٣٨٠١ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (^١) هِشَامٌ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أحمد بن سليمان) الرُّهاويّ ثقة حافظ [١١] ٣٨/ ٤٢.
٢ - (يزيد) بن هارون الواسطيّ، ثقة متقن عابد [٩] ١٥٣/ ٢٤٤.
٣ - (هشام) بن حكان القردوسيّ البصريّ، ثقة من أثبت الناس في ابن سرين، وفي روايته عن الحسن، وعطاء مقال، لأنه كان يرسل عنهما [٦] ١٨٨/ ٣٠٠.
٤ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ، ثقة فاضل فقيه مشهور يرسل ويدلس [٣] ٣٢/ ٣٦.
٥ - (عبد الرحمن بن سمرة) بن حبيب بن عبد شمس العبشميّ، صحابيّ، من مسلمة الفتح، يقال: كان اسمه عبد قال، افتتح سجستان، ثم سكن البصرة، ومات بها سنة (٥٠) أو بعدها - ﵁ -، تقدّمت ترجمته ٢/ ١٤٦٠. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه أيضًا، فإنه رُهاويّ. واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) وفي نسخة: "أخبرنا"، وفي أخرى: "حدّثنا".
[ ٣٠ / ٣٠٨ ]
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيّ - ﷺ -) أنه (قَالَ: "لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ) تقدّم البحث عنه مستوفًى في شرح حديث عمر - ﵁ - (وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ) أي الأصنام. قال الفيّوميّ: الطاغوتُ: تاؤها زائدة، وهي مشتقّة من طغا، والطاغوت يُذكّر، ويؤنّث، والاسم الطُّغيان، وهو مجاوزة الحدّ، وكلّ شيء جاوز المقدار والحدَّ في العصيان، فهو طاغ، وأطغيته: جعلته طاغيًا، وطغا السيل: ارتفع حتى جاوز الحدّ في الكثرة، والطاغوت: الشيطان، وهو في تقدير فَعَلُوت بفتح العين، لكن قُدّمت اللام موضع العين، واللامُ واوٌ محرّكةٌ، مفتوحٌ ما قبلها، فقُلبت ألفًا، فبقي في تقدير فَلَعُوت، وهو من الطغيان. قاله الزمخشريّ. انتهى.
ولفظ مسلم: "بالطواغي" بدون التاء، قال النوويّ في "شرحه": قال أهل اللغة، والغريب: الطواغي هي الأصنام، واحدتها طاغية، ومنه هذه "طاغية دوس": أي صنمهم، ومعبودهم، سُمّي باسم المصدر لطغيان الكفار بعبادته؛ لأنه سبب طغيانهم وكفرهم. وكلّ ما جاوز الحدّ في تعظيم، أو غيره، فقد طغى، فالطغيان المجاوزة للحدّ، ومنه قوله تعالى: ﴿لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ الآية [الحاقّة: ١١]، أي جاوز الحدّ. وقيل: يجوز أن يكون المراد بالطواغي هنا مَنْ طغى من الكفّار، وجاوز القدر المعتاد في الشرِّ، وهم عُظماؤهم. وروي هذا الحديث في غير مسلم: "لا تحلفوا بالطواغيت"، وهو جمع طاغوت، وهو الصنم، ويُطلق على الشيطان أيضًا، ويكون الطاغوت واحدًا، وجمعًا، ومذكّرًا، ومؤنّثًا، قال اللَّه تعالى: ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ الآية [الزمر: ١٧]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ الآية [النساء: ٦٠] (^١) انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في شرحه لهذا الحديث: ما نصّه: الطواغي: جمع طاغية، كالروابي: جمع رابية، والدوالي: جمع دالية، وهي مأخوذ من الطغيان، وهو الزيادة على الحدّ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾، أي زاد. قال: والطواغي، والطواغيت: كلّ معبود سوى اللَّه تعالى. قال: وقد تقرّر أن اليمين بذلك محرّم، وعلى ذلك فلا كفّارة فيه عند الجمهور؛ لأجل الحلف بها، ولا لأجل الحنث فيها، أما الأول؛ فلأن النبيّ - ﷺ - قد قال: "من قال: واللات والعزّى، فليقل: لا إله إلا اللَّه"، ولم يذكر كفّارةً، ولو كانت لوجب تبيينها لتعيّن الحاجة لذلك.
_________________
(١) "شرح مسلم" ١١/ ١١١.
[ ٣٠ / ٣٠٩ ]
وأما الثاني، فليست بيمين منعقدة، ولا مشروعة، فيلزم بالحنث فيها الكفّارة، وقد شذّ بعض الأئمة، وتناقض فيما إذا قال: أُشرك باللَّه، أو أكفُر باللَّه، أو هو يهوديٌّ، أو نصرانيّ، أو بريء من الإسلام، أو من النبيّ - ﷺ -، أو من القرآن، وما أشبه ذلك، فقال: هي أيمانٌ يلزم بها كفّارةٌ إذا حنِثَ فيها، أما شذوذه، فلأنه لا سلف له فيه من الصحابة، ولا موافق له من أئمّة الفتوى فيما أعلم. وأما تناقضه، فلأنه قال: لو قال: واليهوديّةِ، والنصرانيّة، والنبيِّ، والكعبةِ، لم يجب عليه كفّارة عنده، مع أنها على صيغ الأيمان اللغويّة، فأوجب الكفّارة فيما لا يُقال عليه يمين، لا لغةً، ولا شرعًا، ولا هو من ألفاظها، ولو عكس لكان أولى، وأمسّ، ولا حجة له في آية كفّارة اليمين؛ إذ تلك الكلمات ليست أيمانًا، كما بيّنّاه، ولو سلمنا أنها أيمان، فليست بمنعقدة، فلا يتناولها العموم، ثم يلزم بحكم العموم أن يوجب الكفّارة في كلّ ما يقال عليه يمينٌ لغة، وعرفًا، ولم يقل بذلك. واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- بتصرّف يسير (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الرحمن بن سَمُرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١٠/ ٣٨٠١ - وفي "الكبرى"١٠/ ٤٧١٥. وأخرجه (م) في "الأيمان والنذور" ١٦٤٨ (ق) في "الكفّارات" ٢٠٩٥ (أحمد) في "مسند البصريين" ٢٠١٠١. وبقيّة متعلّقات الحديث من الفوائد، وغيرها تقدّمت. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٦٢٤ - ٦٢٥. "كتاب النذور والأيمان".
[ ٣٠ / ٣١٠ ]