قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الاضطجاع": افتعال، من الضَّجْع، يقال: ضَجَعتُ ضَجْعًا، من باب نَفَعَ، وضُجُوعًا: وَضَعتُ جنبي بالأرض، وأضجعتُ بالألف لغة، فأنا ضاجعٌ، ومُضْجِعٌ، وأضجعتُ فلانَا بالألف، لا غير: ألقيته على جنبه، وهو حسن الضِّجْعَة -بالكسر- والمَضْجَع -بفتح الميم-: موضع الضُّجُوع، والجمع مَضَاجِع.
واضْطَجَع، واضَّجَعَ، والأصل افتَعَلَ، لكن من العرب من يقلب التاء طاءَ، ويُظهرها عند الضاد، ومنهم من يَقلِب التاء ضادًا، ويُدغمها في الضاد، تغليبًا للحرف الأصليّ، وهو الضاد، ولا يقال: اطَّجَع بطاء مشدّدة، لأن الضاد لا تُدغم في الطاء، فإن الضاد
[ ١٨ / ١٤٢ ]
أقوى منها، والحرف لا يُدغَم في أضعف منه، وما ورد شاذّ، لا يقاس عليه. والضَّجِيع: الذي يُضَاجِع غيرَهُ، اسمُ فاعل، مثلُ النديم، والجليس، بمعنى الْمُنادم، والْمُجالس. قاله في "المصباح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٧٦٢ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ بِالأُولَى، مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، قَامَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، بَعْدَ أَنْ يَتَبَيَّنَ الْفَجْرُ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائيّ، ثقة ثبت [١١] انفرد به المصنّف ١٠٨/ ١٤٧.
٢ - (علي بن عياش) الأَلْهَانيّ الحمصي، ثقة ثبت [٩] ١٢٣/ ١٨٢.
٣ - (شُعيب) بن أبي حمزة الحمصيّ، ثقة عابد، من أثبت الناس في الزهريّ [٧] ٦٩/ ٨٥.
والباقون تقدّموا قبل ثلاثة أبواب. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفرده، وأن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ -، أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ) أي فرغ من الأذان بالسكوت عنه، قال في "الفتح": هذا في الروايات المعتمدة بالمثنّاة الفوقانيّة، وحكى ابن التين أنه رُوي بالموحّدة -يعني سَكَبَ- ومعناه صبّ الأذان، وأفرغه في الآذان، ومنه أفرغ في أُذُني كلامًا حسنًا انتهى.
قال الحافظ: والرواية المذكورة لم تثبت في شيء من الطرق، وإنما ذكرها الخطّابيّ من طريق الأوزاعيّ، عن الزهريّ، وقال: إن سُويد بن نصر، روايها عن ابن المبارك، عنه، ضبطها بالموحدة، وأفرط الصغانيّ في "العُبَاب"، فجزم أنها بالموحّدة، وكذا ضبطها في نسخته التي ذكر أنه قابلها على نسخة الفربريّ، وأن المحدّثين يقولونها بالمثنّاة، ثم ادّعى أنها تصحيف، وليس كما قال انتهى.
[ ١٨ / ١٤٣ ]
(بِالْأُولَى) أي عن الأولى، فالباء بمعنى "عن"، وهي متعلقة بـ "سكت"، يقال: سكت عن كذا، ويحتمل أن تكون سببيّة، والكلام على حذف مضاف، أي بسبب الانتهاء من الأولى، والمراد بالأولى الأذان الذي يُؤَذَّن به عند دخول الوقت، وهو أول باعتبار الإقامة، وثان باعتبار الأذان الذي قبل الفجر، وإنما أنّثه، فقال: بـ "الأولى"، مع كونه مذكّرًا إما لمؤاخاته للإقامة، أو لتأويله بالمناداة، أو الدعوة، ويحتمل أن يكون صفة لمحذوف، والتقدير: إذا سكت بالمرة الأولى. واللَّه تعالى أعلم.
(مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ) بيان لـ "الأولى"، أي من أذان صلاة الفجر (قَامَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) فيه استحباب تخفيف ركعتي الفجر، وقد تقدّم تمام البحث فيه برقم ٤٠/ ٩٤٦ (قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، بَعْدَ أَنْ يَتَبَيْنَ الْفَجْرُ) فيه أن وقت ركعتي الفجر بعد تبيّن الفجر، وانتشار ضوئه، وتقدم في الباب الماضي (ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأيْمَنِ) فيه استحباب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر على الشقّ الأيمن.
