أي باب ذكر الأحاديث الدالّة على الأذكار التي يُستحبّ افتتاح صلاة الليل بها.
١٦١٧ - أَخْبَرَنَا عِصْمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ
_________________
(١) - "المرعاة" ج ٤ ص ١٩٥.
[ ١٧ / ٣١٤ ]
صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَزْهَرُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، بِمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، يَسْتَفْتِحُ قِيَامَ اللَّيْلِ؟، قَالَتْ: لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ، مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، يُكَبِّرُ عَشْرًا، وَيَحْمَدُ عَشْرًا، وَيُسَبِّحُ عَشْرًا، وَيُهَلِّلُ عَشْرًا، وَيَسْتَغْفِرُ عَشْرًا، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي، وَعَافِنِي، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ضِيقِ الْمَقَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عِصمة بن الفضل) النُّمَيريّ -بضم النون-، أبو الفضل النيسابوريّ، نزيل بغداد، ثقة [١١].
روى عن زيد بن الْحُبَاب، ويحيى بن آدم، وحسين الجعفيّ، وغيرهم. وعنه النسائيّ، وابن ماجه، والدارميّ، وأبو حاتم، وغيرهم. قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال مسلمة بن القاسم: لا بأس به. وروى عنه بَقِيّ بن مَخْلَد، ولا يروي إلا عن ثقة. تفرد به المصنّف، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم (١٦١٧) و(٣١١٧) و(٤٦٧٢).
٢ - (زيد بن الْحُبَاب) العُكليّ، أبو الحسين الكوفي، صدوق [٩] ٣٣/ ٣٧.
٣ - (معاوية بن صالح) الحمصي، صدوق له أوهام [٧] ٥٠/ ٦٢.
٤ - (الأزهر بن سعيد) الْحَرَازيّ (^١) -بمهملة، وراء خفيفة، وبعد الألف زاي- الحمصيّ، صدوق [٥].
روى عن أبي أمامة الباهليّ، وعبد الرحمن بن السائب، وعاصم بن حُمَيد السَّكُوني، وغيرهم. وعنه معاوية بن صالح، ومحمد بن الوليد الزُّبَيديّ. قال ابن سعد: كان قليل الحديث، مات سنة (١٢٩) وقال ابن أبي عاصم: سنة (٢٨). قال الحافظ: أكثرهم على أن أزهر بن عبد اللَّه الحَرَازيّ هو أزهر بن سعيد الحَرَازيّ. قال البخاريّ: أزهر بن
عبد اللَّه، وأزهر بن سعيد، وأزهر بن يزيد واحد، نسبوه مرة مراديًا، ومرّة هَوْزَنيّا، ومرة حَرَازيّا، ووافقه جماعة على ذلك. وثقه العجليّ، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، لكنه فرق بين أزهر بن سعيد، وبين أزهر بن عبد اللَّه. وقال النسائي في "كتاب الاستعاذة" ٦٣/ ٥٥٣٥ - يقال: له: الحرازيّ شاميّ عزيز الحديث.
وقال ابن الجارود في كتاب "الضعفاء": كان يسبّ عليّا. وقال أبو داود: إني لأُبغض
_________________
(١) - الحَرَازي" بفتح الحاء المهملة، وتخفيف الراء- نسبة إلى حَرَاز بوزن سحاب بطن من ذي الكلاع. وقيل: مِخلاف باليمن قرب زَبيد، سمي باسم بطن من حمير.
[ ١٧ / ٣١٥ ]
أزهر الحرازيّ، ثم ساق بإسناده إلى أزهر، قال: كنت في الخيل الذين سَبَوا أنس بن مالك، فأتينا به الحجّاج وذكر ابن الجوزيّ، عن الأزديّ، قال: يتكلمون فيه. قال الحافظ: لم يتكلّموا إلا في مذهبه. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وأعاده في "كتاب الاستعاذة" برقم (٥٥٣٥) وحديث رقم (٤٨٧٤).
٥ - (عاصم بن حُمَيد) السكوني الحمصيّ، صدوق مخضرم [٢] ١٠٢/ ١٠٤٩.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين غير شيخه، فنيسابوريّ، ثم بغداديّ، وزيد بن الحباب، فكوفيّ، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فمدنيّة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَاصِم بْنِ حُمَيْدٍ) السكونيّ، أنه (قَالَ:، سَأَلْتُ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (بِمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) "ما" استفهامية، ولم تحذف ألفها مع كونها مجرورة على قلّة، وفي نسخة: "بما كان يستفتح قيام الليل؟ -يعني النبي - ﷺ - (يَسْتَفْتِحُ) السين، والتاء زائدتان للتوكيد. ولفظ أبي داود: بأيّ شيء كان يفتتح رسول اللَّه - ﷺ - قيام الليل؟ (قِيَامَ اللَّيْلِ؟) أي صلاة الليل، ففيه إطلاق العام الذي هو قيام الليل، وإرادة الخاصّ، وهو الصلاة.
(قَالَتْ: لَقَدْ سأَلْتَني عَنْ شَيْءِ، مَا سأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ) جملة معترضة بين السؤال والجواب، والغرض منه تحسين السؤال، وتنشيط السائل بالثناء عليه (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، يكَبِّرُ عَشْرًا) قال السندي -﵀-: أي مع تكبيرة التحريم، أو بعده، وأما أنه كان يقول قبل الشروع في الصلاة فبعيد انتهى. (وَيَحْمَدُ عَشْرًا، وَيسَبِّحُ عَشْرًا، وَيُهَلِّلُ عَشْرًا، وَيَسْتَغْفِرُ عَشْرًا) تعني أنه - ﷺ - كان إذا قام إلى الصلاة ليلًا، وكبّر تكبيرة الإحرام، قال: "اللَّه أكبر" عشرًا، "والحمد للَّه" عشرًا، "وسبحان اللَّه" عشرًا، و"لا إله إلا اللَّه" عشرًا، و"أستغفر اللَّه" عشرًا (وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي، وَعَافِنِي) أي من البلاء الحسيّ والمعنويّ في الدنيا والآخرة (أَعُوذُ بِاللَّهِ) أي أتحصّن باللَّه تعالى، وألتجىء إليه (مِنْ ضِيقِ الْمَقَام) من ضاق الشي ضَيقًا، من باب سارَ، والاسم الضِّيق بالكسر:
[ ١٧ / ٣١٦ ]
خلاف اتسع. و"المقام" بفتح الميم: محلّ القيام (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) دل الحديث على أنه يستحب افتتاح صلاة الليل بهذه الأذكار .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-٩/ ١٦١٧ - وفي "الكبرى" ١٥/ ١٣١٧ - بالإسناد المذكور، وفي ٦٣/ ٥٥٣٥ - عن إبراهيم بن يعقوب، عن زيد بن الْحُباب به. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) ٧٦٦ (ق) ١٣٥٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦١٨ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَالأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الأَسْلَمِيِّ، قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ عِنْدَ حُجْرَةِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، يَقُولُ: «سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»، الْهَوِيَّ، ثُمَّ يَقُولُ: «سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ»، الْهَوِيَّ.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزيّ الملقّب بشاه، راوية ابن المبارك، ثقة [١٠] ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد اللَّه) بن المبارك الحنظليّ المروزي الإمام الحجة الثبت [٨] ٣٢/ ٣٦.
