١٧٦٣ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ: لِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سُويد بن نصر) أبو الفصل المروزي، الملقّب بـ "الشاه"، ثقة [١٠] ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد اللَّه) بن المبارك، أبو عبد الرحمن الإمام الحجة الثبت المروزيّ [٨] ٣٢/
٣٦.
٣ - (الأوزاعيّ) عبدالرحمن بن عمرو، أبو عمرو الدمشقيّ الإمام الحجة الفقيه [٧] ٤٥/ ٥٦.
٤ - (عبد اللَّه بن عمرو) بن العاص - ﵄ - ٨٩/ ١١١. والباقيان تقدّما قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): من سباعيات المصنف، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وأن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٨ / ١٥٠ ]
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو) - ﵄ -.
[تنبيه]: قال الإمام البخاري -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه": وحدثني محمد بن مقاتل، أبو الحسن، قال: أخبرنا عبد اللَّه، قال: أخبرنا الأوزاعي، قال: حدثني يحيى ابن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: حدثني عبد اللَّه بن عمرو ابن العاص - ﵄ -، قال: قال لي رسول اللَّه - ﷺ - … الحديث، فقال في "الفتح": قد صرّح بالتحديث في جميع الإسناد، فأُمن تدليس الأوزاعيّ، وشيخه. انتهى (^١).
(قَالَ) عبد اللَّه بن عمرو - ﵄ - (قَالَ لِي رَسولُ اللَّهِ - ﷺ -: "لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ) قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: لم أقف على تسميته في شىء من الطرق، وكأن إبهام مثل هذا لقصد الستر عليه، كالذي تقدّم قريبًا في الذي نام حتى أصبح، ويحتمل أن يكون النبي - ﷺ - لم يقصد شخصًا معيّنًا، وإنما أراد تنفير عبد اللَّه بن عمرو من الصنيع المذكور انتهى. (كَانَ يَقُوم اللَّيْلَ) ووقع عند البخاريّ بلفظ" "كان يقوم من الليل"، فقال في "الفتح": أي بعض الليل، وسقط لفظ "من" من رواية الأكثرين، وهي مرادة. قال ابن العربيّ -﵀-: في هذا الحديث دليل على أن قيام الليل ليس بواجب، إذ لو كان واجبًا لم يكتف لتاركه بهذا القدر، بل كان يذمه أبلغ الذمّ. انتهى.
(فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ") الظاهر أن تركه ذلك كان من غير عذر، لأنه لو كان لعذر لما ذُمّ بتركه، بل ثبت أنه يكتب له أجره، لما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" من حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ، أَوْ سَافَر، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا، صَحِيحًا".
وكأنه - ﷺ - يُرغّب عبد اللَّه بن عمرو في الاقتصاد في العبادة، وعدم التشديد على نفسه بتكليفها ما لا تستطيع القيام به، لأن ذلك يؤدي إلى تركها، فيكون مثل هذا الرجل المذموم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد اللَّه بن عمرو - ﵁ - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا-٥٩/ ١٧٦٣ وفي "الكبرى" ٨/ ١٣٠٣ - بالإسناد المذكور. وفي ٥٩/
_________________
(١) - "فتح" ج ٣ ص ٣٤٩.
[ ١٨ / ١٥١ ]
١٧٦٤ و"الكبرى" ٨/ ١٣٠٤ - بالإسناد الآتي، إن شاء اللَّه تعالى تعالى.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢/ ٦٨/ (م) ٣/ ١٦٤ (ق) ١٣٣١ (أحمد) ٢/ ١٧٠ (ابن خزيمة) ١١٢٩ واللَّه أعلم.
المسألة الرابعة: فى فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو ذمّ من ترك قيام الليل من غير عذر.
ومنها: عدم وجوب قيام الليل، كما تقدم في كلام ابن العربيّ -رحمه اللَّه تعالى-.
ومنها: جواز ذكر الشخص بما فيه من عيب لقصد التحذير من صنيعه. ومنها: استحباب الدوام على ما اعتاده المرء من الخير، من غير تفريط. ومنها: كراهة قطع العبادة، وإن لم تكن واجبة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٧٦٤ - أَخْبَرَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا تَكُنْ يَا عَبْدَ اللَّهِ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ».