والتقييد بأن الاضطجاع كان على الشقّ بالأيمن يشعر بأن حصول المشروع لا يكون إلا بذلك، لا بالاضطجاع على الجانب الأيسر، ولا شكّ في ذلك مع القدرة، وأما مع التعذّر، فهل يحصل المشروع بالاضطجاع على الأيسر أم لا؟ بل يشير إلى الاضطجاع على الشقّ الأيمن، جزم بالثاني ابن حزم -﵀-، وهو الظاهر، والحكمة في ذلك أن القلب معلق في الجانب الأيسر، فإذا اضطجع على الجانب الأيسر غلبه النوم، وإذا اضطجع على الأيمن قَلِقَ لقلق القلب، وطلبه لمستقرّه. أفاده الشوكاني -رحمه اللَّه تعالى- (^١). وسيأتي بيان مذاهب العلماء في حكم هذا الاضطجاع في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
[تنبيه]: عقد المصنف -رحمه اللَّه تعالى- في "الكبرى" لاستحباب الجلوس بعد الاضطجاع بابًا، فقال: [القعود بعد الاضطجاع]
١٤٥٦ - أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيم، قال: نا محمد بن صَلْت، كوفيّ، قال: نا أبو كُدَينة، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: "كان النبي - ﷺ - يضطجع بعد ركعتي الفجر على شقّه الأيمن، ثم يجلس". قال أبو عبد الرحمن: اسم أبي كُدَينة يحيى بن الْمُهلّب انتهى (^٢).
ورجال هذا الإسناد رجال الصحيح، ففيه استحباب الجلوس بعد الاضطجاع. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: أخرج البيهقيّ، من طريق موسى بن
_________________
(١) - "نيل الأوطار" ج ٣ ص ٣٢.
(٢) - "السنن الكبرى" ج ١ ص ٤٥٥.
[ ١٨ / ١٤٤ ]
عُقبة، عن سالم أبي النضر: "أن النبي - ﷺ - كان يخرج بعد النداء إلى المسجد، فإن رأى أهل المسجد قليلًا جلس، حتى يجتمعوا، ثم يصلي". وإسناده قويّ مع إرساله، وليس بينه وبين حديث الباب تعارض، لأنه يحمل على غير الصبح، أو كان يفعل ذلك بعد أن يأتيه المؤذّن، ويخرجَ إلى المسجد. قاله في "الفتح" (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - ﵂ - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٥٨/ ١٧٦٢ - وفي "الكبرى" ٧٤/ ١٤٥٥ - بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ١/ ١٦١ و٢/ ٦٩ (م) ٢/ ١٥٩ (ق) ١١٩٨ (أحمد) ٦/ ٤٨ و٨٥ و١١٧ و١٢١ و١٣٢ و٢٠٤ و٢٥٤ (عبد بن حميد) ١٤٨٦. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في حكم الاضطجاع بعد ركعتي الفجر: قال العلاّمة الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قد اختُلف في حكم الاضطجاع على ستة أقوال:
الأول: أنه مشروع على سبيل الاستحباب، قال العراقيّ -﵀-: فممن كان يفعل ذلك، أو يُفتي به من الصحابة أبو موسى الأشعريّ، ورافع بن خَدِيج، وأنس بن مالك، وأبو هريرة - ﵁ -، واختُلف على ابن عمر، فرُوي عنه فِعلُ ذلك، كما ذكره ابن أبي شيبة في "مصنّفه"، وروي عنه إنكاره، كما سيأتي.
وممن قال به من التابعين ابنُ سيرين، وعروة، وبقية الفقهاء السبعة، كما حكاه عبد الرحمن بن زيد في كتاب السبعة، وهم: سعيد بن المسيِّبِ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، وسليمان بن يسار (^٢).
_________________
(١) - ج٣ ص ٣١٩.
(٢) - وقد جمعهم الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "ألفية الحديث" بقوله: وَفِي الْكِبَارِ الفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ … خَارِجَةُ الْقَاسِمُ ثُمَّ عُرْوَةُ ثُمَّ سُلَيمَانُ عُبَيد اللَّهِ … سَعِيد وَالسَّابِعُ ذُو اشْتِبَاهِ إِمَّا أَبُو سَلَمَةٍ أَو سَالِمُ … أَوْ فَأَبُو بَكْر خِلَافٌ قَائِمُ
[ ١٨ / ١٤٥ ]
قال ابن حزم -﵀-: وروينا من طريق يحيى بن سعيد القطّان، عن عثمان بن غياث، هو ابن عثمان أنه حدثه، قال: كان الرجل يجيء، وعمر بن الخطّاب يصلي بالناس، فيصلي ركعتين في مؤخّر المسجد، ويضع جنبه في الأرض، ويدخل معه في الصلاة.