٣ - (معمر) بن راشد، أبو عروة اليمنى، ثقة ثبت [٧] ١٠/ ١٠.
٤ - (الأوزاعيّ) عبد الرحمن بن عَمْرو الدمشقيّ، ثقة إمام [٧] ٤٥/ ٥٦.
٥ - (يحيى بن أبي كثير) اليمامي، ثقة ثبت مُدلّس [٥] ٢٣/ ٢٤.
٦ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف المدني، ثقة فقيه [٣] ١/ ١.
٧ - (ربيعة بن كعب الأسلميّ) أبو الفِرَاس المدني، صحابيّ من أهل الصّفّة - رضي اللَّه تعالى عنه - ١٦٩/ ١١٣٨. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرد به هو والترمذي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ.
[ ١٧ / ٣١٧ ]
(ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند مسلم، وأصحاب السنن. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ رَبيعَةَ بنِ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيّ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ) وعند أحمد "كنتَ أنام" (عِنْدَ حُجْرَةِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أي عند باب الحُجْرة التي فيها النبي - ﷺ -، وتقدم في ١٦٩/ ١١٣٨ قال: "كنت آتي رسول اللَّه - ﷺ - بوَضُوئه، وبحاجته، فقال … ". وفي رواية لأحمد: قال: كنت أخدم رسول اللَّه - ﷺ -، وأقوم له في حوائجه، نهاري أجمع، حتى يصلي رسول اللَّه - ﷺ - العشاء الآخرة، فأجلس ببابه، إذا دخل بيته، أقول: لعلها أن تحدث لرسول اللَّه - ﷺ - حاجة، فما أزال أسمعه، يقول رسول اللَّه - ﷺ -: "سبحان اللَّه سبحان اللَّه، سبحان اللَّه، وبحمده، حتى أَمَلَّ، فأرجع، أو تغلبني عيني، فأرقد … وقد تقدّم بطوله في ١٦٩/ ١١٣٨.
(فَكُنْتُ أَسْمَعُه) بصيغة المتكلّم، والضمير المنصوب للنبي - ﷺ - (إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ) "من" بمعنى "في"، أو هي للتبعيض، أي قام يصلى في الليل، والظاهر أنه يقول ذلك بعد الدخول في الصلاة (يَقُولُ: "سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"، الهَويَّ) بفتح الهاء، وكسر الواو، وتشدّد الياء، والنصب على الظرفية، قال: في "النهاية": "الْهَويُّ: الحيُن الطويلُ من الزمان، وقيل: مختصّ بالليل. (ثم يَقُولُ. "سُبْحَانَ اللَّهِ وَبحَمْدِهِ"، الْهَوِيَّ) وفي رواية لأحمد فكنت أسمعه إذا قام من الليل، يصلي، يقول: "الحَمد للَّه رب العالمين" الهَويّ، قال: ثم يقول: "سبحان اللَّه العظيم وبحمده" الهويّ. وفي رواية له. أيضًا: كنت أبيت عند باب رسول اللَّه - ﷺ -، أعطيه وَضوءه، فأسمعه بعد هَوِيّ من الليل، يقول: "سمع اللَّه لمن حمده"، وأسمعه بعد هَويّ من الليل يقول: "الحمد للَّه رب العالمين" (^١) واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه مسلم، وتقدم في ١٦٩/ ١١٣٨ - وتقدم تخريجه هناك، فراجعه، تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦١٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَحْوَلِ، يَعْنِي سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، يَتَهَجَّدُ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ،
_________________
(١) - انظر "المسند" ج ٤ ص ٥٧.
[ ١٧ / ٣١٨ ]
وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ حَقٌّ، وَوَعْدُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ، لَكَ أَسْلَمْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ». ثُمَّ ذَكَرَ قُتَيْبَةُ كَلِمَةً، مَعْنَاهَا: «وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ».
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيية بن سعيد) تقدم قبل بابين.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة المثبت [٨] ١/ ١.
٣ - (سُليمان بن أبي مسلم الأحول) المكي، خال ابن أبي نَجيح، قيل: اسم أبيه عبد اللَّه، ثقة [٥].
روى عن طاوس، وعطاء، ومجاهد، وغيرهم. وعنه ابن جريج، وشعبة، وابن عيينة، وغيرهم.
وثقه ابن عيينة، وأحمد، وابن معين، وأبو حاتم، وأبو داود، والنسائي، والعجليّ، وابن وضّاح، وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا، وحديث رقم (٢٩٢٠) وأعاده برقم (٢٩٢١) و(٣٨١٠) و(٣٨١١) وحديث رقم (٥٦٥٠).
٤ - (طاوس) بن كيسان اليماني، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٧/ ٣١.
٥ - (ابن عباس) الحبر البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ -، إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ) في رواية مالك، عن أبي الزبير، عن طاوس: "إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل"، وظاهر السياق أنه كان يقوله أولَ ما يقوم إلى الصلاة، وترجم عليه ابن خزيمة "الدليل على أن النبي - ﷺ - كان يقول هذا التحميد بعد أن يكبر"، ثم ساقه من طريق قيس بن
[ ١٧ / ٣١٩ ]
سعد، عن طاوس، عن ابن عبّاس - ﵄ -، قال: "كان رسول اللَّه - ﷺ - إذا قام للتهجّد، قال بعد ما يكبّر: "اللهم لك الحمد" (^١).
ولأبي داود من هذا الوجه: أن رسول اللَّه - ﷺ - كان إذا قام للتهجّد قال بعد ما يقول: "اللَّه أكبر … ".
(يَتَهَجَّدُ) أي يَسهَر بصلاة، قال الفيّومي: هَجَدَ هجُودًا، من باب قَعَد: نام بالليل، فهو هاجد، والجمع هُجُود، مثل راقد، ورُقُود، وقاعد، وقعود، وواقف، ووُقُوف، وهُجَّد أيضا مثل رُكَّع، وهَجَد أيضًا: صلى بالليل، فهو من الأضداد، وتهجّد: نام، وصلى، كذلك انتهى.
وقال في "الفتح": وتفسير التهجّد بالسَّهَر معروف في اللغة، وهو من الأضداد، يقال: تهجّد: إذا سَهِرَ، وتهجّد: إذا نام، حكاه الجوهريّ وغيره. ومنهم من فرّق بينهما، فقال: هَجَدتُ: نِمْتُ، وتهجّدتُ: سَهِرتُ، حكاه أبو عبيدة، وصاحب "العين"، فعلى هذا الهُجُود النوم، ومعنى تهجدت: طرحت عنّي النوم. وقال الطبريّ: التهجد السهَرُ بعد نومة، ثم ساقه عن جماعة من السلف. وقال ابن فارس المتهجّد المصلي ليلًا. وقال كراع: التهجّد صلاة الليل خاصّة انتهى (^٢).
(قَالَ:) جملة في موضع نصب خبر "كان"، و"إذا" لمجرد الظرفية، أي كان - ﵇ - عند قيامه من الليل، متهجدًا، يقول. وقال الطيبيّ: الظاهر أن "قال" جواب "إذا"، والجملة الشرطية خبر "كان" انتهى. (اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ) قَدَّمَ الخبرَ للدلالة على التخصيص (أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ) أي منوّرهما، وبك يَهتدي من فيهما. وقيل: المعنى أنت المنزّه عن كلّ عيب، يقال: فلان مُنَوَّر، أي مبرّأ من كلّ عيب، ويقال: هو اسم مدح، تقول: فلان نُورُ البلد، أي مزيّنه.
