قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -. أراد المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بهذه الترجمة بيان فضل الموت في يوم الاثنين، لكون اللَّه تعالى اختاره لحبيبه وخليله - ﷺ -، ولا يختار له إلا الأفضل. قال الزين ابن المنيّر -رحمه اللَّه تعالى- عند قول البخاري -﵀-: "باب موت يوم الاثنين". ما نصه: تعيين وقت الموت ليس لأحد فيه اختيار، لكن في التسبب في حصوله مَدخَل، كالرغبة إلى اللَّه لقصد التبرّك، فمن لم يحصل له الإجابة أثيب على اعتقاده، وكأن الخبر الذي ورد في فضل الموت يوم الجمعة لم يصحّ عند البخاريّ، فاقتصر على ما وافق شرطه، وأشار إلى ترجيحه على غيره.
قال الحافظ -﵀-: والحديث الذي أشار إليه أخرجه الترمذيّ من حديث عبد اللَّه ابن عمرو - ﵁ -، مرفوعًا. "ما من مسلم يموت يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة، إلا وقاه اللَّه فتنة القبر". وفي إسناده ضعف، وأخرج أبو يعلى من حديث أنس - ﵁ - نحوه، وإسناده أضعف انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٨٣١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: آخِرُ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، كَشَفَ السِّتَارَةَ، وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ - ﵁ -، فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَرْتَدَّ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ، أَنِ امْكُثُوا، وَأَلْقَى السِّجْفَ، وَتُوُفِّيَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَذَلِكَ يَوْمُ الاِثْنَيْنِ.
رجال هذا الإسناد: أربعة:
و"سفيان". هو ابن عيينة الإمام الحافظ الحجة الثبت [٨] ١/ ١. والباقون تقدموا قريبا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٠٨) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى الأسانيد له، كما تقدم غير مرة. (ومنها): أن أنسًا - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة - ﵁ - بالبصرة، مات سنة (٩٢) أو (٩٣). واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) - "فتح" ج ٣ ص ٦٢٥.
[ ١٨ / ٢٣٥ ]
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) - ﵁ -، أنه (قَالَ: آخِرُ نَظرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، كَشْفُ السِّتَارَةِ) أي كانت عند كشف الستارة، وبسببه حتى كأنها نفس كشف الستارة. قاله السندي: فقوله: "آخر نظرة" مبتدأ، وقوله: "كشف الستارة" خبره على التأويل المذكور. وإضافة "كشف" إلى "الستارة" من إضافة المصدر إلى مفعوله. ويحتمل أن يكون "كَشَفَ" بصيغة الماضي، ويُؤَيِّدُهُ قوله: "وألقى السَّجْف". وعلى هذا يكون خبر المبتدإ محذوفًا: أي عند كشف الستارة، وجملة "كشف الستارة" مستأنفة بَيَّنَ بها ما وقع في تلك الحالة. و"الستارة" بالكسر: ما يُستر به، كالسُّتْرة، والْمِسْتَر، والإسْتَارة، جمعه سَتَائر، قال: وبلا هاء: السِّتْرُ، جمعه سُتُر. انتهى قاله في "ق".
(وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ - ﵁ -) جملة في محل نصب على الحال (فأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَرْتَدَّ) أي يرجع عن مقامه إلى مقام المأمومين لظنه أنه - ﷺ - يخرج إليهم، فيصلي بهم.
ففي رواية البخاري من طريق شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني أنس بن مالك الأنصاري وكان تَبعَ النبي - ﷺ -، وخَدَمَه، وصحبه أن أبا بكر كان يصلي لهم، في وجع النبي - ﷺ - الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين، وهم صفوف في الصلاة، فكشف النبي - ﷺ -، سِتر الحجرة ينظر إلينا، وهو قائم، كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم يضحك، فهممنا أن نفتتن، من الفرح برؤية النبي - ﷺ -، فنكص أبو بكر على عقبيه،
لِيَصِلَ الصف، وظن أن النبي - ﷺ - خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا النبي - ﷺ -، أن أتموا صلاتكم، وأرخى الستر، فتوفي من يومه.