وممن قال باستحباب ذلك، من الأئمة الشافعيّ، وأصحابه.
القول الثاني: أن الاضطجاع بعدهما واجب مفترض، لا بدّ من الإتيان به، وهو قول أبي محمد ابن حزم، واستدلّ بحديث أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: "إذا صلّى أحدكم الركعتين قبل صلاة الصبح، فليضطجع على جنبه الأيمن". رواه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وصححه.
وحمله الأولون على الاستحباب، لقول عائشة - ﵂ -: "كان إذا صلى ركعتي الفجر، فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا اضطجع". متفق عليه، فإن ظاهره أنه كان لا يضطجع مع استيقاظها، فكان ذلك قرينة لصرف الأمر إلى الندب.
قال الشوكانيّ: وفيه أن تركه - ﷺ - لِمَا أَمَرَ به أمرا خاصّا بالأمة، لا يعارض ذلك الأمر الخاصّ، ولا يصرفه عن حقيقته، كما تقرر في الأصول انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- فيه نظر لا يخفى، وقد تقدم غير مرّة الردُّ على قوله هذا، وأن الراجح أن الفعل في مثل هذا يصلح صارفا للأمر عن الوجوب، وأن الخصوصية لا بدّ لها من دليل غير المعارضة المذكورة، بدليل أنه - ﷺ - لما نهاهم عن الوصال، قالوا: إنك تواصل، فقال: "إني لست كهيئتكم، إني يطعمني ربي، ويَسقيني" متفق عليه.
ففيه أنه - ﷺ - أقرّهم على ما استدلّوا به من جواز الوصال بدلالة فعله، مع نهيه لهم عنه بالقول سابقًا، فلولا الخصوصية التي عللَّها بأنه له مُطْعِمًا وساقيًا، لكان استدلالهم صحيحا، ولو كان القول مقدّما على الفعل، كما زُعِمَ، لأجابهم بأن قوله لا يُعارَض بفعله.
فقد تبيّن بهذا أن فعله - ﷺ - الذي لا دليل على كونه خاصًا به إلا كونه معارِضا للقول، يجوز تخصيص عموم القول به، وتقييد مطلقه، وصرف الأمر به عن الوجوب إلى الإباحة، والنهي عن التحريم إلى التنزيه.
والحاصل أنَ تركه - ﷺ - للاضطجاع هنا يصلح لصرف الأمر به إلى الندب، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
القول الثالث: أن ذلك مكروه، وبدعة، وممن قال به من الصحابة ابن مسعود، وابن
[ ١٨ / ١٤٦ ]
عمر، على اختلاف عنه، فرَوَى ابنُ أبي شيبة في "المصنف" من رواية إبراهيم، قال: قال ابن مسعود: ما بال الرجل إذا صلى الركعتين، يتمعّك كما تتمعّك الدابّة، أو الحمار، إذا سلّم، فقد فصل. وروى ابن أبي شيبة أيضًا من رواية مجاهد قال: صحبت ابن عمر في السفر والحضر، فما رأيته اضطجع بعد ركعتي الفجر. وروى سعيد بن المسيِّب عنه أنه رأى رجلًا يضطجع بعد الركعتين، فقال: احصبوه. وروى أبو مِجْلَز عنه أنه قال: إن ذلك من تلعب الشيطان. وفي رواية زيد العمّيّ، عن أبي الصدّيق الناجيّ، عنه أنه قال: إنها بدعة. ذكر ذلك جميعه ابن أبي شيبة.
وممن كره ذلك من التابعين الأسود بن يزيد، وإبراهيم النخعيّ، وقال: هي ضِجْعَة الشيطان، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جُبير.
ومن الأئمة مالك، وحكاه القاضي عياض عن جمهور العلماء.
القول الرابع: أنه خلاف الأولى، رَوَى ابن أبي شيبة عن الحسن أنه كان لا يُعجبه الاضطجاع بعد ركعتي الفجر.
