قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن جمهور الرواة جعلوه من مسند النعمان بن بشير - ﵄ -، وخالف في ذلك الأوزاعيّ عن ابن شهاب، أن محمد بن النعمان، وحميد بن عبد الرحمن حدثاه، عن بشير بن سعد، فجعله من مسند بشير، فشذّ بذلك، والمحفوظ رواية الجماعة، أنهما يرويانه عن النعمان - ﵁ -، لا عن أبيه بشير - ﵁ -. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٦٩٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ ح وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: سَمِعْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، أَنَّ أَبَاهُ نَحَلَهُ غُلَامًا، فَأَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -، يُشْهِدُهُ، فَقَالَ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَارْدُدْهُ». وَاللَّفْظُ لِمُحَمَّدٍ).
_________________
(١) "النهاية" ٥/ ٢٩.
[ ٣٠ / ١٨٩ ]
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قتيية بن سعيد) الثقفي البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ١٩/ ٢٠ من أفراد المصنف.
٣ - (سفيان) بن عُيينة، أبو محمد المكي، ثقة ثبت حجة [٨] ١/ ١.
٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١.
٥ - (حُميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهريّ المدنيّ ثقة [٢] ٣٢/ ٧٢٥.
٦ - (محمد بن النعمان) بن بشير الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ، ثقة [٣].
روى عن أبيه، وجدّه. وروى عنه الزهريّ، مقرونًا بحميد بن الرحمن. قال العجليّ: مدنيّ تابعي ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقد ذكره مسلم في الطبقة الأولى من أهل المدينة. روى له الجماعة، سوى أبي داود حديث النُّحْل مقرونًا، ورواه النسائيّ وحده من حديث الزهريّ، عن محمد وحده عن جدّه بشير. قال الحافظ: وهو خطأ من الراوي عن الزهريّ. قال: وقرأت بخط الذهبيّ: حديثه عن جدّه مرسل انتهى. وهذا بناء على روايته عنه انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "من حديث الزهريّ، عن محمد وحده" هذا غير صحيح، فإن رواية النسائيّ مقرونة بحميد بن عبد الرحمن، كما سيأتي برقم (٣٧٠٢) فليُتنبّه.
٧ - (النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ) بن سعد بن ثعلبة الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابي ابن الصحابيّ - ﵄ -، سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم قُتل بحمص سنة (٦٥)، وله (٦٤) سنة، تقدمت ترجمته في -١٩/ ٥٢٨. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الثاني، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ، وقتيبة بغلاني، ومحمد بن منصور، وسفيان مكيّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّين، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) بن سعد - رضي اللَّه تعالى عنهما -.
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٣/ ٧١٩.
[ ٣٠ / ١٩٠ ]
[تنبيه]: قد روى هذا الحديث عن النعمان بن بشير - ﵁ - عدد كثير من التابعين، غير حميد بن عبد الرحمن، ومحمد بن بن النعمان، منهم: عروة بن الزبير، عند مسلم، والمصنّف، وأبي داود، وأبو الضُّحى عند المصنّف، وابنِ حبّان، وأحمد، والطحاويّ. والمفضل بن المهلَّب، عند المصنّف، وأحمد، وأبي داود. وعبدُ اللَّه ابن عُتبة بن مسعود، عند أحمد. وعون بن عبد اللَّه، عند أبي عوانة. والشعبيّ عند المصنّف، وفي "الصحيحين"، وأبي داود، وأحمد، وابن ماجه، وابن حبّان، وغيرهم. ورواه عن الشعبيّ عدد كثير أيضًا، وسنذكر ما في رواياتهم من الفوائد الزائدة على هذا الطريق، مفضلاّ، إن شاء اللَّه تعالى، كما اعتنى بذلك الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وغيره.
(أَنَّ أَبَاهُ) بشير بن سعد بن ثعلبة بن الْجُلَاس -بضمّ الجيم، وتخفيف اللام- الخزرجيّ، صحابيّ مشهور، شهد بدرّا، وغيرها، ومات في خلافة أبي بكر سنة ثلاث عشرة، ويقال: إنه أول من بايع أبا بكر من الأنصار. وقيل: عاش إلى خلافة عمر.
روى عن النبيّ - ﷺ - هذا الحديث فقط، على خلاف فيه. وروى عنه ابنه النعمان، وابن ابنه محمد، وعروة، وحُميد بن عبد الرحمن بن عوف. وروايتهم عنه مرسلة، سوى النعمان. وذكر ابن سعد في "الطبقات" أنه كان يكتب بالعربيّة في الجاهليّة، وأمّره النبيّ - ﷺ - على بعض السرايا، واستعمله على المدينة في عمرة القضاء.
وذكر ابن إسحاق، والواقديّ أنه قُتل يَوْمَ عين التمر مع خاقد بن الوليد مُنصرَفه من اليمامة سنة (١٢)، لكن روى البخاريّ في "تاريخه" من طريق الزهريّ، عن محمد بن النعمان بن بشير، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب قال يومًا، وحوله المهاجرون والأنصار: أرأيتم لو ترخّصت في بعض الأمر، ماذا كنتم فاعلين؟ قال: فقال له بشير ابن سعد: لو فعلت قوّمناك تقويم الْقِدْح، فقال عمر: أنتم إذًا أنتم. وهذا يدلّ على أنه بقي إلى خلافة عمر - ﵄ - (^١).
(نَحَلَهُ) من باب فتح: أي أعطاه. وفي الرواية التالية: "إن أباه أتى به إلى رسول اللَّه - ﷺ - "، وفي رواية الشعبيّ: "أعطاني أبي عطيّة، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تُشهد رسول اللَّه - ﷺ -، فأتى رسول اللَّه - ﷺ -، فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطيّة"، وفي رواية أبي حيّان، عن الشعبيّ (^٢) بيان سبب سؤالها شهادة رسول اللَّه - ﷺ -، ولفظه: عن النعمان، قال: سَأَلَتْ أمي أبي بعضّ الموهبة لي من ماله، فالتوى بها
_________________
(١) "فتح" ٥/ ٥٢٨ "كتاب الهبة"، و"تهذيب التهذيب" ١/ ٢٣٤.
(٢) يأتي برقم ٣٧٠٧ و٣٧٠٨ و٣٧٠٩.