قاله في "الفتح". وقال القرطبيّ: أي منوّرهما في قول الحسن، دليله قراءة عليّ - ﵁ - "اللَّه نَوّرَ السموات" بفتح النون، والواو مشدّدة، وقال ابن عباس - ﵄ -: هادي أهلهما، وقال مجاهد: مُدبّرهما، وقيل. هو المنزّه في السموات والأرض من كلّ عيب، من قول العرب: امرأة نَوارة، أي مبرّأة من كلّ ريبة. وقيل: اسم مدح، يقال: فلان نُور البلد، وشمس الزمان، كما قال النابغة: [من الطويل]
فَإِنَّكَ شَمْسٌ وَالْمُلُوكُ كَوَاكِبُ … إِذَا طَلَعَتْ لَمْ يَبْدُ مِنْهُنَّ كَوْكَبُ
وقال الآخر: [من الطويل]
_________________
(١) - "فتح" ج ٣ ص ٣٠٦.
(٢) - "فتح" ج ٣ ص ٣٠٦.
[ ١٧ / ٣٢٠ ]
إَذَا سَارَ عَبْدُ اللَّهِ فِي مَرْوَ لَيلَةَ … فَقد سَارَ فِيهَا نُورُهَا وَجَمَالُهَا
وقال أبو العالية. مُزَيِّن السموات بالشمس، والقمر، والنجوم، ومزيّن الأرض بالأنبياء، والأولياء، والعلماء. انتهى (^١).
ولفظ، "الكبرى"، وهي رواية لمسلم: "أنت رب السموات والأرض" بدل "نور السموات الخ": أي مصلحهما، ومصلح مَن فيهما، مْأخوذ من الرّبّة، وهي نبت تصلح عليه المواشي، يقال: ربّ يرُبّ رَبّا، فهو رابّ، وربّ، ورَبَّى يرَبِّي تَرْبية، فهو مربّ، قال النابغة: [من الطويل]
وَرَبَّ عَلَيْهِ اللَّهُ أَحَسَنَ صُنْعَهُ
وقال آخر: [من الطويل]
يَرُبُّ الَّذِي يَأتِي مِنَ الْخَيْرِ أَنَّهُ … إِذَا فَعَلَ الْمَعرُوفَ زَادَ وَتَمَّمَا
والربّ أيضا السيّد، فيكون معناه أنه سيد من في السموات والأرض. والربّ المالك: أي هو مالكهما، ومالك من فيهما. قاله في "المفهم".
(وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ) قَيّام على المبالغة، من قام بالشيء: إذا هيّأ له ما يحتاج إليه، ويقال. قَيُّوم، وقَيّام، وقَيِّم، وقرأ عمر: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وعلقمةُ. القيّم. وقال قتادة: هو القائم بتدبير خلقه، وقال الحسن: القائم على كلّ نفس بما كسبت، وقال ابن جُبير. الدائم الوجود، وقال ابن عباس: الذي لا يحول، ولا يزول. قاله في "المفهم".
وفي "المرعاة": أي القائم بأمرِ وتدبيرِ السماوات والأرض وغيرها. وفي رواية "قيّم، وفي أخرى "قيّوم"، وهي من أبنية المبالغة، وهي من صفات اللَّه تعالى، ومعناها واحد. وقيل: "القيّم": معناه القائم بأمور الخلق، ومدبّر العالم في جميع أحواله، و"القيّام": القائم بنفسه، بتدبير خلقه المقيم لغيره، و"القيّوم": من أسماء اللَّه تعالى المعدودةِ، وهو القائم بنفسه مطلقًا، لا بغيره، وهو مع ذلك يقوم به كلّ موجود حتى لا يتصوّر وجود شيء، ولا دوام وجوده إلا به انتهى.
وهذه الجملة تعليل للحمد، فكأنه يقول: إنما حمدتك، لأنك أنت الذي تقوم بحفظ المخلوقات، وتراعيها، وتؤتي كل شيء ما به قوامه، وما به يَنتفع إلى غير ذلك، وتكرير الحمد المُخَصَّص للاهتمام بشأنه، ولِيُنَاط به كلَّ مرة معنى آخر.
(وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) بكسر اللام، أي المتصرّف فيهما
_________________
(١) -"المفهم" ج ٢ ص ٣٩٦ - ٣٩٧.
[ ١٧ / ٣٢١ ]
تصرّفا كليّا، مُلكًا، ومِلكًا، ظاهرا وباطنا، لا نزاع في مُلكه، ولا شريك له في مِلكه.
(وَمَنْ فِيهِنَّ) عبّر بـ "من" تغليبًا للعقلاء، لشرفهم، وإلا فهو ربّ كلّ شيء، ومليكه (وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ حَقٌّ) أي المتحقق الوجود الثابت بلا شكّ. وقال القرطبي: أي واجب الوجود، وأصله من حَقَّ الشيء: إذا ثبتَ، ووجبَ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ الآية [الزمر: ١٩]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ الآية [السجدة: ١٣]، أي ثَبَت، ووجب.
وهذا الوصف للَّه ﷾ بالحقيقة والخصوصية، لا ينبغي لغيره، إذ وجوده لنفسه، فلم يسبقه عدم، ولا يلحقه عدم، وما عداه ممن يقال عليه هذا الاسم، مسبوق بعدم، ويجوز عليه لَحَاق العدم، ووجوده من مُوجده، لا من نفسه، وباعتبار هذا المعنى كان أصدقَ كلمة قالها الشاعر كلمةُ لبيد: [من الطويل]
أَلَا كُلُّ شَيْء مَا خلَا اللَّهَ بَاطِلُ
وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨] انتهى. وقال ابن التين: يحتمل أن يكون معناه. أنت الحقّ بالنسبة إلى من يدّعى فيه أنه إله، أو بمعنى أن من سمّاك إلها فقد قال الحق انتهى.
(وَوَعْدُكَ حَقٌّ) أي صادق لا يمكن التخلّف فيه، وفي رواية البخاري: "ووعدك الحقّ" بالتعريف، قال في "الفتح": وعرّفه، ونكّر ما بعده، لأن وعده مختصّ بالإنجاز، دون وعد غيره، والتنكير في البواقي للتعظيم قاله الطيبيّ. زاد في رواية الشيخين "ولقاءك حقّ" وهو عبارة عن مآل الخلق في الدار الآخرة بالنسبة إلى الجزاء على الأعمال، وفيه الإقرار بالبعث بعد الموت. وقيل معنى "لقاؤك حقّ": أي الموت، وأبطله النووي. وزاد أيضًا: "وقولك حقّ" أي مدلوله ثابت.
(وَالجَنَّةُ حَقٌّ) هذا وما بعده داخل تحت الوعد، لكن الوعد مصدر، وما بعده هو الموعود به، ويحتمل أن يكون من عطف الخاصّ على العامّ (وَالنَّارُ حَقٌّ) فيه إشارة إلى أن الجنة والنار موجودتان الآن (وَالسَّاعَةُ حَقٌّ) أي يوم القيامة آتية لا ريب فيها، وأصل "الساعة" القطعة من الزمان، لكن لما لم يكن هناك كواكب تُقدَّر بها الأزمان، سمّيت بذلك.
