قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر ترجمة المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أنه يرى جواز هبة المشاع، وهو الحقّ، وفيه اختلاف بين العلماء سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
و"الْمُشَاعُ":-بضمّ الميم-: الشيء الذي ليس بمقسوم، ويقال: فيه أيضًا: شائعٌ، وشَاعٍ، قال في "اللسان": ويقال: نَصِيبُ فلان شائع في جميع هذه الدار، ومُشاعٌ فيها: أي ليس بمقسوم، ولا مَعزول. قال الأزهريّ: إذا كان في جميع الدار، فاتّصل كلّ جزه منه بكلّ جزء منها، قال: وأصل هذا من الناقة، إذا قطَّعَت بولها، قيل: أوزَغَت به إيزاغًا، وإذا أرسلته إرسالًا متّصلًا، قيل: أشاعت. وسَهْمٌ شائعٌ: أي غير مقسوم، وشاعٌ أيضًا، كما يقال: سائرُ اليوم، وسارُهُ. قال ابن برِّيّ: شاهده قول ربيعة بن مَقْرُوم.
لهُ وَهَجٌ مِن التَّقْرِيبِ شَاعُ
أي شائعٌ، ومثله:
خَفَضُوا أَسِنَّتهُمْ فكُلٌّ نَاعُ
أي نائع، وما في هذه الدار سهمٌ شائعٌ، وشَاعٍ، مقلوب عنه، أي مُشتهرٌ منتشرٌ. انتهى (^٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٧١٥ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، إِذْ أَتَتْهُ وَفْدُ هَوَازِنَ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا أَصْلٌ، وَعَشِيرَةٌ، وَقَدْ نَزَلَ بِنَا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يَخْفَى عَلَيْكَ، فَامْنُنْ عَلَيْنَا، مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ،
فَقَالَ: «اخْتَارُوا مِنْ أَمْوَالِكُمْ، أَوْ مِنْ نِسَائِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ»، فَقَالُوا: قَدْ خَيَّرْتَنَا بَيْنَ أَحْسَابِنَا، وَأَمْوَالِنَا، بَلْ نَخْتَارُ نِسَاءَنَا، وَأَبْنَاءَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَمَّا مَا كَانَ لِي، وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَهُوَ لَكُمْ، فَإِذَا صَلَّيْتُ الظُّهْرَ، فَقُومُوا، فَقُولُوا: إِنَّا نَسْتَعِينُ بِرَسُولِ اللهِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ" -أَوِ الْمُسْلِمِينَ-
_________________
(١) "فتح" ٥/ ٥٠٩ "كتاب الهبة".
(٢) "لسان العرب" ٨ ص ١٩١.
[ ٣٠ / ٢٠٨ ]
فِي نِسَائِنَا، وَأَبْنَائِنَا"، فَلَمَّا صَلَّوُا الظُّهْرَ قَامُوا، فَقَالُوا ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «فَمَا كَانَ لِي، وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَهُوَ لَكُمْ»، فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: وَمَا كَانَ لَنَا، فَهُوَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَقَالَتِ الأَنْصَارُ: مَا كَانَ لَنَا، فَهُوَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: أَمَّا أَنَا، وَبَنُو تَمِيمٍ فَلَا، وَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو فَزَارَةَ فَلَا، وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو سُلَيْمٍ فَلَا، فَقَامَتْ بَنُو سُلَيْمٍ، فَقَالُوا: كَذَبْتَ، مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، رُدُّوا عَلَيْهِمْ نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ، فَمَنْ تَمَسَّكَ مِنْ هَذَا الْفَىْءِ بِشَيْءٍ، فَلَهُ سِتُّ فَرَائِضَ، مِنْ أَوَّلِ شَيْءٍ يُفِيئُهُ اللَّهُ -﷿- عَلَيْنَا»، وَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، وَرَكِبَ النَّاسُ، اقْسِمْ عَلَيْنَا فَيْئَنَا، فَأَلْجَئُوهُ إِلَى شَجَرَةٍ، فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، رُدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي، فَوَاللَّهِ لَوْ أَنَّ لَكُمْ شَجَرَ تِهَامَةَ نَعَمًا، قَسَمْتُهُ عَلَيْكُمْ، ثُمَّ لَمْ تَلْقَوْنِي بَخِيلًا، وَلَا جَبَانًا، وَلَا كَذُوبًا»، ثُمَّ أَتَى بَعِيرًا، فَأَخَذَ مِنْ سَنَامِهِ وَبَرَةً، بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: «هَا إِنَّهُ لَيْسَ لِي مِنَ الْفَيْءِ شَيْءٌ، وَلَا هَذِهِ، إِلاَّ خُمُسٌ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ»، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ بِكُبَّةٍ مِنْ شَعْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخَذْتُ هَذِهِ لأُصْلِحَ بِهَا بَرْدَعَةَ بَعِيرٍ لِي، فَقَالَ: «أَمَّا مَا كَانَ لِي، وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكَ»، فَقَالَ: أَوَبَلَغَتْ هَذِهِ؟، فَلَا أَرَبَ لِي فِيهَا، فَنَبَذَهَا، وَقَالَ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَدُّوا الْخِيَاطَ، وَالْمِخْيَطَ، فَإِنَّ الْغُلُولَ يَكُونُ عَلَى أَهْلِهِ، عَارًا وَشَنَارًا، يَوْمَ الْقِيَامَةِ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عمرو بن يزيد) أبو بُريد -بموحّدة، وراء مصغّرًا- الْجَرْميّ، صدوقٌ [١١] ١٠٠/ ١٣٠. من أفراد المصنّف.
[تنبيه]: وقع في "النسخ المطبوعة من "المجتبى"، و"الكبرى" "عمرو بن زيد"، وهو غلطٌ، والصواب كما في "الهنديّة": عمرو بن يزيد" بالياء التحتيّة. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٢ - (ابن أبي عديّ) محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقة [٩] ١٢٢/ ١٧٥.
٣ - (حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصري، ثقة عابد [٨] ١٨١/ ٢٨٨.
٤ - (محمد بن إسحاق) بن يسار، أو بكر المطّلبيّ مولاهم المدنيّ، نزيل العراق، إمام المغازي، صدوقٌ، يدلّس، ورمي بالتشيّع، والقدر، من صغار [٥] ٥/ ٤٨٠.
٥ - (عمرو بن شعيب) المدني، أو الطائفي، صدوق [٥] ١٠٥/ ١٤٠.
٦ - (أبوه) شعيب بن محمد بن عبد اللَّه، صدوق [٣] ١٠٥/ ١٤٠.
٧ - (جدّه) عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٨٩/ ١١١. واللَّه تعالى أعلم.
[ ٣٠ / ٢٠٩ ]
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، ورواية الراوي عن أبيه، عن جدّه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبِ، عَنْ أَبِيهِ) شُعيب بن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو (عَنْ جَدَّهِ) عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رسُولِ اللَّهِ - ﷺ -)، إِذْ أَتَتْهُ وَفْدُ هَوازِنَ) الوفد -بفتح، فسكون- قال ابن الأثير: الوفد: هم القوم الذين يجتمعون، ويَرِدون البلادَ، واحدهم وافدٌ، وكذلك الذين يقصدون الأمراء لزيارة، واسترفاد، وانتجاع، وغير ذلك، تقول: وَفَدَ يَفِدُ، من باب وَعَدَ، فهو وافدٌ، وأو فدته فوفد، وأوفد على الشيء، فهو مُوفدٌ: إذا أشرف انتهى (^١). و"هوازن" -بفتح الهاء، وتخفيف الواو-: اسم قبيلة مشهورة، وكانوا في حُنين، وهو واد وراء عرفة، دون الطائف. وقيل: بينه وبين مكة ليال. وغزوة هوازن تسمّى غزوة حنين، وكانت الغنائم فيها من السبي والأموال أكثر من أن تُحصى.
