٣٨٠٢ - (أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ الزُّبَيْدِيِّ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ: بِاللَّاتِ، فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (كثير بن عُبيد) بن نمير الْمَذْحِجِيّ، أبو الحسن الحمصيّ الحذّاء المقرئ، ثقة [١٠]، ٥/ ٤٨٦.
٢ - (محمد بن حرب) الخَوْلَاني الحمصيّ الأبرش، ثقة [٩] ١٢٢/ ١٧٢.
٣ - (الزُّبيديّ) - مصغّرًا - محمد بن الوليد بن عامرن أبو الهذيل الحمصيّ القاضي، ثقة ثبتٌ، من كبار أصحاب الزهريّ [٧] ٤٥/ ٥٦.
٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المدنيّ [٤] ١/ ١.
٥ - (حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة [٢] ٣٢/ ٧٢٥.
٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، وأبو داود، وابن ماجه. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالحمصيين، والثاني بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ: بِاللَّاتِ) أي قال في حلفه باللات، أي بلا قصد، بل جرى على لسانه، كما جرت العادة بينهم بذلك؛ حيث كانوا قريبي عهد بجاهلية.
أخرج البخاريّ في "صحيحه" من طريق أبي الأشهب -جعفر بن حيان-، عن أبي الجوزاء- أوس بن عبد اللَّه-، عن ابن عبّاس - ﵄ - في قوله "اللات، والعُزّى": كان اللات رجلًا يَلُتُّ سويق الحاجّ. قال في "الفتح": قال الإسماعيليّ: هذا التفسير على
[ ٣٠ / ٣١١ ]
قراءة من قرأ "اللات" بتشديد التاء. قال الحافظ: وليس بلازم، بل يحتمل أن يكون هذا أصله، وخُفّف لكثرة الاستعمال، والجمهور على القراءة بالتخفيف. وقد روي التشديد عن قراءة ابن عبّاس، وجماعة من أتباعه، ورويت عن ابن كثير أيضًا، والمشهور عنه التخفيف كالجمهور. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عبّاس، ولفظه فيه زيادة: "كان يلُتّ السويق على الحجر، فلا يشرب منه أحدٌ إلا سَمِنَ، فعبدوه". واختُلف في اسم هذا الرجل، فروى الفاكهيّ من طريق مجاهد، قال: كان رجلٌ في الجاهليّة على صخرة بالطائف، وعليها له غنمٌ، فكان يسلو من رِسْلها، ويأخذ من زبيب الطائف، والأقط، فيجعل منه حَيْسًا، ويُطعم من يمرّ به من الناس، فلَمّا مات عبدوه"، وكان مجاهد يقرأ "اللات" مشدّدةً. ومن طريق ابن جُريج نحوه، قال: وزعم بعض الناس أنه عامر بن الظَّرِب انتهى. وهو -بفتح الظاء المشالة، وكسر الراء، ثم موحّدة -وهو العُدْوانيّ -بضمّ المهملة، وسكون الدال- وكان حَكَمَ العرب في زمانه، وفيه يقول شاعرهم:
وَمِنَّا حَكَمٌ يَقْضِي … وَلَا يُنقَضُ مَا يَقْضِي
وحكى السهيليّ أنه عمرو بن لُحيّ بن قمعة بن إلياس بن مضر، قال: ويقال: هو عمرو بن لُحَيّ، وهو ربيعة بن حارثة، وهو والد خزاعة انتهى. وحرّف بعض الشرّاح كلام السهيليّ، وظنّ أن ربيعة بن حارثة قول آخر في اسم اللات، وليس كذلك، وإنما ربيعة بن حارثة اسم لُحيّ فيما قيل. والصحيح أن اللات غير عمرو بن لُحيّ، فقد أخرج الفاكهيّ من وجه آخر، عن ابن عبّاس أن اللات لمّا مات قال لهم عمرو بن لُحيّ: إنه لم يمت، ولكنّه دخل الصخرة، فعبدوها، وبنوا عليها بيتًا. وقد ثبت أن عمرو بن لُحيّ هو الذي حمل العرب على عبادة الأصنام. وحكى ابن الكلبيّ أن اسمه صرمة بن غنم، وكانت اللاتّ بالطائف. وقيل: بنخلة. وقيل: بعكاظ، والأول أصحّ. وقد أخرجه الفاكهيّ أيضًا من طريق يقسم، عن ابن عبّاس، قال هشام بن الكلبيّ: كانت مناة أقدم من اللات، فهدمها عليّ عام الفتح بأمر النبيّ - ﷺ -، وكانت اللات أحدث من مناة، فهدمها المغيرة بن شعبة بأمر النبيّ - ﷺ - لما أسلمت ثقيف، وكانت العربيّ أحدث عن اللات، وكان الذي اتّخذها ظالم بن سعد بوادي نخلة فوق ذات عرق، فهدمها خالد بن الوليد بأمر النبيّ - ﷺ - عام الفتح. انتهى (^١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: اللات، والعزّى، ومناة أصنامٌ ثلاثةٌ
_________________
(١) "فتح" ٩/ ٥٩٤ - ٥٩٥. "كتاب التفسير".