القول الخامس: التفرقة بين من يقوم بالليل، فيستحبّ له ذلك للاستراحة، وبين غيره فلا يشرع له، واختاره ابن العربيّ، وقال: لا يضطجع بعد ركعتي الفجر لانتظار الصلاة إلا أن يكون قام الليل، فيضطجع، استجماما (^١) لصلاة الصبح، فلا بأس، ويشهد لهذا ما رواه الطبرانيّ، وعبد الرزّاق، عن عائشة - ﵂ -، أنها كانت تقول: "إن النبي - ﷺ - لم يضطجع لسنّة، ولكنه كان يَدْأب ليله، فيستريح". وهذا لا تقوم به حجّة، أما أوّلًا، فلأن في إسناده راويًا لم يُسمّ، كما قال الحافظ في "الفتح". وأما ثانيًا فلأن ذلك ظنّ منها، وتخمين، وليس بحجة، وقد روت أنه كان يفعله، والحجّة في فعله، وقد ثبت أمره به، فتأكّد بذلك مشروعيّته.
القول السادس: أن الاضطجاع ليس مقصودًا لذاته، وإنما المقصود الفصل بين ركعتي الفجر، وبين الفريضة، رَوَى ذلك البيهقيّ عن الشافعيّ. وفيه أن الفصل يحصل بالقعود، والتحوّل، والتحدّث، وليس بمختصّ بالاضطجاع. قال النووي: والمختار الاضطجاع، لظاهر حديث أبي هريرة - ﵁ -.
وقد أجاب من لم ير مشروعية الاضطجاع عن الأحاديث المذكورة بأجوبة:
منها: أن حديث أبي هريرة من رواية عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، وقد تَكَلّم فيه بسبب ذلك يحيى بنُ سعيد القطّان، وأبو داود الطيالسيّ، قال يحيى بن سعيد: ما
_________________
(١) - الاستجمام: الاستراحة.
[ ١٨ / ١٤٧ ]
رأيته يطلب حديثًا بالبصرة، ولا بالكوفة قطّ، وكنت أجلس على بابه يوم الجمعة بعد الصلاة، أُذاكره بحديث الأعمش، لا يعرف منه حرفًا. وقال عمرو الفلاّس: سمعت أبا داود يقول: عَمَدَ عبدُ الواحد إلى أحاديثَ كان يرسلها الأعمش، فوصلها، يقول: حدثنا الأعمش، حدثنا مجاهد في كذا وكذا انتهى. وهذا من روايته عن الأعمش، وقد رواه الأعمش بصيغة العنعنة، وهو مدلّس. وقال عثمان بن سعيد الدارميّ: سألت يحيى بن معين، عن عبد الواحد بن زياد؟ فقال: ليس بشيء.
والجواب عن هذا الجواب أن عبد الواحد بن زياد قد احتجّ به الأئمة الستّة، ووثقه أحمد بن حنبل، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي، وابن حبان، وقد رُوي عن ابن معين ما يُعارض قوله السابق فيه من طريق من روى عنه التضعيف له، وهو عثمان بن سعيد الدارميّ المتقدّم، فرَوَى عنه أنه قال: إنه ثقة، وروى معاوية بن صالح، عن يحيى ابن معين أنه صرّح بأن عبد الواحد من أثبت أصحاب الأعمش. قال العراقيّ: وما رُوي
عنه من أنه ليس بثقة، فلعله اشتبه على ناقله بعبد الواحد بن زيد، وكلاهما بصريّ. ومع هذا فلم ينفرد به عبد الواحد بن زياد، ولا شيخه الأعمش، فقد رواه ابن ماجه من رواية شعبة، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، إلاّ أنه جعله من فعله، لا من قوله.
ومنها: أنه اختُلف في حديث أبي هريرة المذكور، هل هو من أمر النبي - ﷺ -، أو من فعله، كما تقدّم؟ وقد قال البيهقيّ: إن كونه من فعله أولى أن يكون محفوظًا.
والجواب عن هذا أن وروده من فعله - ﷺ - لا ينافي كونه ورد من قوله، فيكون عند أبي هريرة الحديثان: حديث الأمر به، وحديث ثبوته من فعله، على أن الكلّ يفيد ثبوت أصل الشرعيّة، فيردّ نفيُ النافين.
ومنها: أن ابن عمر لما سمع أبا هريرة يروي حديث الأمر به، قال: أكثر أبو هريرة على نفسه.
والجواب عنه أن ابن عمر سُئل، هل تنكر شيئًا مما يقول أبو هريرة؟ فقال: لا، وإن أبا هريرة قال: فما ذنبي إن كنت حفظتُ، ونسُوا. وقد ثبت أن النبي - ﷺ - دعا له بالحفظ.
ومنها: أن أحاديث الباب ليس فيها الأمر بذلك، إنما فيها فعله - ﷺ -، والاضطجاع من فعله المجرّد إنما يدلّ على الإباحة عند مالك، وطائفة.