وفي حديث مروان بن الحكم، والمسور بن مَخرَمة عند البخاريّ: أن رسول اللَّه - ﷺ - قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين. وقد ساق القصّة موسى بن عقبة مطوّلةً، ولفظه: "ثم انصرت رسول اللَّه - ﷺ - من الطائف في شوّال إلى الجِعْرانة، وبها السبي - ﷺيعني سبي هوازن، وقدمت عليه وقد هوازن مسلمين، فيهم تسعة نفر من أشرافهم، فأسلموا، وبايعوا، ثم كلّموه، فقالوا: يا رسول اللَّه، إن فيمن أصبتم الأمهات، والأخوات، والعمّات، والخالات، وهنّ مَخَازي الأقوام، فقال: سأطلب لكم، وقد وقعت المقاسم، فأيّ الأمرين أحبّ إليكم، آلسبيُ، أم المال؟، قالوا: خيّرتنا يا رسول اللَّه بين الحسب والمال، فالحسب أحبّ إلينا، ولا نتكلّم في شاة، ولا بعير، فقال: أما الذي لبني هاشم، فهو لكم، وسوف أكلّم لكم المسلمين، فكلَّموهم، وأظهروا إسلامكم، فلما صلّى رسول اللَّه - ﷺ - الهاجرة، قاموا، فتكلّم خطباؤهم، فأبلغوا، ورغبوا إلى المسلمين في ردّ سبيهم، ثم قام رسول اللَّه - ﷺ - حين فرغوا، فشفع لهم، وحضّ المسلمين عليه، وقال: قد رددت الذي لبني هاشم عليهم".
فاستُفيد من هذه القصّة عدد الوفد، وغير ذلك مما لا يخفى. وممن سُمّي من وقد
_________________
(١) "النهاية" ٥/ ٢٠٩.
[ ٣٠ / ٢١٠ ]
هوازن زُهير بن صُرد، وأبو مروان، ويقال: أبو ثَرْوان، أوله مثلّثةٌ بدل الميم، ويقال بموحّدة، وقاف، وهو عمّ النبيّ - ﷺ - من الرضاعة. ذكره ابن سعد. قاله في "الفتح". (فَقَالُوا) ذكر ابن إسحاق تعيين الذي خطب لهم لي ذلك، ولفظه: "وقام خطيبهم زُهير بن صُرَد، فقال: يا رسول اللَّه، إن اللواتي لي الحظائر من السبايا خالاتك، وعمّاتك، وحواضنك اللاتي كنّ يكفلنك، وأنت خير مكفول، ثم أنشده الأبيات المشهورة، أولها:
امْنُنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كَرَمِ … فَإِنَّكَ الْمَرْءُ نَرْجُوهُ ونَدَّخِرُ
يقول فيها:
امْنُنْ عَلَى نِسْوَةِ قَدُ كُنْتَ ترْضَعُهَا … إِذْ فُوكَ تَمْلؤُهُ مِنْ مَحْضِهَا الدَّرَرُ (^١)
(يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا أَصْلٌ) أي أصل من أصول العرب (وَعَشِيرَةٌ) بفتح، فكسر- القبيلة، ولا واحد لها من لفظها، والجمع عَشِيرات، وعشائر، أي نحن أي قبيلة من قبائل العرب، ذات سيادة، وشرف (وَقَدْ نَزَلَ بِنَا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يَخْفَى عَلَيْكَ) أي بسبب امتناعهم عن الإسلام، ومحاربتهم المسلمين (فَامْنُنْ عَلَيْنَا) -بضمّ النون الأولى، يقال: منّ عليه بالعتق وغيره مَنَّا، من باب قتل، وامتنّ عليه به أيضًا: أنعم عليه به، والاسم الْمِنَّةُ بالكسر، والجمعُ مِنَنٌ، مثلُ سدرة وسِدَر. قاله الفيّومي (مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ) الظاهر أنها جملة دعائيّة، ويحتمل أن يكون مصدرًا منصوبًا على أنه مفعول مطلقٌ نوعيّ، وهو مضافٌ إلى اسم الجلالة، أي كمنّ اللَّه تعالى عليك، فهو قريب من قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ الآية [القصص: ٧٧] (فَقَالَ) - ﷺ - (اخْتَارُوا مِنْ أَمْوَالِكُمْ) قال السنديّ: لعله زاد "من" للدلالة على أنه يردّ عليهم من أموالهم، أو نسائهم ما يتيسّر ردّه، إذ العادة أنه لا يتيسّر ردّ الكلّ انتهى (أَوْ مِنْ نِسَائِكُمْ) وفي نسخة حذف "من" (وَأَبْنَائِكُمْ، فَقَالُوا: قَدُ خَيَّرتَنَا بَيْنَ أَحْسَابِنَا) جمع حَسَبٍ -بفتحتين-: هو ما يُعدّ من المآثر، وهو مصدرُ حَسُبَ، وزان شَرُف شَرَفًا، وكَرُمَ كَرَمًا. قال ابن السّكّيت: الحسبُ، والكرمُ يكونان في الإنسان، وإن لم يكن لآبائه شَرَفٌ، ورجلٌ حسِيبٌ كريمٌ بنفسه، قال: وأما المجد، والشرفُ، فلا يوصف بهما الشخص، إلا إذا كان فيه، وفي آبائه. ذكره الفيّوميّ (وَأَمْوَالِنَا، بَلْ نَخْتَارُ نِسَاءَنَا، وَأَبْنَاءَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أمَّا مَا كَانَ لِي، وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فهُو لكُمْ) هذا محلّ الترجمة، حيث يدلّ على جواز هبة المشاع، وذلك أن الذي وهبه لهم النبيّ - ﷺ - مما يخصّه، وبني عبد المطّلب شيء مشاع.