[ ٣٠ / ٣١٢ ]
كانت في جوف الكعبة. وقيل: اللات بالطائف، والعُزّى بغطفان، وهي التي هدمها خالد بن الوليد، ومناة بقُدَيد. وقيل: بالمشلَّل. فأما اللات، فقيل: إنهم أرادوا به تأنيث اسم اللَّه تعالى. وقيل: أرادوا يسمّوا بعض آلهتهم باسم اللَّه تعالى، فصرف اللَّه ألسنتهم عن ذلك، فقالوا: اللات؛ صيانة لذلك الاسم العظيم أن يُسمّى به غيره، كما صرف ألسنتهم عن سبّ محمد - ﷺ - إلى مُذَمَّم، فكانوا إذا تكلّموا باسمه في غير السبّ، قالوا: محمد، فإذا أرادوا أن يسبّوه، قالوا: مذمّم، حتى قال النبيّ - ﷺ -: "ألا تعجبون مما صرف اللَّه عنّي من أذى قريش؟ يسبون مذمّمًا، وأنا محمد"، رواه البخاريّ-٣٥٣٣، والنسائيّ-٦/ ١٥٩.
ولَمّا نشأ القوم على تعظيم تلك الأصنام، وعلى الحلف بها، وأنعم اللَّه عليهم بالإِسلام، بقيت تلك الأسماء تجري على ألسنتهم من غير قصد للحلف بها، فأمر النبيّ - ﷺ - من نطق بذلك أن يقول بعده: لا إله إلا اللَّه، تكفيرًا لتلك اللفظة، وتذكيرًا من الغفلة، وإتمامًا للنعمة. وخصَّ اللات بالذكر في هذا الحديث؛ لأنها أكثر ما كانت تجري على ألسنتهم، وحكم غيرها من أسماء آلهتهم حكمها؛ إذ لا فرق بينها.
والعُزَّى تأنيث الأعزّ، كالْجُلَّى تأنيث الأجلّ. انتهى كلام القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (^١).
(فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) أي استدراكا لما فاته من تعظيم اللَّه تعالى في محله، ونفيًا لما تعاطى من تعظيم الأصنام صورةً، وأما من قصد الحلف بالأصنام تعظيمًا لها، فإنه كافر بلا خلاف، -نعوذ باللَّه تعالى من ذلك-.
وقال الخطّابيّ: اليمين إنما تكون بالمعبود المعظّم، فإذا حلف باللات، ونحوها، فقد ضاهى الكفّار، فأمر أن يتدارك بكلمة التوحيد. وقال ابن العربيّ: من حلف بها جادًّا، فهو كافر، ومن قالها جاهلًا، أو ذاهلًا، يقول: لا إله اإلا اللَّه، يكفّر اللَّه عنه، ويردُّ قلبه عن السهو إلى الذكر، ولسانه إلى الحقّ، وينفي عنه ما جرى به من اللغو.
(وَمَنْ قَالَ: لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ) بالجزم على أنه جواب الأمر، والمقامرة مصدر قامره: إذا طلب كلّ منهما أن يغلب على صاحبه في فعل أمر، أو قول، ليأخذ مالًا جَعلاه للغالب منهما، وهذا حرام بالإجماع، إلا أنه استُثني منه نحو سباق الخيل، على ما سبق بيانه في بابه. واللَّه تعالى أعلم (^٢).
(فَلْيَتَصَدَّقْ) قال الخطّابيّ: أي بالمال الذي كان يريد أن يقامر به. وقيل: بصدقة ما
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٦٢٥ - ٦٢٦."كتاب النذور والأيمان".
(٢) راجع "شرح السنديّ" ٧/ ٧.