(فَأَشَارَ) أي النبي - ﷺ - (إِلَيْهِمْ أَنِ امْكُثُوا) أي اثبُتُوا على ما أنتم عليه، قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: مَكَثَ مَكْثًا، من باب قَتَل: أقام، وتلبّثَ، فهو ماكثٌ، ومَكُثَ مُكْثًا، فهو مَكِيث، مثل قَرُبَ قُرْبًا، فهو قريب لغةٌ، وقرأ السبعةُ ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ باللغتين، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أمكثه، وتمكّث في أمره: إذا لم يَعجَل فيه انتهى.
(وَأَلْقَى السَّجْفَ) قال المجد اللغويّ -رحمه اللَّه تعالى-: "السَّجف" -أي بالفتح- ويكسر، وككتاب: السِّتْر، جمعه سُجُوف، وأَسْجَاف، أو السَّجْف: السِّتْرَان المقرونان، بينهما فُرْجة، أو كلُّ باب سُتِرَ بسِتْرين مقرونين، فكلّ شقّ سَجْفٌ، وسِجَاف. انتهى.
(وَتُوُفِّيَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَومِ) "من" بمعنى "في"، أي في آخر اليوم الذي وقع فيه ما ذُكر، من كشف الستارة، وغيره. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "وتوفي من آخر ذلك اليوم" يخدش في جزم ابن إسحاق بأنه مات حين اشتدّ الضحى، ويُجمع بينهما بأن إطلاق الآخر بمعنى ابتداء الدخول في أول النصف الثاني من النهار، وذلك عند الزوال، واشتداد الضحى يقع قبل الزوال، ويستمرّ حتى يتحقّق زوال الشمس. وقد
[ ١٨ / ٢٣٦ ]
جزم موسى بن عقبة، عن ابن شهاب بأنه - ﷺ - مات حين زاغت الشمس، وكذا لأبي الأسود، عن عروة، فهذا يؤيد الجمع الذي أشرت إليه انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لا يخفى كون الجمع المذكور تكلفًا، وتعسفًا، بل الترجيح أولى، فما في "الصحيح" هو المعتمد.
والحاصل أن موته - ﷺ - في أخر يوم الاثنين هو الصواب. واللَّه تعالى أعلم.
(وَذَلِكَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ) يحتمل رفع "يوم" على أنه خبر لاسم الإشارة، واسم الإشارة راجع إلى اليوم، أي ذلك اليوم يومُ الاثنين، ويحتمل نصبه على الظرفية، والإشارة إلى ما ذُكر من الكشف وغيره، أي ما ذُكر مما وقع للنبي - ﷺ - واقع في يوم الاثنين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس - ﵁ - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٧/ ١٨٣١ و"الكبرى" ٧/ ١٩٥٧ وأخرجه، (خ) ٦٨٠ و٦٨١ و٧٥٤ و١٢٠٦ و٤٤٤٨ (م) ٤١٩ (ت) في "الشمائل" ٣٨٥، (ق) ١٦٢٤، (الحميدي) ١١٨٨، (أحمد) ١١٦٦٢ و١٢٢٥٥ و١٢٦١٦، (ابن خزيمة) ١٦٥٠. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الموت يوم الاثنين، حيث اختاره اللَّه تعالى لنبيه - ﷺ -. ومنها: جواز استعمال الستارة على الأبواب، ونحوها للحاجة. ومنها: فضل أبي بكر - ﵁ -، حيث اختاره النبي - ﷺ - للإمامة في مرض موته، ولذا احتجّ الصحابة - ﵃ - بذلك على استحقاقه الإمامةَ الكبرى، فبايعوه على الخلافة. ومنها: أن الأصحّ أن اليوم الذي مات فيه النبي - ﷺ - هو يوم الاثنين، وفيه أقوال، ستأتي في المسألة التالية إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في ذكر ما يتعلّق بمرض النبي - ﷺ -، ووفاته، وأقوالِ أهل العلم في ذلك: ذكر الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "الفتح" في أواخر "كتاب المغازي"، فقال: ما حاصله: وأما ابتداء مرضه - ﷺ -، فكان في بيت ميمونة - ﵂ -، ووقع في "السيرة لأبي معشر" أنه في بيت زينب بنت جحش، وفي "السيرة لسليمان التيميّ" في بيت رَيحانة، قال الحافظ -﵀-: والأول هو المعتمد. وذكر الخطابي أنه ابتدأه يوم الاثنين، وقيل: يوم السبت، وقال الحاكم أبو أحمد: يوم الأربعاء.
