قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر ترجمة المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أنه يرجّح القول بأنه يجوز للوصيّ إذا قام على مال اليتيم بالإصلاح أن يأخذ بالمعروف، وهذا هو الحقّ، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
[ ٣٠ / ١٧٦ ]
٣٦٩٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: إِنِّي فَقِيرٌ، لَيْسَ لِي شَيْءٌ، وَلِي يَتِيمٌ، قَالَ: «كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ، غَيْرَ مُسْرِفٍ، وَلَا مُبَاذِرٍ، وَلَا مُتَأَثِّلٍ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧.
٢ - (خالد) بن الحارث الهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.
٣ - (حسين) بن ذكران المعلّم المكتب العوذي البصريّ، ثقة، ربما وهم [٦] ١٢٢/ ١٧٤.
[تنبيه]: وقع في النسخة الهنديّة هنا "حصين" بالصاد المهملة، بدل "حسين" بالسين، وهو غلطٌ فاحش، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٤ - (عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ) المدنيّ، ويقال: الطائفيّ، صدوق [٥] ١٠٥/ ١٤٠.
٥ - (أبوه) شعيب بن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو الحجازيّ الطائفيّ، صدوق ثبت سماعه من جدّه على الصحيح [٣] ١٠٥/ ١٤٠.
٦ - (جدُّهُ) عبد اللَّه بن عمرو بن العاص الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵁ - ٨٩/ ١١١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه، عن جدّه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ) بن محمد (عَنْ أَبيهِ) شعيب بن محمد بن عبد اللَّه (عَنْ جَدِّهِ) عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: إِنَّي فَقِيرٌ، لَيْسَ لِي شَيْءٌ) أي من المال الذي يكيفني من التعرّض للسؤال، أو غيره (وَلِي يَتِيمْ) زاد في رواية: "أفآكل من ماله؟ "، أي فهل يجوز لي أن آكل من ماله أجرةً لما أقوم به من إصلاحه؟ (قَالَ) - ﷺ - (كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ) وفي رواية: "بالمعروف" أي كلّ بالمعروف. قال السنديّ: حملوه على ما يستحقّه من الأجرة بسبب ما يعمل فيه، ويُصلِح له انتهى.
(غَيْرَ مُسْرِفٍ) بالراء، ووقع في "الكبرى": "مساوف" بالواو، والظاهر أنه تصحيف.
[ ٣٠ / ١٧٧ ]
وهو منصوب على الحال من الفاعل. وقوله (وَلَا مُبَاذِرٍ) هكذا نسخ "المجتبى" بالذال المعجمة. وفي "الكبرى": "غير مبادر" بالدال المهملة. قال في "النهاية": المباذِر، والمبذّر -أي بالمعجمة-: المسرف في النفقة. باذر، وبذّر مُباذرةً، وتبذيرًا. انتهى (^١).
وقال السنديّ: "ولا مباذر" قيل: ولا مسرف، فهو تأكيدٌ، وعلى هذا فالذال معجمة، لكن تكرار "لا" يبعده. وقيل: ولا مبادر بلوغ اليتيم بإنفاق ماله، فالدال مهملة. انتهى (وَلَا مُتَأَثِّلِ) أي ولا متّخذ منه أصل مال. وفي "النهاية": أي غير جامع، يقال: مالٌ مؤثّلٌ، ومجدٌ مؤثّلٌ: أي مجموع ذو أصل، وأَثْلَةُ الشىء أصله. انتهى (^٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١١/ ٣٦٩٥ - وفي "الكبرى" ١١/ ٦٤٩٥. وأخرجه (د) في "الوصايا" ٢٨٧٢ (ق) في "الوصايا" ٢٧١٨. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما يجوز للوصيّ من الأجرة، إذا قام على أمواله، وذلك أن يأخذ بالمعروف. (ومنها): مشروعيّة القيام على مال اليتيم، وأن النهي الوارد في حديث أبي ذرّ - ﷺ - المتقدّم في الباب الماضي محمول على من لا يستطيع القيام عليه. (ومنها): تحريم أكل الوصيّ مال اليتيم بغير حاجة. (ومنها): أن جواز أكله مشروط بعدم الإسراف ولا التبذير. (ومنها): عدم جواز استثمار الوصيّ أموال اليتامى ليأخذ منه بعض أرباحه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في جواز أكل الوصيّ من مال اليتيم:
قيل: يجوز للوصي أن يأخذ من مال اليتيم قدر عُمالته، وهو قول عائشة - ﵂ -، فقد أخرج الشيخان عنها في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ
_________________
(١) "النهاية" ١/ ١١٠.
