أي هذا بابَ ذكر الأحاديث الدّالّة على تحريم إراقة دم المسلم بغير حقّ.
٣٩٦٧ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارِ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى -وَهُوَ ابْنُ سُمَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ الْمُشْرِكِينَ، حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَإِذَا شَهِدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَلَّوْا صَلَاتَنَا، وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا، وَأَكَلُوا ذَبَائِحَنَا، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ، وَأَمْوَالُهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا»).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (هارون بن محمد بن بكّار بن بلال) العامليّ الدمشقيّ، صدوق [١١] ١٢٨/ ١٠٩١.
٢ - (محمد بن عيسى بن سُميع) -بالتصغير-: هو الأمويّ مولاهم، الدمشقيّ، صدوقٌ يُخطىء، وُيدلّس، ورُمي بالقدر [٩] ٢٤/ ١٦٦٣.
٣ - (حُميد الطويل) ابن أبي حميد، أبو عبيدة البصريّ، ثقة يُدلّس [٥] ٨٧/ ١٠٨.
٤ - (أنس بن مالك) الأنصاريّ الصحابيّ الخادم الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٨٧) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أن فيه دمشقيين، وبصريين. (ومنها): أن فيه أنسًا - ﵁ - من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - بالبصرة، مات سنة (٩٢) أو (٩٣)، وهو من المعمّرين، فقد جاوز عمره مائة سنة. واللَّه تعالى أعلم.
[ ٣١ / ٢٢٤ ]
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، وفي رواية للبخاريّ تصريح حميد الطويل بالتحديث، ولفظه: قال ابن أبي مريم: أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثنا حميد، حدثنا أنس، عن النبيّ - ﷺ -.
وقال علي بن عبد اللَّه، حدثنا خالد بن الحارث، قال: حدثنا حميد، قال: سأل ميمون بن سياه، أنس بن مالك، قال: يا أبا حمزة ما يُحرِّم دمَ العبد وماله؟ فقال: "من شهد أن لا إله إلا اللَّه، واستقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم".
قال في "الفتح": لَمّا لم يكن في قول حميد: "سأل ميمون بن سياه أنسًا" التصريح بكونه حضر ذلك عقبه بطريق يحيى بن أيوب التي فيها تصريح حُميد بأن أنسًا حدّثهم؛ لئلا يُظنّ أنه دلّسه، ولتصريحه أيضًا بالرفع، وإن كان للأخرى حكمها. وقد روينا طريق يحيى بن أيوب موصولةً في "الإيمان" لمحمد بن نصر، ولابن منده، وغيرهما، من طريق ابن أبي مريم المذكور.
وأعلّ الإسماعيليّ طريق حميد المذكورة، فقال: الحديث حديث ميمون، وحُميد إنما سمعه منه، واستدلّ على ذلك برواية معاذ بن معاذ، عن حميد، عن ميمون، قال: سألتُ أنسًا، قال: وحديث يحيى بن أيوب لا يُحتجّ به -يعني في التصريح بالتحديث- قال: لأن عادة البصريين، والشاميين ذكر الخبر فيما يروونه.
قال الحافظ: هذا التعليل مردودٌ، ولو فُتح هذا الباب لم يوثق برواية مدلّس أصلًا، ولو صرّح بالسماع، والعمل على خلافه، ورواية معاذ لا دليل فيها على أن حميدًا لم يسمعه من أنس؛ لأنه لا مانع أن يسمعه من أنس، ثم يستثبت فيه من ميمون؛ لعلمه بأنه كان السائلَ عن ذلك، فكان حقيقًا بضبطه، فكان حُميد تارةً يُحدِّث به عن أنس لأجل العلوّ، وتارة عن ميمون؛ لكونه ثبته فيه، وقد جرت عادة حميد بهذا، يقول: حدّثني أنسٌ، وثبّتني فيه ثابت، وكذا وقع لغير حُميد. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم.
(عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أنه (قَالَ: "أُمِرْتُ) بالبناء للمفعول: أي أمرني اللَّه؛ لأنه لا أمر لرسول اللَّه - ﷺ - إلا اللَّه، وقياسه في الصحابيّ، إذا قال: أُمرتُ، فالمعنى أمرني رسول اللَّه - ﷺ -، ولا يحتمل أن يُريد أمرني صحابيّ آخر؛ لأنهم من حيث إنهم مجتهدون لا
_________________
(١) "فتح" ٢/ ٥٤ - ٥٥. "كتاب الصلاة" رقم ٣٩٣.
[ ٣١ / ٢٢٥ ]
يحتجّون بأمر مجتهد آخر، وإذا قاله التابعيّ احتمل، والحاصل أن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك، فُهم منه أنّ الآمر له هو ذلك الرئيس. قاله في "الفتح" (^١).
(أَنْ أُقَاتِلَ الْمُشْرِكِينَ) هذه الرواية مفسّرة للروايات الآتية بلفظ: "أمرت أن أُقاتل الناس"، فالمراد بالناس هو المشركون (حَتَّى يَشْهَدُوا) [إن قيل]: جَعْلُ غاية المقاتلة وجودَ ما ذُكر في هذا الحديث، يقتضي أن من شهد الشهادتين، وأتى بهذه الأمور المذكورة، فقد حرم دمه، وماله، ولو جحد سائر الأحكام الشرعيّة.
[أُجيب]: بأن الشهادة بالرسالة تتضمّن التصديق بما جاء به، مع أن نصّ الحديث بقوله: "إلا بحقّها"، وفي رواية: "إلا بحقّ الإسلام" يدخل فيه جميع أحكام الشريعة.
وحكمة الاقتصار على ما ذكر أن من يقرّ بالتوحيد من أهل الكتاب، وإن صلُّوا، واستقبلوا، وذبحوا، لكنهم لا يُصلُّون مثل صلاتنا، ولا يستقبلون قبْلتنا، ومنهم من يذبح لغير اللَّه تعالى، ومنهم من لا يأكل ذبيحتنا، ولهذا قال: "وأكل ذبيحتنا"، والاطلاع على حال المرء في صلاته، وأكله يمكن بسرعة في أول يوم، بخلاف غير ذلك من أمور الدين. أفاده في "الفتح" (^٢).
(أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَإذَا شَهِدُوا أن لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَلَّوْا صَلَاتَنَا) أي صلّوا كما نصلي نحن، فـ "صلاتنا" منصوب بنزع الخافض، وهو في نفس الأمر صفة لمصدر محذوف، أي صلّوا صلاة كصلاتنا (وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا) إنما ذكر استقبال القبلة، وإن كانت الصلاة متضمّنةٌ له، مشروطةً به؛ لأن القبلة أعرف من الصلاة، فإن كلّ أحد يَعرف قبلته، وإن كان لا يعرف صلاته؛ ولأن من أعمال صلاتنا ما هو موجود في صلاة غيرنا، كالقيام، والقراءة، واستقبالُ قبلتنا مخصوص بنا.
(وَأَكَلُوا ذَبَائِحَنَا) جمع ذبيحة، وفي رواية البخاريّ: "وذبحوا ذبيحتنا" أي ذبحوا المذبوح مثل مذبوحنا.
قال في "عمدة القاري": ثم لَمّا ذكر من العبادات ما يُميّز المسلم من غيره -يعني الصلاة- أعقبه بذكر ما يُميّزه عادةً وعبادةٌ، فقال: "وأكلوا ذبيحتنا"، فإن التوقّف عن أكل الذبائح كما هو من العادات، فكذلك هو من العبادات الثابتة في كلّ ملّة. قال الطيبيّ: وأقول -واللَّه أعلم-: إذا أُجري الكلام على اليهود، سَهُل تعاطى عطف الاستقبال على الصلاة بعد الدخول فيها، ويعضده اختصاص ذكر الذبيحة؛ لأن اليهود
_________________
(١) "فتح" ١/ ١٠٧.
