وكتب السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرحه": ما نصّه: كأن ما ذكره في "كتاب الأيمان والنذور" اعتبره بمنزلةِ ما بين باب الأيمان، وباب النذور، واعتبر كلاًّ من الأيمان والنذور من الشروط؛ لأنه كثيرًا ما يجري فيهما التعليق، ولذلك سمّى هذا الباب الثالثَ من الشروط، وقال: فيه يُذكر المزارعة، والوثاثق. واللَّه تعالى أعلم. انتهى (^٢).
ولفظ النسخة الهنديّة -بعد قوله: "آخر كتاب الأيمان والنذور" -: " الثالثُ من الشروط فيه المزارعة والوثائق". وكتب في هامشه: ما نصّه: "كتاب شروط المزارعة والوثائق".
"المزارعة": مُفاعلة من الزرع، وهي دفعُ الأرض إلى من يزرعها، وَيعمَلُ عليها، والزرعُ بينهما (^٣).
قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: زَرَعَ الْحرَّاث الأرضَ زَرْعًا: حَرَثَها للزراعة، وزرع
_________________
(١) كتب في هامش النسخة التي حققها مكتب تحقيق التراث الإِسلامي: ما نصّه: بعد أن تمّ ما مضى من كتاب الأيمان والنذور كَتب في نسخة النظامية: "آخر كتاب الأيمان والنذور، الثالث من الشروط فيه المزارعة، والوثائق"، وعبارة "الثالث … والوثائق" من إحدى نسخ النظاميّة، وكتب مصحّح نسخة النظاميّة تحت هذه العبارة: "هذه العبارةُ في أكثر النسخ القديمة". انتهى المقصود مما كُتب في ذلك الهامش. ٧/ ٣٩. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: إنما لم أجعل لهذا الكتاب رقمًا تسلسليًّا، لعدم تأكّدي من كونه من وضع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-.
(٢) "شرح السنديّ" ٧/ ٣٩.
(٣) "المغني" ٧/ ٥٥٥.
[ ٣١ / ٩٥ ]
اللَّه الحرث: أنبته، وأنماه، والزرع: ما استُنْبِتَ بالبذر، تسميةً بالمصدر، ومنه يقال: حَصَدتُ الزرعَ: أي النبات. قال بعضهم: ولا يُسمّى زرعًا إلا وهو غَضٌّ طَرِيٌّ، والجمع زُرُوع. والْمُزَارعَةُ من ذلك، وهي المعاملة على الأرض ببعض ما يخرُج منها. والْمَزْرَعَةُ: مكان الزرع، وازدرَعَ: حَرَثَ، والْمُزْدَرَعُ: الْمَزْرَعَةُ. انتهى (^١).
وقال ابن منظور -رحمه اللَّه تعالى-: زَرَعَ الحبَّ يَزْرَعُهُ زَرْعًا، وزِرَاعَة: بَذَرَه، والاسم الزرع، وقد غلب على الْبُرّ، والشَّعِير، وجمعه زُرُوع. وقيل: الزَّرْعُ: نبات كلّ شيءٍ يُحرَثُ. وقيل: الزرعُ: طَرْحُ البذر. قال: واللَّه يزرع الزرعَ: يُنَمِّيه حتى يبلغ غايته، والزرعُ: الإنبات، يقال: زرعه اللَّه: أي أنبته، وفي التنزيل: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣، ٦٤]: أي أنتم تُنَمُّونه، أم نحن المنَمُّون له؟. قال: والْمَزرَعَة -بفتح الر اء- والْمَزْرُعَةُ -بضمها - والزَّرَّاعة، والْمُزْدَرَع: موضع الزرع، قال الشاعر [من البسيط]:
وَاطْلُبْ لَنَا مِنْهُمُ نَخْلًا وَمُزْدَرَعًا … كَمَا لِجِيرَانِنَا نَخْلٌ وَمُزْدَرَعُ
مُفتعل من الزرع. وقال جرير [من الطويل]:
لَقَلَّ غَنَاءٌ عَنْكَ فِي حَرْبِ جَعْفَرٍ تُغَنِّيكَ زَرَّاعَاتُهَا وَقُصُورُهَا
أي قصيدتك التي تقول فيها: زَرّاعتها وقُصُورها. انتهى المقصود من كلام ابن منظور -رحمه اللَّه تعالى- (^٢).
