٣٦٩٨ - (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا هِيَ؟، قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، إِلاَّ بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» (^٢).
رجال هذا الإسناد: ستة.
١ - (الربيع بن سليمان) أبو محمد المصريّ الجِيزيّ الأعرج، ثقة [١١] ١٢٢/ ١٧٣.
٢ - (ابن وهب) هو عبد اللَّه، أبو محمد المصريّ، ثقة حافظ عابد [٩] ٩/ ٩.
٣ - (سليمان بن بلال) التيمي مولاهم، أبو محمد، وأبو أيوب المدينيّ، ثقة [٨] ٣٠/ ٥٥٨.
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" ٣/ ٦٥.
(٢) يوجد هنا في النسخة الهندية: ما نصّه: "آخر الوصيّة".
[ ٣٠ / ١٨٤ ]
٤ - (ثور بن زيد) الدِّيليّ المدنيّ، ثقة [٦] ١١/ ١٢٠١.
[تنبيه]: وقع في كلّ نسخ "المجتبى"، و"الكبرى" التي بين يديّ: "ثور بن يزيد" بالياء التحتانيّة، وهو غلطٌ، والصواب "ثور بن زيد" بدونها، وهو الواقع في "الصحيحين"، وفي "تحفة الأشراف" ج ٩/ ص ٤٥٨، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
و"ثور بن يزيد" راو آخر، وهو أبو خالد الحمصيّ، ثقة ثبت، إلا أنه يرى القدر [٧] ٧/ ٥٠٤.
٥ - (أبو الغيث) سالم مولى ابن مُطيع المدنيّ، ثقة [٣] ٧٨/ ٢٥٧٧.
٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فقد تفرد به هو، وأبو داود، وهو ثقة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من سليمان، وشيخُهُ، وابنُ وهب مصريان. (ومنها): أن فيه أبا هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، قال: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ) بموحّدة، وقاف: أي المهلكات، جمع مُوبِقّة، من أوبقه: إذا أهلكه. قال في "القاموس": وَبَقَ، كوَعَدَ، وَوَجِلَ، وَوَرِثَ، وُبُوقًا، ومّوْبِقًا: هَلَك، كاستَوبَقَ، وكمجلِسِ: المَهْلِك، والْموْعِد، والْمَحِبِسُ، ووادٍ في جهنّم، وكلُّ شيء حال بين شيئين، وأوبقه: حَبَسَهُ، وأهلكه. انتهى.
قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وسمّيت هذه الكبائر موبقات؛ لأنها تُهلك فاعلها في الدنيا بما يترتّب عليها من العقوبات، وفي الآخرة من العذاب.
ولا شكّ في أن الكبائر أكثر من هذه السبع بدليل الأحاديث المذكورة في هذا الباب (^١) وفي غيره، ولذلك قال ابن عبّاس - ﵄ - حين سئل عن الكبائر، فقال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع. وفي رواية عنه: هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع. وعلى هذا فاقتصاره - ﷺ - على هذه السبع في هذا الحديث يحتمِل أن يكون لأنها هي التي أُعلم بها في ذلك الوقت بالوحي، ثم بعد ذلك أُعلم بغيرها. ويحتمل أن يكون ذلك
_________________
(١) يعني في "صحيح مسلم".
[ ٣٠ / ١٨٥ ]
لأن تلك السبع هي التي دعت الحاجة إليها في ذلك الوقت، أو التي سُئل عنها في ذلك الوقت، وكذلك القول في كلّ حديث خصّ عددًا من الكبائر. واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (^١).
(قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هِيَ؟، قَالَ: "الشِّركُ بِاللَّهِ) يجوز في "الشرك" وما عطف عليه النصب، والرفع، فالنصب على البدلية من "السبع"، أو على أنه مفعول لفعل محذوف، أي "أعني"، ونحوه.
وكون الشرك من الكبائر، بل هو أكبرها على الإطلاق، صريح النصّ القرآنيّ، حيث قال ﷾: ﴿وَإِذْ قَالَ: لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. وأخرج الشيخان من حديث ابن مسعود - ﵁ -، قال: قلت: يا رسول اللَّه، أيُّ الذنب أعظم؟، قال: "أن تجعل للَّه ندا، وهو خلقك"، قلت: ثم أيّ؟، قال: "أن تقتل ولدك، خشية أن يأكل معك"، قال: ثم أيّ؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك"، وأنزل اللَّه تصديق قول النبيّ - ﷺ -: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية [الفرقان: ٦٨].
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وأما قبح الكفر، وكونه من أكبر الكبائر، فكان معروفًا عندهم، ولا يتشكّك أحدٌ من أهل القبلة في ذلك. انتهى (^٢).
(وَالسِّحْرُ) هكذا في النسخة الهنديّة، وهو الموافق لما في "الصحيحين"، ووقع في النسختين المطبوعتين: "والشحّ"، بدل "السحر"، وسقطت هذه الكلمة من "الكبرى" أصلًا (^٣)، والظاهر أنها سقطت من النسّاخ، لا من أصل الرواية؛ لأن السبع تكون ناقصة بدونها، فتنبّه.
و"السحر" -بكسر، فسكون-: قال ابن فارس: هو إخراج الباطل في صورة الحقّ، ويقال: هو الخديعة، وسَحَره بكلامه: استماله برقّته، وحسن تركيبه. قال الإمام فخر الدين في "التفسير": ولفظ السحر في عرف الشرع مختصّ بكلّ أمر يخفَى سببه، ويُتخيّل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه، والخِداع. قال اللَّه تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وإذا أُطلق ذُمّ فاعله. وقد يستعمل مُقيّدًا فيما يُمدح، ويُحمد، نحو قوله - ﷺ -: "إن من البيان لسحرًا" أي إن بعض البيان سحرٌ؛ لأن صاحبه يوضّح المشكل، ويَكشِف عن حقيقته بحسن بيانه، فيستميل القلوب، كما تُستمالُ
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٨٣.