(٢) "فتح" ٢/ ٥٤ "كتاب الصلاة".
[ ٣١ / ٢٢٦ ]
خصوصًا يمتنعون من أكل ذبيحتنا، وهم الذين حين تحوّلت القبلة شنّعوا بقولهم: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]، أي صلّوا صلاتنا، وتركوا المنازعة في أمر القبلة، والامتناع عن أكل الذبيحة؛ لأنه من عطف الخاصّ على العامّ، فلما ذكر الصلاة عطف ما كان الكلام فيه، وما هو مهتمّ بشأنه عليها، كما أنه يجب عليهم أيضًا عند الدخول في الإسلام أن يقرّوا ببطلان ما يُخالفون به المسلمين في الاعتقاد بعد إقرارهم بالشهادة. انتهى (^١).
وفائدة عطف الصلاة، واستقبال القبلة، وأكل الذبيحة على الشهادتين، بيان تحقيق القول بالفعل، وتأكيد أمره، فكأنه قال: إذا قالوها، وحقّقوا معناها بموافقة الفعل لها، تكون محرّمة لدمائهم، وأموالهم، وإنما خُصَّت هذه الثلاثة من بين سائر الأركان، وواجبات الدين، لكونها أظهرها، وأعظمها، وأسرعها علمًا بها، إذ في اليوم الأول من الملاقاة مع الشخص يُعلم صلاته، وطعامه غالبًا، بخلاف نحو الصوم، فإنه لا يظهر الامتياز بيننا وبينهم منه، ونحو الحجّ، فإنه قد يتأخّر إلى شهور، وسنين، وقد لا يجب عليه أصلًا. (^٢).
(فَقَد حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ، وَأَمْوَالُهُمْ) وفي رواية للبخاريّ، من طريق منصور بن سعد، عن ميمون بن سياهٍ، عن أنس بن مالك - ﵁ -، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "من صَلَى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم، الذي له ذمة اللَّه، وذمة رسوله، فلا تُخفِروا اللَّه في ذمته".
وقوله: "ذمّة اللَّه" أي أمانته، وعهده. وقوله: "فلا تُخفروا اللَّه" بضمّ أوله رباعيًّا: أي لا تَغدروا، يقال: أخفرت: إذا غدرتَ، وخَفَرتُ: إذا حَمَيتَ، ويقال: إن الهمزة في أخفرت للإزالة: أي تركتُ حمايته.
وقوله: (فلا تُخفروا اللَّه في ذمّته، أي ولا رسوله، وحُذف لدلالة السياق عليه، أو لاستلزام المذكورِ المحذوفَ. قاله في "الفتح" (^٣).
(إِلَّا بِحَقِّهَا) أي إلا بحقّ الدماء والأموال، كأن يقتل معصوم الدم بغير حقّ، أو يأخذ مال غيره ظلمًا. وزاد في رواية البخاريّ: "وحسابهم على اللَّه": أي حساب سرائرهم على اللَّه ﷾، وكلمة "على" بمعنى اللام، أو المعنى على التشبيه، أي هو كالواجب عليه تعالى في تحقّق وقوعه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع،
_________________
(١) راجع عمدة القاري" ٤/ ١٢٥.
(٢) راجع "عمدة القاري" ٤/ ١٢٦.
(٣) "فتح" ٢/ ٥٣. "كتاب الصلاة" رقم ٣٩١.
[ ٣١ / ٢٢٧ ]
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١/ ٣٩٦٧ و٣٩٦٨ و٣٩٦٩ و"الإيمان وشرائعه" ٩/ ٤٩٩٨ و١٥/ ٥٠٠٣. وأخرجه (خ) في "الصلاة" ٣٩١ و٣٩٣. (د) في "الجهاد" ٢٦٤١ (ت) في "الإيمان" ٢٦٠٨ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٢٦٤٣ و١٢٩٣٥. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تحريم دم المسلم بالتزامه شرائع الإسلام، إلا بحقّه. (ومنها): تحريم مال المسلم، إلا بحقه. (ومنها): أن أمور الناس محمولة على الظاهر، دون الباطن، فمن أظهر شعائر الدين أُجريت عليه أحكام أهله، ما لم يَظهر منه خلاف ذلك، فإذا دخل رجلٌ غريبٌ في بلد من بلاد المسلمين بدين، أو مذهب في الباطن، غير أن عليه زيُّ المسلمين، حُمل على ظاهر أمره على أنه مسلم، حتى يُظهر خلافَ ذلك. (ومنها): أن فيه تعظيمَ شأن القبلة، وأنها من فرائض الصلاة، والصلاة أعظم قربات الدين بعد الشهادتين، فمن ترك القبلة متعمّدًا، فلا صلاة له، ومن لا صلاة له، فلا دين له. (ومنها): أن استقبال القبلة شرط للصلاة مطلقًا، إلا في حالة الخوف، لأدلة أخرى. (ومنها): أن من جملة الشواهد على إسلام الشخص أكل ذبيحة المسلمين، وذلك لأن طوائف من الكتابيين، والوثنيين يتحرّجون من أكل ذبائح المسلمين. (ومنها): أن من دخل في الإسلام له من الحقوق ما للمسلمين، وعليه من الواجبات ما عليهم؛ لقوله في الرواية التالية: "لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٦٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ نُعَيْمٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حِبَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِذَا شَهِدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا، وَأَكَلُوا ذَبِيحَتَنَا، وَصَلَّوْا صَلَاتَنَا، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ، وَأَمْوَالُهُمْ، إِلاَّ بِحَقِّهَا، لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْهِمْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه
[ ٣١ / ٢٢٨ ]
من أفراده، وهو مروزيّ ثقة. و"حِبّان" -بالكسر-: هو ابن موسى المروزيّ. و"عبد اللَّه": هو ابن المبارك.
[تنبيه]: "حميد الطويل" هكذا وقع في النسخة الهنديّة، و"الكبرى"، وهو الصواب، ووقع في النسخ المطبوعة: "حميد ابن الطويل"، وهو غلطٌ لأن الطويل صفة لِحُميد، لا لوالده، وإنما قيل له ذلك؛ لطول في يديه، وقيل: لأنه كان له جارٌ اسمه حميد، وكان قصيرًا، ففرّقوا بينهما بوصف هذا بالطويل، وذاك بالقصير. قال الأصمعيّ: رأيت حميدًا، ولم يكن بطويل، ولكن كان طويل اليدين، وكان قصيرًا، لم يكن بذاك الطويل، ولكن كان له جارٌ، يقال له: حُميد القصير، فقيل: حُميد الطويل؛ ليُعرف من الآخر. انتهى. وقال النوويّ في "تهذيب الأسماء": كان حميدٌ لطول يديه يقف عند البيت، فتصل إحدى يديه رأسه، والأخرى رجديه. انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم.
والحديث أخرجه البخاريّ، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٦٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حُمَيْدٌ، قَالَ: سَأَلَ مَيْمُونُ بْنُ سِيَاهٍ، أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، مَا يُحَرِّمُ دَمَ الْمُسْلِمِ وَمَالَهُ؟ فَقَالَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَصَلَّى صَلَاتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فَهُوَ مُسْلِمٌ، لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ).
قال الجامع عفا اللَّه تَعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا، غير:
١ - (ميمون بن سِياهٍ) -بكسر المهملة، بعدها تحتانيّةٌ- أبي بحرٍ البصريّ، صدوق عابد يُخطىء [٤].