وإطلاق اسم الحقّ على هذه الأمور كلها معناه أنها لابدّ من كونها، وأنها مما ينبغي أن يصدق بها، وتكرارُ الحقّ في تلك المواضع على جهة التأكيد، والتفخيم، والتعظيم لها انتهى. (وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ) - ﷺ - (حَقٌّ) خصّه بالذكر تعظيما له، وعطفه على النبيين إيذانًا بالتغاير بأنه فائق عليهم بأوصاف مختصّة به، فإن تغاير الوصف ينزّل منزلة تغاير الذات.
(لَكَ أَسْلَمْتُ) أي انقدت، وخضعت (وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ) أي فوضت أمري إليك، لا
[ ١٧ / ٣٢٢ ]
إلى الأسباب العاديّة، وإن كنتُ آخذا بها، فإن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، وإنما ينافيه الاعتماد عليها (وَبِكَ آمنْتُ") أي صدّقت بك، وبكلّ ما أخبرت، وأمرت، ونهيت. زاد في رواية الشيخين: "وإليك أنبت"، أي أطلعت، ورجعت إلى عبادتك، أي أقبلت عليها، وقيل: معناه رجعت إليك. قاله النووي -رحمه اللَّه تعالى-. قال المصنف -﵀- (ثُمَّ) بعد أن ذكر هذه الأشياء (ذَكَرَ قُتَيْبَةُ كَلِمَةً) الظاهر أن المراد بالكلمة الجمل الآتية (مَعْنَاهَا: "وَبِكَ خَاصَمْتُ) أي بما أعطيتني من البراهين والقوّة، وبما لقّنتني من الحجج خاصمت من عاند فيك، وكفر بك، وقمعتُهُ بالحجة والسيف (وَإلَيْكَ حَاكَمْتُ) أي رفعت أمري إليك، والمحاكمة رفع الأمر إلى القاضي. وقال النووي -﵀-: أي كلُّ من جحد الحقّ حاكمته إليك، وجعلتك الحَكَم بيني وبينه، لا غيرك، مما كانت تتحاكم إليه الجاهلية، وغيرهم، من صنم، وكاهن، ونار، وشيطان، وغيرها، فلا أرضى إلا بحكمك، ولا أعتمد غيره انتهى.
وقال في "الفتح": قدّم مجموع صلات هذه الأفعال عليها إشعارًا بالتخصيص، وإفادةً للحصر، وكذا قوله: "ولك الحمد" انتهى.
(اغْفِرْ لِي) وفي رواية الشيخين: "فاغفر لي"، قال ذلك مع كونه مغفورًا له إما على سبيل التواضع، والهضم لنفسه، وإجلالا، وتعظيمًا لربّه، أو على سبيل التعليم لأمته، لتقتدي به فيه، كذا قيل. والأولى أنه لمجموع ذلك، وإلا لو كان للتعليم فقط لكفى فيه أمرهم بأن يقولوا ذلك. أفاده في "الفتح" (مَا قَدَّمْتُ) أي قبل هذا الوقت (وَمَا أَخَّرْتُ) عنه (وَمَا أَعْلَنْتُ) هكذا نسخ "المجتبى" ليس فيها "وما أسررت"، والذي في "الكبرى":
"وما أسررت، وما أعلنت"، وهو الذي في "الصحيحين" وغيرهما، والظاهر أنه سقط سهوًا من بعض نُسّاخ "المجتبى". واللَّه تعالى أعلم.
والمعنى: اغفر لي ما أخفيت، وما أظهرت، أو ما حدّثتُ به نفسي، وما تحرّك به لساني، زاد في رواية عند البخاري: "وما أنت أعلم به مني"، وهو من ذكر العام بعد الخاصّ.
(أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ) قال المهلّب. أشار بذلك إلى نفسه؛ لأنه المقدَّم في البعث في الآخرة، والمؤخَّر في البعث في الدنيا. انتهى. وقال القاضي عياض -﵀-: قيل: معناه المنزِّل للأشياء منازلها، يقدّم ما يشاء، ويؤخّر ما يشاء، ويُعزّ من يشاء، وُيذلّ من يشاء، وجعل عباده بعضهم فوق بعض درجات. وقيل: هو بمعنى الأول، والآخر، إن كلّ متقدّم على متقدّم فهو قبله، وكلّ متأخّر على متأخر فهو بعده، ويكون المقدم والمؤخّر بمعنى الهادي، والمضلّ، قدّم من شاء لطاعته، لكرامته، وأخر من
[ ١٧ / ٣٢٣ ]
شاء بقضائه، لشقاوته انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المعنى الأول مما ذكر عياض -﵀- هو الأظهر عندي. واللَّه تعالى أعلم.
قال الكرماني -﵀-: هذا الحديث من جوامع الكلم؛ لأن لفظ "القيّم" إشارة إلى أن وجود الجواهر وقوامها منه، و"النور" إشارة إلى أن الأعراض أيضا منه، و"الملك" إشارة إلى أنه حاكم عليها إيجادًا وإعدامًا، يفعل ما يشاء، وكلّ ذلك من نعم اللَّه على عباده، فلهذا قَرَن كلاّ منها بالحمد، وخصّص الحمد به. ثم قوله: "أنت الحقّ" إشارة إلى المبدإ، والقول ونحوه إلى المعاش، والساعة ونحوها إشارة إلى المعاد، وفيه الإشارة إلى النبوّة، وإلى الجزاء ثوابًا وعقابًا، ووجوب الإيمان، والإسلام، والتوكل، والإنابة، والتضرّع إلى اللَّه، والخضوع له انتهى.
(لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ) أي لا معبود بحقّ إلا أنت الواحد الأحد الصمد (وَلَا حَوْلَ وَلَا قوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ") قيل معناه. لا حول عن المعصية، ولا قوّة على الطاعة، إلا بتوفيق اللَّه. قاله الفيومي.
[تنبيه]: ظاهر سياق المصنف -رحمه اللَّه تعالى- أن قوله: "ولا حول، ولا قوّة، إلا باللَّه" من رواية سفيان، عن سليمان الأحول، وليس كذلك، فإن البخاري -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- قال بعد أن أخرج الحديث من طريق سفيان، عن سليمان، عَقِبَ قوله: "لا إله إلا أنت"، أو "لا إله غيرك": ما نصّه: قال سفيان: وزاد عبد الكريم أبو أمية: "ولا حول، ولا قوة إلا باللَّه" انتهى.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا موصول بالإسناد الأول، ووَهِمَ من زعم أنه معلّق، وقد بيّن ذلك الحميديّ في "مسنده" عن سفيان، قال: "حدثنا سليمان الأحول خال ابن أبي نَجِيح، سمعت طاوسًا"، فذكر الحديث، وقال في آخره: قال سفيان: وزاد عبد الكريم: "ولا حول، ولا قوّة إلا بك". ولم يقلها سليمان. وأخرجه أبو نعيم في "المستخرج" من طريق إسماعيل القاضي، عن علي بن عبد اللَّه بن المدينيّ، شيخ البخاري فيه، فقال في آخره: قال سفيان: وكنت إذا قلت لعبد الكريم: آخر حديث سليمان "ولا إله غيرك" قال: "ولا حول، ولا قوّة إلا باللَّه"، قال سفيان. وليس هو في حديث سليمان انتهى.
