قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مذهب المصنف -رحمه اللَّه تعالى- إباحة الصلاة بين الوتر وركعتي الفجر، وهو المذهب الراجح، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
١٧٥٦ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ الصُّورِيَّ- قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ -يَعْنِي ابْنَ سَلاَّمٍ- عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ، عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، تِسْعَ رَكَعَاتٍ قَائِمًا، يُوتِرُ فِيهَا، وَرَكْعَتَيْنِ جَالِسًا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ، فَرَكَعَ، وَسَجَدَ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ بَعْدَ الْوَتْرِ، فَإِذَا سَمِعَ نِدَاءَ الصُّبْحِ قَامَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عبيد اللَّه بن فَضَالة بن إبراهيم) أبو قُدَيد النسائيّ، ثقة ثبت [١١] ١٧/ ٨٩٨.
٢ - (محمد بن المبارك الصُّوريّ) نزيل دمشق، ثقة، من كبار [١٠] ١٧/ ١٥٤١.
٣ - (معاوية بن سَلاّم) أبو سلاّم الدمشقيّ، ثم الحمصيّ، ثقة [٧] ١٣/ ١٤٧٩.
٤ - (يحيى بن أبي كثير) أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبت، يدلس ويرسل [٥] ٢٣/ ٢٤.
٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ١/ ١.
٦ - (عائشة) - ﵄ - ٥/ ٥ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف الإسناد:
(منها): من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو أبو سلمة، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن يحيى بن أبي كثير أنه (قال: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ) - ﵂ - (عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) أي عن عددها، وكيفيتها (مِنَ اللَّيْلِ) أي في الليل، فـ "من" بمعنى "في"، أو هي تبعيضية (قَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) أي بركعتي
[ ١٨ / ١٣٣ ]
الفجر (تِسْعَ رَكَعَاتِ) بالنصب على البدلية من "ثلاث عشرة" (قَائِمًا، يُوتِرُ فِيهَا) أي يصلي الوتر في جملة تلك التسع، بمعنى أنه يختمها بالوتر (وَ) يصلي (رَكْعَتَيْنِ جَالِسًا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ، فَرَكِعَ، وَسَجَدَ، وَيَفعَلُ ذَلِكَ بَعدَ الْوِتْرِ، فَإذَا سَمِعَ نِدَاءَ الصُّبْحِ) أي الأذان لصلاة الصبح (قَامَ، فرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) فيه استحباب تخفيف ركعتي الفجر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - ﵂ - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا ٥٥/ ١٧٥٦ وفي "الكبرى" ٧٠/ ١٤٤٩ بالإسناد المذكور. وفي ٦٠/ ١٧٨٠ عن محمود بن خالد، عن الوليد بن مسلم، عن أبي عمرو الأوزاعيّ، عن يحيى ابن أبي كثير به. وفي ٦٠/ ١٧٨١ - عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث، عن هشام الدستوائيّ، عن يحيى به. وفي "الكبرى" ٥٣/ ٤٥٠ عن إسحاق بن إبراهيم، عن معاذ بن هشام، عن أبيه به. و٤٥/ ٤١٣ - عن هشام بن عمار، عن يحيى بن حمزة، عن الأوزاعيّ به. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ١/ ١٦٠ (م) ٢/ ١٦٠ و١٦٦ (د) ١٣٤٠ و١٣٥٠ (ق) ١١٩٦ (أحمد) ٦/ ٥٢ و٨١ و١٢٨ و١٣٨ و١٨٩ و٢٤٩ و٢٧٩ (الدارمي) ١٤٨٢ (ابن خزيمة) ١١٠٢. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في اختلاف العلماء في مشروعية الصلاة بعد الوتر:
قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف أهل العلم في الصلاة بعد الوتر، فكان قيس بن عُبَاد يقول: أقرأ وأنا جالس أحبّ إليّ من أن أصلي بعد ما أُوتر. وكان مالك بن أنس لا يعرف الركعتين بعد الوتر. وقال أحمد بن حنبل: أرجو إن فعله إنسان لا يضيق عليه، وقال أحمد: لا أفعله انتهى ببعض تصرّف.