[ ٣٠ / ١٩١ ]
سنة" أي مطلها. وفي رواية ابن حبّان من هذا الوجه: "بعد حولين"، ويُجمع بينهما بأن المدة كانت سنة وشيئًا، فجبر الكسر تارة، وألغاه أخرى، قال: "ثم بدا له، فوهبها لي، فقالت له: لا أرضى حتى تُشهد النبيّ - ﷺ -، قال: فأخذ بيدي، وأنا غلام"، ولمسلم من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، عن النعمان: "انطلق بي أبي، يحملني إلى رسول اللَّه - ﷺ - "، ويجميع بينهما بأنه أخذ بيده، فمشى معه بعض الطريق، وحمله في بعصها لصغر سنّة، أو عبّر عن استتباعه إياه بالحمل.
(غُلَامًا) الأصل فيه الابن الصغير، ويُطلق مجازًا على الرجل باعتبار ما كان عليه، ويُجمع على غِلْمة في القلّة، وعلى غِلمان في الكثرة، والمراد به هنا العبد.
ثمّ إن رواية هذا الباب صريحة في أن الذي أعطى بشير وقده النعمان هو غلام، ووقع في رواية ابن حنان، والطبرانيّ من طريق أبي حّرِيز -بمهملة، وراء، ثم زاي، بوزن عظيم- عن الشعبيّ: "أن النعمان بن بشير، خطب بالكوفة، فقال: إن والدي بشير بن سعد أتى النبيّ - ﷺ -، فقال: إن عمرة بنت رواحة نُفست بغلام، وإني سمّيته النعمان، وإنها أبت أن تربّيه حتى جعلت له حديقة من أفضل مال، هو لي، وأنها قالت: أشهِد على ذلك رسول اللَّه - ﷺ -، وفيه قوله - ﷺ -: "لا أشهد على جور".
وجمع ابن حبّان بين الروايتين بالحمل على واقعتين: إحداهما عند ولادة النعمان، وكانت العطيّة حديقةً، والأخرى بعد أن كبر النعمان، وكانبت العطيّة عبدًا. وهو جمع لا بأس به، إلا أنه يعكُر عليه أنه يبعد أن ينسى بشير بن سعد مع جلالته الحكم في المسألة حتى يعود إلى النبيّ - ﷺ -، فيستشهده على العطيّة الثانية بعد أن قال له في الأولى: "لا أشهد على جَوْر".
وجوّز ابن حبّان أن يكون بشير ظنّ نسخ الحكم. وقال غيره: يحتمل أن يكون حمل الأول على كراهة التنزيه، أو ظنّ أنه لا يلزم من الامتناع في الحديقة الامتناع في العبد؛ لأن ثمن الحديقة في الأغلب أكثر من ثمن العبد.
قال الحافظ: ثم ظهر وجهٌ آخر من الجمع، يسلم من هذا الخدش، ولا يحتاج إلى جواب، وهو أن عمرة لمَاّ امتنعت من تربيته، إلا أن يهب له شيئًا، يخصّه به وهبه الحديقة المذكورة تطييبًا لخاطرها، ثم بدا له، فارتجعها؛ لأنه لم يقبضها منه أحدٌ غيره، فعاودته عمرة في ذلك، فمطلها سنة، أو سنتين، ثم طابت نفسه أن يهب له بدل الحديقة غلاما، ورضيت عمرة بذلك، إلا أنها خشيت أن يرتجعه أيضًا، فقالت له: أشهد على ذلك رسول اللَّه - ﷺ -، تريد بذلك تثبيت العطيّة، وأن تأمن من رجوعه فيها، ويكون مجيئه إلى النبيّ - ﷺ - للإشهاد مرّة واحدةً، وهي الأخيرة، وغاية ما فيه أن بعض الرواة
[ ٣٠ / ١٩٢ ]
حفظ ما لم يحفظ بعض، أو كان النعمان يقصّ بعض القصّة تارة، ويقصّ بعضها أخرى، فسمع كلٌّ ما رواه، فاقتصر عليه. واللَّه تعالى أعلم. انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن هذه التأويلات كلّها يظهر ليها التعسّف، والتكلّف، فالأولى أن تُجعل رواية الجماعة في أن ما وهبه غلام هي المحفوظة، ورواية الحديقة شاذّة. واللَّه تعالى أعلم.
(فَأَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -، يُشهِدُهُ) بضم أوله، من الإشهاد (فَقَالَ) - ﷺ - (أَكُلَّ ولَدِكَ) زاد في رواية أبي حيّان: "فقال ألك ولد سواه؟ قال: نعم". وقال مسلم لَمّا رواه من طريق الزهريّ: أما يونس ومعمر، فقالا: "أكلّ بنيك"، وأما الليث وابن عيينة، فقالا: "أكلّ ولدك". ولا منافاة بينهما؛ لأن لفظ الولد يشمل ما لو كانوا ذكورًا، أو إناثًا وذكورًا، وأما لفظ البنين، فإن كان ذكورًا، فظاهر، وإن كانوا إناثًا وذكورًا، فعلى سبيل التغليب. ولم يذكر ابن سعد لبشير واقد النعمان ولدًا غير النعمان، وذكر له بنتًا اسمها أُبية - بالموحّدة، تصغير أبى. قاله في "الفتح" (نَحَلْتَ؟) وفي رواية مالك: "أكلّ ولدك نحلته"، وفي رواية عروة، عن بشير: "أكلّ ولدك نحلته مثل ذا"، وفي رواية داود، عن الشعبيّ: "كلّ ولدك نحلت مثل الذي نحلت نعمان"، وفي رواية له:، أفكلهم وهبت لهم مثل الذي وهبت لابنك هذا؟ "، وفي رواية له: "فأعطيتهم مثل ما أعطيت لهذا" (قَالَ) بشير (لَا) وفي رواية ابن القاسم، في "الموطّآت للدارقطنيّ عن مالك: "قال: لا واللَّه، يا رسول اللَّه" (قَالَ) - ﷺ - (فَارْدُدْهُ) وفي رواية مالك التالية: "فارجعه"، وفي رواية الشعبيّ: "فلا أشهد على شيء"، هذا لفظ "المجتبى"، ولفظ "الكبرى": "فأَشْهِدْ على هذا غيري، أليس يسرّك أن يكونوا إليك في البرّ سواءً؟، قال: بلى، قال: فلا إذًا"، وفي رواية له: "فلا تشهدني إذًا، فإني لا أشهد على جور"، وفي رواية عروة: "فكره النبيّ - ﷺ - أن يشهد له"، وفي رواية أبي الضحى، عن النعمان: "ألا سوّيت بينهم"، وفي رواية الشعبيّ عند البخاريّ: "قال: فرجع، فردّ عطيّته"، ولمسلم: "فردّ تلك الصدقة"، وفي رواية المغيرة، عن الشعبيّ، عند مسلم: "اعدلوا بين أولادكم في النُّحل، كما تحبّون أن يعدِلوا بينكم في البرّ"، وفي رواية مجالد، عن الشعبيّ، عند أحمد: "إن لبنيك عليك من الحقّ أن تعدل بينهم، فلا تشهدني على جور، أيسرّك أن يكونوا إليك في البرّ سواءً؟ قال: بلى، قال: فلا إذًا"، ولأبي داود من هذا الوجه: "إن لهم عليك من الحقّ أن تعدل بينهم، كما أن لك عليهم من الحقّ أن يبرّوك".