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الحارث بن أسد) بن مَعْقل الهَمْدانيّ -بفتح، فسكون- أبو الأسد المصريّ، ثقة [١١].
روى عن بِشْر بن بَكْر. وعنه النسائيّ، وابن جُوصَا، وأبو بكر بن أبي داود، وإبراهيم بن ميمون. قال النسائيّ: ثقة. وقال ابن يونس: توفي لسبع بقين من ربيع الأول، سنة (٢٥٦) انفرد به المصنف بهذا الحديث فقط.
٢ - (بشر بكر) التِّنِّسيّ، أبو عبد اللَّه البجليّ، دمشقيّ الأصل، ثقة يُغْرب [٩].
وثقه أبو زرعة، والعجليّ، والعُقيليّ، وابن حبان، والدارقطنيّ، وقال مرّة: ليس به بأس، ما علمت إلا خيرًا. وقال أبو حاتم: ما به بأس. وقال الحاكم: مأمون. وقال مسلمة بن قاسم: روى عن الأوزاعيّ أشياء انفرد بها، وهو لا بأس به إن شاء اللَّه. ولد سنة (١٢٤) ومات سنة (٢٠٠) وقيل: توفي بدمياط في ذي القعدة سنة (٢٠٥) روى له البخاريّ، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله عند المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٣ - (عمر بن الحكم بن ثوبان) الحجازيّ، أبو حفص المدنيّ، صدوق [٣].
[ ١٨ / ١٥٢ ]
قال ابن معين: هو عمّ عبد الحميد بن جعفر، وهو ابن الحكم بن سنان. وقال غيره: هما اثنان. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: وكان من جلّة أهل المدينة، وهو عمر بن الحكم ابن أبي الحكم، واسم أبي الحكم ثوبان، من ولد فِطْيون مَلِك يَثْرب، حليف الأوس. وقال ابن سعد: عمر بن الحكم بن أبي الحكم، وهو من بني عمرو بن عامر، من ولد الفِطْيون، وهم حلفاء الأوس، يكنى أبا حفص، وكان ثقة، وله أحاديث صالحة. قال يحيى بن بكير: مات سنة (١١٧) وله (٨٠) سنة. عَلّق عنه البخاريّ، وأخرج له الباقون، سوى الترمذيّ، وله عند المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
والباقون تقدموا في الذي قبله.
[تنبيه]: وقع في نسختي "المجتبى" المطبوعتين "عَمْرو بن الحكم" بفتح العين، وسكون الميم، وهو تصحيف، والصواب ما في "الهندية" أنه "عمر بن الحكم" بضم العين، وفتح الميم، وهو الذي في "السنن الكبرى"، وكتب الرجال، فتنبّه. وباللَّه تعالى التوفيق.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا بيان الاختلاف على الأوزاعيّ، فقد روى عبد اللَّه بن المبارك في الإسناد الماضي عنه عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، وروى بشر بن بكر في هذه الرواية عنه، عن يحيى، عن عمر بن الحكم بن ثوبان، عن أبي سلمة، فأدخل عمر بن الحكم واسطة بين يحيى، وأبي سلمة. وظاهر صنيع البخاريّ -﵀- في "صحيحه" ترجيح رواية يحيى، عن أبي سلمة بغير واسطة، وأن إدخال عمر بينهما من المزيد في متّصل الأسانيد، لأن يحيى قد صرّح بسماعه من أبي سلمة، كما تقدّم، ولو كان بينهما واسطة لم يصرّح بالتحديث. وظاهر صنيع مسلم عكسه، لأنه اقتصر على الرواية الزائدة، والراجح عند أبي حاتم والدارقطنيّ، وغيرهما صنيع البخاريّ.
وقد تابع كلّا من الراويين جماعة من أصحاب الأوزاعيّ، فالاختلاف منه، وكأنه كان يحدث به على الوجهين، فيُحمَل على أن يحيى حمله عن أبي سلمة بواسطة، ثمّ لقيه، فحدّثه به، فكان يرويه عنه على الوجهين. أفاده الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
_________________
(١) "فتح" جـ٣ ص ٣٥٠.
[ ١٨ / ١٥٣ ]