وقال الإمام محمد بن نصر -رحمه اللَّه تعالى-: كره أبو سعيد الخدري - ﵁ - الصلاة بعد الوتر، وسئل سعيد بن جُبير عن الصلاة بعد الوتر؟ فقال: لا، حتى ينام نومة. وعن إبراهيم أنه كره الصلاة بعد الوتر مكانه. وعن ميمون بن مهران: إذا أوترتَ فتحوّلْ، ثم صلّ، وفي رواية: إذا أوترت، ثم حوّلت قدميك، فصلّ ما بدا لك. وقيل لأبي العالية ما تقول في السجدتين بعد الوتر؟ قال: تنقُضُ وترك، قيل: الحسنُ يأمرنا بذلك، فقال: رحم اللَّه الحسن، قد سمعنا العلم، وتعلمناه قبل أن يولد الحسن. وكان سعد بن أبي
[ ١٨ / ١٣٤ ]
وقاص - ﵁ -، يوتر، ثم يصلي على إثر الوتر مكانه. وكان الحسن يأمر بسجدتين بعد الوتر، فذُكر ذلك لابن سيرين، فقال: أنتم تفعلون ذاك؟. وقال كثير بن مرّة، وخالد بن معدان: لا تدعهما، وأنت تستطيع -يعني الركعتين بعد الوتر. وقال عبد اللَّه بن مساحق (^١): كلّ وتر ليس بعده ركعتان، فهو أبتر وقال عياض بن عبد اللَّه: رأيت أبا سلمة بن عبد الرحمن أوتر، ثم صلى ركعتين في المسجد أيضًا. وقال الأوزاعي: لا نعرف الركعتين بعد الوتر جالسًا، وإنما ركعهما ناس، وقد اجتمعت الأحاديث على صلاة رسول اللَّه - ﷺ - أنه كان يُصبح على ثلاث عشرة ركعة، ليس فيها هاتان الركعتان. وعن مكحول أنه صلى بعد الوتر في رمضان في المسجد ركعتين، وهو قائم، وقال سعيد، عن الحسن أنه كان يركعهما، وهو جالس، وكان سعيد لا يأخذ بهذا، ولا الأوزاعيّ، ولا مالك. قال الوليد بن مسلم: ذكرتهما لمالك، فلم يَعرفهما، وكرههما، وعن ابن القاسم: سئل مالك عن الذي يوتر في المسجد، ثم يريد أن يتنفّل بعد ذلك؟ قال: نعم، ولكن يتلبّث شيئًا انتهى (^٢).
قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن ذكر الاختلاف المذكور: ما نصه: الصلاة في كل وقت جائزة، إلا وقتًا نهى رسول اللَّه - ﷺ - عن الصلاة فيه، والأوقات التي نهى رسول اللَّه - ﷺ - عن الصلاة فيها وقتُ طلوع الشمس، ووقت الزوال، ووقت غروب الشمس، والصلاة في سائر الأوقات مباح، ليس لأحد أن يمنع فيها إلا بحجة، ولا حجّة مع من كره الصلاة بعد الوتر، فدلّ فعله - ﷺ - هذا على أن قوله: "اجعلوا آخر صلاتكم وترًا" على الاختيار، لا على الإيجاب، فنحن نستحبّ أن يجعل المرء آخر صلاته وترًا، ولا نكره الصلاة بعد الوتر، وقائل هذا قائل بالخبرين جميعًا انتهى كلام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- هو عين التحقيق، فالرّاجح قول من قال بجواز الصلاة بعد الوتر، لصحة حديث الباب، وغيره بذلك، وهذا القول هو الذي ذهب إليه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، كما تقدّم أول الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
_________________
(١) - هكذا نسخة "مختصر كتاب الوتر" "ابن مساحق" آخره قاف، ولعله "ابن مسافع" بفاء، ثم عين مهملة، فليُحرّر.
(٢) - "مختصر كتاب الوتر" ص ١٣٤ - ١٣٥.
[ ١٨ / ١٣٥ ]