قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بهذه الترجمة بيان فضل شدة الموت؛ لأن النبي - ﷺ - مع كمال رتبته اشتدّ عليه، فلولا رفعة فضله، وعظيم ثوابه لما ابتلى اللَّه تعالى به حبيبه الأكرم، وخليله الأعظم، - ﷺ -،واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٨٣٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ،
_________________
(١) -بكسر المهملة، وفتح اللام، وقيل: بفتح أوله، ثم سكون: نسبة إلى سَلْعة، أي شَجّة بقفاه. أفاده في "اللبّ"، و"المصباح".
[ ١٨ / ٢٣٠ ]
قَالَتْ: "مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَإِنَّهُ لَبَيْنَ حَاقِنَتِي، وَذَاقِنَتِي، فَلَا أَكْرَهُ شِدَّةَ الْمَوْتِ لأَحَدٍ أَبَدًا، بَعْدَ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -".
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عمرو بن منصور) النسائيّ، الثقة الثبت [١١] ١٠٨/ ١٤٧.
٢ - (عبد اللَّه بن يوسف) التنّيسيّ ثقة متقن، من كبار [١٠] ١٧/ ١٥٤٠.
٣ - (الليث) بن سعد الإمام المصريّ الحافظ الحجة الثبت [٧] ٣١/ ٣٥.
٤ - (ابن الهاد) يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة بن الهاد الليثيّ المدنيّ، ثقة مكثر [٥] ٧٣/ ٩٠.
٥ - (عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد بن أبي بكر التيميّ الثبت الفاضل الحجة المدنيّ [٦] ١٢٠/ ١٦٦.
٦ - (أبوه) هو: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي المدنيّ الثبت الفاضل أحد الفقهاء السبعة [٣] ١٢٠/ ١٦٦.
٧ - (عائشة) - ﵂ - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وفيه رواية كبير عن صغير، فإن ابن الهاد من الطبقة الخامسة، وعبد الرحمن من السادسة، وفيه أحد الفقهاء السبعة، وهو القاسم بن محمد بن أبي بكر، وفيه رواية الابن عن أبيه، عن عمته، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى - عنها من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ -، أنها (قَالَتْ: "مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَإِنَّهُ) الواو للحال، أي والحال أنه - ﷺ - (لَبَيْنَ حَاقِنَتي، وَذَاقِنَتِي) وفي رواية للبخاريّ من هذا الوجه: "مات ورأسه بين حاقنتي وذاقنتي"، وفي رواية له منِ طريق ذَكْوَان، عنها: "توفّي في بيتي، وفي يومي، وبين سَحْري، ونَحْري، وإن اللَّه جمع بين ريقي وريقه (^١) عند موته في آخر يوم من الدنيا". و"الحاقنة" -بالمهملة والقاف-: ما سفل من الذَّقَن، و"الذاقنة": ما علا منه، أو "الحاقنة": نُقْرَة التَّرْقُوة، وهما حاقنتان، ويقال: إن الحاقنة: المطمئنّ من الترقوة والحلق. وقيل: ما دون الترقوة من الصدر. وقيل: هى تحت السرّة. وقال ثابت: الذاقنة طرف الحلقوم.
_________________
(١) - سيأتي تفسير جمع الريق في رواية ذكوان الذي سأورده عن "صحيح البخاريّ"، إن شاء اللَّه تعالى.
[ ١٨ / ٢٣١ ]
و"السَّحْر"- بفتح المهملة، وسكون الحاء المهملة-: هو الصدر، وهو في الأصل الرِّئة.
و"النَّحْر"- بفتح النون، وسكون المهملة، والمراد به موضع النحر. وأغرب الداوديّ، فقال: هو ما بين الثديين.
والحاصل أن ما بين الحاقنة والذاقنة هو ما بين السحر والنحر. والمراد أنه - ﷺ - مات ورأسه بين حَنَكها وصدرها - ﵂ -. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا لا يغاير حديثها أنه كان على فخذها، لأنه محمول على أنها رفعته من فخذها إلى صدرها.