قال أبو حاتم: ثقة. وقال حمزة، عن الدارقطنيّ: يُحتجّ به. وقال مسلم بن إبراهيم، عن سلّام بن مسكين: ميمون بن سياهٍ سيّد القرّاء. وقال الحسن بن سفيان: يقال: إنه سيّد القرّاء. وقال سعيد بن عامر، عن حَزْم القُطَعيّ: كان لا يغتاب أحدًا، ولا يَدَعُ أحدًا يَغتاب عنده. وقال الدُّوريّ، عن يحيى بن معين: ضعيف. وقال أبو داود: ليس بذاك. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: يُخطىء، ويُخالف، ثم أعاد ذكره في "الضعفاء"، فقال: ينفرد بالمناكير عن المشاهير، لا يُحتجّ به إذا انفرد. وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف. وقال كَهْمَس: كان ميمون أسنّ من الحسن البصريّ. تفرّد به
_________________
(١) راجع هامش "خلاصة الخزرجيّ" ص٩٤.
[ ٣١ / ٢٢٩ ]
البخاريُّ، والمصنّف، وله عندهما حديث أنس - ﵁ - المذكور، وقد أعاد المصنّف الحديث في "كتاب الإيمان" برقم ٩/ ٤٩٩٨.
والحديث أخرجه البخاريّ، كما سبق بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٧٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ أَبُو الْعَوَّامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، ارْتَدَّتِ الْعَرَبُ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، كَيْفَ تُقَاتِلُ الْعَرَبَ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ»، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا، مِمَّا كَانُوا يُعْطُونَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ، قَالَ عُمَرُ: فَلَمَّا رَأَيْتُ رَأْىَ أَبِي بَكْرٍ قَدْ شُرِحَ، عَلِمْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن عاصم": هو الكلابيّ القيسيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوق، في حفظه شيء، من صغار [٩] ١٧/ ١٥٥٢. و"عمران أبو الْعَوَّام": هو ابن دَاور القطّان البصريّ، صدوقٌ يَهِم، ورُمي برأي الخوارج [٧] ٩/ ٤٦٦. و"معمر": هو ابن راشد.
وقوله: "تُوُفّي الخ" بالبناء للمفعول. وقوله: "عناقًا" بفتح المهملة، بوزن سحاب: هي الأنثى من ولد العز، وهي ليست من سن الزكاة، فإما هو للمبالغة، أو مبنيّ على أن من عنده أربعون سَخْلةٌ يجب عليه واحدة منها، وأن حول الأمهات حول للنتاج، فلا يُستأنف لها حول.
وفي الروايات الآتية: "عِقَالًا"،-بالكسر- بدل "عَنَاقًا"، قيل: أراد به الحبل الذي يُعقل به البعير، وقيل: غير ذلك، مما سبق بيانه في "كتاب الزكاة".
وقوله: "فلما رأيت رأي أبي بكر قد شُرح الخ" هو بمعنى قوله الآتي: "رأيت اللَّه قد شَرَحَ صدرَ أبي بكر الخ"، أطلق الرأي على الصدر؛ لأن الرأي يصدُرُ من القلب الذي محلّه الصدر.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث تقدّم في "كتاب الزكاة" رقم ٣/ ٢٤٤٤ - من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وتقدم شرحه، وبيان مسائله هناك، وكذا سبق في "كتاب الجهاد" برقم ١/ ٣٠٩٤ من حديث أنس - ﵁ - بسند الباب ومتنه، وتقدّم أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، قال: "عمران القطّان ليس بالقويّ في الحديث، وهذا الحديث خطأٌ، والذي قبله هو الصواب، حديثُ الزهريّ، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن أبي هريرة - ﵁ -. انتهى.
[ ٣١ / ٢٣٠ ]
والحاصل أن الحديث بهذا السند لا يصحّ؛ لما ذُكر، وأما متنه، فهو صحيحٌ متّفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ -، كما سيسوقه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بطرقه المختلفة بعد هذا، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٧١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ عُمَرُ لأَبِى بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ، إِلاَّ بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ».، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا، كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ، قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ، مَا هُوَ إِلاَّ أَنِّي رَأَيْتُ اللَّهَ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
وقوله: "لَمّا توفّي" بالبناء للمفعول، وكذا قوله: "استُخلف". وقوله: "كيف تقاتل الناس" أي الذين امتنعوا عن أداء الزكاة.
وقوله: "إلا بحقه" الضمير لما ذُكر من المال، والنفس، أفرده باعتبار المذكور.
والحديث متّفقٌ عليه، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله في "كتاب الزكاة" -٣/ ٢٤٤٣ - والحمد للَّه، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٧٢ - (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلاَّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ، فَلَمَّا كَانَتِ الرِّدَّةُ، قَالَ عُمَرُ لأَبِى بَكْرٍ: أَتُقَاتِلُهُمْ، وَقَدْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، يَقُولُ كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَلأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، فَقَاتَلْنَا مَعَهُ، فَرَأَيْنَا ذَلِكَ رُشْدًا.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: سُفْيَانُ فِي الزُّهْرِيِّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَهُوَ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "زياد بن أيوب": هو الحافظ البغداديّ المعروف بدلّويه.
[ ٣١ / ٢٣١ ]
و"محمد بن يزيد" الكَلَاعيّ مولى خَوْلان، أبو سعيد، أو أبو يزيد، أو أبو إسحاق الواسطيّ، شاميّ الأصل، ثقة ثبتٌ عابد، من كبار [٩].
قال أحمد بن حنبل: كان ثبتًا في الحديث، وكان يزيد -يعني ابن هارون- إذا قيل له في الحديث: هو في كتاب محمد بن يزيد كذا كأنه يخاف يتوقّاه. ووثقه ابن معين، وأبو داود، والنسائيّ. وقال نُعيم بن حماد: سمعت وكيعًا يقول: إن كان أحدٌ من الأبدال فهو محمد بن يزيد الواسطيّ. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال عليّ بن حُجْر: نِعْم الشيخُ كان. وقال أسلم في "تاريخ واسط": كان يقال: إنه مستجاب الدعوة، أخبرني تميم -يعني ابن المنتصر- أنه توفي سنة (١٩٠). وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة (١٨٨) وفيها أرّخه ابن سعد، وقال: كان ثقة. وقال ابن حبّان مرّة: مات سنة تسعين، ويقال: سنة تسع وثمانين، وقال مطين: مات سنة (١٩١) وقال ابن قانع: سنة (١٨٨) وقالوا: سنة (١٩٢). روى له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث، وحديث آخر في "كتاب الإيمان" برقم -٨٢/ ٥٢٩٥ - حديث أبي الأحوص: دخلت على رسول اللَّه - ﷺ -، فرآني سيء الهيئة، فقال النبيّ - ﷺ -: "هل لك من شيء؟ "، قال: نعم من كلّ المال قد آتاني اللَّه، فقال: "إذا كان مالٌ، فليُرَ عليك".
و"سفيان": هو ابن حُسين الواسطيّ، ثقة في غير الزهريّ باتفاقهم [٧] ٤١/ ١٧٦.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في "كتاب الزكاة" -٣/ ٢٤٤٣. فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله: (قَالَ: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: سُفْيَانُ فِي الزُّهْرِيّ، لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَهُوَ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ).
يعني أن سفيان بن حسين، وإن كان ثقة، إلا أنه ضعيف في روايته عن الزهريّ خاصّة، وهذا الذي قاله المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- وافقه عليه غيره، فقالوا: ثقة بالاتفاق في غير الزهريّ، كما أسلفته آنفًا.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر تصرّف المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يدلّ على أنه يرجّح كونه الحديث من مسند أبي هريرة - ﵁ -، كما هو رواية يونس عن الزهريّ، حيث ضعّف سفيان بن حسين في الزهريّ، وأتبعه برواية يونس، عن الزهريّ، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة ن - ﵁ -: "أن رسول اللَّه - ﷺ - … " الحديث.