و"الْوَثَائقُ" -بفتح الواو-: جمعُ وَثِيقَة، قال ابن منظور -رحمه اللَّه تعالى-: الوَثِيقةُ في الأمر: إحكامه، والأخذ بالثقة. والوَثِيقُ: الشيء الْمُحكَم، والجمع وِثَاقٌ، ويقال: أخذ بالوثيقة في أمره: أي بالثقة. وتَوَثَّقَ في أمره مثله. قال: ووَثُقَ الشيءُ بالضمّ وَثَاقَةً، فهو وَثِيقٌ: أي صار وَثِيقًا، والأنثى وَثِيقة. انتهى المقصود منه (^٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المراد بالوثائق هنا الأشياء التي تُستوثق بالكتابة بين المتعاقدِين لإحكام الأمر، والوثوق به، بحيث إنه إذا وقع بينهم اختلاف في شيء يرجعون إليه، ويستثبتون الأمر منه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٨٨٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حِبَّانُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: إِذَا اسْتَأْجَرْتَ أَجِيرًا، فَأَعْلِمْهُ أَجْرَهُ).
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٥٢.
(٢) "لسان العرب" ٨/ ١٤١.
(٣) "لسان العرب" ١٠/ ٣٧١.
[ ٣١ / ٩٦ ]
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن حاتم) بن نُعيم، مروزيّ ثقة [١٢] ١/ ٣٩٧.
٢ - (حبّان) -بكسر الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة- ابن موسى بن سوّار السلميّ، أبو محمد المروزيّ، ثقة [١٠] ١/ ٣٩٧.
٣ - (عبد اللَّه) بن المبارك بن واضح الحنظليّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزي، ثقة ثبت فقيه جواد مجاهد، اجتمعت فيه خصال الخير [٨] ٣٢/ ٣٦.
٤ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت البصري [٧] ٢٤/ ٢٧.
٥ - (حمّاد) بن أبي سليمان مسلم الأشعريّ، أبو إسماعيل الكوفيّ الفقيه، صدوق، له أوهام [٥] ١٩٠/ ١١٦٥.
٦ - (إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ الفقيه، ثقة يرسل كثيرًا [٥] ٢٩/ ٣٣.
٧ - (أبوسعيد) سعد بن مالك بن سنان الأنصاريّ الصحابيّ الشهير ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٦٩/ ٢٦٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم موثقون، إلا أن فيه انقطاعًا، كما سيأتي قريبًا. (ومنها): أنه مسلسل بالمراوزة إلى ابن المبارك، وشعبة بصريّ، والصحابيّ مدني، والباقيان كوفيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أبا سعيد - ﵁ - من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الْخُدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: إِذَا اسْتَأْجَرْتَ أَجِيرًا) أي طلبت من شخص أن يكون أجيرك، أي عاملًا لك بأجرة (فَأَعْلِمْهُ أَجْرَهُ) أمر من الإعلام، يعني أنه يجب عليك أن تُعلمه مقدار أجرته، وصفتها. والمراد أنه لا تصحّ الإجارة إلا بأجرة معلومة، وهذا أمر مجمع عليه، لا خلاف بين أهل العلم في ذلك. قال ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: يشترط في عوض الإجارة كونه معلومًا، لا نعلم في ذلك خلافًا، وذلك لأنه عوضٌ في عقد مُعاوضة، فوجب أن يكون معلومًا، كالثمن في البيع. قال: ويُعتبر العلم بالرؤية، أو بالصفة كالبيع سواءً، فإن كان العوض معلوما بالمشاهدة، دون القدر كالصُّبْرة احتمل وجهين، أشبههما الجواز؛ لأنه عوض معلوم