_________________
(١) "فتح" ٥/ ٥٢٨ - ٥٢٩. "كتاب الهبة".
[ ٣٠ / ١٩٣ ]
وكلّ هذه الألفاظ المختلفة في هذه القصّة متقاربة في المعنى.
(واللَّفْظُ لِمُحَمَّدِ) يعني أن هذا السياق لشيخه محمد بن منصور، وأما شيخه قتيبة، فرواه بمعناه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث النعمان بن بشير - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- من رقم-٣٦٩٩ - إلى ٣٧١٣ - وفي "الكبرى" ١/ ٦٤٩٩ - ٦٥١٤. وأخرجه (خ) في "الهبة" ٢٥٨٦ و٢٥٨٧ و"الشهادات" ٢٦٥٠ (م) في "الهبات" ١٦٢٣ (د) في "البيوع" ٣٥٤٢ و٣٥٤٤ (ت) في "الأحكام" ١٣٦٧ (ق) في "الأحكام" ٢٣٧٥ و٢٣٧٦ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٧٨٩٠ و١٧٩٠٢ و١٧٩١١ (الموطأ) في "الأقضية" ١٤٧٣. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة النُّحل إذا لم يكن هناك ما يمنعه، من تفضيل بعض الأولاد على بعض. (ومنها): الندب إلى التأليف بين الإخوة، وترك ما يوقع بينهم الشحناء، أو يورث العقوق للآباء. (ومنها): أن عطيّة الأب لابنه الصغير في حجره لا تحتاج إلى قبض، وأن الإشهاد فيها يُغني عن القبض. وقيل: إن كانت الهبة ذهبًا، أو فضّةً فلا بدّ من عزلها، وإفرازها. (ومنها): كراهة تحمّل الشهادة فيما ليس بمباح. (ومنها): مشروعيّة الإشهاد في الهبة، وليس بواجب. (ومنها): جواز الميل إلى بعض الأولاد، والزوجات، دون بعض، وإن وجبت التسوية بينهم في غير ذلك. (ومنها): أن للإمام الأعظم أن يتحمّل الشهادة، وتظهر فائدتها، إما ليحكم في ذلك بعلمه عند من يُجيزه، أو يؤدّيها عند بعض نُوّابه. (ومنها): مشروعيّة استفصال الحاكم، والمفتي عما يحتمل الاستفصال، لقوله - ﷺ -: "ألك ولدٌ غيره؟ "، فلما قال: نعم، قال: "أفكلهم أعطيت مثله"، فلما قال: لا، قال: "لا أشهد"، فيفهم منه أنه لو قال: نعم، لشهد. (ومنها): جواز تسمية الهبة صدقةً. (ومنها): أن للإمام كلامّا في مصلحة الولد. (ومنها): المبادرة إلى قبول الحقّ، وأمر الحاكم، والمفتي بتقوى اللَّه في كلّ حال. (ومنها): أن فيه إشارةً إلى سوء عاقبة الحرص، والتنطّع؛ لأن عمرة لو رضيت بما وهبه زوجها لولده لما رجع فيه، فلما اشتدّ حرصها في تثبيت ذلك
[ ٣٠ / ١٩٤ ]
أفضى إلى بطلانه. (ومنها): ما قال المهلّب: فيه أن للإمام أن يردّ الهبة، والوصيّة ممن يعرف منه هروبًا عن بعض الورثة.
(ومنها): أنه استُدلّ به على أن للأب أن يرجع فيما وهبه لابنه، وكذلك الأمّ، وهو قول أكثر الفقهاء، وسيأتي تحقيق المذاهب، وأدلّتها في محله، من "كتاب الهبة"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم هل التسوية في العطيّة بين الأولاد واجبة، أم لا؟:
ذهب طائفة منهم إلى وجوبه، وبه صرّح البخاريّ، وهو قول طاوس، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وقال به بعض المالكيّة، ثم المشهور عن هؤلاء أنها باطلة. وعن أحمد تصحّ، ويجب أن يرجع، وعنه يجوز التفاضل إن كان له سبب، كأن يحتاج الولد لزمانته ودَينه، أو نحو ذلك، دون الباقين. وقال أبو يوسف: تجب التسوية إن قصد بالتفضيل الإضرار.
وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبّة، فإن فضّل بعضًا صحّ، وكُره، واستُحبّ المبادرة إلى التسوية، أو الرجوع، فحملوا الأمر على الندب، والنهي على التنزيه.
ومن حجة من أوجبه أنه مقدّمة الواجب؛ لأن قطع الرحم، والعقوق محرّمان، فما يؤدّي إليهما يكون محرّما، والتفضيل مما يؤدّي إليهما.
ثم اختلفوا في صفة التسوية، فقال محمد بن الحسن، وأحمد، وإسحاق، وبعض الشافعيّة، والمالكيّة: العدل أن يعطي الذكر حظّين كالميراث، واحتجّوا بأنه حظّها من ذلك المال لو أبقاه الواهب في يده حتى مات. وقال غيرهم: لا فرق بين الذكر والأنثى. وهذا هو الأرجح؛ لأن ظاهر الأمر بالتسوية يدلّ عليه، ويدلّ عليه أيضًا حديث ابن عبّاس - ﵄ -، رفعه: "سوّوا بين أولادكم في العطيّة، فلو كنت مفضّلًا أحدًا لفضّلت النساء". أخرجه سعيد بن منصور، والبيهقيّ من طريقه. قال الحافظ: وإسناده حسن.
