"ثم يجيء قوم ينذُرون، ولا يَفُون، ويخونون، ولا يؤتمنون، ويشهدون، ولا يستشهدون، ويظهر فيهم السمن". رواه البخاريّ، ويأتي للنسائيّ برقم -٣٨٣٦. قال: وأجمع المسلمون على صحّة النذر في الجملة، ولزوم الوفاء به. انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أنه سقط من النسّاخ كتابة الترجمة بلفظ: "الحلف بمقلّب القلوب"، بدليل أنه موجود هكذا في "الكبرى"، وبدليل الترجمة التالية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٧٨٨ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرُّهَاوِيُّ (^٢)، وَمُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَتْ يَمِينٌ، يَحْلِفُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا، وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ").
رجالَ هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرُّهَاوِيُّ) أبو الحسين الثقة الحافظ [١١] ٣٨/ ٤٢.
٢ - (مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعيد بن مسروق الكندي المسروقي، أبو عيسى الكوفيّ، ثقة، من كبار [١١] ٧٤/ ٩١.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) العبدي، أبو عبد اللَّه الكوفي، ثقة حافظ [٩] ٥/ ٨٨٢.
٤ - (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧.
٥ - (موسى بن عقبة) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم المدنيّ، ثقة فقيه، إمام في المغازي [٥] ٩٦/ ١٢٢.
٦ - (سالم بن عبد اللَّه بن عمر) بن الخطاب العدويّ المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٣/ ٤٩٠.
٧ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخيه، فالأول من أفراده، والثاني تفرد به هو، والترمذيّ، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى سفيان، غير شيخه أحمد، فرُهاويّ، والباقون مدنيون.
_________________
(١) "المغني" ١٣/ ٦٢١. "كتاب النذور".
(٢) "الرُّهاويّ" بالضم: نسبة إلى رُها مدينة بالجزيزة. قاله في "لبّ اللباب" ١/ ٣٦٣.
[ ٣٠ / ٢٦٩ ]
(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، موسى، عن سالم. (ومنها): أن سالمًا من الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العباددة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَالِمِ) هكذا في رواية الثوريّ، عن موسى بن عقبة، وكذا قال ابن المبارك، عن موسى بن عُقبة، عند البخاريّ في "القدر"، وهو المحفوظ، وشذّ النفيليّ، فقال: "عن ابن المبارك، عن موسى، عن نافع"، بدل "سالم"، أخرجه أبو داود في رواية ابن داسة. أفاده في "الفتح" (^١) (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ -، أنه (كَانَتْ يَمِينٌ) اليمين مؤنثة؛ ولذا أُلحقت التاء بـ "كان". قال الفيّوميّ: ويَمِين الحلفِ أنثى، وتُجمع على أَيمُنٍ، وأَيْمَانٍ. قاله ابن الأنباريّ. قيل: سمّي الحلِفُ يمينًا؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كلُّ واحد منهم بيمينه على يمين صاحبه، فسمّي الحلف يمينًا مجازًا. انتهى.
وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: المراد باليمين المحلوف به، و"عليها" بمعنى "بها"،
ثم الظاهر نصب "اليمين" على الخبريّة؛ لأن قوله: "لا، ومقلّب القلوب" قد أُريد به
لفظه، فيجري عليه حكم المعارف، فيتعيّن أن يكون اسم "كانت"، إلا أن يقال:
"كانت" فيها ضمير القصّة. انتهى.
(يَحْلِفُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِﷺ -) أي كثيرًا ففي رواية البخاريّ من طريق ابن المبارك، عن موسى بن عقبة في "القدر": "كثيرًا ما كان النبيّ - ﷺ - يحلف … "، ومن طريقه أيضًا في "التوحيد": "أكثر ما كان النبيّ - ﷺ - يحلف … ". وأخرجه ابن ماجه من وجه آخر عن الزهريّ، بلفظ: "كان أكثر أيمان رسول اللَّه - ﷺ -: "لا، ومصرّف القلوب"
("لَا) إما زائدة لتأكيد القسم، كما في قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ [القيامة: ١]، أو لنفي ما تقدّم من الكلام، مثل أن يقال له: هل الأمر كذا، فيقول: "لا، ومقلّب القلوب". قاله السنديّ.
(وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ) هذا هو المقسَم به.
والمرادَ بتقليبَ القلوب تقليب أعراضها، وأحوالها، لا تقليب ذات القلب. فالمعنى أنه تعالى متصرّف في قلوب عباده بما شاء، لا يمتنع عليه شيء منها، ولا تفوته إرادة.
وقال الكرمانيّ: ما معناه: كان يحتمل أن يكون المعنيُّ بقوله: "مقلّب القلوب" أن يجعل القلب قلبًا، لكن مظانّ استعماله تنشأ عنه، ويستفاد منه أن أعراض
_________________
(١) "فتح" ١٣/ ٣٥٦. "كتاب القدر".
[ ٣٠ / ٢٧٠ ]
القلب، كالإرادة وغيرها بخلق اللَّه تعالى، وهي من الصفات الفعليّة، ومرجعها إلى القدرة. انتهى (^١).