لكن سفيان بن حسين لم ينفرد بهذا لحديث، بل تابعه عليه غيره من ثقات أصحاب الزهريّ، فقد تابعه شعيب بن أبي حمزة عند البخاريّ، وكذا عند المصنّف في روايته
[ ٣١ / ٢٣٢ ]
الآتية قريبًا، وتابعه أيضًا عقيل بن خالد عند البخاريّ، بل أكثر الرواة يوافقون سفيان بن حسين في هذا.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ما ملخّصه: رواه الأكثر عن الزهريّ بهذا السند على أنه من رواية أبي هريرة، عن عمر، وعن أبي بكر - ﵄ -. وقال يونس بن يزيد عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب أن أبا هريرة أخبره أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: "أمرتُ أن أقاتل الناس … " الحديث، فساقه على أنه في مسند أبي هريرة - ﵁ -، ولم يذكر أبا بكر، ولا عمر، أخرجه مسلم. وهو محمولٌ على أن أبا هريرة - ﵁ - سمع أصل الحديث من النبيّ - ﷺ -، وحضر مناظرة أبي بكر وعمر، فقصّها كما هي، ويؤيّده أنه جاء عن أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - بلا واسطة من طرُق، فأخرجه مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، ومن طريق أبي صالح ذكوان كلاهما عن أبي هريرة - ﵁ -. وأخرجه ابن خزيمة من طريق أبي العنبس سعيد بن كثير بن عُبيد، عن أبيه، وأخرجه أحمد من طريق همّام بن منبّه، ورواه مالك خارج "الموطّإ" عن أبي الزناد، عن الأعرج، وذكره ابن منده في "كتاب الإيمان" من رواية عبد الرحمن بن أبي عمرة، كلّهم عن أبي هريرة - ﵁ -. ورواه عن النبيّ - ﷺ - أيضًا ابن عمر، عند البخاريّ، وجابر، وطارق الأشجعيّ، عند مسلم، وأخرجه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ من حديث أنس، وأصله عند البخاريّ، وأخرجه الطبريّ من وجه آخر عن أنس، وهو عند ابن خزيمة من وجه آخر عنه، لكن قال: "عن أنس، عن أبي بكر"، وأخرجه النسائيّ، والبزّار من حديث النعمان بن بشير، وأخرجه النسائيّ من حديث أوس - ﵁ -، وأخرجه الطبريّ من حديث سهل بن سعد، وابنِ عبّاس، وجرير البجليّ، وفي الأوسط من حديث سمرة - ﵃ -. انتهى كلام الحافظ بزيادة (^١).
والحاصل أن كون حديث أبي هريرة - ﵁ -، من مسند أبي بكر وعمر - ﵄ - هو رواية أكثر الرواة عن أبي هريرة - ﵁ -، وكونه من مسنده أيضًا صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٧٣ - قَالَ: الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ، إِلاَّ بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ -﷿-». جَمَعَ
_________________
(١) "فتح" ١٤/ ٢٧٨ - ٢٧٩.
[ ٣١ / ٢٣٣ ]
شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو مصريّ ثقة فقيه حافظ.
وغرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بيان مخالفة يونس لسفيان بن حسين في روايته لهذا الحديث، حيث جعله من مسند أبي هريرة - ﵁ -، وقد سبق الجواب عن هذا في الحديث الذي قبله، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
وقوله (جَمَعَ شُعَيْبُ بْنُ أَبي حَمْزَةَ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا) أي روى حديثي الزهريّ المذكورين، حديثه عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن أبي هريرة - ﵁ - بقصّة عمر مع أبي بكر - ﵄ -، وحديثه عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة - ﵁ - من مسنده" لكن مراده بالجمع رواية الحديثين، لا أنه جمعهما بسند واحد، كما يتبيّن من صنيعه، فإنه أخرج كلّا من الروايتين بإسنادين منفصلين، فقد ساق الرواية الأولى بقوله:
٣٩٧٤ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ، إِلاَّ بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ -﷿-»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، فَوَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا، كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا، قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ، إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُ اللَّهَ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: (أحمد بن محمد بن المغيرة): هو الأزديّ الحمصيّ، صدوقٌ [١١] ٦٩/ ٨٥ من أفراد المصنّف. و"عثمان": هو ابن سعيد بن كثير بن دينار القرشيّ مولاهم، أبو عمرو الحمصيّ، ثقة عابد [٩] ٦٩/ ٨٥. والباقون من رجال الصحيح، و"شعيب": هو ابن أبي حمزة الحمصيّ.
وقوله: "وكان أبو بكر الخ" "كان" هنا تامّة، أي حصل ووُجد، أو هي ناقصة، وخبرها محذوف، أي خليفةً، ويدلّ لهذا الرواية الأخرى بلفظ: "واستُخلف أبو بكر".
وقوله: "ما هو الخ" أي ليس سبب رجوعي إلى رأي أبي بكر - ﵁ - إلا لرؤيتي شرح اللَّه ﷾ صدر أبي بكر - ﵁ - لإصابة الحقّ في قتال المرتدّين، فرجعت إلى الحقّ. والحديث متَّفَقٌ عليه، كما سبق قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[ ٣١ / ٢٣٤ ]
ثم ساق الرواية الثانية لشُعيب بقوله:
٣٩٧٥ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَمَنْ قَالَهَا، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ، إِلاَّ بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ. خَالَفَهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ).
الحديث متّفقٌ عليه، كما سبق آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (خَالَفَهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) يعني أن الوليد بن مسلم الدمشقيّ خالف عثمان بن سعيد في روايته لهذا الحديث، عن شعيب بن أبي حمزة، فجعله عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة - ﵁ - بقصّة أبي بكر وعمر - ﵄ -.
وحاصل الخلاف بينهما أن عثمان بن سعيد رواه عن شعيب، فجعل الحديث عن الزهريّ، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن أبي هريرة بالقصّة المذكورة، فجعله من مسند عمر - ﵁ -، ورواه عن شعيب عن الزهريّ، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة - ﵁ - من مسنده، وأما الوليد فرواه عن شعيب، عن الزهريّ، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة، من مسند عمر - ﵁ -، لكن الوليد وإن كان ثقة، إلا أنه مشهور بتدليس التسوية، فهو وإن صرّح هنا بالتحديث عن شيوخه، فربما دلّس على من فوقهم، فلا تعارض روايته رواية عثمان بن سعيد المذكورة.
هذا كلّه بالنسبة للإسناد، وأما المتن فقد تقدّم أنه صحيح من مسند أبي هريرة - ﵁ -، ومن مسند عمر - ﵁ -، فأبو هريرة - ﵁ - سمع أصل الحديث من النبيّ - ﷺ -، ثم حضر واقعة أبي بكر وعمر - ﵃ -، فرواه مع قصّتهما. ثم ساق رواية الوليد، فقال:
٣٩٧٦ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنِي شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَذَكَرَ آخَرَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: فَأَجْمَعَ أَبُو بَكْرٍ لِقِتَالِهِمْ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلاَّ بِحَقِّهَا»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا، كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا، قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ، إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِقِتَالِهِمْ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن سليمان": هو الرُّهاويّ الحافظ، من أفراد
[ ٣١ / ٢٣٥ ]
المصنّف. و"مؤمّل -بوزن محمد- ابن الفضل": هو أبو سعيد الْجَزَريّ، صدوق [١٠] ١/ ٣٠٩٣.