وأجاب من حمل الأمر بالتسوية على الندب عن حديث النعمان - ﵁ - بأجوبة:
[أحدها]: أن الموهوب للنعمان كان جميع مال والده، ولذلك منعه، فليس فيه حجة على منع التفضيل. حكاه ابن عبد البرّ عن مالك. وتعقّبه بأن كثيرًا من طرق حديث النعمان - ﵁ - صرّح بالبعضيّة. وقال القرطبيّ: ومن أبعد التأويلات أن النهي إنما يتناول من وهب جميع ماله لبعض ولده، كما ذهب إليه سحنون، وكأنه لم يسمع في نفس هذا الحديث أن الموهوب كان غلامًا، وأنه وهبه له لما سألته الأم الهبة من بعض ماله،
[ ٣٠ / ١٩٥ ]
قال: وهذا يُعلَم منه على القطع أنه كان له مالٌ غيره.
[ثانيها]: أن العطية المذكورة لم تُتنجّز، وإنما جاء بشيرٌ يستشير النبيّ - ﷺ - في ذلك، فأشار عليه بأن لا يفعل، فترك. حكاه الطحاويّ، وفي أكثر طرق حديث الباب ما يُنابذه.
[ثالثها]: أن النعمان كان كبيرّا، ولم يكن قبض الموهوب، فجاز لأبيه الرجوع، ذكره الطحاويّ، وهو خلاف ما في أكثر طرق الحديث أيضًا خصوصًا قوله: "ارجعه"، فانه يدلّ على تقدّم وقوع القبض، والذي تضافرت عليه الروايات أنه كان صغيرًا، وكان أبوه قابضًا له لصغره، فأمر بردّ العطيّة المذكورة بعد ما كانت في حكم المقبوض.
[رابعها]: أن قوله: "ارجعه" دليل على الصحّة، ولو لم تصحّ الهبة لم يصحّ الرجوع، وإنما أمره بالرجوع لأن للواقد أن يرجع فيما وهبه لولده، وإن كان الأفضل خلاف ذلك، لكن استحباب التسوية رجح على ذلك، فلذلك أمره به، وفي الاحتجاج بذلك نظر، والذي يظهر أن معنى قوله: "ارجعه"، أي لا تمض الهبة المذكورة، ولا يلزم من ذلك تقدّم صحّة الهبة.
[خامسها]: أن قوله: "أشهد على هذا غيري" إذن بالإشهاد على ذلك، وإنما امتنع من ذلك لكونه الإمام، وكأنه قال: لا أشهد؛ لأن الإمام ليس من شأنه أن يشهد، وإنما من شأنه أن يحكم، حكاه الطحاويّ أيضًا، وارتضاه ابن القصّار.
وتُعُقّب بأنه لا يلزم من كون الإمام ليس من شأنه أن يشهد أن يمتنع من تحمّل الشهادة، ولا من أدائها إذا تعيّنت عليه، وقد صرّح المحتجّ بهذا أن الإمام إذا شهد عند بعض نؤابه جاز، وأما قوله: إن قوله: "أشهِدْ" صيغة إذن، فليس كذلك، بل هو للتوبيخ لما يدلّ عليه بقيّة ألفاظ الحديث، وبذلك صرح الجمهور في هذا الموضع.
وقال ابن حبّان: قوله: "أَشهِد" صيغة أمر، والمراد نفي الجواز، وهو كقوله لعائشة: "اشترطي لهم الولاء" انتهى.
[سادسها]: التمسّك بقوله: "ألا سوّيت بينهم" على أن المراد بالأمر الاستحباب، وبالنهي التنزيه، وهذا جيّد لولا ورود تلك الألفاظ الزائدة على هذه اللفظة، ولا سيّما أن تلك الرواية بعينها وردت بصيغة الأمر أيضًا، حيث قال: "سوّ بينهم".
[سابعها]: وقع عند مسلم عن ابن سيرين ما يدلّ على أن المحفوظ في حديث النعمان: "قاربوا بين أولادكم"، لا "سوّوا". وتعُقّب بأن المخالفين لا يوجبون المقاربة، كما لا يوجبون التسوية.
[ثامنها]: في التشبيه الواقع في التسوية بينهم بالتسوية منهم في برّ الوالدين قرينة تدلّ
[ ٣٠ / ١٩٦ ]
على أن الأمر للندب. لكن إطلاق الجور على عدم التسوية، والمفهوم من قوله: "لا اشهد إلا على حقّ" (^١). وقد قال في آخر الرواية التي وقع فيها التشبيه: "قال: فلا إذًا".
[تاسعها]: عمل الخليفتين: أبي بكر، وعمر بعد النبيّ - ﷺ - على عدم التسوية قرينة ظاهرة في أن الأمر للندب، فأما أبو بكر، فرواه في "الموطّإ" بإسناد صحيح، عن عائشة أن أبا بكر قال لها في مرض موته: "إني كنت نحلتك نُحلًا، فلو كنت اخترتيه لكان لك، وإنما هو اليوم للوارث". وأما عمر، فذكره الطحاويّ وغيره أنه نحل ابنه عاصمًا دون سائر ولده. وأجاب عروة عن قصّة عائشة بأن إخوتها كانوا راضين بذلك. ويجاب بمثل ذلك عن قصّة عمر - ﵁ -.
[عاشر الأجوية]: أن الإجماع انعقد على جواز عطيّة الرجل ماله لغير ولده، فإذا جاز له أن يخرج جميع ولده من ماله، جاز له أن يُخرج عن ذلك بعضهم. ذكره ابن عبد البرّ. ولا يخفى ضعفه؛ لأنه قياس مع وجود النصّ. وزعم بعضهم أن معنى قوله: "لا أشهد على جور"، أي لا أشهد على ميل الأب لبعض الأولاد دون بعض. وفي هذا نظر لا يخفى، ويردّه قوله في الرواية: "لا أشهد إلا على الحقّ". وحكى ابن التين عن الداوديّ أن بعض المالكيّة احتجّ بالإجماع على خلاف ظاهر حديث النعمان - ﵁ -، ثم ردّه. ذكره في "الفتح".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذكر من تحرير الأدلة أن المذهب الأول هو الراجح، فالحقّ وجوب التسوية بين الأولاد في العطيّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٠٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، يُحَدِّثَانِهِ (^٢) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ’ أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -’ فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِى غُلَامًا، كَانَ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «فَارْجِعْهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فتفرد به هو وأبو داود وهو ثقة حافظ. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
_________________
(١) هكذا نسخ "الفتح"، قال مصحّح بولاق: لعلّ هنا سقطا، وتمامه: "والمفهوم من قوله: لا أشهد إلا على حقّ يدلّ على أن الأمر للوجوب"، أو نحو ذلك.