وقال الراغب الأصفهانيّ: قَلبُ الشيء: تصريفه، وصرفه عن وجه إلى وجه، كقلب الثوب، وقلب الإنسان، أي صرفه عن طريقته. قال: وتقليب القلوب والبصائر: صرفها من رأي إلى رأي، والتقلُّبُ: التصرُّفُ. قال تعالى. ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٦]. وقلب الإنسان سُمي به؛ لكثرة تقلّبه.
وُيعبّر بالقلب عن المعاني التي يختصّ بها، من الروح، والعلم، والشجاعة، وقوله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ الآية [الأحزاب: ١٠] أي الأرواح، وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ الآية [ق: ٣٧] أي علمٌ، وفهمٌ، وقوله تعالى: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ١٠]، أي تثبت به شجاعتكم، ويزول خوفكم. انتهى الراغب (^٢).
وقال القاضي أبو بكر بن العربيّ: القلب جزء من البدن، خلقه، وجعله للإنسان محلّ العلم، والكلام، وغير ذلك، من الصفات الباطنة، وجعل ظاهر البدن محلّ التصرّفات الفعليّة والقوليّة، ووكل بها ملكًا يأمر بالخير، وشيطانًا يأمر بالشرّ، فالفعل بنوره يهديه، والهوى بظلمته يُغويه، والقضاء والقدر مسيطرٌ على الكلّ، والقلب يتقلّب بين الخواطر الحسنة والسيّئة، واللِّمَّة من الملك تارة، ومن الشيطان أخرى، والمحفوظ من حفظه اللَّه تعالى انتهى (^٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١/ ٣٧٨٨ و٣٧٨٩ - وفي "الكبرى" ٢/ ٤٧٠٣ و٣/ ٤٧٠٤. وأخرجه (خ) في "القدر" ٦٦١٧ و"الأيمان والنذور" ٦٦٢٧ و"التوحيد" ٧٣٩١ (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٦٣ (ت) في "الأيمان والنذور" ١٥٤٠ (في) في "الكفارات" ٢٠٩٢ (أحمد)
_________________
(١) "فتح" ١٥/ ٣٣٠ "كتاب التوحيد". رقم الحديث ٧٣٩١.
(٢) "مفرات ألفاظ القرآن" ص ٦٨١ - ٦٨٢.
(٣) راجع "الفتح" ١٣/ ٣٧٤.
[ ٣٠ / ٢٧١ ]
في "مسند المكثرين" ٥٣٤٥ و٦٠٧٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): أن فيه دلالة على مشروعيّة الحَلِفِ على الشيء؛ تأكيدًا له. (ومنها): استحباب الحلف بقوله: "لا، ومقلّب القلوب". (ومنها): أن فيه أن أعمال القلوب من الإرادات، والدواعي، وسائر الأعراض بخدق اللَّه تعالى. (ومنها): أن فيه جواز تسمية اللَّه تعالى بـ "مقلّب القلوب"، و"مصرّف القلوب"، ونحو ذلك مما ثبت من صفاته تعالى في الكتاب والخبر الصحيح، وإن لم يتواتر، على الوجه الذي يليق به. (ومنها): إثبات
صفة التقليب للَّه ﷾ على ما يليق بجلاله. (ومنها): أن في الحديث حجةً لمن أوجب الكفّارة على من حلف بصفة من صفات اللَّه تعالى، فحنث، ولا نزاع في أصل ذلك، وإنما الخلاف في أيُّ صفة تنعقد بها اليمينُ؟، والتحقيق أنها مختصّة بالتي لا يُشاركه فيها غيره، كمقلّب القلوب. (ومنها): ما قاله القاضي أبو بكر بن العربيّ -رحمه اللَّه تعالى-: في الحديث جواز الحلف بأفعال اللَّه تعالى، إذا وُصف بها، ولم يُذكر اسمه، قال: وفرّق الحنفيّة بين القدرة والعلم، فقالوا: إن حلف بقدرة اللَّه انعقدت يمينه، وإن حلف بعلم اللَّه، لم تنعقد؛ لأن العلم يُعبّر به عن المعلوم، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ الآية [الأنعام: ١٤٨].
والجواب أنه هنا مجازٌ، إن سُلّم أن المراد به المعلوم، والكلام إنما هو في الحقيقة انتهى (^١). (ومنها): ما قال البيضاويّ: في نسبة تقليب القلوب إلى اللَّه تعالى إشعارٌ بأنه يتولى قلوب عباده، ولا يكلها إلى أحد من خلقه. وفي دعائه - ﷺ - "يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك" إشارة إلى شمول ذلك للعباد حتى الأنبياء، ورفع توهّم من يتوهّم أنهم يُستثنَون من ذلك، وخصّ نفسه بالذكر إعلامًا بأن نفسه الزكيّة إذا كانت مفتقرةً إلى أن تلجأ إلى اللَّه ﷾، فافتقار غيرها ممن هو دونه أحقّ بذلك (^٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
_________________
(١) راجع "الفتح" ١٣/ ٣٧٤ "كتاب الأيمان والنذور".
(٢) راجع "الفتح" ١٥/ ٥٣٣٠ "كتاب التوحيد".
[ ٣٠ / ٢٧٢ ]