١٨٢٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «مَوْتُ الْمُؤْمِنِ، بِعَرَقِ الْجَبِينِ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (المثنّى بن سعيد) الضُّبَعيّ -بضم المعجمة، وفتح الموحدة- أبو سعيد البصريّ القَسّام الذّرّاع القصير، ثقة [٦].
[ ١٨ / ٢٢٧ ]
وثقه أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود، والعجلي. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، قال: وكان يخطىء. روى له الجماعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط.
٢ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة ثبت مدلس [٤] ٣٠/ ٣٤.
٣ - (عبد اللَّه بن بريدة) بن الحُصيب الأسلميّ المروزيّ، ثقة [٣] ٢٥/ ٣٩٣.
٤ - (أبوه) بُريدة بن الحصيب الأسلميّ، أبو سهل الصحابي المشهور، أسلم - ﵁ - قبل بدر - ﵁ -، ثم نزل مرو مات سنة (٦٣) ١٠١/ ١٣٣ وشيخ المصنف، ويحيى القطان تقدما قريبا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعي، ورواية الابن، عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: (مَوتُ الْمُؤْمِنِ، بِعَرَقِ الْجَبِينِ) "العَرَق"-بفتحتين-: ما جَرَى من أصول الشَّعَر، من ماء الجِلْد، اسم جنس، لا يجمع. قاله في "اللسان". و"الجَبِين"-بفتح، فكسر- ناحية الجَبْهَة، من مُحاذاة النَّزَعَة (^١) إلى الصُّدْغ، وهما جبينان عن يمين الجبهة، وشمالها، قاله الأزهريّ، وابن فارس، وغيرهما، فتكون الجبهة بين جَبِينين، وجمعه جُبُن -بضمتين، مثل بَرِيد وبُرُد، وأَجْبِنة، مثلُ أسلحة. قاله في "المصباح".
قال الحاَفظ العراقي -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح الترمذيّ": اختُلف في معنى هذا الحديث، فقيل: إن عَرَقَ الجبين يكون لما يعالج من شدّة الموت، وعليه يدلّ حديث ابن مسعود - ﵁ -، قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ: وفي حديث ابن مسعود: "موت المؤمن بعرق الجبين، يبقى عليه البقيّة من الذنوب، فيجازَى بها عند الموت، أو يُشدّد ليتمحّص عنه ذنوبه". هكذا ذكره في "التذكرة"، ولم ينسبه إلى من خرّجه من أهل الحديث.
وقيل: إن عرق الجبين يكون من الحياء، وذلك أن المؤمن إذا جاءته البشرى، مع ما كان قد اقترف من الذنوب، حصل له بذلك خَجَل، واستحياءٌ من اللَّه تعالى، فيَعْرَق بذلك جبينه. قال القرطبيّ في "التذكرة": قال بعض العلماء: إنما يَعرَق جبينه حياءً من ربّه، لما اقترف من مخالفته، لأن ما سفل منه قد مات، وإنما بقيت قوى الحياة،
_________________
(١) - النَّزَعة" بفتحتين: موضع انحسار الشعر عن جانبي الجبهة. قاله في "المصباح".
[ ١٨ / ٢٢٨ ]
وحركاتها فيما علاه، والحياء في العينين، فذاك وقت الحياء، والكافر في عَمًى من هذا كله، والْمُوَحِّد المعذّب في شغل عن هذا بالعذاب الذي قد حلّ به، وإنما العرق الذي يظهر لمن حلّت به الرحمة، فإنه ليس من وليّ، ولا صِدِّيق، ولا بَرّ، إلا وهو مُستَحٍ من ربه مع البشرى، والتُّحَف، والكرامات.
قال العراقيّ: ويحتمل أن عَرَق الجبين علامة جُعلت لموت المؤمن، وإن لم يُعَقل معناه انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الاحتمال الأخير الذي ذكره العراقيّ -﵀- هو الظاهر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث.
المسألة الأولى: في درجته: حديث بريدة بن الحصيب - ﵁ - هذا صحيح.
فإن قلت: قتادة مدلّس، ولم يصرّح بالسماع من ابن بريدة، وقال الإمام الترمذيّ -﵀-: قال بعض أهل الحديث: لا نعرف لقتادة سماعا من عبد اللَّه بن بريدة، وأيضا تكلّم بعضهم في سماع عبد اللَّه بن بريدة من أبيه، فكيف يصحّ؟
أجيب: بأن قتادة لم ينفرد به، بل رواه معه كهمس بن الحسن، كما في الإسناد التالي، وأما سماع عبد اللَّه من أبيه، فالجمهور على صحته، وقد أخرج الشيخان له من روايته عن أبيه، وكفى بذلك صحّةً. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥/ ١٨٢٨ - و١٨٢٩ و"الكبرى" ٥/ ١٩٥٤ و١٩٥٥ وأخرجه (ت) ٩٨٢ (ق) ١٤٥٢ (أحمد) ٥/ ٣٥٠ و٣٥٧ و٣٦٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٢٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، يَقُولُ: «الْمُؤْمِنُ يَمُوتُ، بِعَرَقِ الْجَبِينِ».
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن معمر) بن رِبعيّ القيسيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ المعروف بالبحرانيّ، صدوق، من كبار [١١] ٢/ ١٣٧٠.
_________________
(١) - راجع "زهر الربى" للسيوطي ج ٤ ص ٦.
[ ١٨ / ٢٢٩ ]
قال أبو داود: ليس به بأس، صدوق. وقال النسائيّ: ثقة، وقال مرّة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال البزار: كان من خيار عباد اللَّه. وقال الخطيب: ثقة. وقال مسلمة: لا بأس به. وقال أبو عروبة: كبير، من أهل الصناعة. وذكره ابن حيان في "الثقات"، وقال: مات بعد (٢٥٠).
وهو أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بغير واسطة، وهم تسعة، وقد تقدّموا غير مرّة. وله عند المصنف عشرون حديثًا.
٢ - (وسف بن يعقوب) بن أبي القاسم السَّدُوسيّ مولاهم، أبو يعقوب السِّلْعِيّ (^١) البصريّ الضُّبَعيّ، كان ينزل في بني ضُبَيعة، صدوق [٩].
قال الأثرم عن أحمد: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، مات سنة (٢٠١) روى له البخاريّ، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (كهمس) بن الحسن التميميّ، أبو الحسن البصريّ، ثقة [٥] ٣٩/ ٦٨.
و"ابن بريدة": هو عبد اللَّه المذكور في السند الماضي، كما بينه المصنف في "الكبرى"، ولفظه: "عن ابن بُريدة"، وهو عبد اللَّه انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…