(٢) وفي نسخة: "يُحدّثان".
[ ٣٠ / ١٩٧ ]
٣٧٠١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، أَنَّ أَبَاهُ بَشِيرَ بْنَ سَعْدٍ، جَاءَ بِابْنِهِ النُّعْمَانِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا، كَانَ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَكُلَّ بَنِيكَ نَحَلْتَ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَارْجِعْهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن هاشم": هو البعلبكيّ القرشيّ، صدوق، من صغار [١٠] ٣/ ٤٥٤ من أفراد المصنّف. و"الوليد بن مسلم": هو أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقة، لكنه كثير التدليس، والتسوية [٨] ٥/ ٤٥٤. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيان ذلك قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٠٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ النُّعْمَانِ، وَحُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَاهُ عَنْ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، بِالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُنْفِذَهُ أَنْفَذْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَكُلَّ بَنِيكَ نَحَلْتَهُ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَارْدُدْهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن عثمان بن سعيد": هو أبو حفص الحمصيّ، صدوق [١٠] ٢١/ ٥٣٥. و"الوليد": هو ابن مسلم الدمشقيّ.
والحديث تقدّم أنه بهذا الطريق شاذّ، إذا المحفوظ الذي رواه الأثبات أنه من مسند النعمان - ﵁ -، لا من مسند أبيه بشير بن سعد - ﵁ -. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٠٣ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، أَنَّ أَبَاهُ نَحَلَهُ نُحْلًا، فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: أَشْهِدِ النَّبِيَّ - ﷺ - عَلَى مَا نَحَلْتَ ابْنِي، فَأَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَكَرِهَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَشْهَدَ لَهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه أحمد بن حرب، فإنه من أفرده، وهو صدوق [١٠] ١٠٢/ ١٣٥. و"أبو معاوية": هو محمد بن خازم. و"هشام": هو ابن عروة. والحديث متّفق عليه، وقد سبق بيان ذلك قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٠٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ -يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ- عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ بَشِيرٍ، أَنَّهُ نَحَلَ ابْنَهُ غُلَامًا، فَأَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -،
[ ٣٠ / ١٩٨ ]
فَأَرَادَ أَنْ يُشْهِدَ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ ذَا؟» (^١)، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَارْدُدْهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح. و"محمد ابن معمر": هو القيسيّ البحرانيّ البصريّ، أحد مشايخ الستة الذين رووا عنهم بدون واسطة، وهم تسعة، وتقدّموا غير مرّة.
[تنبيه]: وقع في نسخة: "محمد بن معدان" بدل "محمد بن معمر"، وهو غلطٌ، فإن ذلك شيخ للمصنّف آخر حرّانيّ، وهذا بصريّ، وقد صرّح في "الكبرى" بأنه البصريّ. فتنبّه.
و"أبو عامر": هو عبد الملك بن عمرو العَقَديّ البصريّ. و"سعد بن إبراهيم": هو الزهريّ المدنيّ الثقة الفاضل العابد قاضي المدينة.
والحديث وإن كان فيه انقطاع؛ لأن عروة لم يلق بشير بن سعد، إلا أنه رواه عن النعمان، عنه؛ كما في الرواية التالية، فهو متّصل، وأخرجه مسلم من طريق جرير، عن هشام، عن أبيه، قال: حدثنا النعمان بن بشير … " الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٠٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا (^٢) عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ بَشِيرًا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، نَحَلْتُ النُّعْمَانَ نِحْلَةً، قَالَ: «أَعْطَيْتَ لإِخْوَتِهِ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَارْدُدْهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو مروزيّ ثقة [١٢] ١/ ٣٩٧.
و"حِبّان" -بكسر الباء الموحّدة-: هو ابن موسى المروزيّ. و"عبد اللَّه": هو ابن المبارك.
والحديث ظاهره الإرسال، فإن عروة لم يحضر القصّة، لكنه سبق في الرواية التي قبله أنه أخذه عن النعمان بن بشير، فهو متّصل صحيح، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٠٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ، قَالَ: انْطَلَقَ بِهِ أَبُوهُ، يَحْمِلُهُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: اشْهَدْ أَنِّي قَدْ نَحَلْتُ النُّعْمَانَ، مِنْ مَالِي كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «كُلَّ بَنِيكَ نَحَلْتَ، مِثْلَ الَّذِي نَحَلْتَ النُّعْمَانَ؟»).
_________________
(١) وفي نسخة: "كلّ ولدك نحلته مثل ذلك؟ ".
(٢) وفي نسخة: "أنا".
[ ٣٠ / ١٩٩ ]
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير شيخه: "محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب" الأمويّ البصريّ، واسم أبي الشوارب محمد بن عبد اللَّه بن أبي عثمان بن عبد اللَّه بن خالد بن أسد بن أبي العِيص بن أميّة القرشيّ الأمويّ، أبو عبد اللَّه الأُبُلّيّ البصريّ، صدوق، من كبار [١٠].
قال أبو عليّ بن خاقان، عن أحمد: ما بلغني عنه إلا خير. وقال صالح بن محمد الأسديّ: شيخ جليلٌ صدوقٌ. وقال النسائيّ: لا بأس به. وقال في "مشيخته": ثقة. وقال مسلمة: بصريّ ثقة. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: شيخ صدوقٌ لا بأس به. مات بالبصرة سنة (٢٤٤) لعشر بقين من جمادى الآخرة. روى عنه مسلم، والمصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وله عند المصنّف حديثان فقط، هذا الحديث، و١١١/ ٥٣٧٥ - حديث أبي طلحة - ﵁ - مرفوعًا: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب، ولا صورة تماثيل".
و"داود": هو ابن أبي هند.
وقوله: "انطلق به أبوه" فيه التفات، إذ الظاهر أن يقول: انطلق بي أبي.
وقوله: "كلّ بنيك نحلت الخ استفهام بتقدير أداته، أي أكلّ بنيك الخ، وحذف جوابه، وقد ذُكر في الروية التي بعده، وهو قوله: "لا، قال: فلا أشهد الخ.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٠٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ النُّعْمَانِ، أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ -، يُشْهِدُ عَلَى نُحْلٍ، نَحَلَهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَ مَا نَحَلْتَهُ؟ (^١)»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَلَا أَشْهَدُ عَلَى شَيْءٍ، أَلَيْسَ يَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً»، قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَلَا إِذًا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدّموا. و"داود": هو ابن أبي هند. و"عامر": هو الشعبيّ.