ومقتضى ذلك أن عبد الكريم لم يذكر إسناده في هذه الزيادة، لكنه على الاحتمال، ولا يلزم من عدم سماع سفيان لها من سليمان أن لا يكون سليمان حدّث بها، وقد وَهِمَ
_________________
(١) - انظر "زهر الربى" ج ٣ ص ٢١٠ - ٢١١.
[ ١٧ / ٣٢٤ ]
بعض أصحاب سفيان، فأدرجها في حديث سليمان، أخرجه الإسماعيلي، عن الحسن ابن سفيان، عن محمد بن عبد اللَّه بن نمير، عن سفيان، فذكرها في آخر الخبر بغير تفصيل انتهى كلام الحافظ -﵀- (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -. قد تبين بهذا أن هذه الزيادة مدرجة في حديث سفيان، عن سليمان، في رواية المصنف، إما منه، أو من شيخه قتيبة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق يهذا الحديث:
المسألة الأولى. في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-٩/ ١٦١٩ - وفي "الكبرى" ١٧/ ١٣١٩ - بالإسناد المذكور، وفي "عمل اليوم والليلة" ٨٦٨ - عن قتيبة، عن مالك بن أنس، عن أبي الزبير المكيّ، عن طاوس به. وفي "الكبرى" عن محمد بن منصور، عن ابن عيينة- وعن محمود بن غيلان، وعبد الأعلي بن واصل، كلاهما عن يحيى بن آدم، عن الثوري، عن ابن جريج- كلاهما عن سليمان الأحول به. وعن محمد بن مَعمَر، عن حماد بن مسعدة، عن عمران بن مسلم، عن قيس بن سعد، عن طاوس به (^٢) واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢/ ٦٠ و٨/ ٨٦ و٩/ ١٤٤ و٩/ ١٦٢ و٩/ ١٧٦ (م) ٢/ ١٨٤ (د) ٧٧١ (ت) ٣٤١٨ (ق) ١٣٥٥ (مالك في الموطإ) ١٥٠ (الحميدي) ٤٩٥ (أحمد) ١/ ٢٩٨ و١/ ٣٠٨ و١٠/ ٣٥٨ و١٠/ ٣٦٦ (عبد بن حميد) ٦٢١ (الدارمي) ١٤٩٤ (البخاري) في "الأدب المفرد" ٦٩٧ وفي "خلق أفعال العباد" ٧٨ (ابن خزيمة) ١١٥٢. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف -﵀-، وهو بيان ما تُستفتح به صلاة الليل من الأذكار. ومنها: زيادة معرفة النبي - ﷺ - بعظمة ربّه، وعظيم قدرته، ومواظبته على الذكر، والدعاء، والثناء على ربه، والاعتراف له بحقوقه، والإقرار بصدق وعده ووعيده. ومنها. استحباب تقديم الثناء على المسألة عند كل مطلوب، اقتداءً بالنبي - ﷺ -. واللَّه
_________________
(١) - "فتح" ج ٣ ص ٣٠٨.
(٢) - هذه الأسانيد التي عزوتها لـ "الكبرى" لم أرها فيه، وإنما ذكرها في "تحفة الأشراف". واللَّه أعلم.
[ ١٧ / ٣٢٥ ]
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٢٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي (^١) مَخْرَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَهِيَ خَالَتُهُ، فَاضْطَجَعَ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَأَهْلُهُ، فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ قَلِيلًا، أَوْ بَعْدَهُ قَلِيلًا، اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَجَلَسَ، يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الآيَاتِ الْخَوَاتِيمَ، مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ، فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَدَهُ الْيُمْنَى، عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى، يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن سلمة) المراديّ المصريّ، ثقة ثبت [١٠] ١٩/ ٢٠
٢ - (ابن القاسم) عبد الرحمن المصري ثقة فقيه، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠.
٣ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الفقيه الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧.
٤ - (مخرمة بن سليمان) الأسديّ الوالبيّ المدنيّ، ثقة [٥] ٤١/ ٦٨٦.
٥ - (كريب) بن أبي مسلم، مولى ابن عباس، المدني، أبو رِشْدِين، ثقة [٣] ١٦١/ ٢٥٣.
٦ - (ابن عباس) - رضي اللَّه تعالى عنهما - تقدم في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، والباقون مصريّون. (منها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ كُرَيْبٍ، أَنِّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ عَباسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَخْبَرَهُ، أنَهُ بَاتَ عِنْدَ ميْمُونَةَ، أُمِّ المُؤْمِنِينَ، وَهِيَ خَالَتُهُ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -. زاد شريك بن أبي نمر، عن
_________________
(١) - وفي نسخة "أخبرني".
[ ١٧ / ٣٢٦ ]
كُريب، عند مسلم: "فَرَقَبتُ رسول اللَّه - ﷺ -، كيف يصلي؟ "، زاد أبو عوانة في "صحيحه" من هذا الوجه "بالليل"، ولمسلم من طريق عطاء، عن ابن عبّاس، قال: "بعثني العبّاس إلى النبي - ﷺ - "، زاد النسائي، من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن كُريب "في إبل، أعطاه إياها من الصدقة"، ولأبي عوانة من طريق علي بن عبد اللَّه بن عباس، عن أبيه "أن العباس بعثه إلى النبي - ﷺ - في حاجة، قال: فوجدته جالسًا في المسجد، فلم أستطع أن أكلّمه، فلما
صلّى المغرب، قام، فركع حتى أُذِّنَ بصلاة العشاء" (^١) ولابن خزيمة من طريق طلحة بن نافع، عنه: "كان رسول اللَّه - ﷺ - وَعَدَ العباسَ ذوْدًا من الإبل، فبعثني إليه بعد العشاء، وكان في بيت ميمونة". وهذا يخالف ما قبله، ويُجمع بأنه لَمّا لم يكلّمه في المسجد أعاده إليه بعد العشاء إلى بيت ميمونة. ولمحمد بن نصر في "كتاب قيام الليل" من طريق محمد بن الوليد ابن نُويفع، عن كُريب، من الزيادة: "فقال لي: يابُنيّ بِتِ الليلة عندنا"، وفي رواية حبيب المذكورة "فقلت: لا أنام حتى أنظر ما يصنع في صلاة الليل"، وفي رواية مسلم، من طريق الضحّاك بن عثمان، عن مخرمة "فقلت لميمونة: إذا قام رسول اللَّه - ﷺ -، فأيقظيني"، وكان عزم على السهَرِ، ليَطّلع على الكيفية التي أرادها، ثم خشي أن يغلبه النوم،فوصّى ميمونة أن توقظه. قاله في "الفتح" (^٢).
(فَاضْطَجَعَ) وفي نسخة "فأضطجعت" (فِي عَرْضِ الوِسَادَةِ) بفتح أوله على المشهور، وبالضمّ أيضًا، وأنكره الباجيّ من جهة النقل، ومن جهة المعنى، قال: لأن العُرْض بالضمّ هو الجانب، وهو لفظ مشترك. قال الحافظ: لكن لَمّا قال: "في طولها" تعيّن المراد، وقد صحّت به الرواية، فلا وجه للإنكار انتهى (^٣).
وقال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: هكذا ضبطناه "عَرْض" بفتح العين، وهكذا نقله القاضي عياض، عن رواية الأكثرين، قال: ورواه الداوديّ بالضمّ، وهو الجانب، والصحيح الفتح.