وقوله: "وذكر آخر" لم أعرفه. وقوله: "فأجمع أبو بكر الخ" بقطع الهمزة، بمعنى عزم، يقال: أجمعت المسيرَ والأمر، وأجمعت عليه، يتعدّى بنفسه، وبالحرف: إذا عزمتَ عليه. أفاده الفيّوميّ.
والكلام مرتّبٌ على محذوف، تدلّ عليه الروايات الأخرى، أي ارتدّ بعض القبائل في خلافة أبى بكر - ﵁ -، ومنعوا الزكاة، فأجمع الخ. والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٧٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ح وَأَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا، مَنَعُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلاَّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ -﷿-»).
"محمد بن عبد اللَّه بن المبارك": هو الْمُخَرِّميّ، أبو جعفر البغداديّ الثقة الحافظ [١١] ٤٣/ ٥٠.
و"أحمد بن حرب": هو الطائيّ الموصليّ، صدوق [١٠] ١٠٢/ ١٣٥ من أفراد المصنّف.
[تنبيه]: وقعِ في النسخ المطبوعة من "المجتبى"، و"الكبرى" "محمد بن حرب"، وهو غلط فاحشٌ، والصواب "أحمد بن حرب"، وهو الذي في النسخة الهنديّة، و"تحفة الأشراف" ٩/ ٣٧٧.
و"أبو معاوية"؛ هو محمد بن خازم الضرير الكوفيّ الحافظ الثبت، أحفظ من روى عن الأعمش. و"أبو صالح": هو ذكون السمّان الزيّات.
والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٧٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا مَنَعُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلاَّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
[ ٣١ / ٢٣٦ ]
و"إسحاق": هو ابن راهويه. و"يعلى بن عُبيد": هو الطنافسيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقة، إلا في حديثه عن الثوريّ، ففيه ليّن، من كبار [٩] ١٠٥/ ١٤٠. و"أبو سفيان": هو طلحة بن نافع الواسطيّ الإسكاف، نزيل مكّة، صدوقٌ [٤] ٢١/ ٣٨٢٣.
وقوله: "وعن أبي صالح" عطف على أبي سفيان، فالأعمش يروي الحديث بالطريقين: طريق أبي سفيان، عن جابر - ﵁ -، وطريقِ أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ -.
والحديث أخرجه مسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٧٩ - (أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «نُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، إِلاَّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "القاسم بن زكريّا بن دينار": هو أبو محمد الكوفيّ الطحان، ثقة [١١] ٨/ ٤١٠. و"عُبيد اللَّه بن موسىى": هو العبسيّ الكوفيّ. و"شيبان": هو ابن عبد الرحمن النحويّ. و"عاصم": هو ابن أبي النَّجُود.
و"زياد بن قيس" القرشيّ مولاهم المدنيّ مقبول [٣].
روى عن أبي هريرة - ﵁ -، وعنه عاصم بن بَهْدَلة. ذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
والحديث صحيح؛ لشواهده التي تقدّمت. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٨٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاكٍ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَجَاءَ رَجُلٌ، فَسَارَّهُ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ»، ثُمَّ قَالَ: «أَيَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ؟»، قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنَّمَا يَقُولُهَا تَعَوُّذًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا تَقْتُلُوهُ، فَإِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلاَّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"الأسود بن عامر": هو أبو عبد الرحمن الشاميّ، نزيل بغداد، الملقّب بشاذان، ثقة [٩] ٧/ ٤٠٧.
و"إسرائيل": هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقة
[ ٣١ / ٢٣٧ ]
٧٥/ ١٠٠٦. و"سماك": هو ابن حرب بن أوس بن خالد الذهليّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوق، وقد تغيّر بآخره، فكان ربّما يتلقّن [٤] ٢/ ٣٢٥.
و"النعمان بن بَشِير": هو الصحابيّ ابن الصحابيّ الأنصاريّ الْخزرجيّ، سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم قُتل بحمص سنة (٦٥) وله (٦٤) سنة - ﵁ -.
وقوله: "سارّه" أي تكلم معه سرًّا. وقوله: "فقال: اقتلوه" قال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: الضمير لمن تكلّم فيه السارُّ، وهو الظاهر، أو للسّارّ، وكأنه تكلّم بكلام عَلِمَ منه - ﵁ - أنه ما دخل الإيمان في قلبه، فأراد قتله، ثم رجع إلى تركه حين تفكّر في إسلامه، أي إظهاره الإيمان ظاهرًا، إذ مدار العصمة عليه، لا على الإيمان الباطنيّ. وظاهر هذا التقدير يقتضي أنه قد يجتهد في الحكم الجزئيّ، فيخطىء في المناط، نعم لا يقرّ عليه، ولا يقضي الحكم بالنظر إليه، بل يوقف للرجوع من ساعته إلى درك المناط، والحكم به، ولا يخفى بُعده. والأقرب أن يقال: إنه قد أُذن له في العمل بالباطن، فأراد أن يعمل به، ثم ترجّح عنده العمل بالظاهر؛ لكونه أعمّ، وأشمل له، ولأمته، فمال إليه، وترك العمل بالباطن، وبعض الأحاديث يشهد لذلك، وعلى هذا فقوله: "إنما أُمرت"، أي وجوبًا، وإلا فأُذن له في القتل بالنظر إلى الباطن. واللَّه تعالى أعلم. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "أو للسّارّ" فيه نظر لا يخفى، إذ يردّه قوله في الرواية الآتية-٣٩٨٣ -: " فجاء رجلٌ، فسارّه، فقال: اذهب، فاقتله"، فإنه لا شكّ أن الخطاب للسّارّ، فيكون المقتول غيره، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "قال: نعم" أي قال السارّ، أو من توجّه إليه بالسؤال. قاله السنديّ. قال الجامع: فيه ما تقدّم، فالصواب أن القائل هو السارّ، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: جعل المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "الكبرى" هذه الرواية خطأ، وصوّب التالية: ونصه: قال أبو عبد الرحمن: حديث الأسود بن عامر هذا خطأ، والصواب الذي بعده. انتهى.
يعني أن كون الحديث عن النعمان بن بشير - رضي اللَّه تعالى عنهما - خطأٌ، وإنما الصواب كونه عن النعمان بن سالم، عن رجل. وإنما خطّأ المصنّف الأسود في هذا لمخالفته لعبيد اللَّه بن موسى، فإنه رواه عن إسرائيل، عن النعمان بن سالم، عن رجل، وروايته توافق رواية زهير بن معاوية، وشعبة، فإنهما روياه عن سماك، عن النعمان بن سالم، عن أوس بن أبي أوس. وكذلك رواية حاتم بن أبي صغيرة، فإنه رواه عن النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس، عن أبيه، فحكم المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- على
[ ٣١ / ٢٣٨ ]
رواية الأسود بن عامر بكونها خطأ؛ لما ذُكر (^١).
والحديث قد عرفت الكلام فيه آنفًا، وأن الصواب كونه من مسند أوس بن أوس الثقفي - ﵁ -، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ١/ ٣٩٨٠ - وفي "الكبرى" ١/ ٣٤٤١. وأخرجه البزّار في "مسنده"، كما عزاه إليه الحافظ في "الفتح"، ولم يعزه إلى المصنّف، وكان هو الأولى. واللَّه تعالى أعلم.