_________________
(١) "فتح" ٨/ ٣٥١ "كتاب المغازي".
[ ٣٠ / ٢١١ ]
وقال السنديّ: كأنه أخذ منه هبة المشاع، لكن الظاهر أن الموهوب ههنا، وإن كان مشاعًا نظرًا إلى ظاهر الكلام بين الواهب وغيره، لكن بالتحقيق نصيب كلّ ممتاز عن نصيب غيره، فلا شيوع، ثم لا شيوع بالنظر إلى الموهوب له، بل الكل هبةٌ لهم على التوزيع، بأن يكون لكلّ زوجته وأولاده، إلا أن يُعتبر صورة الشيوع في الطرفين، أو أحدهما، فليُتأمّل انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كونه مشاعًا ظاهر، فالأولى في التوجيه ما قدّمته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(فَإذَا صَلَّيْتُ) وفي نسخة: "صليتم" (الظُّهْرَ، فَقُومُوا، فَقُولُوا: إنَّا نَسْتَعِينُ بِرَسُولِ اللَّهِ عَلَى الْمُؤمِنِينَ" -أَوِ الْمُسْلِمِينَ) "أو" فيه للشكّ من الراوي (فِي نِسَائِنَا، وَأَبْنَائِنَا) وفي نسخة: "وأموالنا" (فَلَمَّا صَلوُا الظُّهْرَ قَامُوا، فَقَالُوا ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "فَمَا كَانَ لِي، وَلِبَنِي عَبدِ الْمُطَّلِبِ، فَهُوَ لَكُمْ"، فَقَالَ: الْمُهَاجِرُونَ: وَمَا كَانَ لَنَا، فَهُوَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -) إنما قالوا ذلك إرضاء له - ﷺ -، والمراد أنه يردّه عليهم (وَقَالَتِ الأَنْصَارُ: مَا كَانَ لَنَا، فَهُوَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: أَمَّا أَنَا، وَبَنُو تَمِيمٍ فَلا) أي فلا نردّ ما أخذنا من الغنيمة (وَقَالَ عُيَينَةُ بْنُ حِصْنٍ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو فَزَارَةَ فَلَا، وَقَالَ العَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ: أَمَّا أَنا وَبَنُو سُلَيمٍ فَلَا، فَقَامَتْ بَنُو سُلُيمٍ، فَقَالُوا: كَذَبْتَ) ردّ عليه، وإنكار لما قاله معرضًا عن شفاعة رسول اللَّه - ﷺ - (مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسولِ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "يَا أيُّهَا النَّاسُ، رُدُّوا عَلَيْهِم نِسَاءَهُم وَأَبْنَاءَهُمْ، فَمَنْ تَمَسَّكَ مِنْ هَذَا الفَيْءِ بِشَيْءٍ) أي من أراد أن لا يردّ إلا بعوض، فليردّه، وعلينا أن نعوّضه، ثم بين مقدار ما يعوّضه بقوله (فَلَهُ سِتُّ فَرَائِضَ) جمع فريصْة، وهي البعير المأخوذ في الزكاة، ثم اتسِع فيه حتى سُمي البعير في غير الزكاة. كذا في "النهاية" (مِنْ أَوَّلِ شَيْءٍ يُفِيئهُ) بضمّ أوله، من أفاء (اللَّهُ -﷿- عَلَيْنَا) وفي نسخة: "عليه": قال الخطّابيّ: يريد الخمس الذي جعله اللَّه له من الفيء، وكان الخمس من الفيء لرسول اللَّه - ﷺ - خاصّةً، يُنفق منه على أهله، ويجعل الباقي في مصالح الدين، وسدّ حاجة المسلمين، وذلك معنى قوله: "إلا الخمس، والخمس مردود عليكم" انتهى.