والمراد بالوسادة الوسادة المعروفة التي تكون تحت الرؤوس، ونقل القاضي عن الباجيّ، والأصيليّ، وغيرهما أن الوسادة هنا الفراش، لقوله: "اضطجع في طولها"، وهذا ضعيف، أو باطل. انتهى (^٤). وقال في "الفتح": قوله: "في عرض وسادة" في
_________________
(١) - فيه جواز التنفّل في المسجد بعد المغرب، وهو من جملة صوارف الأمر في قوله - ﷺ -: "صلوا في بيوتكم الخ" عن الوجوب إلى الاستحباب. واللَّه تعالى أعلم.
(٢) - "فتح" ج ٣ ص ١٦٦.
(٣) - "فتح" في "كتاب الوضوء" ج ١ ص ٣٤٥ طبعة دار الريان.
(٤) - "شرح مسلم" ج ٦ ص ٤٧.
[ ١٧ / ٣٢٧ ]
رواية محمد بن الوليد المذكورة "وسادة من أدم حشوها ليف"، وفي رواية طلحة بن نافع المذكورة "ثم دخل مع امرأته في فراشها"، وزاد "أنها كانت في ليلتئذ حائضًا"، وفي رواية شريك بن أبي نمر، عن كريب في "التفسير" "فتحدّث رسول اللَّه - ﷺ - مع أهله ساعة" انتهى.
(وَاضْطَجَعَ رَسُول اللَّهِ - ﷺ - وَأَهْلُهُ، فِي طُولِهَا) وفيه دليل على جواز نوم الرجل مع امرأته من غير مواقعة بحضرة بعض محارمها، وإن كان مميّزًا، قال القاضي: وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث: قال ابن عباس. بتّ عند خالتي في ليلة كانت فيها حائضًا، قال: وهذه الكلمة، وإن لم تصحّ طريقًا (^١)، فهي حسنة المعنى جدًا، إذ لم يكن ابن عبّاس يطلب المبيت في ليلة للنبي - ﷺ - فيها حاجة إلى أهله، ولا يُرسله أبوه إلا إذا علم عدم حاجته إلى أهله؛ لأنه معلوم أنه لا يفعل حاجته مع حضرة ابن عباس معهما في الوسادة، مع أنه كان مراقبًا لأفعال النبي - ﷺ - مع أنه لم يَنَم، أو نام قليلًا جدًا انتهى (^٢).
(فَنَامَ رَسُول اللَّهِ - ﷺ -، حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَو قَبْلَهُ قلِيلًا، أَوْ بَعْدَهُ قَلِيلًا) وفي نسخة "أو قبله بقليل، أو بعده بقليل"، وفي رواية للبخاريّ. "حتى إذا انتصف الليل، أو قريبًا منه". قال في "الفتح": جزم شريك بن أبي نمر في روايته المذكورة "بثلث الليل الأخير"، ويُجمع بينهما بأن الاستيقاظ وقع مرّتين، ففي الأولى نظر إلى السماء، ثم تلا الآيات، ثم عاد لمضجعه، فنام، وفي الثانية أعاد ذلك، ثم توضأ وصلّى، وقد بيّن ذلك محمد بن الوليد في روايته المذكورة، وفي رواية الثوريّ، عن سلمة بن كُهيل، عن كُريب في "الصحيحين": "فقام رسول اللَّه - ﷺ - من الليل، فأتى حاجته، ثم غسل وجهه، ويديه، ثم نام، ثم قام، فأتى القِرْبة … " الحديث. وفي رواية سعيد بن مسروق، عن سلمة، عند مسلم. "ثم قام قومة أخرى"، وعنده من رواية شعبة، عن سلمة: "فبال"، بدل "فأتى حاجته". انتهى.
(اسْتَيْقَظَ) وفي نسخة "فاستيقظ" (رَسُولُ اللَّهِﷺ -، فَجَلَسَ، يَفْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بيَدِهِ) أي يمسح بيده عينيه، من باب إطلاق اسم الحالّ على المحلّ، أو أثرَ النوم، من بَاب إطلاق السبب على المسبب. (ثُمّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِيمَ، من سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ) التي أولها: ﴿إن في خلق السموات والأرض﴾ إلى آخر السورة.
_________________
(١) - فيه أن الظاهر أنها صحيحة، كما أشار إليه فيما تقدم من عبارة "الفتح"، حيث عزاها إلى "صحيح ابن خزيمة"، واللَّه أعلم.
(٢) - المصدر المذكور.
[ ١٧ / ٣٢٨ ]
قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: فيه جواز القراءة للمحدث، وهذا إجماع المسلمين، وإنما تحرم القراءة على الجنب، والحائض (^١)، وفيه استحباب قراءة هذه الآيات عند القيام من النوم، وفيه جواز قول "سورة آل عمران"، و"سورة البقرة"، و"سورة النساء"، ونحوها، وكرهه بعض المتقدّمين، وقال: إنما يقال: السورة التي يُذكر فيها آل عمران، والتي يُذكر فيها البقرة، والصواب الأول، وبه قال عامّة العلماء، من السلف والخلف، وتظاهرت عليه الأحاديث الصحيحة، ولا لبس في ذلك انتهى.
وقال في "الفتح": قال ابن بطال ومن تبعه: فيه دليل على ردّ من كره قراءة القرآن
على غير طهارة، لأنه - ﷺ - قرأ هذه الآيات بعد قيامه من النوم قبل أن يتوضأ. وتعقّبه ابن المنيّر وغيره بأن ذلك مفَرّعٌ على أن النوم في حقّه ينقض، وليس كذلك، لأنه قال: "تنام عيناي، ولا ينام قلبي"، وأما كونه توضأ عقب ذلك، فلعله جدّد الوضوء، أو أحدث بعد ذلك، فتوضأ.
قال الحافظ. وهو تعقيب جيّد بالنسبة إلى قول ابن بطال. بعد قيامه من النوم، لأنه لم يتعيّن كونه أحدث في النوم، لكن لما عَقّب ذلك بالوضوء كان طاهرًا في كونه أحدث، ولا يلزم من كون نومه لا ينقض وضوءه أن لا يقع منه حدث، وهو نائم، نعم خصوصيته أنه إن وقع شَعَرَ به، بخلاف غيره، وما ادعوه من التجديد، وغيره الأصل عدمه انتهى (^٢).
(ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلقَةٍ) زاد محمد بن الوليد: "ثم استفرغ من الشّنّ في إناء، ثم توضأ". والشَّنّ بالفتح. الِجْلد البالي، وجمعه شِنَان، مثل سَهْم وسِهَام. قاله في "المصباح". وقال النوويّ: إنما أنثها على إرادة القِرْبة، وفي رواية لمسلم "إلى شنّ معلّق" على إرادة السِّقَاء والوعاء". قال أهل اللغة. الشَّنُّ: القربة الخَلَق، وجمعه شِنَان انتهى (^٣).
(فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، فَأحْسَنَ وُضُوءَهُ) في رواية محمد بن الوليد، وطلحة بن نافع جميعًا: "فأسبغ الوضوء"، وفي رواية عمرو بن دينار، عن كريب: "فتوضأ وضوءًا خفيفًا"، وُيجمع بين هاتين الروايتين برواية الثوري، فإن لفظه: "فتوضأ وضوءًا بين وضوءين، لم يُكثر، وقد أبلغ"، ولمسلم من طريق عياض، عن مخرمة: "فأسبغ الوضوء، ولم يمسّ من الماء إلا قليلًا"، وزاد "فتسوّك"، وكذا لشريك عن كريب "فاستنّ". قاله في "الفتح".
