قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر صنيع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- عنه في عقد هذه الترجمة عقب الباب الماضي، كأنه يرجّح قول من قال: إن حديث العرنيين منسوخٌ بحديث النهي عن المثلة، لكن تقدّم أن الراجح أنه ليس بمنسوخ، وأنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - إنما فعل بأولئك النفر ذلك قصاصًا، حيث فعلوا بالراعي ذلك، كما بيّنه أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - في قوله السابق: "إنما سمل النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أعين أولئك؛ لأنهم سملوا أعين الرعاة". واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٤٠٤٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَحُثُّ فِي خُطْبَتِهِ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُثْلَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن المثنّي) العنزيّ، أبو موسى البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٢ - (عبد الصمد) بن عبد الوارث بن سعيد التّنُّوريّ، أبو سهل البصريّ، صدوق [٩] ١٢٢/ ١٧٤.
٣ - (هشام) بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ البصريّ، ثقة ثبت، من كبار [٧] ٣٠/ ٣٤.
٤ - (قتادة) بن دِعامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة ثبت مدلّس [٤] ٣٠/ ٣٤.
٥ - (أنس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، يَحُثُّ) من باب نصر: أي يحرّض (فِي خُطْبَتِهِ عَلَى الصَّدَقَةِ) يعني أنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - إذا خطب كان يأمر الناس بأن يتصدّقوا، وفي حديث سمرة بن جندب، وعمران بن حصين
[ ٣١ / ٣٦٦ ]
- رضي اللَّه تعالى عنهم - عند أحمد في "مسنده" -٤/ ٤٣٦ - بإسناد جيّد: ما خطبنا رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - خطبة، إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا عن المثلة" (وَيَنْهَى عَنْ الْمُثْلَةِ") بضمّ الميم، وسكون المثلّثة، وزان غُرْفة-: قطع بعض أطراف الحيوان، وهو حيّ. قال الفيّوميّ: مَثَلتُ بالقتيل مَثْلًا، من بابي قتل، وضرب: إذا جَدعته، وظهرتْ آثار فعلك عليه تنكيلًا، والتشديد مبالغةٌ، والاسم: الْمُثْلة، وزان غُرفة. انتهى.
وقال ابن الأثير: يقال: مثلتُ بالحيوان أمثُلُ به مَثْلًا: إذا قطعت أطرافه، وشَوَّهتَ به، ومَثَلْتُ بالقتيل: إذا جَدَعتَ أنفه، أو أُذنه، أو مذاكيره، أو شيئًا من أطرافه، والاسم الْمُثْلة، فأمّا مثّل بالتشديد، فهو للمبالغة. انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وإن كان في إسناده علّة، كما سيتّضح في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى.
وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- عنه، أخرجه هنا- ١٠/ ٤٠٤٨ - وفي "الكبرى" ١٠/ ٣٥١٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): أعلّ الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "الفتح" رواية المصنّف هذه بأن فيها إدراجًا، فقال عند قول البخاريّ: "قال قَتَادَةُ: وَبَلَغَنَا أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعْد ذَلِكَ كَانَ يَحْثُ عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُثْلَةِ". فقال: ما ملخّصه:
هَذَا الْمَتْنُ جَاءَ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ، عَنْ الْحَسَنُ الْبَصْرِيّ، عن هَيَّاج بْن عِمْرَان، عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ، وَعَنْ سَمُرة بْن جُنْدُب، قَالَ: "كَانَ رَسُول اللَّه - ﷺ - يَحُثُّنَا عَلَى الصَّدَقَةِ، وَيَنْهَانَا عَنْ الْمُثْلَةِ". أَخْرَجَهُ أبُو دَاوُدَ، مِنْ طَرِيقِ مُعاذ بْن هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإسْنادِ واللَّفْظِ، وَفِيهِ قِصَّة (^٢). وأخرجهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق سَعِيد، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذا الإسْنَادِ إِلَى عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ، وفِيهِ الْقِصَّة، وَلَفْظه: "كَانَ يَحُثّ في خُطْبَتِهِ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَيَنْهَى عَنْ الْمُثْلَةِ". وَعَنْ سَمُرَة مِثْل ذَلِكَ. وإِسْنَاد هَذَا الْحَدِيث قَوِيّ، فَإِنَّ هيَّاجًا -بِتَحْتانيَّةٍ ثَقِيلةٍ وَآخِرُهُ جِيمٌ- هُوَ ابْن عِمْرَان الْبَصْرِيّ، وثَّقهُ ابْن سَعْد، وابْن حِبَّانَ، وبقِيَّة رِجَاله مِنْ رِجَال الصَّحِيح. قال: وروي أيضًا مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بن يَزِيد الأَنْصَارِيّ، قال: "نَهَى رَسُول اللَّه - ﷺ - عَنْ الْمُثْلة، وَالنُّهْبَى".
_________________
(١) "النهاية" ٤/ ٢٩٤.
(٢) سيأتي قريبًا ذكر القصّة، إن شاء اللَّه تعالى.
[ ٣١ / ٣٦٧ ]
قال: وَقَدْ تَبَيّنَ بِهَذَا أَنَّ فِي الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، مِنْ طَرِيق عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث، عَنْ هِشَام، عَنْ قَتَادَةَ،، عَنْ أَنَس، قال: "نَهَى رَسُول اللَّه - ﷺ - عَنْ الْمُثْلَة"، إِدْرَاجًا، وأنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الْحَدِيث، لَمْ يُسْنِدْهُ قَتَادَةُ، عَنْ أَنَس، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بَلَاغًا، ولَمَّا نَشِط لِذِكْرِ إِسْنَادِهِ سَاقَهُ بِوَسَائِطَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- عنه بالاختصار (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن الحديث، وإن كان في إسناده العلّةُ المذكورة، صحيح، لأنه قد أخرجه البخاريّ في "صحيحه"، من حديث عبد اللَّه بن زيد الأنصاريّ، فقال:
حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة، حدثنا عدي بن ثابت، سمعت عبد اللَّه ابن يزيد الأنصاريّ -وهو جدّه أبو أمه- قال: "نهى النبيّ - ﷺ -، عن النهبى والمثلة".
ومن حديث سمرة بن جندب، وعمران بن حصين، عند أبي داود، وأحمد، ولفظ أبي داود من طريق قتادة، عن الحسن، عن الْهَيَّاج بن عمران، أن عمران أبق له غلام، فجعل للَّه عليه، لئن قدر عليه ليقطعن يده، فأرسلني لأسأل له، فأتيت سمرة بن جندب، فسألته، فقال: كان نبي اللَّه - ﷺ - يحثنا على الصدقة، وينهانا عن المثلة، فأتيت عمران بن حصين، فسألته، فقال: كان رسول اللَّه - ﷺ - يحثنا على الصدقة، وينهانا عن المثلة.
والحاصل أن حديث الباب صحيح من حديث هؤلاء الصحابة - رضي اللَّه تعالى - عنهم، وأما من حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه -، فقد عرفت أنه معلّ، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…