_________________
(١) - "فتح" ج ٨ ص ٤٩١.
[ ١٨ / ٢٣٧ ]
واختُلف في مدة مرضه، فالأكثرون على أنها ثلاثة عشر يومًا، وقيل: بزيادة يوم، وقيل: بنقصه، والقولان في "الروضة"، وصدر بالثاني، وقيل: عشرة أيام، وبه جزم سليمان التيميّ في مغازيه، وأخرجه البيهقيّ بإسناد صحيح.
وكانت وفاته يوم الاثنين بلا خلاف، من ربيع الأول، وكاد يكون إجماعًا، لكن في حديث ابن مسعود - ﵁ - عند البزّار في حادي عشر رمضان، ثم عند ابن إسحاق: والجمهور أنها في الثاني عشر منه، وعند موسى بن عقبة، والليث، والخوارزميّ، وابن زبر: مات لهلال ربيع الأول، وعند أبي مِخْنَف، والكلبيّ في ثانيه، ورجّحه السهيليّ، وعلى القولين يتنزّل ما نقله الرافعيّ أنه عاش بعد حجته ثمانين يومًا، وقيل: أحدًا وثمانين، وأما على ما جزم به في "الروضة"، فيكون عاش بعد حجته تسعين يومًا، أو أحدا وتسعين.
وقد استشكل ذلك السهيليّ، ومن تبعه -أعني كونه مات يوم الاثنين ثاني عشر شهر ربيع الأول- وذلك أنهم اتفقوا على أن ذا الحجة كان أوله يوم الخميس، فمهما فُرضت الشهور الثلاثة توامّ، أو نواقص، أو بعضها لم يصحّ، وهو ظاهر لمن تأمّله.
وأجاب البارزي، ثم ابن كثير باحتمال وقوع الأشهر الثلاثة كوامل، وكان أهل مكة والمدينة اختلفوا في رؤية هلال ذي الحجة، فرآه أهل مكة ليلة الخميس، ولم يره أهل المدينة إلا ليلة الجمعة، فحصلت الوقفة برؤية أهل مكة، ثم رجعوا إلى المدينة، فأرخوا برؤية أهلها، فكان أولُ ذي الحجة الجمعة، وآخره السبت، وأول المحرّم الأحد، وآخره الاثنين، وأول صفر الثلاثاء، وآخره الأربعاء، وأول ربيع الأول الخميس، فيكون ثاني عشره الاثنين.
قال الحافظ: وهذا الجواب بعيد من حيث إنه يلزم توالي أربعة أشهر كوامل، وقد جزم سليمان التيميّ أحد الثقات بأن ابتداء مرض النبي - ﷺ - كان يوم السبت الثاني والعشرين من صفر، ومات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول، فعلى هذا كان صفر ناقصًا، ولا يمكن أن يكون أول صفر السبت إلا إن كان ذو الحجة والمحرّم ناقصين، فيلزم منه نقص ثلاثة أشهر متوالية. وأما على قول من قال: مات أول يوم من ربيع الأول، فيكون اثنان ناقصين، وواحد كاملًا، ولهذا رجحه السهيليّ.
وفي "المغازي لأبي معشر" عن محمد بن قيس، قال: اشتكى رسول اللَّه - ﷺ - يوم الأربعاء لإحدى عشرة مضت من صفر، وهذا موافق لقول سليمان التيميّ المقتضي لأن أول صفر كان السبت.
