قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: استدلال المصنف -رحمه اللَّه تعالى- على ما ترجم له بحديث أنس المذكور في الباب بعيد، لأنه لا يدلّ على ذلك، كما يأتي بيان ذلك قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٧٤٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ -، لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ، فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ، إِلاَّ فِي الاِسْتِسْقَاءِ، قَالَ شُعْبَةُ: فَقُلْتُ لِثَابِتٍ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ أَنَسٍ؟، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، قُلْتُ: سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم شرحه، وتخريجه، في ٩/ ١٥١٣. و"عبد الرحمن" هو ابن مهديّ الإمام المشهور.
وقوله: "لا يرفع يديه الخ" المراد به أنه لا يُبَالِغُ في الرفع، لا أنه لا يرفع أصلًا، فلا تعارض بينه وبين الأحاديث الصحيحة الدالة على أنه - ﷺ - كان يرفع يديه في الدعاء كثيرًا -كما تقدم بيان ذلك في "كتاب الاستسقاء"، وعلى فلا دلالة في الحديث على الترجمة. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "قال: سبحان اللَّه" أي سبّح ثابت تعجبا من سؤال شعبة له عن سماعه لهذا الحديث من أنس بن مالك، وإنما سأل شعبة للتأكّد من سماعه بدون واسطة، لإمكان أن يسمعه من شخص لا يرضاه شعبة، فدلسه، وإنما تعجب ثابت عن ذلك لاستغرابه اتهام شعبة له بما ذُكر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
[ ١٨ / ١٢٣ ]
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في اختلاف أهل العلم في رفع اليدين في القنوت:
ذهبت طائفة إلى استحباب الرفع. روي عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه كان يرفع يديه في القنوت حتى يبدو ضبعاه. وروي عن ابن مسعود، وابن عباس - ﵄ - أنهما كانا يرفعان أيديهما، فأما ابن عباس، فروي عنه أنه رفع يديه حتى مدّ ضبعيه، وعن ابن مسعود أنه كان يرفع يديه إلى صدره، أخرج ابن المنذر هذه الآثار بأسانيده.
وممن رأى أن يرفع يديه في القنوت أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأصحاب الرأي.
قال الإمام محمد بن نصر -﵀-: وسئل أحمد أيرفع يديه في القنوت؟ قال: نعم يعجبني، قال أبو داود: رأيت أحمد يرفع يديه انتهى (^١).
وذهبت طائفة إلى أنه لا تُرفع الأيدي في القنوت، وهو قول مالك، والأوزاعيّ، ويزيد بن أبي مريم، وقال الأوزاعي: إن شئت فأشر بإصبعك (^٢).
وعن ابن شهاب: لم تكن ترفع الأيدي في الإيتار في رمضان. وكان الحسن لا يرفع يديه في القنوت، ويمىء بأصبعه. وعن سعيد بن المسيب: ثلاثة مما أحدث الناس: اختصار السجود، ورفع الأيدي في الدعاء، ورفع الصوت (^٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن الأولى عدم رفع اليدين في دعاء قنوت الوتر؛ لعدم ثبوته عن النبي - ﷺ -. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: في اختلاف أهل العلم في تأمين المأموم خلف الإمام إذا دعا في القنوت: أخرج الإمام محمد بن نصر -﵀- بسند صحيح عن ابن عباس - ﵄ -، قال: قنت رسول اللَّه - ﷺ - شهرًا متتابعا في الظهر والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح، إذا قال: "سمع اللَّه لمن حمده" من الركعة الآخرة يدعو على أحياء من بني سُليم، على رِعْل، وذَكْوان، وعُصية، ويؤمّن من خلفه.
