١٦١٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيًّا، عَنْ زَيْدِ بْنِ ظَبْيَانَ، رَفَعَهُ إِلَى أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ -﷿-: رَجُلٌ أَتَى قَوْمًا، فَسَأَلَهُمْ بِاللَّهِ، وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ بِقَرَابَةٍ، بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، فَمَنَعُوهُ، فَتَخَلَّفَهُمْ رَجُلٌ بِأَعْقَابِهِمْ، فَأَعْطَاهُ سِرًّا، لَا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ، إِلاَّ اللَّهُ -﷿-، وَالَّذِى أَعْطَاهُ، وَقَوْمٌ سَارُوا لَيْلَتَهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ، مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ، نَزَلُوا، فَوَضَعُوا رُءُوسَهُمْ، فَقَامَ يَتَمَلَّقُنِي، وَيَتْلُو آيَاتِي، وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ، فَلَقُوا الْعَدُوَّ، فَانْهَزَمُوا، فَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ، حَتَّى يُقْتَلَ، أَوْ يُفْتَحَ لَهُ».
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن المثنّى) أبو موسى العَنَزيّ البصري، ثقة حافظ [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٢ - (محمد) بن جعفر غُندَر البصري، ثقة صحيح الكتاب [٩] ٢١/ ٢٢.
٣ - (شعبة) بن الحجّاج المذكور في السند الماضي.
٤ - (منصور) بن المعتمر الكوفي، ثقة ثبت [٦] ٢/ ٢.
٥ - (رِبْعيّ) بن حِرَاش، أبو مريم العَبْسيّ الكوفيّ، ثقة عابد مخضرم [٢] ٨/ ٥٠٨.
٦ - (زيد بن ظَبْيَان) -بفتح المعجمة، وسكون الباء الموحدة- الكوفيّ، مقبول [٢].
روى عن أبي ذَرّ. وعنه رِبْعيّ بن حِرَاش. روى له الترمذيّ، والنسائيّ حديث الباب فقط. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وأخرج هو، وابن خُزيمة حديثه في "الصحيح". تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، وأعاده في "كتاب الزكاة" برقم ٧٥/ ٢٥٧٠.
٧ - (أبو ذرّ) جُندب بن جُنَادة الغفاري الصحابي الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٢٠٣/ ٣٢٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
[ ١٧ / ٣٠٨ ]
الصحيح، غير زيد بن ظبيان، فتفرّد به المصنف، والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من منصور، والباقون بصريون. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة الذين يرون عنهم بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ زَيْدِ بنِ ظَبْيَانَ، رَفَعَهُ إِلَى أَبِي ذَرٍّ) أي نسب الحديث إلى أبي ذرّ الغفاريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: "ثَلَاَثة يُحِبُّهُمُ اللَّهُ -﷿-) زاد في الرواية الآتية في "الزكاة": "وثلاثة يُبغضهم اللَّه -﷿-" (رَجُلٌ) بدل تفصيل من ثلاثة، أو خبر لمحذوف، أي أحدهم رجل الخ، قال السنديّ -﵀-: ظاهره أن السائل أحد الثلاثة الذين يحبهم اللَّه، وليس كذلك، بل معطيه، فلا بدّ من تقدير مضاف، أي معطي رجل، وكذا قوله: "وقوم" بتقدير مضاف، أي وعابد قوم انتهى.
(أَتى قَومَا، فَسَأَلَهُمْ) حاجته (بِاللَّهِ، وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ بِقَرَابَةِ، بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ) يعني أن سؤاله لم يتسبب عن القرابة، وإنما هو سؤال مقرون بذكر اسم اللَّه تعالى، وفيه تعظيم اسم اللَّه تعالى (فَمَنَعُوهُ، فَتَخَلَّفَهُمْ رَجُلٌ بأعْقَابِهمْ) يقال: تخلّف عن القوم: إذا قعد عنهم، ولم يذهب معهم. قاله في "المصباح".
والمعنى أنه خرج رجل من بينهم، بحيث صار خلفهم في ظهورهم، فقوله: "بأعقابهم" بمعنى ظهورهم بمنزلة التأكيد لما يدلّ عليه قوله: "فتخلّفهم". وفي الرواية الآتية في "الزكاة": "فتخلفه" بإفراد الضمير (فَأَعْطَاهُ سِرًّا، لَا يَعْلَمُ بِعَطيَّتهِ، إِلا اللَّه -﷿-، وَالَّذِي أَعْطَاهُ) أي الشخص المُعْطَى (وَقَوْمٌ) إعرابه كإعراب "رجل" السابق، وهو أيضًا على حذف مضاف، أي وعابد قوم الخ (سَارُوا لَيْلَتَهُمْ، حَتى إِذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ، مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ) بالبناء للمفعول، أي مما يُجعل عَديلًا له، ومِثْلًا، ومساويًا في العادة (نَزَلُوا، فَوَضَعُوا رُءُوسَهُمْ) كناية عن نومهم (فَقَامَ يَتَمَلقُنِي) هذا حكايته كلام اللَّه تعالى في شأن ذلك العابد. أي قام يتودّد إليّ بأحسن ما يكون.
والمَلَق بفتحتين: الزيادة في التودّد، والدعاء، والتضرّع فوق ما ينبغي. قاله في "النهاية" (^١). وقال الفيومي: ومَلِقْتُهُ مَلَقًا، ومَلِقتُ له أيضًا: تَوَدَّدته، من باب تَعِبَ، وتَمَلَّقْتُ له كذلك انتهى (^٢).