[ ٣١ / ٩٧ ]
يجوز به البيع، فجازت به الإجارة، كما لو عُلم قدره. والثاني: لا يجوز؛ لأنه قد ينفسخ العقد بعد تَلَف الصبرة، فلا يَدرِي بكم يَرجع، فاشتُرِط معرفة قدره، كعوض المسلم فيه، والأول أولى. قال: وكلّ ما جاز ثمنًا في البيع جاز عوضًا في الإجارة؛ لأنه عقد معاوضة أشبه البيع، فعلى هذا يجوز أن يكون العوض عينًا، ومنفعة أخرى، سواءٌ كان الجنس واحدًا، كمنفعة دار بمنفعة دار أخرى، أو مختلفًا، كمنفعة دار، بمنفعة عبدٍ، قال أحمد: لا بأس أن يكتري بطعام موصوف معلوم. وبهذا كلّه قال الشافعيّ، قال اللَّه تعالى عن شعيب - ﵇ - أنه قال: ﴿قَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ الآية [القصص: ٢٧]، فجعل النكاح عوض الإجارة. وقال أبو حنيفة فيما حُكي عنه: لا تجوز إجارة دار بسكنى دار أخرى، ولا يجوز إلا أن يختلف جنس المنفعة، كسكنى دار بمنفعة بهيمة؛ لأن الجنس الواحد عنده يُحرّم النَّسَاء. وكره الثوريّ الإجارة بطعام موصوف، والصحيح جوازه، وهو قول إسحاق، وأصحاب الرأي، وقياس قول الشافعيّ؛ لأنه عوضٌ يجوز في البيع، فجاز في الإجارة، كالذهب والفضة، وما قاله أبو حنيفة لا يصحّ؛ لأن المنافع في الإجارة ليست في تقدير النسيئة، ولو كانت نسيئة ما جاز في جنسين؛ لأنه يكون بيع دين بدين. انتهى كلام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- (^١)، وهو كلام نفيسٌ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أثر أبي سعيد - ﵁ - هذا ضعيفٌ؛ لانقطاعه؛ لأن إبراهيم لم يلق أبا سعيد الخدريّ - ﵁ -، انظر ترجمته في "تهذب التهذيب" ١/ ٩٢ - ٩٣.
وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- من بين أصحاب الأصول، أخرجه هنا- ١/ ٣٨٨٤ - وفي "الكبرى" ٣/ ٤٦٧٣. وأخرجه أبو داود في "المراسيل"، مرفوعًا، بلفظ: "أن النبيّ - ﷺ - نهى عن استئجار الأجير حتى يُبيّن له أجره". وأخرجه (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١١٧١ أو ١١٢٥٥ و١١٢٧٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٨٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حِبَّانُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الرَّجُلَ، حَتَّى يُعْلِمَهُ أَجْرَهُ).
_________________
(١) "المغني" ٨/ ١٤/ ١٥.
[ ٣١ / ٩٨ ]
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد": هو ابن حاتم المذكور في السند الماضي. وقوله: "أنبأنا حِبان" هكذا في نسخ "المجتبى"، والذي في "الكبرى": "أنا سُوَيدٌ"، وهو الذي في "تحفة الأشراف" ج ١٣/ ص ١٧٥ - ولفظه: "عن سُويد بن نصر" اهـ. ولكن ليس في هذا الاختلاف شيء يضرّ بصحّة الحديث؛ لأنهما ثقتان، ويروي كلّ منهما عن عبد اللَّه بن المبارك. واللَّه تعالى أعلم.
و"عبد اللَّه": هو ابن المبارك. و"يونس": هو ابن عُبيد. و"الحسن": هو البصريّ. وقوله: "أن يستأجر الأجير الخ" ببناء الفعل للفاعل، و"الأجير" بالنصب مفعوله، وقوله: "يُعلمه" بضمّ أوله، من الإعلام، و"أجره" بالنصب مفعوله، وهو بمعنى أثر أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - الماضي.