(وَرَكِبَ) - ﷺ - (رَاحِلَتَهُ، وَرَكِبَ النَّاسُ) وفي نسخة: "وركبه الناس": أي أحاطو ابه
راكبين (اقْسِمْ عَلَيْنَا فَيْئَنَا) أي قائلين ذلك، طالبين منه قسم المال (فَألجئوهُ إِلَى شَجَرَة) أي اضطرّوه، يقال: ألجاته إلى كذا، ولَجَّأته بالهمز والتضعيف: اضطررته، وأكرهته (فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ) بكسر الطاء المهملة، من باب تَعِب، وخَطَف، من باب ضرب لغةٌ فيه: أي استلبت الشجرة بسرعة رداء النبيّ - ﷺ - (فَقَالَ) - ﷺ - (يَا أَيَّها النَّاسُ، رُدُّوا عَلَيَّ
[ ٣٠ / ٢١٢ ]
رِدَائي، فَوَاللَّهِ لَوْ أنَّ لَكُمْ شَجَرَ تِهَامَةَ) أي مثل شجر تهامة.
قال الفيّوميّ: تِهَمَ اللبنُ واللحمُ تَهَمًا، من باب تَعِبَ: تغيّر، وأنتن. وتهِمَ الحرّ: اشتدَّ مع رُكُود الريح، ويقال: إن تِهامة -أي بكسر التاء، وتخفيف الهاء- مشتقّة من الأول؛ لأنها انخفضت عن نجد، فتغيّرت ريحها. ويقال: من المعنى الثاني؛ لشدّة حرّها. وهي أرضٌ أوّلها ذات عرق من قبل نجد إلى مكة، وما وراءها بمرحلتين، أو أكثر، ثم تتّصل بالغَوْر، وتأخذ إلى البحر. ويقال: إن تهامة تتّصل بأرض اليمن، وإن مكة من تهامة اليمن. والنسبة إليها تَهَاميّ، وتَهَامٍ أيضًا بالفتح، وهو من تغييرات النسب انتهى. (نَعَمًا) -بفتحتين-: المال الراعي، وهو جمعٌ لا واحد له من لفظه، وأكثر ما يقع على الإبل. قال أبو عبيد: النعَم: الجِمَالُ فقط، ويؤنَّث، ويُذكّر، وجمعه نُعمان -بضم، فسكون- مثلُ حَمَل وحُمْلان، وأنعامْ أيضًا. وقيل: النعم الإبل خاصّةً، والأنعام ذوات الخف، والظِّلْف، وهي الإبل، والبقر، والغنم. وقيل: تُطلق الأنعام على هذه الثلاثة، فإذا انفردت الإبل، فهي نعمٌ، وإذا انفردت البقر، والغنم لم تُسَمَّ نَعَمًا. قاله الفيّوميّ (قَسَمْتُهُ عَلَيْكُمْ، ثُمَّ لَمْ تَلْقَونِي بَخِيلًا) أي ثم لا أتغيّر عن خُلُقي بكثرة الإعطاء، أو هو
للتراخي في الإخبار (وَلَا جَبَانًا) بفتح الجيم، وتخفيف الباء الموحّدة: أي ضعيف القلب، يقال: جَبُن جُبْنًا، وزان قَرُب قُرْبًا، وجَبَانَةً بالفتح، وفي لغة من باب قتل (وَلَا كَذُوبًا) بفتح الكاف (ثُمَّ أَتَى بَعِيرًا، فَأَخَذَ مِنْ سَنَامِهِ) بفتح السين المهملة: ما ارتفع من ظهر الجمل (وَبَرَةٌ) بفتحتين: أي شعرة (بَيْنَ إِصْبَعَيهِ) بكسر الهمزة، وفتح الباء الموحّدة أفصح لغاتها؛ إذ فيها عشر لغات، تثليث الهمزة، مع ثليث الباء، فهذه تسع، والعاشرة أُصْبُوع، بالضمّ وزان عُصْفُور، والمشهور منها كسر الهمزة، وفتح الباء، وهي التي