قال عكرمة: هذا مفتاح القنوت. وقيل للحسن: إنهم يَضِجّون في القنوت، فقال: أخطأوا السنّة، كان عمر يقنت، ويؤمّن من خلفه. وقال معاذ القارىء في قنوته: اللَّهم قحط المطر، فقالوا: آمين، فلما فرغ من صلاته، قال: قلت: اللَّهمّ قحط المطر، فقلتم: آمين، ألا تسمعون ما أقول، ثم تقولون آمين. وعن الأوزاعيّ: ليس في القنوت رفع، ويكره رفع الأصوات في الدعاء. وعن مالك: يقنت في النصف من رمضان -
_________________
(١) - انظر "مختصر كتاب الوتر" ص ١٣٨.
(٢) - انظر "الأوسط" لابن المنذر ج ٥ ص ٢١٢ - ٢١٣.
(٣) - "مختصر كتاب الوتر" ص ١٣٨.
[ ١٨ / ١٢٤ ]
يعني الإمام- ويلعن الكفرة، ويؤمن من خلفه. وقال أبو داود -﵀-: سمعت أحمد سئل عن القنوت؟، فقال: الذي يعجبنا أن يقنت الإمام، ويؤمّن من خلفه، قال: وكنت أكون خلفه، فكنت أتسمّع نغمته في القنوت، فلم أسمع منه شيئًا، قلت لأحمد: إذا لم أسمع قنوت الإمام أدعو؟ قال: نعم. وقال إسحاق: يدعوا الإمام، ويؤمّن من خلفه.
قال محمد بن نصر -﵀-: وهذا الذي أختار، أن يسكتوا حتى يفرغ الإمام من قراءة السورتين، ثم إذا بلغ بعد ذلك مواضع الدعاء أمّنوا انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي اختاره ابن نصر -﵀- هو الأرجح عندي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في مسح الوجه بيديه بعد فراغه من الدعاء: أخرج الإمام محمد بن نصر من طريق صالح بن حسّان، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس - ﵄ -، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "إذا دعوت، فادع اللَّه ببطون كفيك، ولا تدع بظهورهما، فإذا فرغت فامسح بهما وجهك". وأخرج أيضًا من طريق عيسى بن ميمون، عن محمد بن كعب القرظيّ، عن ابن عباس - ﵄ -، عن رسول اللَّه - ﷺ -، قال: "إذا سألتم فاسألوه ببطون أكفكم، ثم لا تردّوها حتى تمسحوا بها وجوهكم". وفي رواية: "فإن اللَّه جاعل فيها بركة". وعن المعتمر: رأيت أبا كعب صاحب الحرير يدعو رافعا يديه، فإذا فرغ من دعائه يمسح بهما وجهه، فقلت له: من رأيت يفعل هذا؟ فقال: الحسن.
قال محمد بن نصر: ورأيت إسحاق يستحسن العمل بهذه الأحاديث، وأما أحمد بن حنبل، فحدثني أبو داود، قال: سمعت أحمد، وسئل عن الرجل يمسح وجهه بيديه إذا فرغ في الوتر؟ فقال: لم أسمع فيه بشيء، ورأيت أحمد لا يفعله، قال: وعيسى بن ميمون هذا الذي روى حديث ابن عباس ليس ممن يُحتجّ بحديثه (^٢)، وكذلك صالح بن حسان (^٣). وسئل مالك عن الرجل يمسح بكفيه وجهه عند الدعاء؟ فأنكر ذلك، وقال: ما علمت، وسئل عبد اللَّه عن الرجل يبسط يديه، فيدعو، ثم يمسح بهما وجهه؟ فقال: كره ذلك سفيان. انتهى (^٤).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أحاديث مسح الوجه بعد الدعاء كلها ضعيفة، وإن حاول الحافظ -﵀- في "بلوغ المرام" في تحسينها بمجموع الطرق، لكن الذي يظهر لي أنها لا تصلح للاحتجاج بها لشدة ضعفها، فالأرجح عدم مشروعيّة المسح. واللَّه تعالى
_________________
(١) - مختصر كتاب الوتر ص ١٤١.
(٢) قال في "ت": ضعيف.
(٣) قال في "ت": متروك الحديث.
(٤) - المصدر المذكور ص ١٤٢١ - ١٤٢.
[ ١٨ / ١٢٥ ]
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…