(٢) "النهاية" ١/ ٢٣.
[ ٣٠ / ١٧٨ ]
بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، "قالت: أُنزلت في والي اليتيم أن يُصيب من ماله إذا كان محتاجّا بقدر ماله، بالمعروف". وفي لفظ المسلم: "أنزلت في مال اليتيم الذي يقوم عليه، ويصلحه، إذا كان محتاجًا أن يأكل منه". وبه قال عكرمة، والحسن، وغيرهم.
وقيل: لا يأكل منه إلا عند الحاجة، ثم اختلفوا، فقال: عبيدة بن عمرو، وسعيد بن جبير، ومجاهد: إذا أكل، ثم أيسر قضى. وقيل: لا يجب القضاء. وقيل: إن كان ذهئا، أو فضّةٌ، لم يجز أن يأخذ منه شيئًا إلا على سبيل القرض، وإن كان غير ذلك جاز بقدر الحاجة. وهذا أصحّ الأقوال عن ابن عبّاس. وبه قال الشعبيّ، وأبو العالية، وغيرهما. أخرج جميع ذلك ابن جرير في "تفسيره"، وقال هو بوجوب القضاء مطلقًا، وانتصر له.
وذهب الشافعيّ إلى أنه يأخذ أقلّ الأمرين من أجرته، ونفقته، ولا يجب الردّ على الصحيح. أفاده في "الفتح" (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن المذهب الأول هو الأرجح؛ لما تقدّم من قول عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: إنها نزلت في ذلك، فإن تفسير الصحابيّ المتعلّق بسبب النزول في حكم المرفوع، ولأن حديث عبد اللَّه بن عمرو - ﵄ - المذكور في الباب نصّ في ذلك.
والحاصل أن من يقوم بمال اليتيم له أن يأخذ بالمعروف، وقد بينه في حديث الباب بأنه ما لا إسراف فيه، ولا تبذير، ولا أن يتّخذ منه رأس مال، بل يأخذ لحاجته فقط، وأنه لا يجب عليه الرّدّ إذا أيسر؛ لأن الشارع حين أذن له بالأكل أذن له مطلقًا، ولم يوجب عليه الردّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٩٦ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُدَيْنَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، وَهُوَ ابْنُ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وَ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]، قَالَ: اجْتَنَبَ النَّاسُ مَالَ الْيَتِيمِ، وَطَعَامَهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: (﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أحمد بن عثمان بن حكيم) الأوديّ الكوفيّ، ثقة [١١] ١٦٠/ ٢٥٢.
_________________
(١) "فتح" ٦/ ٤٨ - ٤٩. "كتاب الوصايا".
[ ٣٠ / ١٧٩ ]
٢ - (محمد بن الصّلت) بن الحجّاج الأسديّ، أبو جعفر الكوفيّ الأصمّ، ثقة، من كبار [١٠].
قال محمد بن عبد اللَّه بن نُمير: ثقة، وأبو غسّان النهديّ أحبّ إليّ منه. وقال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". مات سنة (٢١٨) وقيل: سنة (٢١٩) وقيل: سنة (٢٢٢). روى عنه البخاريّ، وروى له المصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه بواسطة، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٣ - (أبو كُدينة) -بنون، مصغّرًا- يحيى بن المهلّب البجليّ الكوفيّ، صدوق [٧].
قال ابن معين، وأبو داود، والنسائيّ، والعجليّ، ويعقوب بن سفيان: ثقة. وقال النسائيّ في موضع آخر: ليس به بأس. وذكره ابن حنان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ. وقال ابن سعد: ثقة، إن شاء اللَّه تعالى. وقال الدارقطنيّ: يُعتبر به. روى له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٤ - (عطاء بن السائب) الثقفيّ، أبو محمد، أو أبو السائب الكوفيّ، صدوقٌ، اختلط [٥] ١٥٢/ ٢٤٣.
٥ - (سعيد بن جبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٨/ ٤٣٦.