وهذا الأثر مقطوع صحيح الإسناد (^١)، تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ١/ ٣٨٨٥ - وفي "الكبرى" ٣/ ٤٦٧٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٨٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حِبَّانُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ حَمَّادٍ -هُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ- أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ، اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا عَلَى طَعَامِهِ؟، قَالَ: لَا حَتَّى تُعْلِمَهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا مقطوع صحيح الإسناد، تفرّد به المصنّف - رحمه اللَّه تعالى -، أخرجه هنا- ١/ ٣٨٨٦ - وفي "الكبرى" ٣/ ٤٦٧٥.
وقوله: "على طعامه" أي على أن يأكل معه، أو من بيته.
والأثر يدلّ على منع الاستئجار على أن تكون الأجرة طعامه، وهذه مسألة اختَلف فيها أهل العلم، قال العلاّمة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: اختلفت الرواية عن أحمد فيمن استأجر أجيرًا بطعامه، وكسوته، أو جعل له أجرًا، وشرط طعامه، وكسوته، فروي عنه جواز ذلك، وهو مذهب مالك، وإسحاق. ورُوي عن أبي بكر، وعمر، وأبي موسى - ﵃ - أنهم استأجروا الأجراء بطعامهم، وكسوتهم. وروي أن ذلك جائزٌ في الظِّئر (^٢) دون غيرها، واختاره القاضي، وهذا مذهب أبي حنيفة؛ لأن ذلك مجهولٌ، وإنما جاز في الظِّئْر؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٣] فأوجب لهنّ النفقة، والكسوة على الرضاع، ولم يفرّق بين المطلّقة وغيرها، بل في الآية قرينة تدلّ على طلاقها؛ لأن الزوجة تجب نفقتها، وكسوتها
_________________
(١) المقطوع عند المحدّثين: هو ما وُقف على التابعيّ، فمن دونه، قولًا له، أو غير ذلك.
(٢) "الظِّئر" بكسر الظاء المشالة، وسكون الهمزة-: المرضعة.
[ ٣١ / ٩٩ ]
بالزوجية، دوان لم تُرضع؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ الآية [البقرة:٢٣٣]، والوارث ليس بزوج؛ ولأن المنفعة في الْحَضَانة، والرضاع غير معلومة، فجاز أن يكون عوضها كذلك. وروي عن أحمد رواية ثالثة: لا يجوز ذلك بحال، لا في الظئر، ولا في غيرها، وبه قال الشافعيّ، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور، وابن المنذر؛ لأن ذلك يختلف اختلافا كثيرًا، متباينًا، فيكون مجهولًا، والأجر من شرطه أن يكون معلومًا.
قال: ولنا ما روى ابنُ ماجه، عن عُتبة بن النُّذَّر، قال: كنا عند رسول اللَّه - ﷺ -، فقرأ ﴿طس﴾ حتى بلغ قصّة موسى - ﵇ - قال: " إن موسى آجر نفسه ثماني سنين، أو عشرًا على عفّة فرجه، وطعام بطنه" (^١)، وشرعُ من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يثبت نسخه. وعن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: كنت أجيرًا لابنة غَزْوَان بطعام بطني، وعُقْبة رجلي، أَحطِب لهم إذا نرْلوا، وأَحدُو بهم إذا رَكِبُوا (^٢). ولأن من ذكرنا من الصحابة - ﵃ - وغيرهم فعلوه، فلم يظهر له نكير، فكان إجماعًا، ولأنه قد ثبت في الظئر بالآية، فيثبت في غيرها بالقياس عليها، ولأنه عوض منفعة، فقام العرف فيه مقام التسمية، كنفقة الزوجة، ولأن للكسوة عرفًا، وهي كسوة الزوجات، وللإطعام عرف، وهي الإطعام في الكفّارات، فجاز إطلاقه كنقد البلد. ونخصّ أبا حنيفة بأن ما كان عوضًا في الرضاع جاز في الخدمة، كالأثمان.