قال: وهذا الحديث يعارضه ما أخرجه الحاكم، وابنُ سعد من طُرُق: "أن النبي - ﷺ - مات، ورأسه في حجر عليّ"، وكلّ طريق منها لا يخلو من شيعيّ، فلا يُلتفت إليهم. قال: وقد رأيت بيان حال الأحاديث التي أشرت إليها دفعًا لتوهم التعصّب. قال ابن سعد: "ذِكْرُ من قال: توفّي في حجر عليّ"، وساق من حديث جابر - ﵁ -: سأل كعبُ الأحبار عليًا ما كان آخر ما تكلّم به - ﷺ -؟ فقال: أسندته إلى صدري، فوضع رأسه على منكبي، فقال: "الصلاة الصلاة"، فقال كعب: كذلك آخر عهد الأنبياء. وفي سنده الواقديّ، وحرام (^١) بن عثمان، وهما متروكان. وعن الواقديّ، عن عبد اللَّه بن محمد بن عمر بن عليّ، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ - في مرضه: "ادعوا لي أخي"، فدُعي له عليّ، فقال: "ادن منّي"، قال: فلم يزل مستندًا إليّ، وإنه ليكلّمني حتى نزل به، وثقل في حجري، فصِحتُ يا عباس أدركني إني هالك، فجاء العباس، فكان جهدهما جميعًا أن أضجعاه". فيه انقطاع مع الواقديّ، وعبد اللَّه فيه لين.
وبه، عن أبيه، عن علي بن الحسين: "قُبض، ورأسه في حجر علي". فيه انقطاع. وعن الواقديّ، عن أبي الحويرث، عن أبيه، عن الشعبيّ: "مات ورأسه في حجر عليّ". فيه الواقديّ، والانقطاع، وأبو الحويرث اسمه عبد الرحمن بن معاوية بن الحارث المدنيّ، قال مالك: ليس بثقة، وأبوه لا يعرف حاله.
وعن الواقديّ، عن سليمان بن داود بن الحصين، عن أبيه، عن أبي غَطَفَان: سألت ابن عباس؟ قال: توفي رسول اللَّه - ﷺ -، وهو إلى صدر عليّ، قال: فقلت: فإن عروة حدثني عن عائشة، قالت: توفي النبي - ﷺ - بين سحري ونحري، فقال ابن عباس: لقد توفّي، وإنه لمستند إلى صدر عليّ، وهو الذي غسله، وأخي الفضل، وأَبَى أبي أن
_________________
(١) - وقع نسخة "الفتح" "حرم" والذي في ميزان الاعتدال، و"لسان الميزان": "حرام بن عثمان" الأنصاريّ المدني، والظاهر أن ما في نسخة "الفتح" تصحيف. قال الشافعي وغيره: الرواية عن حرام حرام. انظر "الميزان" ج ١ ص ٤٦٨.
[ ١٨ / ٢٣٢ ]
يحضر. فيه الواقديّ، وسليمان لا يُعرف حاله، وأبو غطفان -بفتح المعجمة، ثم المهملة- اسمه سعد، وهو مشهور بكنيته، وثقه النسائيّ.
وأخرج الحاكم في "الإكليل" من طريق حبّة العَدَنيّ، عن عليّ: أسندته إلى صدري، فسألت نفسه. وحبة ضعيف. ومن حديث أم سلمة، قالت: علي آخرهم عهدًا برسول اللَّه - ﷺ -. والحديث عن عائشة أثبت من هذا، ولعلها أرادت آخر الرجال به عهدًا. ويمكن الجمع بأن يكون عليّ آخرهم عهدا به، وأنه لم يفارقه حتى مال، فلما مال ظنّ أنه مات، ثم أفاق بعد أن توجه، فأسندته عائشة بعده إلى صدرها، فقبض.
ووقع عند أحمد من طريق يزيد بن بابنوس -بموحدتين بينهما ألف غير مهموز، وبعد الثانية المفتوحة نون مضمومة، ثم واو ساكنة، ثم سين مهملة- في أثناء حديث عائشة - ﵂ -: "فبينما رأسه ذات يوم على منكبي، إذ مال رأسه نحوَ رأسي، فظننت أنه يريد من رأسي حاجة، فخرجَت من فيه نقطة باردة، فوقعت على ثُغْرَة (^١) نحري، فاقشعرّ لها جلدي، وظننت أنه غُشي عليه، فسجّيته ثوبًا" انتهى (^٢).