ارتضاها الفُصَحاء. قاله الفيّوميّ (ثُمَّ يَقُولُ: "هَا) هي حرف تنبيه (إِنَّهُ لَيْسَ بِي مِنَ الْفَيءِ شَيْءٌ، وَلَا هَذِهِ) مشيرًا إلى الوبرة. ولفظ أبي داود: "فأخذ وبرة من سنامه، ثم قال: أيها الناس، إنه ليس لي من هذا الفيء شيء، ولا هذا، ورفع إصبعيه" (إِلَّا خُمُسٌ) ضُبط بالرفع والنصب، فالرفع على البدل، والنصب على الاستثناء. قاله في "عون المعبود" (^١) (وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ") أي مصروف في مصالحكم، من السلاح، والخيل، وغيرهما (فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُل بِكُبَّةٍ) بضمّ، فتشديد الموحّدة: شعرٌ ملفوفٌ بعضه على بعض (مِنْ شَعْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخَذْتُ هَذِهِ لِأُصْلِحَ بَها بَرْدَعَةَ بَعِيرٍ لِي) وفي نسخة: "برذعة"، و"البردعة" -بفتح الباء الموحّدة، وسكون الراء، وفتح الدال
_________________
(١) "عون المعبود" ٧/ ٣٦٠.
[ ٣٠ / ٢١٣ ]
المهملة، أو الذال المعجمة، لغتان، وفي "القاموس": إهمال الدال أكثر، وجمعه بَرادِع: هي الْحِلْس، وهي بالكسر: كساء يُلقَى تحت الرحل على ظهر البعير. قال الفيّوميّ: هذا هو الأصل، وفي عرف زماننا هي للحمار ما يُرْكَب عليه بمنزلة السّرج للفرس انتهى. (فَقَالَ: (أمَّا مَا كَانَ لِي) أي من الكُبّة (وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُو لَكَ) أي أما ما كان نصيبي ونصيبهم، فاحللناه لك، وأما ما بقي من أنصباء الغانمين، فاستحلاله ينبغي أن يكون منهم (فَقَالَ) أي الرجل (أَوَبَلَغَتْ هَذِهِ؟) أي هل بلغت هذه الكبْة هذه المرتبة من العزّة. وفي نسخة: "إذ بلغت"، وفي رواية أبي داود: "أما إذا بلغت ما أرى … " (فَلَا أَرَبَ) بفتحتين: أي لا حاجة (لِي فِيهَا، فَنَبَذَهَا) أي طرحها، وردّها في جملة الغنيمة (وَقَالَ) - ﷺ - وفي نسخة: "فقال" (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَدُّوا الْخِيَاطَ) وفي نسخة: "رُدُّوا الخَيْط" (وَالْمِخيَطَ) والخِيَاطُ، والْمِخيَطُ بالكسر: الإبرة، فيُحمل أحدهما على الكبيرة، فيندفع التكرار.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا قال السنديّ، والأولى من هذا ما قاله في "اللسان": أراد بالخياط هنا الْخيط، وبالمخيط ما يُخاط به.
والحاصل أن الخياط بالكسر يُطلق على الإبْرَةِ، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] أي في ثقب الإبرة. ويطلق أيضًا على الخيط، وهو المراد هنا؛ دفعًا للتكرار. واللَّه تعالى أعلم.
