٣٦٩٤ - (أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ عَلَى مَالِ يَتِيمٍ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (العبّاس بن محمد) بن حاتم الدُّوريّ، أبو الفضل البغداديّ، خُوارَزْمِيُّ الأصلِ، ثقة حافظ [١١١٠٢/ ١٣٥].
٢ - (عبد اللَّه بن يزيد) أبوعبد الرحمن المقرئ المكيّ، بصري الأصل، أو الأهواز، ثقة فاضل، أقرأ القرآن نيّفًا وسبعين سنةً [٩] ٤/ ٧٤٦.
٣ - (سعيد بن أبي أيوب) مِقْلاص الْخُزَاعيّ مولاهم، أبو يحيى المصريّ ثقة ثبت [٧] ٢٧/ ١٨٨٠.
٤ - (عبيد اللَّه بن أبي جعفر) يسار، أبو بكر الفقيه، مولى كنانة، أو أمية المصريّ، فقيه، ثقة، عابد [٥] ٨٣/ ٢٥٨٥
٥ - (سالم بن أبي سالم) سفيان بن هانئ الجيشانيّ -بجيم مفتوحة، ثم تحتانيّة ساكنة، ثمّ معجمة- المصريّ، مقبول [٤].
روى عن أبيه، وعبد اللَّه بن عمرو، ومعاوية بن مُعَتِّب. وعنه ابنه عبد اللَّه، وعبيد اللَّه بن أبي جعفر، ويزيد بن أبي حبيب، والحارث بن يعقوب. ذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له مسلم، والمصنّف، وأبو داود، وله عندهم حديث الباب فقط.
٦ - (أبوه) سفيان بن هانئ بن جبر بن عمرو بن سعد بن ذاخر المصريّ، أبو سالم الجيشانيّ، حليفٌ لهم من المعافر، [٢].
شهد فتح مِصر، ووفد على عليّ - ﵁ -. ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال العجليّ: مصريّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن منده في "الصحابة"، وقال: اختُلف في صحبته، وكذا قال غيره. وقال ابن يونس: تُوفّي بالاسكندرية في إمرة عبد العزيز بن مروان، وكان عَلَويًّا. روى له مسلم، والمصنّف، وأبو داود، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
[ ٣٠ / ١٧٣ ]
٧ - (أبو ذرّ) جُندب بن جُنادة، وقيل: غير ذلك الصحابيّ المشهور - ﵁ - ٢٠٣/ ٣٢٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، غير شيخه، فبغداديّ، وعبد اللَّه بن يزيد، فمكيّ، وأبي ذرّ - ﵁ - فمدنيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: عبيد اللَّه، وسالم، وأبوه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي ذَرِّ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "يَا أَبَا ذَرّ، إِنِيِّ أَرَاكَ ضَعِيفًا) أي غير قادر على تحصيل مصالح الإمارة، ودرء مفسادها (وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي) أي من السلامة عن الوقوع في المحذور. وقيل: تقديره لو كان حالي كحالك في الضعف، وإلا فقد كان - ﷺ - متولّيًا على أمور المسلمين، حكما عليهم، فكيف يصِحّ قوله: "أُحبّ لك ما أُحبّ لنفسي". والتفسير الأول أقرب. واللَّه تعالى أعلم (لَا تَأَمَّرَنَّ) -بتشديد الميم، ونون التوكيد الثقلية- أي لا تسلّطّن، ولا تصيرينّ أميرًا (عَلَى اثْنَيْنِ) أراد به عدم التولّي مطلقًا، فعبّر بأقلّ ما يمكن الحكم فيه بين الخصوم (وَلَا تَوَلَّيَنَّ عَلَى مَالِ يَتِيمٍ).
وفي رواية مسلم من طريق عبد الرحمن بن حُجيرة الأكبر، عن أبي ذرّ - ﵁ - قال: قلت: يا رسول اللَّه، ألا تستعملني؟، قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: "يا أبا ذرّ، إنك ضعيفٌ، وإنها أمانةٌ، وإنها يوم القيامة خزيٌ، وندامةٌ، إلا من أخذها بحقّها، وأدّى الذي عليه فيها".
قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله - ﷺ -: "إنك ضعيفٌ": أي ضعيفٌ عن القيام بما يتعيّن على الأمير، من مراعاة مصالح رعيّته الدنيويّة والدينيّة. ووجه ضعف أبي ذرّ - ﵁ - عن ذلك أن الغالب عليه كان الزهد، واحتقار الدنيا، وترك الاحتفال بها، ومن كان هذا حالَهُ لم يَعتنِ بمصالح الدنيا، ولا بأموالها اللذين بمراعاتهما تنتظم مصالح الدين، ويتمّ أمره. وقد كان أبو ذرّ - ﵁ - أفرط في الزهد في الدنيا، حتى انتهى به الحالُ إلى أن يُفتي بتحريم الجمع للمال، وإن أُخرجت زكاته، وكان يرى أنه الكنز الذي توعّد اللَّه عليه بكَيّ الوجوه، والْجُنُوب، والظُّهُور، فلما علم النبيّ - ﷺ - منه
[ ٣٠ / ١٧٤ ]
هذه الحالة نصحه، ونهاه عن الإمارة، وعن ولاية مال الأيتام، وأكّد النصيحة بقوله: "وإني أحبّ لك ما أُحبّ لنفسي"، وغلّظ الوعيد بقوله: "وإنها" أي الإمارة "خزيٌ، وندامة"، أي فضيحةٌ قبيحة على من لم يؤدّ الأمانة حقّها، ولم يَقُم لرعيّته برعايتها، وندامةٌ على من تقلّدها، وعلى تفريطه فيها.
وأما من عدل فيها، وقام بالواجب منها، ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، وهو من: السبعة الذين يُظلّهم اللَّه في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه، وقد شهد بصحّة ما قلناه قوله في
الحديث: "إلا من أخذها بحقّها، وأدّى الذي عليه فيها". انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (^١).
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا الحديث أصلٌ عظيمٌ في اجتناب الولايات، لا سيّما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائف تلك الولاية. وأما الخزي، والندامة، فهو في حقّ من لم يكن أهلًا لها، أو كان أهلًا، ولم يَعدِل فيها، فيُخزيه اللَّه تعالى يوم القيامة، ويَفضَحُهُ، ويَندَم على تفريطه. وأما من كان أهلًا للولاية فيها، فله فضلٌ عظيمٌ، تظاهرت به الأحاديث الصحيحة، كحديث أبى هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -، قال. "سبعة يظلهم اللَّه تعالى في ظله، يوم لا ظل إلا ظله، إمام عَدْلٌ، وشاب نشأ في عبادة اللَّه، ورجل قلبه مُعَلَّقٌ في المساجد، ورجلان تحابا في اللَّه، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف اللَّه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر اللَّه خاليا، ففاضت عيناه". متّفقٌ عليه (^٢)، وحديث عبد اللَّه بن عمرو - ﵄ -، مرفوعّا: "إن المقسطين على منابر من نور، عن يمين الرحمن -﷿-، وكلتا يديه يمين، الذين يَعدلون في حكمهم، وأهليهم، وما وَلُوا". رواه مسلم. وغير ذلك، وإجماع المسلمين منعقدٌ عليه، ومع هذا فلكثرة الخطر فيها حذّره - ﷺ - منها، وكذا حذّر العلماء، وامتنع منها خلائق من السلف، وصبَرُوا على الأذى حين امتنعوا. انتهى كلام النوويّ بزيادة (^٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢١ - ٢٢ "كتاب الإمارة والبيعة".
(٢) سيأتي للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "كتاب آداب القضاء" برقم ٥٤٠٧. إن شاء اللَّه تعالى.
(٣) "شرح مسلم" ١٢/ ٤١٤ - ٤١٥. "كتاب الإمارة".
[ ٣٠ / ١٧٥ ]
حديث أبي ذرّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٠/ ٣٦٩٤ - وفي "الكبرى" ١٠/ ٦٤٩٤. وأخرجه (م) في "الإمارة" ١٨٢٦ (د) في "الوصايا" ٢٨٦٨. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان النهي عن الولاية على مال اليتيم، وهذا محمولٌ على من لا يثق بنفسه، ويرى أنها ضعيفة، لا تستطيع القيام بذلك المال حقّ القيام، وإلا فلا يُمنع، كما أشار إليه النبيّ - ﷺ - بقوله: "إني أراك ضعيفًا الخ". (ومنها): الحثّ على الابتعاد عن الإمارة، ولو كانت على أناس محصورين؛ لعظم مسؤوليتها، وعظم الحسرة فيها، ففي حديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -، قال: "إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة". رواه البخاريّ، وسيأتي للمصنّف في "كتاب البيعة" رقم ٤٢١١.
(ومنها): شدّة رأفة النبيّ - ﷺ - بأمته، ولا سيّما أصحابه الذين كان يعيش بينهم، ويداخلهم، ويعرف أحوالهم الشخصيّة، فمن كان منهم لا يستطيع التعامل مع المجتمع، حذّره عن التعامل الذي يؤدّي إلى عدم القيام بما يجب عليه، وحثّه بالاشتغال بنفسه، وهذا مصداق قوله ﷾: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…