٦ - (ابن عباس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، وعطاء بن السائب أخرج له البخاريّ حديثًا واحدًا في ذكر الحوض متابعة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد العباددة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قّالّ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وَ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾، قال: اجْتَنَبَ النَّاسُ مَالَ الْيَتِيم، وَطَعَامَهُ) وفي الرواية التالية: "قال: كان يكون في حجر الرجل اليتيم، فيعزل له طعامه، وشرابه، وآنيته". ولفظ أبي داود: "لما أنزل اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وَ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾، الآية، انطلق من كان عنده يتيمٌ، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضُلُ من
[ ٣٠ / ١٨٠ ]
طعامه، فيحبس له، حتى يأكله، أو يفسد، فاشتدّ ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول اللَّه - ﷺ - … " الحديث (فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ) وفي نسخة: "على الناس"، أي شقّ عليهم هذا الاجتناب، حيث يلزمهم عزل طعامه عن طعامهم، وهو يتكرّر في اليوم عدّة مرّات، وأيضّا أنه يتسبّب في فساد طعام اليتيم، إذا لم يستعب كله بالأكل (فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ إِلَى قوْلِهِ: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾) رُوي عن ابن عبّاس - ﵄ -: قال: لو شاء لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى مُوبقًا. وقيل: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾ لأهلككم. وقيل: لضيّق عليكم وشدّد، ولكنه لم يشأ إلا التسهيل عليكم. وقيل: لكلّفكم ما يشتدّ عليكم أدؤه، وأثّمكم في مخالطتهم، كما فعل بمن كان قبلكم، ولكنه خفّف عنكم. والعَنَتُ: المشقّة (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصح، وفيه عطاء بن السائب، وقد اختلط، ولا يُقبل حديثه إلا
من رواية من روى عنه قبل الاختلاط وأبوكُدينة لم يُذكر في جملة من رووا عنه قبل
الاختلاط؟.
[قلت]: لم يتفرّد به أبو كدينة، بل تابعه عليه عمران بن عيينة، كما في الرواية التاليه، وإسرائيل بن يونس، وهو ممن روى عنه قبل اختلاطه، فقد أخرجه الحاكم في "المستدرك" ٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩، فقال: حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا الحسن بن عليّ بن عفّان، حدثنا يحيى بن آدم، ثنا إسرائيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: لما نزلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] عزلوا أموالهم عن أموال اليتامى، فجعل الطعام يفسُد واللحم يُنتِن، فشكوا ذلك إلى رسول اللَّه - ﷺ -، فأنزل اللَّه -﷿-: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾، فخالطوهم. قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه، ووافقه الذهبيّ، وهو كما قالا، فإن إسرائيل ممن رووا عن عطاء بن السائب قبل اختلاطه، وهم ثمانية، وقد ذكرتهم في غير هذا المحلّ من هذا الشرح.
والحاصل أن هذا الحديث صحيح؛ لما ذُكر، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) راجع "تفسير القرطبيّ" ٣/ ٦٦.
[ ٣٠ / ١٨١ ]
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١١/ ٣٦٩٦ و٣٦٩٧ - وفي "الكبرى" ١١/ ٦٤٩٦ و٦٤٩٧. وأخرجه (د) في "الوصايا" ٢٨٧١ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٢٩٩٣. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو ما يجوز للوصيّ من مال اليتيم، ووجه الاستدلال بهذا الحديث أنه يدلّ على أن اللَّه تعالى يسرّ في خلط وليّ اليتيم ماله بماله، ومعلوم أنه إذا خُلِطَا لا يُغلمُ بالتحقيق ما يأكله اليتيم، فربما لم يأكل قدر ماله، فيأكله الوليّ، وأهله، فسومح ذلك، وهذا من الأكل الجائز من ماله؛ للضرورة. (ومنها): بيان سبب نزول الآية المذكورة. (ومنها): سماحة الشريعة، وسهولتها، حيث إنها تعتني في تسهيل الأمور عند الضيق. (ومنها): جواز مخالطة اليتيم في أمواله بالمعروف. (ومنها): ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من الاهتمام بأمور اليتامى، فخافوا أن يصبيهم الوعيد الذي ذكره اللَّه -﷿- بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ الآية [النساء: ١٠]، فاستفتوا في أمورهم، فأنزل اللَّه -﷿-: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] الآية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: لما أذن اللَّه -﷿- في مخالطة الأيتام مع قصد الإصلاح بالنظر إليهم، وفيهم كان ذلك دليلًا على جواز التصرّف في مال اليتيم تصرّف الوصيّ في البيع والقسمة، وغير ذلك على الإطلاق؛ لهذه الآية، فإذا كفل الرجل اليتيم، وحازه، وكان في نظره جاز عليه فعله، وإن لم يقدّمه والٍ عليه؛ لأن الآية مطلقة، والكفالة ولايةٌ عامّة، ولم يؤثر عن أحد من الخلفاء أنه قدّم أحدًا على يتيم مع وجودهم في أزمنتهم، وإنما كانوا يقتصرون على كونهم عندهم. انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الخامسة): قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- أيضًا: تواترت الآثار في دفع مال اليتيم مضاربة، والتجارة فيه، وير جواز خلط ماله بماله دلالةٌ على جوار التصرّف في ماله بالبيع والشراء، إذا وافق الصلاح، وجواز دفعه مضاربة إلى غير ذلك.