(فَإنَّ الْغُلُولَ) -بضمّ الغين المعجمة-: الخيانة في المغنم، يقال: غَلّ غُلُولًا، من باب قعد، وأغلّ بالألف: خان في المغنم وغيره. وقال ابن السكّيت: لم نسمع في المغنم إلا غَلّ ثُلاثيًّا، وهو متعدّ في الأصل، لكن أُميت مفعوله، فلم يُنطق به. قاله الفيّومي (يَكُونُ عَلَى أَهْله، عَارًا وَشَنَارًا يَومَ الْقِيَامَةِ) قال في "القاموس": العارُ: كلُّ شيء لزم به عيب. قال: والشَّنار -بالفتح، وتخفيف النون-: أقبح العيب، والعارُ. انتهى. وفي "اللسان":
يقال: عاز وشَنَارٌ، وقلّما يُفردونه من عار، قال أبو ذُؤيب [من الطويل]:
فَإنِّي خَلِيقٌ أَنْ أُوَدعَ عَهْدَهَا … بِخَيْرٍ وَلَمْ يُرفَعْ لَدَينَا شَنَارُهَا
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - ﵄ - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
[ ٣٠ / ٢١٤ ]
أخرجه هنا-١/ ٣٧١٥ وفي "كتاب قسم الفيء" ١/ ٤١٦٦ - وفي "الكبرى" ١/
٦٥١٥ وأخرجه (د) في "الجهاد" ٢٦٩٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة هبة المشاع، وفيه اختلاف بين العلماء، سنحققه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها). حِلّ الغنائم، وهو من خصوصيّات هذه الأمة؛ لحديث جابر بن عبد اللَّه - ﵄ -، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "أعطيت خمسا، لم يُعطهن أحد من الأنبياء قبلي، نُصِرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأُحلت لي الغنائم، وكان النبيّ يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة، وأعطيت الشفاعة". متّفقٌ عليه، وتقدّم للمصنّف برقم -٤٣٢ - (ومنها): أن للإمام أن يشفع لبعض الرعية إلى بعضهم. (ومنها): ما كان عليه النبيّ - ﷺ -، من حسن الخلق، وتحمّل الأذى من السفهاء، وعدم مؤاخذتهم بما يصدر منهم مما يُخلّ بواجب احترامه، فكان تمسكه بما أمره تعالى به في قوله -﷿-: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] أتمّ تمسّك - ﷺ -.
(ومنها): أنه يجوز للإمام أن يمنّ على الأسارى إذا رأى ذلك مصلحة، قال الإمام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى-: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبيّﷺ - وغيرهم أن للإمام أن يمنّ على من شاء من الأسارى، في قتل من شاء منهم، ويفدي من شاء. واختار بعض أهل العلم القتل على الفداء. وقال الأوزاعيّ: بلغني أن هذه الآية منسوخة يعني قوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [سورة محمد - ﷺ -: ٤] نسخها قوله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: إذا أسر الأسير يقتل، أو يفادى أحبّ إليك؟، قال: إن قدر أن يفادى، فليس به بأس، وإن قتل، مما أعلم به بأسًا. قال إسحاق بن إبراهيم: الإثخان أحبّ إليّ إلا أن يكون معروفًا، فأطمع به الكثير انتهى.
وقال الخطّابيّ: ما حاصله: إن الإمام مخيّر في الأسارى البالغين، إن شاء من عليهم، وأطلقهم من غير فداء، وإن شاء فاداهم بمال معلوم، وإن شاء قتلهم، وأيّ ذلك كان أصلح، ومن أمر الدين، وإعزاز الإسلام أوقع. وإلى هذا ذهب الشافعيّ، وأحمد، وهو قول الأوزاعيّ، وسفيان الثوريّ. وقال أصحاب الرأي: إن شاء قتلهم، وإن شاء فاداهم، وإن شاء استرقّهم، ولا يمنّ عليهم، فيُطلقهم بغير عوض. وزعم بعضهم أن المنّ كان خاصًا للنبيّ - ﷺ -، دون غيره، قال: والتخصيص في أحكام الشريعة
[ ٣٠ / ٢١٥ ]
لا يكون إلا بدّليل، والنبيّ - ﷺ - إذا حكم بحكم في زمانه، كان ذلك سنّة، وشريعة في سائر الأزمان، وقد قال ﷾: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ الآية [محمد - ﷺ -: ٤]، وهذا خطاب لجماعة الأمّة كلّهم، ليس فيه تخصيص للنبيّ - ﷺ -، وإنما كان فعله امتثالًا للآية.
وأما الذين اعتلّوا به من تقوية الكفر، فإن الإمام إذا رأى أن يعطى كافرًا عطيّة، يستمليه بها إلى الإسلام، كان ذلك جائزًا، وإن كان في ذلك تقوية لهم، فكذلك هذا، وقد أعطى النبيّ - ﷺ - رجلًا من الكفار غنمًا بين جبلين. انتهى (^١).