(٢) "شرح مسلم" ٢/ ٨٨.
(٣) وقد ألحق المحقّق به من "المجتبى" لفظة "والشحّ".
[ ٣٠ / ١٨٦ ]
بالسحر. وقال بعضهم: لما كان في البيان من إبداع التركيب، وغرابة التأليف ما يَجذب السامع، ويُخرجه إلى حدّ يكاد يَشغَلُهُ عن غيره، شُبّه بالسحر الحقيقيّ. وقيل: هو السحر الحلال. ذكره الفيّوميّ. وسيأتي بسط فيما يتعلّق بالسحر في "كتاب المحاربة"، إن شاء اللَّه تعالى.
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وأما عدّه - ﷺ - السحر من الكبائر، فهو دليلٌ لمذهبنا الصحيح المشهور، ومذهب الجماهير أن السحر حرام، من الكبائر فعله، وتعلّمه، وتعليمه. وقال بعض أصحابنا: إن تعلّمه ليس بحرام، بل يجوز؛ ليعرف، ويردّ على صاحبه، ويميّز عن الكرامة للأولياء، وهذا القائل يمكنه أن يحمل الحديث على فعل السحر. واللَّه أعلم. انتهى (^١).
وأما "الشح"، إن صحّت به الرواية، فهو أشدّ البخل، وهو أبلغ في المنع من البخل. وقيل: هو البخل مع الحرص. وقيل: البخل في أفراد الأمور، وآحادها، والشّحّ عامّ. وقيل: البخل بالمال، والشحّ بالمال والمعروف. يقال: شحّ يشُحّ - بالضمّ- فهو شَحِيح، والاسم الشُّحّ. أفاده ابن الأثير (^٢).
(وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمّ اللَّهُ، إِلاَّ بِالْحَقِّ) أي كأن تقتل بريئًا عمدًا، فيقتصّ منها، أو زنت محصنة، فترجم (وَأَكْلُ الرِّبَا) قال اللَّه -﷿-: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥] (وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيم) قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (وَالتَّوّلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ) أي الفرار من الجهاد، ولقاء العدوّ في الحرب. والزَّحفُ: الجيش يزحفون إلى العدوّ: أي يمشون، يقال: زَحف إليه زَحفًا، من باب منع: إذا مشى نحوه. أفاده في "النهاية" (^٣).
وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: والزحف: القتال، وأصله المشي المتثاقل، كالصبيّ يزحف قبل أن يمشي، والبعير إذا أعيى، فَجَرَّ فِرْسَنَه (^٤). وقد سمّي الجيش بالزحف؛ لأنه يُزحَفُ فيه، والتوليّ عن القتال إنما يكون كبيرةً إذا فرّ إلى غير فئة، وإذا كان العدوّ ضعفي المسلمين. انتهى (^٥).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ٨٨.
(٢) "النهاية" ٢/ ٤٤٨.
(٣) "النهاية" ٢/ ٢٩٧.
(٤) أي طرف خفّه.
(٥) "المفهم" ٤/ ٢٨٤.
[ ٣٠ / ١٨٧ ]
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وأما عدّه - ﷺ - التولّي يَوْمَ الزحف من الكبائر، فدليلٌ صريحٌ لمذهب العلماء كافّةً في كونه كبيرةً، إلا ما حُكي عن الحسن البصريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أنه قال: ليس هو من الكبائر، قال: والآية الكريمة في ذلك إنما وردت في أهل بدر خاصّة. والصواب ما قاله الجماهير أنه عامّ باقٍ. واللَّه أعلم انتهى (^١).
(وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) أي رميهنّ بالزنى، والإحصانُ هنا: العفّة عن الفواحش. والغافلات يعني عما رُمين به من الفاحشة، أي هنّ بريئات من ذلك، لا خبر عندهنّ منه. قاله القرطبيّ.
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وأما المحصنات الغافلات، فبكسر الصاد، وفتحها قراءتان في السبع قرأ الكسائيّ بالكسر، والباقون بالفتح، والمراد بالمحصنات هنا العفاف، وبالغافلات الغافلات عن الفواحش، وما قُذِفْنَ به، وقد ورد الإحصان في الشرع على خمسة أقسام: العفّة، والإسلام، والنكاح، والتزويج، والحرّيّة، وقد بيّنت مواطنه، وشرائطه، وشواهده في "كتاب تهذب الأسماء واللغات". واللَّه أعلم. انتهى (^٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١٢/ ٣٦٩٨ - وفي "الكبرى" ١٢/ ٦٤٩٨. وأخرجه (خ) في "الوصايا" ٢٧٦٦ و"الطبّ" ٥٧٦٤ و"الحدود" ٦٨٥٧ (م) في "الإيمان" ٨٩ (د) في "الوصايا" ٢٨٧٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان وجوب اجتناب أكل مال اليتيم. (ومنها): تقسيم الذنوب إلى كبائر، وصغائر. (ومنها): وجوب الاجتناب عن هذه الذنوب الكبائر السبع. وسيأتي ذكر بيان الاختلاف بين العلماء في حد الكبيرة، وتقسيم الذنوب إلى صغيرة وكبيرة، وبعض أمثلة الكبائر في باب "ذكر الكبائر" من "كتاب المحاربة"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ٨٨.
(٢) "شرح مسلم" ٢/ ٨٤.
[ ٣٠ / ١٨٨ ]
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…