وأما ما رواه ابن سعد من طريق عمر بن عليّ بن أبي طالب، قال: اشتكى رسول اللَّه - ﷺ - يوم الأربعاء لليلة بقيت من صفر، فاشتكى ثلاث عشرة ليلة، ومات يوم الاثنين لاثنتي عشرة مضت من ربيع الأول، فيرد على هذا الإشكال المتقدّم، وكيف يصحّ أن
[ ١٨ / ٢٣٨ ]
يكون أول صفر الأحد، فيكون تاسع عشرينه الأربعاء؟ والغرض أن ذا الحجة أوله الخميس، فلو فُرض هو والمحرم كاملين لكان أول صفر الاثنين، فكيف يتأخر إلى يوم الأربعاء؟، فالمعتمد ما قال أبو مِخْنف (^١)، وكأن سبب غلط غيره أنهم قالوا: مات في ثاني شهر ربيع الأول، فتغيرت، فصارت ثاني عشر، واستمرّ الوهم بذلك يتبع بعضهم بعضًا من غير تأمل. واللَّه أعلم.
وقد أجاب القاضي بدر الدين ابن جماعة بجواب آخر، فقال: يحمل قول الجمهور لاثنتي عشرة ليلة خلت، أي بأيامها، فيكون موته في اليوم الثالث عشر، ويفرض الشهور كوامل، فيصحّ قول الجمهور. ويعكر عليه ما يعكر على الذي قبله مع زيادة مخالفة اصطلاح أهل اللسان في قولهم: لاثنتي عشرة، فإنهم لا يفهمون منها إلا مضيّ الليالي، ويكون ما أرّخ بذلك واقعًا في اليوم الثاني عشر انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (^٢).
وقد عقد الحافظ أبو الفضل العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في آخر "ألفية السيرة" بابًا أفرده لذكر مرض النبي - ﷺ - ووفاته، فقال:
"باب ذكر مرضه، ووفاته - ﷺ -"
مَرِضَ فِي العَشْرِ الأَخِيرِ مِن صَفَرْ … أَقَامَ فِي شَكْوَاهُ ذَاكَ اثْنَي عَشَرْ
أَوْ عَشْرًا اوْ أَقَامَ أَربَع عَشْرَهْ … أَوْ فَثَلَاثَ عَشْرَةٍ قَدْ ذَكَرَهْ
كَذَا ابْنُ عَبدِ الْبَرِّ فِي رَبِيعِ … فِي يَوْمِ الاثْنَينِ لَدَى الْجَمِيعِ
وَفَاتُهُ إِما بِثَانِي الشهرِ … أَو مُستَهَلٍّ أَوْ بِثَانِي عَشْرِ
وَهوَ الذَي أَوْ رَدَهُ الْجُمْهُورُ … لَكِنْ عَلَيْهِ نَظَرٌ كَبِيرُ
لأَن وَقْفَةَ الْوَدَاعِ الْجُمُعَهْ … فلَا يَصِحُّ كَوْنُهَا فِيهِ مَعَهْ
وَقِيلَ بَل فِي ثَامِن بِالْجَزْمِ … وَهْوَ الذِي صَححَهُ ابْنُ حَزْمِ
وَكَانَ ذَاكَ عِنْدَ مَا اشتَدَّ الضُّحَى … أَو حِينَ زَاغَ الشَّمْسُ خُلْفٌ صُرِّحَا
غَسَلَهُ عَلِيٍّ وَالعَبَّاسُ … وَقُثَمٌ وَالْفَضْلُ ثُمَّ نَاسُ
أُسَامَةٌ شُقْرَانُ يَصْبُبَانِ … الْمَا وَأَوسٌ حَاضِرُ الْمَكَانِ
وَقِيلَ كانَ يَنْقُلُ الْمَاءَ لَهُ … وَإِنَّ عَمَّهْ لَمْ يُشَاهِدْ غَسْلُهُ
_________________
(١) -يعني قوله: مات في ثاني ربيع الأول.
(٢) - "فتح" ج ٨ ص ٤٧٣ - ٤٧٤.