إذا ثبت هذا، فإنهما إن تشاحّا في مقدار الطعام والكسوة رجع في القوت إلى الإطعام في الكفّارة، وفي الكسوة إلى أقلّ ملبوس مثله. قال أحمد: إذا تشاحّا في الطعام يُحكم له بمدّ كلَّ يوم، ذهب إلى ظاهر ما أمر اللَّه تعالى من إطعام المساكين، ففسَّرَت ذلك السنّة بأنه مدّ لكلّ مسكين، ولأن الإطعام مطلق في الموضعين، فما فُسّر به أحدهما يُفسّر به الآخر، وليس له إطعام الأجير إلا ما يوافقه من الأغذية؛ لأن عليه ضررًا، ولا
_________________
(١) ضعيف جدًّا؛ لأن في سنده بقية بن الوليد مدلّس، ومسلمة بن عليّ متروك.
(٢) ولفظه عند ابن ماجه في "كتاب الأحكام":
(٣) حدثنا أبو عمر حفص بن عمرو، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سَليم بن حيان، سمعت أبي، يقول: سمعت أبا هريرة، يقول: "نشأت يتيما، وهاجرت مسكينا، وكنت أجيرا لابنة غزوان بطعام بطني، وعُقْبة رجلي، أَحطِب لهم إذا نزلوا، وأَحدُو لهم إذا ركبوا، فالحمد للَّه الذي جعل الدين قِوَاما، وجعل أبا هريرة إماما". وفي سند ابن ماجه والد سَليم، وهو حيّان بن بسطام، لم يرو عنه غير ابنه، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال عنه في "التقريب": مقبول. لكن الحديث أورده الحافظ في "الإصابة" -١٢/ ٧٧ - فقال: وفي الحلية من تاريخ أبي العبّاس =
[ ٣١ / ١٠٠ ]
يمكنه استيفاء الواجب له منه. انتهى كلام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- (^١) وهو تحقيق نفيس. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٨٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ حَمَّادٍ، وَقَتَادَةَ، فِي رَجُلٍ قَالَ: لِرَجُلٍ: أَسْتَكْرِي مِنْكَ، إِلَى مَكَّةَ بِكَذَا وَكَذَا، فَإِنْ سِرْتُ شَهْرًا، أَوْ كَذَا وَكَذَا، شَيْئًا سَمَّاهُ، فَلَكَ زِيَادَةُ كَذَا وَكَذَا، فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأْسًا، وَكَرِهَا أَنْ يَقُولَ: أَسْتَكْرِي مِنْكَ بِكَذَا وَكَذَا، فَإِنْ سِرْتُ أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ، نَقَصْتُ مِنْ كِرَائِكَ كَذَا وَكَذَا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا السند هو السند المذكور قبله. و"حماد": هو ابن أبي سليمان. وقوله: "أستكري منك": أي أطلب منك أن تُكريني دابّتك، يقال: اكتريت، واستكريتُ، وتكاريت، كلها بمعنى. كما في "اللسان".
وقوله: فإن سرتُ أكثر من شهر نقصتُ من كرائك الخ قال السنديّ: يريد أن الازدياد في الأجر لأجل الاستعجال في السير جائز، وأما النقصان لأجل الإبطاء، فمكروه، فان الأول يُشبه العطاء، والهبة، والثاني يُشبه الظلم، والنقص من الحقّ. واللَّه تعالى أعلم. انتهى (^٢).