والجواب عنه منع كون فعله لا يدلّ إلا على الإباحة، والسندُ أن قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية، [الحشر: ٧]، وقوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ آية [آل عمران: ٣١] يتناول الأفعال، كما يتناول الأقوال.
وقد ذهب جمهور العلماء، وأكابرهم إلى أن فعله يدلّ على الندب، وهذا على فرض
[ ١٨ / ١٤٨ ]
أنه لم يكن في الباب إلا مجرّد الفعل، وقد عرفت ثبوت القول من وجه صحيح.
ومنها: أن أحاديث عائشة في بعضها الاضطجاع قبل ركعتي الفجر، وفي بعضها بعد ركعتي الفجر. وفي حديث ابن عباس قبل ركعتي الفجر، وقد أشار القاضي عياض إلى أن رواية الاضطجاع بعدهما مرجوحة، فتُقدّم رواية الاضطجاع قبلهما، ولم يقل أحد في الاضطجاع قبلهما: إنه سنة، فكذا بعدهما.
والجواب عن ذلك بأنا لا نُسلّم أرجحية رواية الاضطجاع بعد صلاة الليل، وقبل ركعتي الفجر على رواية الاضطجاع بعدهما، بل رواية الاضطجاع بعدهما أرجح، والحديث من رواية عروة، عن عائشة، ورواه عن عروة محمد بن عبد الرحمن يتيم عروة، والزهريّ، ففي رواية محمد بن عبد الرحمن إثبات الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، وهي في "صحيح البخاريّ"، ولم تختلف الرواية عنه في ذلك، واختلف الرواة عن الزهريّ، فقال مالك في أكثر الروايات عنه: إنه كان إذا فرغ من صلاة الليل اضطجع على شقه الأيمن … الحديث، ولم يذكر الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، وقال معمر،
ويونس، وعمرو بن الحارث، والأوزاعي، وابن أبي ذئب، وشعيب بن أبي حمزة، عن عروة، عن عائشة: كان إذا طلع الفجر، صلّى ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن، وهذه الرواية اتفق عليها الشيخان، فرواها البخاريّ، من رواية معمر، ومسلم من رواية يونس، وعمرو بن الحارث.
قال البيهقيّ عقب ذكرهما: والعدد أولى بالحفظ من الواحد، قال: وقد يحتمل أن يكونا محفوظين، فنقل مالك أحدهما، ونقل الباقون الآخر، قال: واختلف فيه أيضًا على ابن عباس، قال: وقد يَحتَمِلُ مثل ما احتمل في رواية مالك.
وقال النوويّ: إن حديث عائشة، وحديث ابن عباس، لا يخالفان حديث أبي هريرة، فإنه لا يلزم من الاضطجاع قبلهما أن لا يضطجع بعدهما، ولعله - ﷺ - ترك الاضطجاع بعدهما في بعض الأوقات بيانًا للجواز.
ويحتمل أن يكون المراد بالاضطجاع قبلهما هو نومه - ﷺ - بين صلاة الليل، وصلاة الفجر، كما ذكره الحافظ.
قال الشوكاني -رحمه اللَّه تعالى-: إذا عرفت الكلام في الاضطجاع تبيّن لك مشروعيّته، وعلمت بما أسلفنا لك من أن تركه - ﷺ - لا يعارض الأمر للأمة الخاصّ بهم، ولاح لك قوة القول بالوجوب. انتهى (^١).
_________________
(١) - "نيل الأوطار" ج ٣ ص ٢٨ - ٣٢.
[ ١٨ / ١٤٩ ]
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: بل الذي لاح لي، وترجّح لديّ القولُ بالاستحباب، فقد قدمتُ لك أن ما قاله الشوكاني -﵀- من دعوى عدم معارضة الفعل للقول رأي مرجوح، وأن الصواب أن فعله - ﷺ - الذي لم يقم دليل صريح على خصوصيته يخصِّصُ قولَه العامّ، ويقيّد المطلق، ويَصلَح لصرف الأمر عن الوجوب إلى الندب، والنهي عن التحريم إلى التنزيه، وغير ذلك، فتركُهُ - ﷺ - الاضطجاع هنا دليل صارف لأمره بالاضطجاع عن الوجوب إلى الندب.
والحاصل أن أرجح المذاهب المذهب الأول القائل باستحباب الاضطجاع؛ لما ذكرته، وهو الذي عليه جمهور أهل العلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…