[ ١٨ / ٢٣٩ ]
غُسِلَ مِن بِئْرِهِ بِئرِ غَرْسِ … وَلَمْ يُجَرَّدْ مِنْ قَمِيصِ اللَّبْسِ
يَدْلُكُهُ بِخِرقَةٍ عَليٌّ … مِن تَحْتِهِ وَهْوَ لَهُ وَلِيُّ
بِالمَاءِ وَالسِّدْرِ ثَلَاثًا غُسِلَا … وَفِي ثَلَاَثةِ ثِيَابٍ جُعِلَا
وَتِلْكَ بِيضٌ مِنْ سُحُولِ الْيَمَنِ … وَلَم يَكُنْ قَمِيصُهُ فِي الْكَفَنِ
وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ أَنْ قَدْ كُفِّنَا … فِي سَبْعَة وَبِالشُّذُوذِ وُهِّنَا
ثُمَّ أَتَى الرِّجَالُ فَوْجًا فَوْجَا … صَلَّوْا عَلَيْهِ وَمَضَوْا خُرُوجَا
ثُمَّ النِّسَاءُ بَعْدَهُمْ وَالصِّبْيَةُ … وَفِي حَدِيثٍ وَبِهِ جَهَالَةُ
صَلَّى عَلَيْهِ أَوْلًا جِبْرِيلُ … ثُمَّتَ مِيكَائِيلُ إِسْرَافِيلُ
ثُمَّ يَلِيهِ مَلَكُ المَوْتِ مَعَهْ … جُنُودُهُ المَلَائِكُ الْمُجتَمِعَهْ
وَقِيلَ مَا صَلَّوَا عَلَيهِ بَلْ دَعَوْا … وَانْصَرَفُوا وَذَا ضَعِيفْ وَرَوَوْا
عَنْ مَالِكٍ أَنْ عَدَدَ الصَّلَاةِ … تِسْعُونَ وَاثْنَانِ مِنَ الْمَرَّاتِ
وَلَيِسَ ذَا مُتَّصِلَ الإسْنَادِ … عَن مَالِكٍ فِي كُتُبِ النُّقَّادِ
وَدَفنُهُ فِي بُقْعَةِ الوَفَاةِ … لِخَبَرِ الصِّدِّيقِ بِالإِثْبَاتِ
وَدَخَلَ القَبْرَ الأولَى فِي الغَسْلِ … قِيلَ سِوَى أُسَامَةَ ابْنِ خَوْلِي (^١)
زَادَ ابْنُ سَعْدِ أَيْضًا ابنَ عَوْفِ … مَعَ عَقِيلٍ أَمِنُوا مِنْ خَوْفِ
وَفُرِشَتْ فِي قَبْرِهِ قَطِيفَةُ … وَقِيلَ أُخْرِجَتْ وَهَذَا أَثْبَتُ
وَلَحَدُوا لَحْدًا لَهُ وَنُصِبَتْ … عَلَيْهِ تِسْعُ لَبِنَاتٍ أُطْبِقَتْ
وَسَطَّحُوا مَع رَشِّهِمْ بِالْمَاءِ … وَاشتَرَكَ الأَنَامُ فِي الْعَزَاءِ
وَذَاكَ فِي لَيْلَةِ الأَرْبِعَاءِ … أَوْ قَبْلَهَا بِلَيْلَةٍ لَيْلَاءِ
وَقِيلَ يَوْمَ الْمَوْتِ بِالتَّعْجِيلِ … صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فِي الإِكْلِيلِ
وَفَسَّرَ الصِّدِّيقُ لِلصِّدِّيقَةِ … مَنَامَهَا أَنْ سَقَطَتْ فِي الْحُجْرَةِ
حُجْرَتِهَا ثَلَاَثةٌ أَقمَارَا … هَا خَيْرُ أَقْمَارِكِ حَلَّ الدَّرَا
_________________
(١) - وقوله: "الأولى" بمعنى "الذين" وقوله: "ابن خولي" بحذف عاطف، أي وابن خولي، وهو أوس بن خَوْليّ الأنصاريّ الخزرجيّ ..
[ ١٨ / ٢٤٠ ]
صَلَّى عَلَيْهِ رَبُّنَا وَسَلَّمَا … وَصَاحِبَيْهِ نُعِّمَا وَأَنْعَمَا
هُمَا الضَّجِيعَانِ مِنَ الأَقْمَارِ … قَدْ جَاوَرَا فِي اللَّحْدِ خَيْرَ جَارِ
ثُمَّ عَلَى عُثمَانَ مَعْ عَليِّ … وَسَائِرِ الأَصْحَابِ وَالْوَلِيِّ
واللَّه ﷾ أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…