(فَلَا أَكْرَهُ شِدَةَ المَوْتِ لِأَحَدٍ أَبَدًا) أي لأنه سبب لتكفير الذنوب، ومضاعفة الأجر، وليس عقابا، حيث إن رسول اللَّه - ﷺ - اشتدّ عليه، وهو محض مضاعفة الأجر له، فقد أخرج أبو يعلى من حديث أبي سعيد: "إنا معاشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا الأجر".
وفي "صحيح البخاريّ" من حديث ابن مسعود - ﵁ - قال أتيت النبيّ - ﷺ -، وهو يُوعَك وَعْكًا (^٣) شديدًا، وقلت: إنك تُوعك وَعْكًا شديدًا، قلت: إنِّ ذاك بأن لك أجرين؟ قال: "أجلْ" … الحديث. وأخرج الدارميّ، والنسائي في "الكبرى"، وابن ماجه، وصححه الترمذيّ، وابن حبّان، والحاكم، كلهم من طريق عاصم بن بَهْدَلَة، عن مصعب بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول اللَّه، أيّ الناس أشدّ بلاء؟ قال: "الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثلُ، يُبتلى الرجلُ على حسب دينه … " الحديث، وفيه: "حتى يمشي على الأرض، وما عليه خطيئة".
(بَعْدَ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -) أي بعد ما شاهدت من شدة الموت على رسول اللَّه - ﷺ -، وقد بُيِّنَت الشدةُ المذكورة في رواية البخاريّ، ولفظه: من طريق عُمر بن سعيد، عن ابن أبي مليكة أن أبا عمرو ذكوان، مولى عائشة أخبره، أن عائشة، كانت تقول: إن
_________________
(١) - الثغرة بضم، فسكون: نُقرة النحر بين الترقوتين. انتهى "ق."
(٢) - راجع "الفتح" ج ٨ ص ٤٨٥ - ٤٨٦.
(٣) - الوعك بفتح، فسكون: أذى الحمى ووجعها، وألم شدة التعب. اهـ "ق".
[ ١٨ / ٢٣٣ ]
من نعم اللَّه عليّ، أن رسول اللَّه - ﷺ - تُوُفي في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري، وأن اللَّه جمع بين ريقي وريقه عند موته، دخل عليّ عبد الرحمن، وبيده السواك، وأنا مسندة رسول اللَّه - ﷺ -، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فتناولته، فاشتد عليه، وقلت: أُلَيِّنُه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فلينته، فأمرّه، وبين يديه ركوة أو عُلْبة -يشك عمر- فيها ماء، فجعل يُدخل يديه في الماء، فيمسح بهما وجهه، يقول: "لا إله إلا اللَّه، إن للموت سكرات"، ثم نصب يده، فجعل يقول: "في الرفيق الأعلى" حتى قبض، ومالت يده". انتهى (^١).
وعند أحمد، والترمذي، وغيرهما من طريق القاسم، عن عائشة؟، قالت: رأيته وعنده قَدَحٌ فيه ماء، وهو يموت، فيدخل يده في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء، ثم يقول: "اللَّهم أعني على سكرات الموت". انتهى (^٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - ﵂ - هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦/ ١٨٣٠ - و"الكبرى" ٦/ ١٩٥٦ وأخرجه (خ) ٤٤٤٦ و(أحمد) ٢٣٨٣٣ و٢٣٩٦١. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل شدّة الموت. ومنها: عِظَمُ منزلة النبي - ﷺ - عند ربه حيث ضاعف له الأجر بشدة المرض. ومنها: أن شدة البلاء تكون بقدر رفعة منزلة العبد عند اللَّه تعالى، فأشد الناس بلاءً الأنبياءُ، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. ومنها: فضل عائشة - ﵂ -، حيث خصّها اللَّه تعالى بأن مات النبي - ﷺ - في بيتها، وفي يومها، وبين سَحْرِها ونَحْرها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
_________________
(١) - راجع "صحيح البخارى" ج ٨ ص ٤٩٢ بنسخة "الفتح".
(٢) - راجع "الفتح" ج ٨ ص ٤٨٧.
[ ١٨ / ٢٣٤ ]