_________________
(١) - قلت: تقدم الخلاف لبعض السلف في جوازه لهما في "أبواب الطهارة"، فأرجع إليه.
(٢) - (فتح) ج١ هـ ٣٤٥. "باب قراءة القرآن بعد الحدث" من "كتاب الوضوء".
(٣) - "شرح مسلم" ج ٦ ص ٤٦.
[ ١٧ / ٣٢٩ ]
(ثُم قَامَ يُصَلِّي) في رواية محمد بن الوليد "ثم أخذ بُرْدًا له حضرميًا، فتوشّحه، ثم دخل البيت، فقام يصلي". (قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْت، فَصَنعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ) ظاهره يقتضي أنه صنع جميع ما ذكره من القول، والنظر، والوضوء، والسواك، والتوشّح، ويَحتمل أن يُحمَل على الأغلب، وزاد سلمة، عن كريب عند البخاري في "الدعوات" في أوله: "فقمت، فتمطّيتُ، كراهية أن يرى أني كنت أرقُبُه"، وكأنه خشي أن يَترك بعض عمله لما جرى من عادته - ﷺ - أنه كان يترك بعض العمل خشية أن يُفرض على أمته (ثُمَّ ذَهَبْتُ، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ) أي عن شماله، ففي الرواية المتقدمة ٢٢/ ٨٠٦ - من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: "فقمت عن شماله، فقال بي هكذا، فأخذ برأسي، فأقامني عن يمينه" (فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، يَدَهُ الْيُمْنَى، عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ) وفي نسخة "فأخذ (بِأُذُنِي الْيُمْنَى، يَفْتِلُهَا) وفي نسخة "ففتلها". قال النووي: قيل: إنما فَتَلَها تنبيها له من النُّعاس، وقيل: ليتنبه لهيئة الصلاة، وموقفِ المأموم، وغير ذلك، والأول أظهر، لقوله في الرواية الأخرى: "فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني" انتهى.
وقال في "الفتح". قوله: "وأخذ بأذني" زاد محمد بن الوليد في روايته "فعرفت أنه إنما صنع ذلك ليؤنّسني بيده في ظلمة الليل" وفي رواية الضحاك بن عثمان "فجعلت إذا أغفيت أخذ بشحمة أذني". وفي هذا ردّ على من زعم أن أخذ الأذن إنما كان في حالة إدارته له من اليسار إلى اليمين، متمسكًا برواية سلمة بن كهيل، حيث قال: "فأخذ بأذني، فأدارني عن يمينه"، لكن لا يلزم من إدارته على هذه الصفة أن لا يعود إلى مسك أذنه لما ذكره من تأنيسه، وإيقاظه، لأن حاله كانت تقتضي ذلك لصغره انتهى. (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَينِ، ثُمَّ رَكْعَتَينِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكعَتَينِ، ثُمَّ رَكْعَتيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ) كذا في هذه الرواية، وظاهره أنه فصل بين كلّ ركعتين، ووقع التصريح بذلك في رواية طلحة بن نافع، حيث قال: "يسلّم من كلّ ركعتين"، ولمسلم من رواية علي بن عبد اللَّه بن عباس التصريح بالفصل أيضًا، وأنه استاك بين كلّ ركعتين إلى غير ذلك.
ثم إن رواية الباب فيها التصريح بذكر الركعتين ست مرّات، ثم قال: "ثم أوتر"، ومقتضاه أنه صلى ثلاث عشرة ركعة، وصرّح بذلك في رواية سلمة عند البخاريّ، حيث قال: "فتتامّت"، ولمسلم "فتكاملت صلاته ثلاث عشرة ركعة". وفي رواية عبد ربه بن سعيد عند البخاري أيضًا عن كريب، "فصلى ثلاث عشرة ركعة"، وفي رواية محمد بن الوليد المذكورة مثله، وزاد "وركعتين بعد طلوع الفجر قبل صلاة الصبح"، وهي موافقة لرواية الباب لأنه قال بعد قوله: "ثم أوتر": "فقام، فصلى ركعتين". فاتفق
[ ١٧ / ٣٣٠ ]
هؤلاء على الثلاث عشرة، وصرح بعضهم بأن ركعتي الفجر من غيرها، لكن رواية شريك بن أبي نمر عند البخاري في "التفسير" عن كريب تخالف ذلك، ولفظه "فصلى إحدى عشرة ركعة، ثم أذّن بلال، فصلى ركعتين، ثم خرج".
فهذا ما في رواية كريب من الاختلاف، وقد عُرف أن الأكثر خالفوا شريكًا فيها، وروايتهم مقدّمة على روايته لما معهم من الزيادة، ولكونهم أحفظ منه. وقد حمل بعضهم هذه الزيادة على سنة العشاء، ولا يخفى بُعده، ولا سيّما في رواية مخرمة في حديث الباب، إلا إن حُمل على أنه أخّر سنة العشاء حتى يستيقظ، لكن يعكر عليه رواية المنهال الآتية.
وقد اختلف على سعيد بن جبير أيضًا، ففي رواية شعبة، عن الحكم، عنه "فصلى أربع ركعات، ثم نام، ثم صلى خمس ركعات"، وقد حمل محمد بن نصر هذه الأربع على أنها سنة العشاء، لكونها وقعت قبل النوم، لكن يعكر عليه ما رواه هو من طريق المنهال بن عمرو، عن علي بن عبد اللَّه بن عباس، فإن فيه "فصلى العشاء، ثم صلى أربع ركعات بعدها، حتى لم يبق في المسجد غيره (^١)، ثم انصرف" فإنه يقتضي أن يكون صلى الأربع في المسجد، لا في البيت، ورواية سعيد بن جبير أيضًا تقتضي الاقتصار على خمس ركعات بعد النوم، وفيه نظر، وقد رواها أبو داود من وجه آخر عن الحكم، وفيه "فصلى سبعا، أو خمسًا، أوتر بهنّ، لم يسلّم إلا في آخرهنّ".
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وقد ظهر لي من رواية أخرى عن سعيد بن جبير ما يرفع هذا الإشكال، ويوضح أن رواية الحكم وقع فيها تقصير، فعند النسائيّ من طريق يحيى بن عباد، عن سعيد بن جبير "فصلى ركعتين، ركعتين، ثم صلى ثمان ركعات، ثم أوتر بخمس لم يجلس بينهنّ".
فبهذا يُجمع بين رواية سعيد ورواية كريب.
وأما ما وقع في رواية عكرمة بن خالد، عن سعيد بن جبير، عند أبي داود "فصلى ثلاث عشرة ركعة، منها ركعتا الفجر"، فهو نظير ما تقدّم من الاختلاف في رواية كريب.
وأما ما في روايتهما من الفصل والوصل، فرواية سعيد صريحة في الوصل، ورواية كريب محتملة، فتحمل على رواية سعيد.
وأما قوله في رواية طلحة بن نافع "يُسلّم من كلّ ركعتين"، فيحتمل تخصيصه
_________________
(١) - فيه جواز التنفّل في المسجد، وهو مما يصرف الأمر بالصلاة في البيوت عن الوجوب إلى الاستحباب، كما تقدّم.