والأثر مقطوعٌ صحيح الإسناد، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا - ١/ ٣٨٨٧ - وفي "الكبرى" ٣/ ٤٦٧٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٨٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حِبَّانُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قِرَاءَةً، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: عَبْدٌ أُؤَاجِرُهُ سَنَةً بِطَعَامِهِ، وَسَنَةً أُخْرَى بِكَذَا وَكَذَا، قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَيُجْزِئُهُ اشْتِرَاطُكَ حِينَ تُؤَاجِرُهُ أَيَّامًا، أَوْ آجَرْتَهُ، وَقَدْ مَضَى بَعْضُ السَّنَةِ، قَالَ: إِنَّكَ لَا تُحَاسِبُنِى لِمَا مَضَى).
_________________
(١) = السرّاج بسند صحيح، عن مضارب بن حَزْن، كنت أسير من الليل، فإذا رجلٌ يكبّر، فلحقته، فقلت: ما هذا؟ قال: أكثر شكر اللَّه على أن كنت أجيرًا لبرّة بنت غزوان، لنفقة رحلي، وطعام بطني، فإذا ركبوا سبقت بهم،، وإذا نزلوا خدمتهم، فزوّجنيها اللَّه، فأنا أركب، فإذا نزلت خُدمت. وأخرجه ابن خزيمة من هذا الوجه، وزاد: وكانت إذا أتت على مكان سهل نزلت، فقالت: لا أَرِيم حتى تجعل لي عصيدةً، فها أنا إذا أتيت على نحو من مكانها قلت: لا أريم حتى تجعلي لي عصيدة. انتهى.
(٢) "المغني" ٨/ ٦٨ - ٧٠. "كتاب الإجارات".
(٣) "شرح السنديّ" ٧/ ٣٢.
[ ٣١ / ١٠١ ]
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا السند هو السند الماضي، إلى ابن جريج، و"عطاء": هو ابن أبي رباح.
وقوله: "قلت لعطاء: عبد أؤاجره سنة بطعام وسنة أخرى بكذا وكذا الخ" قال السنديّ. كأنه صوّر المستأجَرَ في المسألة عطاءً، كما يُشير إليه آخر كلام عطاء، وهو قوله: "لا تحاسبني لما مضى"، ومقتضى جوابه أن الإجارة بالطعام عنده جائزة، وقوله: "ويُجزئك الخ"، فإنه لبيان أن السَّنَةَ غير لازمة، وإنما اللازم ما شرطه من الأيام انتهى.
وقوله: "أوَ آجرته" الظاهر أنه بفتح الواو، والهمزة للاستفهام، هو من كلام ابن جريج، كأنه يقول له: وهل يكون هذا إجارة صحيحة، وقد مضى بعض المدّة، فأجابه عطاء بقوله: " إنك لا تحاسبني لما مضى من المدّة، حيث إنه كان على طعامه، وقد استوفاه، وإنما تحاسبه لما تبقّى من المدة، حيث إنه كان بأجرة معلومة.
فقوله: "قال: إنك لا تحاسبني" ضمير "قال" لعطاء، وقال: لا تحاسبني بضمير المتكلّم، كأن عطاء نفسه هو الْمُسْتَأْجَرَ، كما أثار إليه السنديّ في كلامه السابق. هذا ما ظهر لي في حلّ معنى هذا الأثر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
والأثر مقطوع صحيح الإسناد، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا - ١/ ٣٨٨٨ - وفي "الكبرى" ٣/ ٤٦٧٧. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: مناسبة إيراد هذه الآثار الخمسة في هذا الباب، وإن كانت من مسائل الإجارة، كونها مما يُستَوثق شروطها بالكتابة، كما أن شروط المزارعة تستوثق بكتابتها أيضًا، كما أنه أدخل أيضًا في آخره كتابة الشركة، وتفَرُّقَ الزوجين، وكتابةَ العبد، والتدبير، والعتق، حيث إن كلًّا منهما يُحفَظ في وثائق، ولم يُفرد للإجارة، ولا الشركة، ولا الكتابة، ولا التدبير، ولا العتق كتبا مختصّة بها، بل أوردها ضمن كتاب المزارعة، وبحث عن كيفية كتابة وثائقها، ولعله إيثارًا للاختصار. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
[ ٣١ / ١٠٢ ]