١٧٨٧ - أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ -، قَالَ: «مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ، وَهُوَ يَنْوِى أَنْ يَقُومَ، يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، حَتَّى أَصْبَحَ، كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى، وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ، مِنْ رَبِّهِ -﷿-».
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (هارون بن عبد اللَّه) أبو موسى الحَمّال البغداديّ، ثقة [١٠] ٥٠/ ٦٢.
٢ - (حسين بن عليّ) الجعفيّ الكوفيّ المقرىء، ثقة عابد [٩] ٧٤/ ٩١.
٣ - (زائدة) بن قُدَامة الثقفيّ، أبو الصلت الكوفيّ، ثقة ثبت سنّيّ [٧] ٧٤/ ٩١.
[ ١٨ / ١٦٩ ]
٤ - (سليمان) بن مهران الأعمش الحافظ الحجة [٥] ١٧/ ١٨.
٥ - (حبيب بن أبي ثابت) الكوفي، ثقة فقيه، كثير الإرسال، والتدليس [٣] ١٢١/ ١٧٠.
٦ - (عبدة بن أبي لبابة) الأسديّ، أو القرشيّ مولاهم، أبو القاسم البزّاز الكوفيّ، نزيل دمشق، ثقة [٤] ٨٥/ ١٣٤١.
٧ - (سُويد بن غَفَلَة) بفتح المعجمة، والفاء- ابن عَوْسَجَة بن عامر بن وَدَاع بن معاوية بن الحارث بن مالك بن عوف بن سعد بن عوف بن حريم بن جُعْفِيّ (^١) بن سعد العشيرة، أبو أميّة الْجُعْفيّ الكوفيّ، مخضرم ثقة، من كبار التابعين [٢].
أدرك الجاهليّة، وقد قيل: إنه صلى مع النبي - ﷺ -، ولا يصحّ، وقدم المدينة حين نُفِضت الأيدي من دفن رسول اللَّه - ﷺ -، وهذا أصحّ، وشهد فتح اليَرْمُوك.
قال ابن معين، والعجليّ: ثقة. وقال علي بن المدينيّ: دخلت بيت أحمد بن حنبل، فما شبّهت بيته إلا بما وُصف من بيت سُويد غَفَلَة في زُهده، وتواضعه. وقال علي والد الحسين الجعفي: كان سويد بن غفلة يؤمّنا في شهر رمضان في القيام، وقد أتى عليه عشرون ومائة سنة. وقال أبو نُعيم: مات سنة (٨٠) وقال أبو عبيد القاسم بن سلاّم، وغير واحد: مات سنة (٨١) وقال عمرو بن عليّ، وغيره: سنة (٨٢) وقال عاصم بن كُليب: بلغ ثلاثين ومائة سنة.
قال الحافظ: إن صحّ أنه لِدَةُ رسول اللَّه - ﷺ -، فقد جاوزها. وذكره ابن قانع في "الصحابة"، وروى له حديثًا في إسناده ضعف. انتهى. روى له الجماعة، له عند المصنف ستة أحاديث.
٨ - (أبو الدرداء) عويمر بن زيد بن قيس، وقيل: غيره، الأنصاريّ، الصحابي الشهير - ﵁ - ٤٨/ ٨٤٧ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف الإسناد:
(منها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه أربعة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن حبيب، عن عبدة، عن سويد. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن أَبِي الدَّرْدَاءِ) - ﵁ - (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ -) من البلوغ، والباء للتعدية، و"النبيّ"
_________________
(١) - "جعفيّ" ككرسيّ ابن سعد العَشيرة، أبو حيّ باليمن. اهـ "ق".
[ ١٨ / ١٧٠ ]
بالنصب على المفعولية، والجملة في محل نصب على الحال، أي حال كونه يبلغ بهذا الحديث النبي - ﷺ -، بمعنى أنه يرفعه، وهذه الجملة تستعمل فيما له حكم الرفع، كما تقدم غير مرّة (قَالَ) أي النبى - ﷺ - (مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ، وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل.
قال السنديّ -﵀-: أي سواء كان القيام عادة له قبل ذلك، أو لا، فهذا الحديث أعمّ، ويحتمل أن يُخصّ بمن يعتاد ذلك انتهى (يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ) أي حال كونه مصليا في الليل (فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ) أي غلبه النوم، وفي نسخة: "عينه" بالإفراد (حَتَّى أَصْبَحَ) أي دخل في الصباح (كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى) أي أجر ما نوى، من الصلاة و(كَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ، مِنْ رَبِّهِ -﷿-) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى- في درجته: حديث أبي الدرداء - ﵁ - هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصح، وفي سنده حبيب بن أبي ثابت، وهو مُدَلِّس، وقد عنعنه؟
[قلت]: لم ينفرد به حبيب، بل تابعه شعبة بن الحجاج، كما سيأتي قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-٦٣/ ١٧٨٧ وفي "الكبرى" ٧٨/ ١٤٥٩ - بالإسناد المذكور، وفي ٦٣/ ١٧٨٨ و"الكبرى" ٧٨/ ١٤٦٠ بالإسناد التالي. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (ق) ١٣٤٤ (ابن خُزيمة) ١١٧٢ و١١٧٣ و١١٧٤ و١١٧٥ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: "خالَفَهُ سُفْيَان" الضمير لحيبيب بن أبي ثابت، أي خالف سفيانُ الثوريّ حبيبَ بن أبي ثابت في رفع هذا الحديث، وفي الشكّ في الصحابي، هل هو أبو ذرّ، أو أبو الدرداء، كما بيّنه بقوله:
١٧٨٨ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، مَوْقُوفًا.
و"عبد اللَّه": هو ابن المبارك الإمام المشهور.