ثم أورد -رحمه اللَّه تعالى- ما أشار إلى أنه الصواب، فقال:
٣٩٨١ - قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ رَجُلٍ حَدَّثَهُ، قَالَ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَنَحْنُ فِي قُبَّةٍ، فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَقَالَ فِيهِ: «إِنَّهُ أُوحِىَ إِلَيَّ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ …»، نَحْوَهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا في رواية "المجتبى"، معلّقًا بقوله: "قال عُبيد اللَّه"، وهو ابن موسى بن أبي الْمختار باذام العبسيّ الكوفيّ المذكور في السند الماضي. وأورده في بعض نسخ "الكبرى" موصولًا، فقال: "أخبرنا أحمد بن سليمان، قال: ثنا عبيد اللَّه، حدّثنا إسرائيل … " الخ، وهذا هو الذي اعتمد عليه في "تحفة الأشراف"، فذكره موصولًا، ولم يُشر إلى كونه معلّقًا.
و"أحمد بن سليمان" شيخه هو المذكور قبل أربعة أحاديث. و"النعمان بن سالم": هو الطائفيّ، ثقة [٤] ٦٧/ ٨٣.
وقوله: "نحوه" أي روى عُبيد اللَّه نحو حديث الأسود المذكور.
والحديث صحيح من هذا الوجه، كما سبق بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٨٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سِمَاكٌ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَوْسًا يَقُولُ، دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَنَحْنُ فِي قُبَّةٍ …) وَسَاقَ الْحَدِيثَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الحسن بن محمد بن أَعْيَنَ": هو أبو عليّ الْحرّانيّ، صدوق [٩] ١٦/ ٦٤٩. و"زُهير": هو ابن معاوية بن حُديج الجعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ الثقة الثبت [٧] ٣٤/ ٤٢.
_________________
(١) صحح الحديث بهذا السند الشيخ الألبانيّ في "صحيح النسائيّ" ٣/ ٨٣٧ وفي "سلسلته الصحيحة" ١/ ٦٩٦. نظرًا لصحة السند، ولم يلتفت إلى إعلال المصنف له، لكن الذي يظهر أن العلة التي أظهرها المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- مانعة من الحكم بصحّته من حديث النعمان بن بشير، وإنما هو من حديث أوس بن أوس الثقفيّ - ﵁ -، كما رواه الجماعة. فليُتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
[ ٣١ / ٢٣٩ ]
و"أوس": هو ابن أبي أوس، واسم أبي أوس حذيفة الثقفيّ الصحابيّ - ﵁ - تقدّم في ٦٧/ ٨٣.
وقوله: "وساق الحديث" الضمير لزهير، أي ساق زهير الحديث المذكور بتمامه.
والحديث صحيح من هذا الوجه، كما مرّ آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٨٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَوْسًا، يَقُولُ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ، فَكُنْتُ مَعَهُ فِي قُبَّةٍ، فَنَامَ مَنْ كَانَ فِي الْقُبَّةِ، غَيْرِي وَغَيْرُهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ، فَسَارَّهُ، فَقَالَ: «اذْهَبْ، فَاقْتُلْهُ»، فَقَالَ: «أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟»، قَالَ: يَشْهَدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «ذَرْهُ»، ثُمَّ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا، حَرُمَتْ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، إِلاَّ بِحَقِّهَا».
قَالَ مُحَمَّدٌ: فَقُلْتُ لِشُعْبَةَ، أَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ: «أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟»، قَالَ: أَظُنُّهَا مَعَهَا، وَلَا أَدْرِي).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد": هو ابن جعفر المعروف بغندر. وقوله: "ذَرْه" -بفتح الذال المعجمة، وسكون الراء -أي اتركه. وقوله: "قال محمد الخ": هو ابن جعفر غندر، وإنما سأله تثبّتًا، فأجابه شعبة بظنه أنه في الحديث، ولكن لا يدري يقينًا.
والحديث صحيح، أخرجه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا - ١/ ٣٩٨٣ - وفي "الكبرى" ١/ ٣٤٤٤. وأخرجه (ق) في "الفتن" ٣٩٢٩ (أحمد) في "مسند المدنيين" ١٥٧٢٧ (الدارمي) في "السير" ٢٤٤٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٨٤ - (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ أَوْسًا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، ثُمَّ تَحْرُمُ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، إِلاَّ بِحَقِّهَا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "هارون بن عبد اللَّه": هو الحمّال البغداديّ الحافظ. و"عبد اللَّه بن بكر": هو السهميّ الباهليّ، أبو وهب البصريّ، نزيل بغداد، ثقة حافظ [٩] ٥٥/ ٣٥٣٢.
و"حاتم بن أبي صغيرة": هو أبو يونس البصريّ، واسم أبي صغيرة مسلم، جدّه لأمه، أو زوج أمه، ثقة [٦] ٦٦/ ١٨٠٠. و"عمرو بن أوس": هو الثقفيّ الطائفيّ،
[ ٣١ / ٢٤٠ ]
تابعيّ كبير ذكره ابن حبّان في "الثقات"، ووهم من ذكره في الصحابة [٢] ١٧/ ٦٥٣.
والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٨٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ، يَخْطُبُ، وَكَانَ قَلِيلَ الْحَدِيثِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَخْطُبُ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، يَقُولُ: «كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ، إِلاَّ الرَّجُلُ يَقْتُلُ الْمُؤْمِنَ، مُتَعَمِّدًا، أَوِ الرَّجُلُ يَمُوتُ كَافِرًا»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن المثنّى) العنزيّ الزَّمِنُ أبو موسى البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٢ - (صفوان بن عيسى) الزهريّ، أبو محمد القسّام البصريّ، ثقة [٩] ٣٧/ ١٢٧٢.
٣ - (ثور) بن يزيد، أبو خالد الحمصيّ ثقة ثبت، رمي بالقدر [٧] ٧/ ٥٠٤.
٤ - (أبو عون) الأعور الأنصاريّ الشاميّ، اسمه عبد اللَّه بن أبي عبد اللَّه، مقبول [٥].
روى عن أبي إدريس الخولانيّ، وعنه ثور بن يزيد، وأرطاة بن المنذر. ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الحاكم أبو أحمد: أبو عون عبد اللَّه الشاميّ الأعور، سمّاه أحمد بن عُمير، روى عن أبي إدريس، وسعيد بن المسيّب، ويقال: إن أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم روى عنه. انتهى. وكذا ذكر مسلم في الرواة عنه ابن حَزْم. وذكر ابن عبد البرّ في "الكنى": أنه روى عن عثمان مرسلًا، وزاد في الرواة عنه الزُّبَيديّ. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٥ - (أبو إدريس) عائذ اللَّه بن عبد اللَّه، الخَوْلانيّ الشاميّ، وُلد في حياة النبيّ - ﷺ - يوم حُنين، وسمع من كبار الصحابة، ومات سنة (٨٠)، قال سعيد بن عبد العزيز: كان عالم الشام بعد أبي الدّرداء - ﵁ -، تقدّم في ٧٢/ ٨٠
٦ - (معاوية) بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأمويّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، أسلم قبل الفتح، وكتبَ الوحي للنبيّ - ﷺ -، ومات في رجب سنة (٦٠)، وقد قارب (٨٠)، تقدّم في ٢٨٦/ ٣٩٤. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، غير أبي عون، فإنه من أفراد المصنّف، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، وعيسى بن صفوان، فبصريان. (ومنها): أن فيه رواية
[ ٣١ / ٢٤١ ]
تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ) الخولانيّ -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان - رضي اللَّه تعالى عنهما - (يَخْطُبُ) جملة حالية في محلّ نصب (وَكَانَ قَلِيلَ الْحَدِيثِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) أي كان معاوية - ﵁ - ممن لا يُكثر الرواية عنه - ﷺ -؛ إما لكونه مشغولا بأمر الخلافة، أو لغير ذلك (قَالَ: سَمِعتُهُ يَخْطُبُ) فاعل "قال" ضمير معاوية - ﵁ -، فالجملة مؤكّدة لما قبلها (يَقُولُ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، يَقُولُ: "كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ، إِلَّا الرَّجُلُ) أي إلا ذنب الرجل، فالكلام على حذف مضاف (يَقْتُلُ الْمُؤمِنَ، مُتَعَمِّدًا، أَوِ الرَّجُلُ) أي أو إلا ذنب الرجل (يَمُوتُ كَافِرًا) هذا الحديث بظاهره يعارض قوله -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية. فلا بدّ من تأويله، فقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: وكأن المراد كلّ ذنب تُرجى مغفرته ابتداءً، إلا قتل المؤمن، فإنه لا يُغفر بلا سبق عقوبة، وإلا الكفر، فإنه لا يُغفر أصلًا، ولو حُمل على القتل مستحلًّا لا يبقى المقابلة بينه وبين الكفر، ثم لا بُد من حمله على ما إذا لم يتب، وإلا فالتائب من الذنب، كمن لا ذنب له، كيف، وقد يدخل القاتل والمقتول الجنّة معًا، كما إذا قتله، وهو كافر، ثم آمن، وقُتل. انتهى.