_________________
(١) - "نهاية ابن الأثير" ج ٤ ص ٣٥٨.
(٢) - "المصباح المنير".
[ ١٧ / ٣٠٩ ]
(وَيَتْلُو آيَاتيْ) أي يقرأ القرآن (وَرَجُلٌ) هذا لا يحتاج إلى تقدير مضاف (كَانَ فِي سَرِيَّةِ) فعِيلة بمعنى فاعلة: القطعة من الجيش، سميت بذلك لأنها تَسري في خُفية، والجمع سَرَايَا، وسَرِيّات، مِثل عطيّة، وعَطَايَا، وعَطِيّات. قاله في "المصباح".
(فَلَقُوا الْعَدُوَّ، فَانْهْزَمُوا، فَأقْبَلَ بِصَدْرِهِ) تأكيد للإقبال؛ لأنه لا يكون إلا بالصدر (حَتَّى يُقْتَلَ) بالبناء للمفعول أي حتى يُسْتَشْهَد في سبيل اللَّه (أَوْ يُفْتَحَ لَهُ) أي بغلبته على العدوّ.
زاد في الرواية المذكورة: "والثلاثة الذين يُبغضهم اللَّه -﷿-: الشيخُ الزاني، والفقير المختالُ، والغني الظلوم" .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي ذرّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده زيد بن ظبيان، وهو مجهول الحال، لم يرو عنه غير رِبْعيّ بن حِرَاش؟.
[قلت]: زيد وثقه ابن حبان، وصحح حديثه هذا، وصححه أيضًا الترمذيّ [٢٥٦٨] وابن خزيمة [٢٤٥٦]، والحاكم [ج ٢ ص ١١٣]، ووافقه الذهبيّ، وهو كما قالوا، فقد رواه أحمد في "مسنده" [جـ٥ ص ١٧٦] قال:
٢١٠٢ - حدثنا يزيد، أخبرنا الأسود بن شيبان، عن يزيد أبي العلاء، عن مطرف بن عبد اللَّه بن الشخير، قال: بلغني عن أبي ذر حديث، فكنت أحب أن ألقاه، فلقيته، فقلت له: يا أبا ذر بلغني عنك حديث، فكنت أحب أن ألقاك، فأسألَك عنه، فقال: قد لقيت فأسأل، قال: قلت: بلغني أنك تقول: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: "ثلاثة يحبهم اللَّه -﷿-، وثلاثة يبغضهم اللَّه -﷿-"، قال: نعم، فما أَخَالني أكذب على خليلي محمد - ﷺ -، ثلاثا يقولها، قال: قلت: مَن الثلاثة الذين يحبهم اللَّه -﷿-؟، قال: "رجل غزا في سبيل اللَّه، فلقي العدو مجاهدا محتسبا، فقاتل حتى قتل، وأنتم تجدون في كتاب اللَّه -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]، ورجل له جار يؤذيه، فيصبر على أذاه، ويحتسبه حتى يكفيه اللَّه إياه بموت، أو حياة، ورجل يكون مع قوم، فيسيرون حتى يشق عليهم الكَرَى، أو النعاس، فينزلون في آخر الليل، فيقوم إلى وضوئه وصلاته"، قال: قلت: مَن الثلاثة الذين يبغضهم اللَّه؟، قال: "الفخور المختال، وأنتم تجدون في كتاب اللَّه -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]، والبخيل المنان، والتاجر، والبَيّاع الْحَلاّف"، قال: قلت: يا أبا ذر، ما المال؟ قال: فرق لنا وذود، يعني بالفرق غنما يسيرة، قال:
[ ١٧ / ٣١٠ ]
قلت: لست عن هذا أسأل، إنما أسألك عن صامت المال، قال: ما أصبح لا أمسى، وما أمسى لا أصبح، قال: قلت: يا أبا ذر مالك ولإخوتك قريش؟ قال: واللَّه لا أسألهم دنيا، ولا أستفتيهم عن دين اللَّه ﵎، حتى ألقى اللَّه ورسوله، ثلاثا يقولها. وهذا إسناد صحيح، يشهد للأول.
والحاصل أن حديث أبي ذرّ - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور في الباب صحيح. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-٧/ ١٦١٦ و٧٥/ ٢٥٧٠ وفي "الكبرى" ١٣/ ١٣١٤ - بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (ت) ٢٥٦٨ (أحمد) ٥/ ١٥٣ (ابن خزيمة) ٢٤٥٦ (ابن حبان) ٣٣٤٩. (الحاكم) ٢/ ١١٣. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، فضل صلاة الليل في السفر. ومنها: استحباب التملّق للَّه تعالى بتلاوة القرآن، والدعاء، والتضرّع. ومنها: إثبات صفة المحبة للَّه تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، ومثله صفة البغض. ومنها: فضل صدقة السرّ. ومنها: فضل القتال عند إنهزام الجيش، والمصابرة على العدوّ حتى يُستشهد، أو يأتي الفتح من اللَّه تعالى.
ومنها: كون الزنى من الشيخ العاجز أقبح من غيره، وإنما كان كذلك، لضعف دواعيه، حيث كانت شهوته ضعيفة، فيدل على أن الحامل له عليه مجرد عدم المبالاة بالمحرّمات، ومثله الفقير المختال، أي المتكبر، والغني الظلوم، فما حمل هؤلاء على هذه المعاصي إلا مجرّد الاستهانة بأمر اللَّه تعالى ونهيه، حيث كانت الأسباب الداعية لهم إلى الوقوع في المعاصي ضعيفة، فاستحقّوا البغض من اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١٧ / ٣١١ ]