عُبيد يقول: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ويقول: اتقوا لا يَخدَعكم هؤلاء الكوفيون. وقال حرب، عن أحمد: كان محمد رجلًا صدوقًا، وقال: يعلى أثبت منه.
وقال صالح بن أحمد، عن أبيه. كان محمد يُظهر السنّة، وكان يخطىء، ولا يرجع عن خطئه. وقال يعقوب بن شيبة: مات قبل أخيه يعلى سنة (٢٠٤) وسمعت علي ابن المديني يقول: كان كيّسًا. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، صاحب سنة. وقال خليفة، ومُطَيَّن: مات سنة خمس. وقال ابن قانع، وابن حبّان: مات سنة ثلاث، وقيل: سنة خمس. وقال الخطيب: كان مولده سنة (١٢٤). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث برقم ١٧٣٥ وأعاده برقم ١٧٥١ وحديث رقم ٢٠٣٤ و٢١٣٧ و٣٦٨٣ و٤٣٣٦ و٥٣٦٩.
و"عبد الملك بن أبي سليمان" مَيْسرة الْعَرْزَميّ الكوفيّ، صدوق، له أوهام [٥] ٧/ ٤٠٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: "رواه محمد بن جُحَادة الخ": يعني أن هذا الحديث رواه محمد بن جُحادة، عن زُبيد، عن ابن أبزى، فأسقط أيضًا ذرّا، فوافق عبد الملك بن أبي سليمان، ثم بيّن روايته بقوله:
١٧٤٧ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنِ ابْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، يُوتِرُ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، وَ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ، قَالَ: «سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ»، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح أيضًا.
و"عمران بن موسى": هو القَزّاز، أبو عمرو البصريّ، صدوق [١٠] ٦/ ٦.
و"عبد الوارث": هو ابن سعيد بن ذكوان العنبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٦/ ٦.
و"محمد بن جُحَادة" -بضم الجيم، وتخفيف المهملة- الأوديّ، ويقال: الإياميّ الكوفيّ، ثقة [٥].
قال أبو طالب، عن أحمد: هو من الثقات. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟
فقال: صدوق ثقة، محل عمرو بن قيس الْمُلائيّ. وقال محمد بن حُميد الرازيّ، عن جرير: رأيته، وكان زاهدًا يلبس الْخُلقان يَغسلها، وقال في موضع آخر: نَظيفُ الثياب.
[ ١٨ / ١٠٧ ]
وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: كان لا يأخذ عن كلّ أحد، وأثنى عليه. وقال النسائيّ: ثقة. وقال العجليّ، وعثمان بن أبي شيبة: ثقة، زاد عثمان: لا بأس به. وقال يعقوب ابن سفيان: من ثقات أهل الكوفة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال في طبقة أتباع
التابعين: كان عابدًا ناسكًا، من زعم أنه سمع من أنس بن مالك، فقد وَهِمَ، تلك الرواياتُ ينفرد بها يحيى بن عُقبة بن أبي العيزار، وهو واه. وقال أبو عوانة: كان يغلو في التشيّع، نقله عنه العُقيليّ، واللَّه أعلم. قيل: مات سنة (١٣١) روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث برقم ١٧٣٦ و٢٠٤٣ و٢٧٩٠ و٣١٢٨ و٥٧٠٥ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…