قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بهذه الترجمة بيان فضل الموت غريبًا عن وطنه، ومكان ولادته، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٨٣٢ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حُيَيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ (^١) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: مَاتَ رَجُلٌ بِالْمَدِينَةِ، مِمَّنْ وُلِدَ بِهَا، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، ثُمَّ قَالَ: «يَا لَيْتَهُ مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلِدِهِ». قَالُوا: وَلِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلِدِهِ، قِيسَ لَهُ مِنْ مَوْلِدِهِ، إِلَى مُنْقَطَعِ أَثَرِهِ فِي الْجَنَّةِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يونس بن عبد الأعلى) أبو موسى الصَّدَفيّ المصريّ، ثقة، من صغار [١٠] ١/ ٤٤٩.
٢ - (ابن وهب) هو عبد اللَّه المصري الحافظ الثبت [٩] ٩/ ٩.
٣ - (حُيَيّ) -بضم أوله، ويائين من تحتُ الأولى مفتوحة- ابن عبد اللَّه بن شُريح المعافري الحُبُليّ، أبو عبد اللَّه المصريّ، صدوق يَهِم [٦].
قال أحمد: أحاديثه مناكير. وقال البخاري: فيه نظر. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ.
وقال ابن معين: ليس به بأس. وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به إذا روى عنه ثقة.
_________________
(١) - "الحبلي" بضمتين: نسبة إلى بني الحُبُلَى حيّ من اليمن. ووقع في "الكبرى" "الخشني" بدل الحبلي، وهو تصحيف.
[ ١٨ / ٢٤١ ]
وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن يونس: توفي سنة (١٤٣) روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا، وفي "كتاب الاستعاذة" برقم ٥٤٧٧ و٥٤٨٩ و٥٤٩٠ حديث: "اللَّهم إني أعوذ بك من غلبة الدين … " الحديث.
٤ - (أبو عبد الرحمن الحُبُليّ) عبد اللَّه بن يزيد المعافريّ المصريّ، ثقة ٦٠/ ١٣٠٣.
٥ - (عبد اللَّه بن عمرو) بن العاص - ﵄ - ٨٩/ ١١١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المصريين. ومنها: أن صحابيه أحد العبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) - ﵁ -، أنه (قَالَ: مَاتَ رَجُلٌ بِالمَدِينَةِ، مِمَّنْ وُلدَ بَها) ووقع في "الكبرى" "سنة وُلد بها" وهو تصحيف (فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، ثُمَّ قَالَ: "يَا لَيْتَهُ مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلِدِهِ) قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: لعله - ﷺ - لم يرد بذلك يا ليته مات بغير المدينة، بل أراد يا ليته كان غريبًا مهاجرًا بالمدينة، ومات بها، فإن الموت في غير مولده فيمن مات بالمدينة كما يتصوّر بأن يولد في المدينة، ويموت في غيرها كذلك يتصوّر بأن يولد في غير المدينة، ويموت بها، فليكن التمنّي راجعًا إلى هذا الشقّ، حتى لا يُخالف الحديث حديثَ فضل الموت بالمدينة المنوّرة انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن ظاهر الحديث ينافي التأويل المذكور، لأنه - ﷺ - تمنّى لرجل وُلد بالمدينة، ومات بها أن يموت غريبًا منها، فتأويله بأن يراد أن يولد بغير المدينة، ويموت بها بعيد، بل الأولى أن يقال: حديث فضل الموت بالمدينة أقوى منه، فيقدّم عليه، كما سيأتي الكلام عليه في المسألة الأولى قريبًا إن شاء اللَّه تعالى.
(قَالُوا: وَلِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) أي لأيّ شيء تمنيت له الموت في غير مولده؟
(قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ بغَيْرِ مَوْلِدِه، قِيسَ لَهُ) أي قُدِّر له (مِنْ مَوْلِدِهِ) أي محلّ ولادته (إلَى مُنْقَطَعِ أَثَرِهِ) "المُنقطعَ" بضم الميم، وفتح القاف، بصيغة اسم المفعول: وقت الانقطاع، ومحله، و"الأثر" بفتحتين: الأجل، سمي به لأنه يتبع العمر، قال زُهير [من البسيط]:
وَالْمَرْءُ مَا عَاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَمَلُ … لَا يَنْتَهِي الْعُمْرُ حَتَّى يَنْتَهِي الأَثَرُ
_________________
(١) - "شرح السندي" ج ٤ ص ٨.
[ ١٨ / ٢٤٢ ]
قاله في "اللسان" أي إلى موضع محلّ قطع أجله، ذكره الطيبيّ. قال السنديّ: ويحتمل أن المراد إلى منتهى سفره، ومشيه (فِي الْجَنَّةِ) متعلق بـ "قيس"، وظاهره أنه يعطى له في الجنة هذا المقدار، لأجل موته غريبًا. وقيل: المراد أنه يُفسح له في قبره بهذا المقدار، لكن احتمال النصّ لهذا المعنى بعيد، فالاحتمال الأول هو الصواب.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد اللَّه بن عمرو - ﵁ - هذا ضعّفه المصنف، ونصه في "الكبرى": قال لنا أبو عبدالرحمن: حُيي بن عبد اللَّه ليس ممن يُعتمد عليه، وهذا الحديث عندنا غير محفوظ، واللَّه أعلم، لأن الصحيح عن النبيّ - ﷺ -: "من استطاع منكم أن يموت بالمدينة، فإني أشفع لمن مات بها" انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث الذي ذكره أخرجه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه بإسناد صحيح عن ابن عمر - ﵄ -، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "من استطاع أن يموت بالمدينة، فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث أيوب السختياني. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٨/ ١٨٣٢ - و"الكبرى" ٨/ ١٩٥٨ وأخرجه (ق) ١٦١٤ (أحمد) ٦٦١٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
_________________
(١) - راجع "الكبرى" ج ١ ص ٦٠٣.
[ ١٨ / ٢٤٣ ]