وحمل المناويّ تبعًا لغيره الحديث على ما إذا استحلّ، وإلا فهو تهويلٌ وتغليظ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله السنديّ أقرب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث معاوية - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أخرجه هنا- ١/ ٣٩٨٥ - وفي "الكبرى" ١/ ٣٤٤٦. وأخرجه (أحمد) في "مسند الشاميين" ١٦٤٦٤. (الحاكم) في "المستدرك"، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبيّ.
[تنبيه]: أخرج أبو داود -رحمه اللَّه تعالى- هذا الحديث في "سننه" من حديث أبي الدرداء - ﵁ -، فقال:
حدثنا مؤمل بن الفضل الحرّاني، حدثنا محمد بن شعيب، عن خالد بن دِهْقان، قال: كنا في غزوة القُسطنطينية، بِذُلُقْيَةَ، فأقبل رجل من أهل فلسطين، من أشرافهم وخيارهم، يَعرِفون ذلك له، يقال له: هانئ بن كُلثوم بن شريك الكناني، فسلم
[ ٣١ / ٢٤٢ ]
على عبد اللَّه بن أبي زكريا، وكان يعرف له حقّه، قال لنا خالد: فحدثنا عبد اللَّه بن أبي زكريا، قال. سمعت أم الدرداء، تقول: سمعت أبا الدرداء، يقول: سمعت رسول اللَّه - ﷺ -، يقول: "كلُّ ذنب عسى اللَّه أن يغفره، إلا من مات مشركا، أو مؤمنٌ قتل مؤمنا متعمدا". وهو حديث صحيح، ورجاله كلهم ثقات، وخالد بن دهقان وثّقه أبو مسهر، وأبو زرعة الدمشقيّ، ودُحَيم، وغيرهم، فقول الحافظ في "التقريب": مقبول غير مقبول. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الثانية): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تحريم دم المسلم.
(ومنها): تعظيم شأن قتل المسلم، وسيعقد له المصنّف بعد هذا بابًا مستقلًا (ومنها): سعة رحمة اللَّه تعالى، حيث يغفر الذنوب جميعًا، إلا المستثنى. (ومنها): تعظيم شأن الشرك باللَّه تعالى، وأن من مات مشركًا، لا يُرجى له العفو، كما قال اللَّه -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية [النساء: ٤٨]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٨٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ (^١)، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا، إِلاَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ، كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ بن حسّان البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤٢/ ٤٩.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ (^٢) الكوفيّ، ثقة ثبت إمام [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي، ثقة ثبت يدلس [٥] ١٧/ ١٨.
٥ - (عبد اللَّه بن مُرّة) الهمدانيّ الخارفيّ الكوفيّ، ثقة [٣] ١٧/ ١٨٦٠.
[تنبيه]: وقع في كثير من نسخ "المجتبى"، و"الكبرى": "عبد الرحمن بن مرّة"،
_________________
(١) وفي رواية حفص بن غياث عن الأعمش: "حدّثني عبد اللَّه بن مرّة". فصرّح بالتحديث. قاله في "الفتح" ١٤/ ١٧٣.
(٢) وأخرج البخاريّ الحديث عن قبيصة، عن سفيان، عن الأعمش الخ، فقال في "الفتح": سفيان هو الثوريّ، ويخمل أن يكون ابن عُيينة، فسيأتي في "الاعتصام" من رواية الحميديّ عنه: حدثنا الأعمش. انتهى. قلت: لكن الذي يترجّح عندي في سند المصنّف أنه الثوريّ؛ لأن عبد الرحمن ابن مهديّ من كبار الآخذين عن الثوريّ، فإذا أطلقه فهو الثوريّ. واللَّه تعالى أعلم.
[ ٣١ / ٢٤٣ ]
وهو غلطٌ، والصواب "عبد اللَّه بن مرّة"، كما هو في النسخة الهنديّة، و"تحفة الأشراف" ٧/ ١٤٣ - ١٤٤. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمدنيّ، أبو عائشة الكوفيّ، مخضرم ثقة فقيه عابد [٢] ٩٠/ ١١٢.
٧ - (عبد اللَّه) بن مسعود الهذليّ الصحابيّ الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣٥/ ٣٩. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، وعبد الرحمن، فبصريّان. (ومنها): أن شيخه أحد المشايخ التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن عبد اللَّه بن مُرّة، عن مسروق. (ومنها). أن فيه "عبد اللَّه" مهملًا، والقاعد أنه إذا أطلق عند الكوفيين فإنه ابن مسعود - ﵁ -، كما تقدّم غير مرّة، قال الحافظ السيوطيّ في "ألفية الحديث":
وَحَيْثُمَا أُطلِقَ عَبْدُ اللَّهِ فِي … طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرٍ وَإِنْ يَفِي
بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيرِ أَوْ جَرَى … بِكُوفَةٍ فَهوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى
وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرِ … وَالشَّامَ مَهْمَا أُطْلِقَ ابْنُ عَمْرِو
وقد تقدّم هذا غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود - ﵁ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أنه (قَالَ: "لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا) وفي رواية للبخاريّ: "وليس من نفس تُقتَلُ ظلمًا". قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: يدخل فيه بحكم عمومه نفس الذمّيّ، والمعاهد، إذا قُتلا ظُلمًا؛ لأنّ نفسًا نكرة في سياق النفي، فهي للعموم. انتهى.
(إِلاَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ) بالجرّ صفة لـ "ابن"، أي الذي هو أول في القتل، ويحتمل أن يكون المراد الأول في الولادة. واللَّه أعلم.
وقال في "الفتح": وهو قابيل، عند الأكثر، وعكس القاضي جمال الدين بن واصل في "تاريخه"، فقال: اسم المقتول قابيل، اشتُقّ من قبول قربانه. وقيل: اسمه قابن بنون بدل اللام بغير ياء. وقيل: قبن مثله بغير ألف. انتهى. وقال في "الفتح" أيضًا في موضع آخر: واختُلف في اسم القاتل، فالمشهور قابيل بوزن المقتول، لكن أوله هاء. وقيل:
[ ٣١ / ٢٤٤ ]
اسم المقتول قَيْن بلفظ الْحَدّاد. وقيل: قاين بزيادة ألف. وذكر السدّيّ في "تفسيره" عن مشايخه بأسانيده أن سبب قتل قابيل لأخيه هابيل أن آدم - ﵇ - كان يزوج ذكر كلّ بطن من ولده بأنثى الآخر، وأن أخت قابيل كانت أحسن من أخت هابيل، فأراد قابيل أن يستأثر بأخته، فمنعه آدم، فلمّا ألحّ عليه أمرهما أن يُقربا قُربانًا، فقرب قابيل حُزْمة من زرع، وكان صاحب زرع، وقرب هابيل جذعة سمينة، وكان صاحب مواش، فنزلت نار، فأكلت قربان هابيل، دون قابيل، وكان ذلك بسبب الشرّ بيهما، وهذا هو المشهور.