وقوله: "وأبى الدرداء" هكذا نسخ "المجتبى" بالواو، وهو تصحيف، والصواب "أو أبي الدرداء" بأو، وهو الذي في "الكبرى"، وغيره، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٨ / ١٧١ ]
[تنبيه]: زاد في "الكبرى" مع الثوريّ سفيانَ بن عيينة، ونصه:
خالفه سفيان الثوريّ، وسفيان بن عُيينة: أخبرنا سُويد بن نصر، قال: أنا عبد اللَّه، عن سفيان الثوريّ، عن عبدة، قال: سمعتُ سُويد بن غفلة.
وأخبرنا سويد، قال: أنا عبد اللَّه، عن ابن عُيينة، عن ابن أبي لبابة، عن سُويد بن غفلة، عن أبي ذرّ، أو عن أبي الدرداء موقوفًا انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حاصل مخالفة سفيان الثوريّ، وابن عيينة في هذا الحديث، أنهما روياه عن عبدة بن أبي لبابة، عن سويد بن غفلة، عن أبي ذرّ، أو عن أبي الدرداء بالشكّ، موقوفا، فخالفا حبيب بن أبي ثابت في الشكّ في الصحابيّ، وفي وقف الحديث.
والظاهر أن هذه المخالفة لا تضرّ برفع الحديث، لأنه لم ينفرد حبيب به، فقد تابعه شعبة، أخرجه ابن حيّان في "صحيحه"، من طريق مسكين بن بُكير، ثنا شعبة، عن عبدة بن أبي لبابة، عن سويد بن غفلة، أنه عاد زرّ بن حُبيش في مرضه، فقال: قال أبو ذرّ، أو أبو الدرداء -شكّ شعبة- قال رسول اللَّه - ﷺ -: "ما من عبد يحدّث نفسه بقيام ساعة من الليل، فينام عنها، إلا كان نومه صدقة، تصدّق اللَّه بها عليه، وكتب له أجر ما نوى".
والحاصل أن الحديث صحيح مرفوعًا، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: قال الإمام أبو بكر ابن خزيمة -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بعد أن أخرج الحديث من طريق حسين الجعفيّ: ما نصه:
هذا خبر لا أعلم أحدًا أسنده غير حسين بن عليّ، عن زائدة، وقد اختلف الرواة في إسناد هذا الخبر، فحدثنا يوسف بن موسى، نا جرير، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبدة بن أبي لبابة، عن زِرّ بن حُبيش، عن أبي الدرداء، قال: "من حدّث نفسه بساعة من الليل، يصليها، فغلبته عينه، فنام، كان نومه صدقة عليه، وكُتب له مثل ما أراد أن يصلي".
وهذا التخليط من عبدة بن أبي لبابة، قال مرّة: "عن زِرّ"، أو "عن سُويد".
ثنا سَلْمُ بن جُنَادة، ثنا وكيع، عن سفيان، عن عبدة بن أبي لبابة، عن زِرّ بن حُبيش، أو عن سُويد بن غَفَلَة -شكّ عبدة- عن أبي الدرداء، أو عن أبي ذرّ، قال: "ما من رجل تكون له ساعة من الليل، يقومها، فينام عنها، إلا كتب اللَّه له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة، تصدّق بها عليه".
وعبدة -﵀- قد بيّن العلّة التي شكّ في هذا الإسناد، أسمعه من زِرّ، أو من سُويد، فذكر أنهما كانا اجتمعا في موضع، فحدّث أحدهما بهذا الحديث، فشكّ مَنِ الْمُحَدِّث
_________________
(١) - راجع "السنن الكبرى" للمصنف ج ١ ص ٤٥٦ - ٤٥٧.
[ ١٨ / ١٧٢ ]
منهما، ومن الْمُحَدَّث عنه؟.
ثنا بهذا عبد الجبّار بن العَلاء، ثنا سفيان، قال: حفظته من عبدة بن أبي لبابة، قال: ذهبت مع زرّ بن حُبيش، إلى سُويد بن غَفَلَة نعوده، فحدث سُويد، أو حدّث زرّ، وأكبر ظني أنه سويد، عن أبي الدرداء، أو عن أبي ذرّ، وأكبر ظنّي أنه عن أبي الدرداء، أنه قال: "ليس عبد يريد صلاة -وقال مرّة: من الليل- ثم ينسى، فينام، إلا كان نومه صدقة عليه من اللَّه، وكتب له ما نوى".
قال ابن خزيمة -﵀-: فإن كان زائدة حفظ الإسناد الذي ذكره، وسليمان سمعه من حبيب، وحبيب من عبدة -فإنهما مدلسان- فجائز أن يكون عبدة حدّث بالخبر مرة قديمًا عن سُويد بن غفلة، عن أبي الدرداء، بلا شكّ، ثم شكّ بعدُ أسمعه من زرّ بن حُبيش، أو من سُويد؟ وهو عن أبي الدرداء، أو أبي ذرّ، لأن بين حبيب بن أبي ثابت، وبين الثوريّ، وابن عيينة من السنّ ما قد ينسى الرجل كثيرًا مما كان يحفظه، فإن كان حبيب بن أبي ثابت سمع هذا الخبر من عبدة، فيشبه أن يكون سمعه قبل أن يولد ابن عيينة، لأن حبيب بن أبي ثابت لعله أكبر من عبدة بن أبي لبابة، قد سمع حبيب بن أبي ثابت، من ابن عمر، واللَّه أعلم بالمحفوظ من هذه الأسانيد انتهى كلام ابن خزيمة -رحمه اللَّه تعالى- (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن مثل هذا الشكّ لا يضرّ، لأن كلا منهما ثقة، وكذلك الشكّ في الصحابى لا يضرّ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…