واختُلف في عمله هو قراضًا، فمنعه اشهب، وقاسه على منعه من أن يبيع لهم من نفسه، أو يشتري لها. وقال غيره: إذا أخذه على جزء من الربح بنسبة قراض مثله فيه
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" ٣/ ٦٣.
[ ٣٠ / ١٨٢ ]
أُمضي، كشرائه شيئًا لليتيم بتعقّب (^١)، فيكون أحسن لليتيم. قال محمد بن عبد الحكم: وله أن يبيع له بالدين إن رأى ذلك نظرًا. قال ابن كنانة: وله أن يُنفق في عُرس اليتيم ما يصلح من صنيع، وطيب، ومصلحتُهُ بقدر حاله، وحال من يُزوَّج إليه، وبقدر كثرة ماله. قال: وكذلك في ختانه، فإن خشي أن يُتَّهم رفع ذلك إلى السلطان، فيأمره بالقصد، وكلّ ما فعله على وجه النظر فهو جائز، وما فعله على وجه المحاباة، وسوء النظر فلا يجوز، ودلّ الظاهر على أن وليّ اليتيم يُعلّمه أمر الدنيا والآخرة، ويستأجر له، ويؤاجره ممن يعلّمه الصناعات. وإذا وُهب لليتيم شيءٌ، فللوصي أن يقبضه؛ لما فيه من الإصلاح. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (^٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهوحسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٩٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]، قَالَ: كَانَ يَكُونُ فِي حِجْرِ الرَّجُلِ الْيَتِيمَ، فَيَعْزِلُ لَهُ طَعَامَهُ، وَشَرَابَهُ، وَآنِيَتَهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -﷿- ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ "فِي الدِّينْ (^٣)﴾ [البقرة: ٢٢٠]، فَأَحَلَّ لَهُمْ خُلْطَتَهُمْ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن عليّ": هو الفلاّس.
و"عمران بن عُيينة" بن أبي عمران الهلاليّ، أبو الحسن الكوفيّ، أخو سفيان، صدوقٌ له أوهام [٨].
قال ابن معين: صالح الحديث. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: لا يُحجّ بحديثه؛ لأنه يأتي بالمناكير. وقال الآجريّ: سُئل أبو داود، عن إبراهيم، وعمران، ومحمد بني عيينة؟، فقال: كلهم صالح، وحديثهم قريبٌ. وقال العقيليّ: في حديثه وهم وخطأ. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال أبو بكر البزّار: ليس به بأس. وقال ابن خلفون: وقال أبو صالح: صدوق. روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
وقوله: "كان يكون الخ" أحدهما زائد، ويحتمل أن تكون الكاف جارّةً، و"أن" مصدرية، ويجعل هذا بينًا لحالهم حين نزلت هذه الآية قبل أن يؤذن لهم في الخلط، أي حالهم مثل أن يكون الخ. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-.
_________________
(١) أي مع تعقّب، وهو أن ينظر في أمر المشترى، يرفعه إلى السوق لمعرفة ثمنه.
(٢) "الجامع لأحكام القرآن" ٣/ ٦٣.
(٣) وفي نسخة إسقط قوله: "في الدين".
[ ٣٠ / ١٨٣ ]
وقوله: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٠]. قال القرطبيّ: هذه المخالطة، كخلط المثل بالمثل، كالتمر بالتمر. وقال أبو عبيد: مخالطة اليتامى أن يكون لأحدهم المال، ويشقّ على كافله أن يُفرد طعامه عنه، ولا يجد بُدًّا من خلطه بعياله، فيأخذ من مال اليتيم ما يرى أنه كافيه بالتحرّي، فيجعله مع نفقة أهله، وهذا قد يقع فيه الزيادة والنقصان، فجاءت الآية الناسخة بالرخصة فيه. قال أبو عبيد: وهذا عندي أصلٌ لما يفعله الرفقاء في الأسفار، فإنهم يتخارجون النفقات بينهم بالسويّة، وقد يتفاوتون في قلّة المطعم، وكثرته، وليس من قلّ مطعمه تطيب نفسه بالتفضّل على رفيقه، فلما كان هذا في اموال اليتامى واسعًا، كان في غيرهم أوسع، ولولا ذلك لَخِفتُ أن يضيّق فيه الأمر على الناس. انتهى (^١).
والحديث صحيح، وقد سبق البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…