وقوله: "فلا إذًا" أي فلا تختر واحدًا إذًا بكثرة الإعطاء، فإنه يُخلّ في التسوية في البرّ.
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
_________________
(١) وفي نسخة: "مثل الذي نحلته".
[ ٣٠ / ٢٠٠ ]
٣٧٠٨ - (أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ الأَنْصَارِيُّ (^١)، أَنَّ أُمَّهُ ابْنَةَ رَوَاحَةَ، سَأَلَتْ أَبَاهُ بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ مِنْ مَالِهِ لاِبْنِهَا، فَالْتَوَى بِهَا سَنَةً، ثُمَّ بَدَا لَهُ، فَوَهَبَهَا لَهُ، فَقَالَتْ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ (^٢) رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمَّ هَذَا، ابْنَةَ رَوَاحَةَ، قَاتَلَتْنِي عَلَى الَّذِي وَهَبْتُ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا بَشِيرُ، أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟»، قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَفَكُلُّهُمْ وَهَبْتَ لَهُمْ، مِثْلَ الَّذِي وَهَبْتَ لاِبْنِكَ هَذَا؟»، قَالَ: لَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا، فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه: موسى بن عبد الرحمن بن سعيد بن مسروق الكنديّ المسروقيّ، أبي عيسى الكوفيّ، فقد تفرّد به هو، والترمذيّ، وابن ماجه، وهو ثقة، من كبار [١١] ٧٤/ ٩١.
و"أبو أسامة": هو حماد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ. و"أبو حيّان": هو يحيى بن سعيد بن حيّان التيميّ الكوفيّ.
وقوله: "ابنة رواحة": هي واقدة النعمان بن بشير، عمرة بن رواحة بن ثعلبة الخزرجية، أخت عبد اللَّه بن رواحة الصِحابيّ المشهور. ووقع عند أبي عوانة من طريق عون بن عبد اللَّه أنهما بنت عبد اللَّه بن رواحة، والصحيح الأول، وبذلك ذكرها ابن سعد وغيره، وقالوا: كانت ممن بايع النبيّ - ﷺ - من النساء، وفيها يقول قيس بن الخطيم- بفتح المعجمة-:
وَعَمْرَةُ مِنْ سَرَوَاتِ النِّسَاءِ … تنْفَحُ بِالْمِسْكِ أَرْدَانُهَا (^٣)
وقوله: "فالتوى بها سنة" أي تثاقل، وأخّر بذلك سنة. وقد تقدّم رواية سنتين، عند ابن حبّان، ووجه الجمع بينهما بأنه كان زيادة على سنة، فتارة جبره، فقال: سنتين، وتارة ألغى الكسر، وقال: سنة.
وقوله: "قاتلتني على الذي وهبت له الخ" أي نازعتني كثيرًا، وألحّت عليّ في المطالبة به.
والحديث أخرجه مسلم، وسبق تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٠٩ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ،
_________________
(١) سقط من بعض النسخ قوله: "ابن بشير الأنصاريّ".
(٢) وفي نسخة: "حتى يَشَهَدَ".
(٣) راجع "الفتح" ٥/ ٥٢٩ "كتاب الهبة".
[ ٣٠ / ٢٠١ ]
عَنِ النُّعْمَانِ، قَالَ: سَأَلَتْ أُمِّي أَبِي، بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ، فَوَهَبَهَا لِي، فَقَالَتْ: لَا أَرْضَى حَتَّى أُشْهِدَ (^١) رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: فَأَخَذَ أَبِي بِيَدِي، وَأَنَا غُلَامٌ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمَّ هَذَا، ابْنَةَ رَوَاحَةَ، طَلَبَتْ مِنِّي (^٢) بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ، وَقَدْ أَعْجَبَهَا، أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ: «يَا بَشِيرُ، أَلَكَ ابْنٌ غَيْرُ هَذَا؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَوَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ مَا وَهَبْتَ لِهَذَا؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا، فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو داود": هو سليمان بن سيف الحرّانيّ الثقة [١١]. و"يعلى": هو ابن عبيد الطنافسيّ الكوفيّ الثقة إلا في روايته عن الثوريّ، ففيه لين من كبار [٩].
وقولها: "حتى أُشهد رسول اللَّه - ﷺ - الخ" بضم حرف المضارعة، أي قالت أمه: لا أرضى بهذه العطيّة إلا أن أُشهد عليها رسول اللَّه - ﷺ -. وفي نسخة "حتى تُشهد" بتاء المخاطب.
وقوله: "أخذ بيدي" لا تنافي بينه وبين ما تقدّم من قوله: "فانطلق به أبوه يحمله" لإمكان حمله على أنه حمله على رأسه في بعض الطريق، وأخذ بيده في بعض الطريق.
وقوله: "طلبت مني الخ" ولفظ "الكبرى": "زاولتني" وهو بمعنى المطالبة.
والحديث أخرجه مسلم، وسبق القول فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧١٠ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّ بَشِيرَ بْنَ سَعْدٍ، أَتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ امْرَأَتِي عَمْرَةَ بِنْتَ رَوَاحَةَ، أَمَرَتْنِي أَنْ أَتَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهَا نُعْمَانَ بِصَدَقَةٍ، وَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «هَلْ لَكَ بَنُونَ سِوَاهُ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَعْطَيْتَهُمْ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَ لِهَذَا؟ (^٣)». قَالَ: لَا، قَالَ: «فَلَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن سليمان": هو الرُّهاويّ الثقة الحافظ.
و"محمد بن عُبيد": هو الطنافسيّ الكوفيّ، وهم إخوة خمسة بنو عبيد: محمد، ويعلى المذكور في السند السابق، وعمر، وإدريس، وإبراهيم، وكلهم ثقات، وأبوهم أيضًا ثقة قاله الدارقطنيّ.
[تنبيه]: وقع في بعض النسخ: "محمد بن عبيد اللَّه" بدل "محمد بن عبيد"، وهو
_________________
(١) وفي نسخة: "حتى تُشهِدَ".
(٢) وفي نسخة إسقاط لفظة "منّي". وفي أخرى: "زاولتني"، وفي أخرى": "راودتني"، والمزاولة، والمراودة كلاهما بمعنى المطالبة.