[ ١٧ / ٣٣١ ]
بالثمان، فيوافق رواية سعيد، ويؤيده رواية يحيى بن الجزّار الآتية.
ولم أر في شيء من طرق حديث ابن عباس ما يخالف ذلك، لأن أكثر الرواة عنه لم يذكروا عددًا، ومن ذكر العدد منهم لم يزد على ثلاث عشرة، ولم ينقص عن إحدى عشرة، إلا أن في رواية علي بن عبد اللَّه بن عباس عند مسلم (^١) ما يُخالفهم، فإن فيه "فصلى ركعتين، أطال فيهما، ثم انصرف، فنام، حتى نفخ، ففعل ذلك ثلاث مرّات، بستّ ركعات، كل ذلك يستاك، ويتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآيات -يعني آخر آل عمران- ثم أوتر بثلاث، فأذن المؤذن، فخرج إلى الصلاة".
فزاد على الرواة تكرار الوضوء، وما معه، ونقص عنهم ركعتين، أو أربعا، ولم يذكر ركعتي الفجر أيضًا، وأظن ذلك من الراوي عنه، حبيب بن أبي ثابت، فإن فيه مقالًا، وقد اختُلف عليه فيه في إسناده ومتنه اختلافا، تقدّم ذكر بعضه، ويحتمل أن يكون لم يذكر الأربع الأُوَل كما لم يذكر الْحَكَم الثمانَ كما تقدم، وأما سنة الفجر، فقد ثبت ذكرها في طريق أخرى عن علي بن عبد اللَّه، عند أبي داود.
والحاصل أن مبيت ابن عباس يغلب على الظنّ عدم تعددها، فلهذا ينبغي الاعتناء بالجمع بين مختلف الروايات فيها، ولا شك أن الأخذ بما اتفق عليه الأكثر، والأحفظ أولى مما خالفهم فيه مَن دونهم، ولا سيما إن زاد، أو نقص.
والمُحَقَّقُ من عدد صلاته في تلك الليلة إحدى عشرة، وأما رواية ثلاث عشرة، فيحتمل أن يكون منها سنة العشاء، ويوافق ذلك رواية أبي جمرة، عن ابن عباس بلفظ "كانت صلاة النبي - ﷺ - ثلاث عشرة" يعني بالليل، ولم يبين هل سنة الفجر منها، أو لا، وبينها يحيى بن الجزّار، عن ابن عباس عند النسائيّ بلفظ "كان يصلي ثمان ركعات، ويوتر بثلاث، ويصلي ركعتين قبل صلاة الصبح"، ولا يعكر على هذا الجمع إلا ظاهر سياق الباب، فيمكن أن يحمل قوله: "صلى ركعتين، ثم ركعتين" أي قبل أن ينام، ويكون منها سنة العشاء، وقوله: "ثم ركعتين الخ" أي بعد أن قام، وسيأتي نحو هذا الجمع في حديث عائشة - ﵂ -.
وجمع الكرماني بين ما اختلف من روايات قصة ابن عباس هذه باحتمال أن يكون بعض رواته ذكر القدر الذي اقتدى ابن عباس به فيه، وفصله عما لم يقتد به فيه، وبعضهم ذكر الجميع مجملًا. واللَّه أعلم (^٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأقرب في وجه الجمع هو الجمع الذي جمع
_________________
(١) - سيأتي للمصنف نحوه ٣٩/ ١٧٠٤.
(٢) - فتح ج ٣ ص ١٦٧ - ١٦٩.
[ ١٧ / ٣٣٢ ]
به الكرماني -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم.
(ثُم اضْطَجَعَ) سيأتي بيان الاختلاف في هذا الاضطجاع، هل كان قبل ركعتي الفجر، أو بعدهما في [٥٨/ ١٧٦٢] إن شاء اللَّه تعالى (حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ) هو بلال - ﵁ - (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) هما سنة الصبح، واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه، وقد تقدّم الكلام على مسائله في "باب الدعاء في السجود" - ١٥٣/ ١١٢١ - فراجعه تستفد، ولنذكر هنا فوائده التي لم يتقدم ذكرها (^١):
فمنها: ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما تُستفتح به صلاة الليل، ووجه ذلك أنه - ﷺ - قرأ خواتيم آل عمران قبل الدخول في صلاة الليل، وهذا، وإن كان خارجها غير أنه لقربه يعدّ مما استُفتحت به، فيكون قوله: "باب ذكر ما يُستفتح به القيام" أعمّ من كونه داخل الصلاة، أو خارجها، واللَّه تعالى أعلم.
ومنها: جواز إعطاء بني هاشم من الصدقة، وهو محمول على التطوّع، ويحتمل أن يكون إعطاؤه العباس ليتولى صرفه في مصالح غيره ممن يحلّ له أخذ ذلك. ومنها: جواز تقاضي الوعد، وإن كان مَن وَعد به مقطوعا بوفائه. ومنها: الملاطفة بالصغير، والقريب، والضيف، وحسن المعاشرة للأهل، والردّ على من يؤثر دوام الانقباض.
ومنها: مبيت الصغير عند محرمه، وإن كان زوجها عندها. ومنها: جواز الاضطجاع مع المرأة الحائض، وترك الاحتشام في ذلك بحضرة الصغير، وإن كان مميّزًا، بل مراهقًا.
ومنها: صحة صلاة الصبيّ، وجواز فتل أذنه لتأنيسه وإيقاظه، وقد قيل: إن المتعلّم إذا تعوهد بقتل أذنه كان أذكى لفهمه. ومنها: حمل أفعاله - ﷺ - على الاقتداء به. ومنها: مشروعية التنفل بين المغرب والعشاء. ومنها: جواز التنفل في المسجد، وهذا مما يصرف الأمر في قوله: "أيها الناس صلوا في بيوتكم … " الحديث عن الوجوب إلى الاستحباب، كما هو رأي الجمهور. ومنها: فضل صلاة الليل، ولا سيما في النصف الثاني، ومنها: البداءة بالسواك، واستحبابه عند كل وضوء، وعند كل صلاة. ومنها: استحباب تلاوة آواخر آل عمران عند القيام إلى صلاة الليل. ومنها: استحباب غسل الوجه، واليدين لمن أراد النوم، وهو مُحدِث، لقوله: "فأتى حاجته، ثم غسل وجهه ويديه، ثم نام". ومنها: جواز الاغتراف من الماء القليل، لأن الإناء المذكور كان
_________________
(١) - المراد من الفوائد هي الفوائد التي اشتمل عليها الحديث باختلاف طرقه، لا خصوص رواية المصنف، فتنبّه.
[ ١٧ / ٣٣٣ ]
قصعة، أو صحفة. ومنها: استحباب التقليل من الماء في التطهير، مع حصول الإسباغ. ومنها: بيان فضل ابن عباس، وقوّة فهمه، وحرصه على تعلم أمر الدين، وحسن تأدبه في ذلك. ومنها: اتخاذ مؤذن راتب للمسجد، ومنها: إعلام المؤذن الإمام بحضور وقت الصلاة، واستدعاؤه لها. ومنها: جواز الاستعانة باليد في الصلاة، وتكرار ذلك. ومنها: مشروعية الجماعة في النافلة.
ومنها: جواز الائتمام بمن لم ينو الإمامة. ومنها: بيان موقف الإمام والمأموم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب"
…