٣٨٠٣ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا نَذْكُرُ بَعْضَ الْأَمْرِ، وَأَنَا حَدِيثُ عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ، فَحَلَفْتُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، فَقَالَ لِي أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: بِئْسَ مَا قُلْتَ: ائْتِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَأَخْبِرْهُ، فَإِنَّا لَا نَرَاكَ إِلَّا قَدْ كَفَرْتَ، فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ لِي: "قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَاتْفُلْ عَنْ يَسَارِكَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلَا تَعُدْ لَهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أبو داود) سليمان بن سيف الطائيّ مولاهم، الْحَرّانيّ، ثقة حافظ [١١] ١٠٣/
١٣٦.
٢ - (الحسن بن محمد) بن أعين، أبو عليّ الحرّانيّ، صدوقٌ [٩] ١٦/ ٦٤٩.
٣ - (زهير) بن معاوية بن حُدَيح، أبو خيثمة الْجُعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقة ثبت، إلا أن سماعه من أبى إسحاق بأخرة [٧] ٣٨/ ٤٢.
٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه بن عُبيد الهمدانيّ السببِيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد مكثر، اختلط بآخره، وكان يدلّس [٣] مكثر ٣٨/ ٤٢.
٥ - (مُصعب بن سعد) الزهريّ، أبو زُرارة المدنيّ، ثقة [٣] ٩١/ ١٠٣٢.
٦ - (أبوه) سعد بن أبي وقّاص مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق، مات - رضي اللَّه تعالى عنه - بالعقيق سنة (٥٥) على المشهور ٩٦/ ١٢١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه حرّانيين: شيخه، والحسن، وكوفيين: زهير، وأبو إسحاق، ومدنيين: مصعب، وأبوه. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، ورواية الابن، عن أبيه. (ومنها): أن صحابيّه، أحد العشرة المبشّرين بالجنة - ﵃ -، وأول من رمى بسهم في سبيل اللَّه، وآخر من مات من العشرة - رضي اللَّه تعالى عنهم - مات سنة (٥٥) على الأصح. واللَّه تعالى أعلم.
[ ٣٠ / ٣١٦ ]
شرح الحديث
(عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقّاص - ﵁ -، أنه (قَالَ: كُنَّا نَذْكُرُ بَعْضَ الْأَمْرِ، وَأَنَا حَدِيثُ عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ) أي قريب الدخول إلى الإسلام، ولم تزل منه آثار الجاهليّة، والجاهليّة: ما قبل الإسلام، مما كانت فيه العرب، من الجهل باللَّه ﷾، وبأحكامه، حتى أخرجها اللَّه تعالى من ذلك الضلال ببعث النبيّ - ﷺ - فيهم (فَحَلَفْتُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى) أي جرى ذلك منه على العادة، وليس قاصدًا لذلك، كما يُرشد إليه السياَق (فَقَالَ لِي أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) وفي الرواية التالية: "أصحابي"، ولا تنافي بينهما؛ وإن أصحاب رسول اللَّه - ﷺ - هم أصحابه (بِئْسَ مَا قُلْتَ) أي من الحلف باللات، والعزّى، فإنه منكرٌ من القول، وزورٌ، وفي الرواية التالية زيادة: "قُلتَ هُجرًا"، وهو -بضمّ الهاء، وسكون الجيم-: هو القبيح من الكلام (ائْتِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَأَخْبِرْهُ، فَإِنَّا لَا نَرَاكَ إِلَّا قَدْ كَفَرْتَ) هذا ظنّ من الصحابة - ﵃ -، أدّاهم إليه شدّة بغضهم لما كانوا عليه من الجهل باللَّه تعالى، وبأحكامه، فظنّوا أن من قال ذلك، ولو كان غير قاصد يكفر به (فَأَتَيْتُهُ) - ﷺ - (فَأَخْبَرْتُهُ) أي بما جرى له من الحلف المذكور (فَقَالَ: لِي: " قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) زاد في الرواية التالية: "له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير". وفي نسخة: (إسقاط جملة: "لا شريك له" (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) إنما أمره بتكرارها -واللَّه أعلم- مبالغة في التبرّي من الأصنام (وَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ) أي لأن هذا من عمله؛ إذْ هو الحامل على المنكر من القول والفعل، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَاتْفُلْ) -بضمّ الفاء، وكسرها، أمر من تفل، من بابي ضرب، وقتل، يقال: بزَق، ثم تفَل، ثم نَفَث، ثم نَفَخ. قاله الفيّومي. أي فالتَّفْل أشدّ من البَزْق، ويليه النَّفْثُ، ويليه النفخ (عَنْ يَسَارِكَ) وفي نسخة: "عن شمالك"، وإنما أمره بالتفل في يساره؛ لأنه موقف الشيطان، من الإنسان، فإن اليمين للملك، واليسار للشيطان، ويشهد له ما أخرجه مسلم في "صحيحه" من طريق أبي الزبير، عن جابر - ﵁ -، عن رسول اللَّه - ﷺ -، أنه قال: (إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها، فليبصق عن يساره ثلاثا، وليستعذ باللَّه من الشيطان ثلاثا، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه".
ويؤيّده أيضًا ما رواه أبو هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -، قال: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فلا يبصق أمامه، فإنما يناجي اللَّه ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه، فإن عن يمينه ملكا، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه، فيدفنها"، متّفقٌ عليه، وقد بُيَّنَ كونُ
[ ٣٠ / ٣١٧ ]
اليسار موقف الشيطان، فيما رواه ابن أبي شيبة، من حديث أبي أُمامة - ﵁ - في هذا الحديث: "فإنه يقوم بين يدي اللَّه، وملكه عن يمينه، وقرينه عن يساره".
(ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلَا تَعُدْ لَهُ) -بضمّ العين المهملة، من العَوْد، وهو الرجوع، أي لا ترجع لمثل هذا القول مرّة أخرى؛ لأنه من عمل الشيطان الذي هو عدوّ الإنسان، واللَّه تعالى أمرنا بمخالفته، واتخاذه عدوًّا، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سعد بن أبي وقّاص - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه أبو إسحاق مدلّسٌ، وقد عنعنه، وهو أيضًا ممن اختلط في آخره، وزهير بن معاوية إنما سمع منه بعد اختلاطه؟ (^١).
[قلت]: أما عنعنته فقد زالت بتصريحه بالتحديث في الرواية التالية، وأما اختلاطه، فإن زهيرًا، وإن كان أخذه عنه بآخره، إلا أنه تابعه إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، فرواه عنه، كما أخرجه أحمد في "مسنده" من طريقه -١/ ١٨٣ و١٨٦ - ١٨٧ - وإسرائيل في جدّه أبي إسحاق، أثبت حتّى من شعبة، والثوريّ، كما قاله ابن مهديّ، وقال ابن مهديّ أيضًا: ما فاتني الذي فاتني من حديث الثوريّ عن أبي إسحاق، إلا لما اتّكلت به على إسرائيل؛ لأنه كان يأتي به أتمّ. وقال حجاج الأعور: قلنا لشعبة: حدّثنا حديث أبي إسحاق، قال: سلوا عنها إسرائيل، فإنه أثبت فيها منّي. مع أن يحيى بن معين: قال أثبت أصحاب أبي إسحاق سفيان، وشعبة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٢/ ٣٨٠٣ و٣٨٠٤ - وفي "الكبرى" ١٢/ ٤٧١٧ و٤٧١٨. وأخرجه (ق) في "الكفارات" ٢٠٩٧ (أحمد) في "مسند العشرة" ١٥٩٣. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم الحلف باللات والعزّى، وهو ما ذُكِرَ في الحديث. (ومنها): أن من تكلّم بالمكفّرات، لجهله،
_________________
(١) ضعّفه الشيخ الألبانيّ بسبب هاتين العلتين، انظر "الإرواء" ٨/ ١٩٢ - ١٩٣.
[ ٣٠ / ٣١٨ ]
ّأو نسيانه، بأن كان قريب عهد بالجاهليّة، لا يكفر بذلك، ولا يخرج عن الإسلام؛ لأنه غير قاصد لذلك. (ومنها): ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من الاشمئزاز، والنَّفْرة حينما يسمعون ألفاظًا منكرة، وقيامهم بالإنكار على من رأوا ذلك منه، وهذا هو الواجب على كلّ مسلم عند ما يرى المنكر، من القول والفعل، فقد أخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: "من رأى منكم منكرا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". (ومنها): أن من وقع في المخالفات ينبغي له أن يتعوّذ من الشيطان، ويذكر اللَّه تعالى؛ ليبعده عنه؛ فإن ذكر اللَّه ﷾ حصنٌ حصين منيع، لا يصل الشيطان إلى ابن آدم ما دام متحصّنًا به. (ومنها): وجوب التوبة على من اقترف معصية، وعدم الرجوع إليها، وهذا من شروط التوبة الصحيحة، فإنها الندم، والإقلاع عنها في الحال، والعزم على أن لا يعود في المستقبل، وإذا تعلّقت بحقّ آدميّ شُرط الخروج عن تلك المظلمة، إن أمكنه ذلك، قال في "الكوكب الساطع":
وَاعرِضْ عَلَى نَفْسِكَ تَوْبَةً تُؤَمُّ … وَمَا حَوَتْ مِنْ حَسَنٍ وَهْيَ النَّدَمْ
وَشَرْطُهَا الإقْلَاعُ وَالعَزْمُ السَّنِي … أَنْ لَا يَعُودَ وَادِّرَاكُ الْمُمْكِنِ
وقوله: "وادراك الممكن" افتعال من الدرك، أي تدارك ما أمكن تداركه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٠٤ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَلَفْتُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، فَقَالَ لِي أَصْحَابِي: بِئْسَ مَا قُلْتَ: قُلْتَ هُجْرًا، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَانْفُثْ عَنْ يَسَارِكَ، ثَلَاثًا، وَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، ثُمَّ لَا تَعُدْ" (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبد الحميد بن محمد": هو أبو عمر الحرّانيّ، إمام مسجدها، ثقة [١١] ٢٢/ ٩٣٢ من أفراد المصنّف. و"مخلد": هو ابن يزيد القرشيّ الحرّانيّ، صدوق، له أوهام، من كبار [٩] ١٤١/ ٢٢٢. و"يونس بن أبي إسحاق": هو أبو إسرائيل الكوفيّ، صدوق يَهِم قليلًا [٥] ١٦/ ٦٥٢.
وقوله: "هُجرًا" -بضمّ، فسكون-: أي كلامًا قبيحًا. وقوله: "وانفث" بضمّ الفاء،
_________________
(١) وفي نسخة: "ولا تَعُد".
[ ٣٠ / ٣١٩ ]
أمر من نفث، من باب ضرب، يقال: نفث: إذا بزَقَ، ومنهم من يقوله: إذا بزق، ولا ريق معه. قاله الفيّوميّ. والحديث صحيح، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…