(٣) وفي نسخة: "هذا" بحذف اللام.
[ ٣٠ / ٢٠٢ ]
غلطٌ. فتنبّه.
و"إسماعيل": هو ابن أبي خالد. و"عامر": هو الشعبيّ.
وقوله: "أخبرت" بالبناء للمجهول، وهذا لا يضرّ بصحّة الحديث، فإنه تقدّم أن الشعبيّ قال: حدثني النعمان بن بشير، فتبيّن أن مخبره هو النعمان.
وقوله: "أن أتصدّق بصدقة الخ" هو النُّحْلُ المتقدّم، سمّاه صدقة تجوّزًا، قاله القرطبيّ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كذا قال بعضهم: إن تسميته صدقة تجوّز، وليس كما قال، بل هو صدقة حقيقة، فقد ثبت في غير هذا الحديث تسميته صدقة، فقد تقدّم للمصنّف برقم -٢٥٣٥ - في "كتاب الزكاة" حديث أبى هريرة - ﵁ - بإسناد حسن، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "تصدقوا"، فقال رجل: يا رسول اللَّه عندي دينار، قال: "تصدق به على نفسك"، قال: عندي آخر، قال: "تصدق به على زوجتك"، قال عندي آخر، قال: "تصدق به على ولدك"، قال: عندي آخر: "قال: "تصدق به على خادمك"، قال عندي آخر: "قال: "أنت أبصر". واللَّه تعالى أعلم.
والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧١١ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ح وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (^١) حِبَّانُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (^٢) عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ زَكَرِيَّا، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى ابْنِي بِصَدَقَةٍ، فَاشْهَدْ، فَقَالَ: «هَلْ لَكَ وَلَدٌ غَيْرُهُ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «أَعْطَيْتَهُمْ كَمَا أَعْطَيْتَهُ»، قَالَ: لَا، قَالَ: «أَأَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ؟»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن حاتم" هو: ابن نعيم المروزي الثقة من أفراد المصنّف. و"حبان" بالكسر، هو ابن موسى المروزي. و"عبد اللَّه" هو: ابن المبارك الإمام المشهور. و"أبو نعيم": هو الفضل بن دُكين. و"زكريا": هو ابن أبي زائدة. و"عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود": هو الْهُذليّ، ابن أخي عبد اللَّه بن مسعود، وُلد في عهد النبيّ - ﷺ -، ووثقه العجليّ، وجماعة، وهو من كبار [٢] ٦٦/ ٩٨٨.
وقوله: "أن رجلًا جاء إلى النبيّ - ﷺ - الخ" هو بشير بن سعد، والد النعمان، فقد أخرج الحديث أحمد في "مسنده" ج ٤/ ص ٢٧٦، فقال:
_________________
(١) وفي نسخة: "ثنا"، وفي أخرى: "أنا".
(٢) وفي نسخة: "ثنا"، وفي نسخة: "أنا"
[ ٣٠ / ٢٠٣ ]
حدثنا وكيع، عن إسماعيل، عن الشعبيّ، وزكريا، عن الشعبيّ، عن عبد اللَّه بن عتبة، وفطرٍ (^١)، عن أبي الضحى، عن النعمان بن بشير، أن بشيرا أتى النبيّ - ﷺ - ﷺ، أراد أن ينحل النعمان نُحْلًا، قال: فقال النبيّ - ﷺ - ﷺ -: "هل لك من وقد سواه؟ "، قال: نعم، قال: "فكلهم أعطيت ما أعطيته؟ "، قال: لا، قال فطر: فقال له النبيّ - ﷺ - ﷺ -: هكذا، أي سّوِّ بينهم. وقال زكريا، وإسماعيل: "لا أشهد على جور".
فدلّ أن الرجل المبهم في رواية المصنّف هو بشير بن سعد - ﵁ -.
وقوله: "أشهد على جور" هكذا نسخ "المجتبى"، وهو على تقدير أداة الاستفهام، أي أأشهد على جور؟، والاستفهام للانكار، ولفظ "الكبرى": "لا أشهد على جور"، وهو واضح.
والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧١٢ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ فِطْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: ذَهَبَ بِي أَبِي، إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، يُشْهِدُهُ عَلَى شَيْءٍ أَعْطَانِيهِ، فَقَالَ: «أَلَكَ وَلَدٌ (^٢) غَيْرُهُ؟»، قَالَ: نَعَمْ، وَصَفَّ بِيَدِهِ بِكَفِّهِ أَجْمَعَ كَذَا، "أَلَا سَوَّيْتَ بَيْنَهُمْ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد عندهم رجال الصحيح. و"عبيد اللَّه بن سعيد": هو أبو قُدامة السرخسيّ. و"يحيى": هو ابن سعيد القطّان. و"فطر": هو ابن خليفة المخزوميّ مولاهم، أبو بكر الحنّاط الكوفيّ، صدوق، رمي بالتشيّع [٥] ٥/ ٠٨٨٢"ومسلم بن صُبيح" بضم الصاد المهملة: هو أبو الضُّحى الكوفيّ العطّار، مشهور بكنيته، ثقة فاضل [٤] ٩٦/ ١٢٣.
وقوله: "وصفّ بيده بكفّه أجمع كذا" قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: لعله كناية عن إشارة النفي، أو التسوية انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لفظ أحمد في "مسنده": فقال له النبيّ - ﷺ - هكذا، أي سَوِّ بينهم"، فيستفاد منه أن الذي صفّ بكفّه هو النبيّ - ﷺ -، والإشارة إلى التسوية، أي أشار إلى التسوية بكفّه، وقال بلسانه: "ألا سوّيت بيهم؟ ".
وقوله "ألا سوّيت الخ" "ألا فيه" أداة تحضيض. والحديث صحيح، وسبق تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
_________________
(١) قوله: "وفطر" بالجرّ عطفًا على إسماعيل، فوكيع يروي عنهما.
(٢) وفي نسخة: "لك ولد".