[ ٣٠ / ٣١٣ ]
لتكفّر عنه القول الذي جرى على لسانه. قال النوويّ: وهذا هو الصواب، وعليه يدلّ ما في رواية مسلم: "فليتصدّق بشيء"، وزعم بعض الحنفيّة أنه يلزمه كفّارة يمين، وفيه ما فيه. انتهى
وقال القرطبيّ: القول فيه كالقول في اللات؛ لأنهم كانوا اعتادوا المقامرة، وهي من أكل المال بالباطل، ولما ذمها النبيّ - ﷺ - بالغ في الزجر عنها، وعن ذكرها، حتّى إذا ذكرها الإنسان طالبًا للمقامرة بها أمره بصدقة.
والظاهر وجوبها عليه؛ لأنها كفارة مأمور بها، وكذلك قول لا إله إلا اللَّه على من قال: واللاتِ.
ثم هذه الصدقة غير محدودة، ولا مقدّرة، فيتصدّق بما تيسر له مما يصدق عليه الاسم، كالحال في صدقة مناجاة الرسول - ﷺ - في قوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ الآية [المجادلة: ١٢]، فإنها غير مقدّرة. وقال الخطّابيّ: يتصدّق بقدر ما أراد أن يقامر به، وليس في اللفظ ما يدلّ عليه، ولا في قواعد الشرع، ولا للعقل مجالٌ في تقدير الكفّارات، فهو تحكّم. وأبعد من هذا قولُ من قال من الحنفيّة: إن المراد بها كفّارة اليمين. وهذا فاسدٌ قطعًا؛ لأن كفّارة اليمين ما هي صدقة فقط، بل عتقٌ، أو كسوةٌ، أو إطعامٌ، فإن لم يجد فصيامٌ، فكيف يصحّ أن يقال: أطلق الصدقة، وهو يُريد به إطعام عشرة مساكين، وأنه مخيّرٌ بينه وبين غيره، من الخصال المذكورة معه في الآية؛. وأيضًا فإنه لا يتمشّى على أصل الحنفيّة المتقدّم الذكر، فإنهم قالوا: لا تجب الكفّارة إلا بالحنث في قوله: يهوديّ، أو نصرانيّ، إلى غير ذلك، مما ذكروه، وهذا حكم معلّقٌ على نطق بقولٍ ليس فيه يمين، ولا التزام، وإنما هو استدعاءٌ للمقامرة، فأين الأرض من السماء؟، والعرش من الثرى؟. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (^١) وهو تحقيق نفيس. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١١/ ٣٨٠٢ - وفي "الكبرى" ١١/ ٤٧١٦. وأخرجه (خ) في
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٦٢٦ - ٦٢٧.
[ ٣٠ / ٣١٤ ]
"التفسير ٤٨٦٠ و"الأدب" ٦١٠٧ و"الاستئذان" ٦٣٠١ و"الأيمان والنذور" ٦٦٥٠ (م) في "الأيمان والنذور" ١٦٤٧ (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٤٧ (ت) في "الأيمان والنذور" ١٥٤٥ (ق) في "الكفّارات" ٢٠٩٦ (أحمد) في باقي مسند المكثرين" ٨٠٢٦. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم الحلف باللات، وهو وجوب قول "لا إله إلا اللَّه" على من حلف بذلك. (ومنها): تحريم الحلف بالأصنام، والأوثان، وغيرها مما يعظّم من دون اللَّه سبحانه. (ومنها): تحريم القمار، كما نصِّ اللَّه -﷿- عليه في كتابه المبين، حيث قال تعالى: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
(ومنها): أن من طلب من آخر أن يقامره، وجب عليه أن يتصدّق بشيء من ماله؛ كفّارة لمعصيته، وأما ما قاله السنديّ تبعًا لغيره من أن التصدّق مندوب، غير صحيح، بل الأصحّ أنه واجب، كما تقدّم تحقيقه في كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-؛ كما أن قول: لا إله إلا اللَّه الماضي واجبٌ؛ وذلك لأنه أتى به الأمر، وأمر الشارع للوجوب، إذا لم يوجد له صارف، وليس له هنا صارف، فتنبّه. (ومنها): أن بعضهم قال: في هذا الحديث حجة للجمهور أن العزم على المعصية إذا استقرّ في القلب كان ذنبًا يكتب عليه، بخلاف المخاطر الذي لا يستمرّ. وتعقّبه الحافظ، فقال: ولا أدري من أين أخذ ذلك مع التصريح في الحديث بصدور القول حيث نطق بقوله: "تعال أُقامرك"، فدعاه إلى المعصية، والقمار حرامٌ باتفاق، فالدعاء إلى فعله حرام، فليس هنا عزمٌ مجرّد (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
_________________
(١) "فتح" ٩/ ٥٩٥ "كتاب التفسير".
[ ٣٠ / ٣١٥ ]