(ومنها): أنه استدلّ بعضهم بقوله - ﷺ -: (والخمس مردود عليكم" على أن سهم النبيّ - ﷺ - ساقطٌ بعد موته، ومردود على شركائه المذكورين معه في الآية، وكذلك سهم ذوي القربى. وإلى هذا ذهب أصحاب الرأي. وقال بعضهم: هو للخليفة بعده، يَصرفه فيما كان النبيّ - ﷺ - يصرفه فيه أيام حياته. وقال الشافعيّ: هو موضوع في كلّ أمر حُصِّنَ به الإسلام وأهله، من سدّ ثغر، واعداد كُراع، وسُلاح، وما دعا إلى مصلحة فيه. قاله الخطّابيّ.
(ومنها): أن قوله: "أدّوا الخياط والمخياط" دليل على أن قليل ما يُغنم وكثيره مقسوم بين من شهد الوقعة، ليس لأحد أن يستبدّ بشيء منه، وإن قلّ، إلا الطعام الذي قد وردت فيه الرخصة، وهذا قول الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-، وقال مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: إذا كان شيئًا خفيفًا، فلا أرى به بأسًا أن يرتفق به آخذُهُ دون أصحابه. قاله
الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى- (^٢). (ومنها): شدّة أمر الغلول، وإن كان في الشيء التافه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم هبة المشاع:
قال العلاّمة ابن قُدَامة -رحمه اللَّه تعالى-: تصحّ هبة المشاع، وبه قال مالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، قال الشافعيّ: وسواء في ذلك ما أمكن قسمته، أو لم يمكن. وقال أصحاب الرأي: لا تصحّ هبة المشاع الذي يمكن قسمته؛ لأن القبض شرط في الهبة، ووجوب القسمة يمنع صحّة القبض وتمامه، فإن كان مما لا يمكن قسمته، صحّت هبته؛ لعدم ذلك فيه، وإن وهب اثنان شيئًا مما ينقسم لم يجز عند أبي حنيفة، وجاز عند صاحبيه، وإن وهب اثنان اثنين شيئًا مما ينقسم، لم يصحّ في قياس قولهم؛ لأن كلّ واحد من المتَّهبين قد وُهب له جزء مشاع.
_________________
(١) "معالم السنن" ٤/ ٢٥.
(٢) "معالم السنن" ٤/ ٢٨.
[ ٣٠ / ٢١٦ ]
واحتجّ الأولون بحديث الباب، فإن قوله - ﷺ -: "ما كان لي، ولبني عبد المطّلب، فهو لكم" هبة مُشاع، وكذلك قوله - ﷺ -: للرجل الذي جاء بكبّة شعر: "ما كان لي ولبني عبد المطّلب فهو لك" أيضًا يدلّ على جواز هبة المشاع. وبما أخرجه أحمد في "مسنده" ٣/ ٤١٨، والنسائيّ برقم ٢٨١٨ - واللفظ له بإسناد صحيح، عن عمير بن سلمة الضمري، أنه أخبره عن البَهْزي، أن رسول اللَّه - ﷺ -، خرج يريد مكة، وهو محرم، حتى إذا كانوا بالرَّوحاء إذا حمار وحش عَقِير، فذُكر ذلك لرسول اللَّه - ﷺ -، فقال: "دَعُوه، فإنه يوشك أن يأتي صاحبه"، فجاء البَهْزي، وهو صاحبه، إلى رسول اللَّه - ﷺ -، فقال: (يا رسول اللَّه، صلى اللَّه عليك وسلم، شأنَكُم بهذا الحمار، فأمر رسول اللَّه - ﷺ - أبا بكر، فقسمه بين الرِّفاق … الحديث.
ولأنه يجوز بيعه، فجازت هبته كالذي لا ينقسم؛ ولأنه مشاعٌ، فأشبه ما لا ينقسم. وقولهم: إن وجوب القسمة يمنع صحّة القبض: لا يصحّ، فإنه لم يمنع صحته في البيع، فكذا هنا. انتهى كلام ابن قُدامة بتصرّف (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن الراجح هو المذهب الأول، وهو جواز هبة المشاع؛ لقوّة دليله، والمانعون لم يأتوا بحجة مقنعة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…