[ ٣٠ / ٢٠٤ ]
٣٧١٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حِبَّانُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (^١) عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ فِطْرٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ، يَقُولُ -وَهُوَ يَخْطُبُ-: انْطَلَقَ بِي أَبِي إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، يُشْهِدُهُ عَلَى عَطِيَّةٍ أَعْطَانِيهَا، فَقَالَ: «هَلْ لَكَ بَنُونَ سِوَاهُ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «سَوِّ بَيْنَهُمْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن حاتم" هو: ابن نعيم المروزي. و"حبّان": بكسر المهملة ابن موسى المروزيّ. و"عبد اللَّه": هو ابن المبارك. والحديث صحيح، سبق الكلام فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧١٤ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ حَاجِبِ بْنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ الْمُهَلَّبِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَخْطُبُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - (^٢): «اعْدِلُوا بَيْنَ أَبْنَائِكُمُ، اعْدِلُوا بَيْنَ أَبْنَائِكُمْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يعقوب بن سفيان" بن جُوان الفارسيّ، أبو يوسف ابن أبي معاوية الْفَسَويّ، ثقة حافظ [١١].
قال النسائيّ، ومسلمة بن قاسم: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان ممن جمع، وصنّف، مع الورَع، والنُّسُك، والصلابة في السنّة. وقال الحاكم: كان إمام أهل الحديث بفارس، قرأت بخطّ أبي عمرو المستملي: حدّثنا أبو يوسف يعقوب ابن سفيان في مجلس محمد بن يحيى سنة إحدى وأربعين، قال الحاكم: فأما سماعه، ورحلته، وأفراد حديثه فأكثر من أن يمكن ذكرها.
وقال محمد بن يزيد العطّار: سمعت يعقوب بن سفيان يقول: كنت في رحلتي، فقلّت نفقتي، فكنت أُدمن الكتابة ليلًا، وأقرأ نهارًا، فلما كان ذات ليلة، كنت جالسًا أنسخ في السراج، وكان شتاء، فنزل الماء في عيني، فلم أبصر شيئًا، فبكيت على نفسي؛ لانقطاعي عن بلدي، وعلى ما فاتني من العلم، فغلبتني عيناي، فنِمتُ، فرأيت النبيّ - ﷺ - في النوم، فناداني: يا يعقوب، لم بكيت؟ فقلت: يا رسول اللَّه ذهب بصري، فتحسّرتُ على ما فاتني، فقال لي: ادنُ منّي، فدنوت منه، فأمرّ يده على عيني، كأنه يقرأ عليهما، ثم استيقظت، فأبصرت، فأخذت نُسَخي، وقعدت أكتب.
وقال أبو زرعة الدمشقيّ: قدم علينا رجلان من نُبَلاء الناس: أحدهما، وأرحلهما يعقوب بن سفيان، يَعجز أهل العراق أن يروا مثله رجلًا، وكان يحيى في "التاريخ" ينتخب منه، وكان نبيلًا، جليل القدر، فبينا أنا قاعد في المسجد، إذ جاءني رجلٌ من
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا"، وفي أخرى: "أخبرنا".
(٢) وفي نسخة: "قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول … ".
[ ٣٠ / ٢٠٥ ]
أهل خراسان، فقال لي: أنت أبو زرعة؟ قلت: نعم، فجعل يسألنى عن هذه الدقائق، فقلت. من اين جمعت هذه؟ قال: هذه كتبناها عن يعقوب بن سفيان، عنك. وقال أبو بكر الإسماعيليّ: حدّثنا محمد بن داود بن دينار، حدثنا يعقوب بن سفيان العبد الصالح. وقال أبو الشيخ: حُكي عن أبي محمد بن أبي حاتم، قال: قال لي أبي: ما فاتك من المشايخ، فاجعل بينك وبينهم يعقوب بن سفيان، فإنك لا تجد مثله. وقال أبو عبد الرحمن النَّهاونْديّ: سمعت يعقوب بن سفيان يقول: كتبت عن ألف شيخ وكَسْرٍ، كلهم ثقات. وقال أبو إسحاق بن حمزة، عن أبيه، قال: قال لي يعقوب بن سفيان: قمت في الرحلة ثلاثين سنة. وذكر عبد اللَّه بن جعفر درستويه النحويّ، وهو راويته: إنه أخبره أنه رحل سنة تسع عشرة إلى دمشق، وحمص، وفلسطين. وقال ابن يوسف: قدِم مصر مرّتين، الثانية سنة تسع وعشرين، وكُتب عنه بها. وقال محمد بن إسحاق بن ميمون الْفَسَويّ، عن عبدان بن محمد المروزيّ. رأيت يعقوب بن سفيان في النوم، فقلت: ما فعل اللَّه بك؟ قال غفر لي، وأمرني أُحدّث في السماء، كما كنت أُحدث في الأرض. قال ابن أبي حاتم، وغير واحد: مات سنة (٢٧٧)، وأرخه ابن حبّان في "الثقات" سنة ثمانين، أو إحدى وثمانين. روى عنه المصنّف، والترمذيّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
و"سليمان بن حرب". هو الأزديّ البصريّ القاضي بمكة الثقة الإمام الحافظ [٩] ١٨١/ ٢٨٨.
و"حماد بن زيد": هو أبو إسماعيل البصريّ الثقة الثبت الفقيه، من كبار [٨] ٣/ ٣.
و"حاجب بن المُفَضَّل بن المهلَّب" بن أبي صُفْرة، ثقة، قديم من أصحاب عمر بن عبد العزيز [٦].
روى عن أبيه. وعنه حمّاد بن زيد. قال سليمان بن حرب: كان عامل عمر بن عبد العزيز على عُمان. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له المصنّف، وأبو داود، وله عندهما حديث الباب فقط.
[تنبيه]: وقع هنا في نسخ "المجتبى"، و"الكبرى" " جابر بن المفضّل" -بالجيم- بدل "حاجب"، وهو تصحيفٌ فاحش، والصواب "حاجب" -بالحاء المهملة، بعدها ألف، ثم جيم، وآخره باء موحّدة، وهو الذي في النسخة الهنديّة، ولا يوجد في الرواة أصلًا من اسمه "جابر بن المفضل". فتنبّه.
و"أبوه" المفضل بن المهَلّب بن أبي صُفرة الأزديّ، أبو غسّان البصريّ، صدوقٌ، من مشاهير الأمراء [٤].
[ ٣٠ / ٢٠٦ ]
روى عن النعمان بن بشير، وعنه ابنه حاجب، وثابتٌ البنانيّ، وجرير بن حازم. ذكره ابن حبّان في "الثقات". قُتل سنة (١٠٢). تفرّد به المصنّف، وأبو داود بحديث الباب فقط.
والحديث صحيح، وقد سبق القول فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…