ونقل الثعلبيّ بسند واهٍ عن جعفر الصادق أنه أنكر أن يكون آدم زوّج ابنا له بابنة له، وإنما زوّج قابيل جنّيّةً، وزوّج هابيل حُوريّةً، فغضب قابيل، فقال: يا بُنيّ ما فعلته إلا بأمر من اللَّه، فقرِّبا قربانًا. وهذا لا يثبت عن جابر، ولا عن غيره، ويلزم منه أن بني آدم من ذريّة إبليس؛ لأنه أبو الجنّ كلّهم، أو من ذريّة الحور العين، وليس لذلك أصلٌ، ولا شاهد. انتهى (^١).
وأخرج الطبريّ عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: كان من شأنهما أنه لم يكن مسكين يُتصدّق عليه، إنما كان القربان يقرّبه الرجل، فمهما قُبل تنزل النار، فتأكله، وإلا فلا. وعن الحسن. لم يكونا ولدي آدم لصلبه، وإنما كانا من بني إسرائيل. أخرجه الطبريّ. ومن طريق ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، قال: كانا ولدي آدم لصلبه، وهذا هو المشهور، ويؤيّده حديث الباب لوصفه "ابنَ" بأنه الأول، أي أول ما وَلَد آدم، ويقال: إنه لم يولد في الجنّة لآدم غيره وغير توأمته، ومن ثَمّ فخر على أخيه هابيل، فقال: نحن من أولاد الجنّة، وأنتما من أولاد الأرض. ذكر ذلك ابن إسحاق في "المبتدإ". وعن الحسن: ذُكر لي أن هابيل قُتل وله عشرون سنة، ولأخيه القاتل خمس وعشرون سنة. وتفسير هابيل هبة اللَّه، ولَمّا قُتل هابيل، وحزِن عليه آدم وُلد له بعد ذلك شيث، ومعناه عطية للَّه، ومنه انتشرت ذرّية آدم. وقال الثعلبيّ: ذكر أهل العلم بالقرآن أن حوّاء وَلَدت لآدم أربعين نفسًا في عشرين بطنًا، أولهم قابيل، وأخته اقليما، وآخرهم عبد المغيث، وأمة المغيث، ثم لم يمت حتى بلغ ولده، وولد ولده أربعين ألفًا، وهلكوا كلّهم، فلم يبق بعد الطوفان إلا ذرّيّة نوح، وهو من نسل شيث، قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافّات: ٧٧]، وكان معه في السفينة ثمانون نفسًا، وهم المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠]، ومع ذلك فما بقي إلا نسل نوح، فتوالدوا حتى ملأوا الأرض. انتهى (^٢).
_________________
(١) "فتح" ٧/ ١٣. "كتاب أحاديث الأنبياء" رقم ٣٣٣٥.
(٢) "فتح" ١٤/ ١٧٣ - ١٧٤. "كتاب الديات" رقم الحديث ٦٨٦٧.
[ ٣١ / ٢٤٥ ]
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الحكايات معظمها تكون من الإسرائليّات، فالله تعالى أعلم بصحّتها.
[تنبيه]: اختُلف في كيفيّة قتله، وموضعه: فعن السدّيّ: شَدَخ رأس أخيه بحجر، فمات. وعن ابن جريج: تمثّل له إبليس، فأخذ بحجر، فشدخ به رأس طير، ففعل ذلك قابيل، وكان ذلك على جبل ثور. وقيل: على عقبة حراء. وقيل: بالهند. وقيل: بموضع المسجد الأعظم بالبصرة، وكان من شأنه في دفنه ما قصّه الله تعالى في كتابه. قاله في "الفتح".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الاختلافات من جنس ما قبلها، لا يُعتمد على شيء منها، إذ لا تعتمد على حجة، فلا ينبغي الركون إليها، وإنما الركون والاعتماد على ما قصّه الله في كتابه العزيز، فقط، حيث قال الله ﷾: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا﴾ إلى قوله -﷿-: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٧ - ٣١]. والله تعالى أعلم.
(كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا) بكسر الكاف، وسكون الفاء: النصيب، وأكثر ما يُطلق على الأجر، والضِّعْفُ على الإثم، ومنه قوله تعالى: ﴿كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾، ووقع على الإثم في قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾. قاله في "الفتح " (وَذَلِكَ أنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ) أي فهو متبوع في هذا الفعل، وللمتبوع نصيب من فعل تابعه، وإن لم يقصد التابع اتّباعه في الفعل.
وقال القرطبيّ -رحمه الله تعالى-: هذا نصّ على تعليل ذلك الأمر؛ لأنه لما كان أول من قتل، كان قتله ذلك تنبيهًا لمن أتى بعده، وتعليمًا له، فمن قتل كأنه اقتدى به في ذلك، فكان عليه من وزره، وهذا جارٍ في الخير والشرِّ، كما قد نصّ عليه النبيّ - ﷺ - بقوله: "من سنّ في الإِسلام سنّة حسنة، كان له أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ في الإِسلام سنّة سيّئةً كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة". رواه مسلم. قال: وبهذا الاعتبار يكون على إبليس كفلٌ من معصية كلّ من عصى بالسجود (^١)؛ لأنه أول من عصى به. انتهى (^٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:.
_________________
(١) هكذا عبارة "المفهم"، ولعل الأولى: "كلّ من عصى بعدم السجود الخ"، فليُتأمل.
(٢) "المفهم" ٥/ ٤٠ - ٤١. "كتاب القسامة".
[ ٣١ / ٢٤٦ ]
حديث عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١/ ٣٩٨٦ - وفي "الكبرى" ١/ ٣٤٤٧. وأخرجه (خ) في "أحاديث الأنبياء" ٣٣٣٥ و"الديات" ٦٨٦٧ و"الاعتصام بالكتاب والسنّة" ٧٣٢١ (م) في "القسامة والمحاربين" ١٦٧٧ (ت) في "العلم" ٢٦٧٣ (ق) في "الديات" ٢٦١٦ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٣٦٢٣ و٤٠٨١ و٤١١٢. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تحريم دم المسلم إلا بالحق، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الآية [الإسراء: ٣٣]. (ومنها): أن من سنّ شيئًا، كُتب له، أو عليه، وقد أخرج مسلم، وأصحاب السنن، من حديث جرير بن عبد اللَّه البجليّ - ﵁ -: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "من سنّ في الإسلام سنة حسنة، فعُمِل بها بعده، كُتِب له مثلُ أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة، فعُمل بها بعده، كتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء".
وهذا محمولٌ على إذا ما لم يتب ذلك القاتل الأول من تلك المعصية؛ لأن آدم - ﵇ - أول من خالف في أكل ما نُهي عنه، ولا يكون عليه شيء من أوزار من عصى بأكل ما نهُي عنه، ممن بعده بالإجماع؛ لأن آدم - ﵇ - تاب من ذلك الذنب، وتاب اللَّه عليه، فصار كأن لم يَجْنِ، فإن التائب من الذنب، كمن لا ذنب له. أفاده القرطبيّ (^١).
(ومنها): أن هذا الحديث أصل في أن المعونة على ما لا يحلّ حرام. قاله في "الفتح" (^٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
_________________
(١) "المفهم" ٥/ ٤١. "كتاب القسامة".
(٢) "فتح" ١٤/ ١٧٤ "كتاب الديات".
[ ٣١ / ٢٤٧ ]