قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مناسبة هذا الباب لـ"كتاب المحاربين" أن العبد إذا أبق إلى أرض الشرك، فهو في حكم المحارب، يقام عليه الحدّ، كما فعل جرير بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنه - في قصته الآتية.
وقوله: "يأبق" بفتح الباء الموحّدة، وكسرها، وسيأتي الكلام في ضبطه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(الاخْتِلافُ عَلَى الشَّعْبيِّ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن منصورًا رواه عن
[ ٣١ / ٣٦٩ ]
الشعبيّ، عن جرير، عن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، مرفوعًا، بلفظ: "إذا أبق العبد، لم تُقبل صلاة"، وتابعه مُغيرة في رواية جرير بن عبد الحميد عنه، وزاد: "وإن مات مات كافرًا"، وقصّةَ إباق غلام جرير. وخالف جريرًا إسرائيلُ، فرواه عن مغيرة، عن الشعبيّ بلفظ: "إذا أبق العبد إلى أرض الشرك، فلا ذمّة له"، موقوفًا على جرير، لكن الرفع هنا أرجح؛ لاتفاق منصور، ومغيرة في رواية عليه؛ ولذا أخرج مسلم في "صحيحه" رواية جرير، عن مغيرة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٤٠٥٠ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -:
«إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَوَالِيهِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة.
١ - (محمود بن غيلان) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٣٣/ ٣٧.
٢ - (أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ الحافظ، ثقة [٩] ١٣/ ٣٤٣.
٣ - (شعبة) بن الحجّاج البصريّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (منصور) بن عبد الرحمن الغُدانيّ بضمّ الغين المعجمة، وتخفيف الدال المهملة- الأشلّ البصريّ، صدوقٌ يَهِم [٦].
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: صالحٌ، روى عنه شعبة، قلت: ثقة؟ قال: حدّث عنه شعبة، وإسماعيل، إلا أنه يُخالف في أحاديث، وهو ثقة، ليس به بأس. وقال ابن معين، وأبو داود: ثقة. وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ، يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف.
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح مسلم": وفي الرواة خمسة، يقال لكلّ واحد منهم: منصور بن عبد الرحمن، هذا أحدهم. انتهى (^١).
[تنبيه]: كون منصور في هذا السند، هو ابن عبد الرحمن المترجم آنفًا هو الذي يظهر لي؛ لأن مسلمًا أخرج الحديث في "صحيحه" عن عليّ بن حجر السعديّ، عن إسماعيل ابن عليّة، عن منصور بن عبد الرحمن المذكور، عن الشعبيّ، عن جرير - رضي
_________________
(١) "شرح مسلم" ٢/ ٥٩. "كتاب الإيمان".
[ ٣١ / ٣٧٠ ]
اللَّه تعالى عنه -، فالظاهر أنه المراد في سند المصنّف أيضًا. ويحتمل أن يكون هو ابن المعتمر؛ وهو الذي يؤيّده صنيع أصحاب كتب الرجال، كـ"تهذيب الكمال"، و"تهذيب التهذيب"، و"التقريب"؛ حيث إنهم لم يرمزوا للمصنّف في ترجمة منصور بن عبد الرحمن المذكور، بل رمزوا لمسلم، وأبي داود فقط. فيتأمّل. واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (الشعبيّ) عامر بن شَراحيل الهمدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ٦٦/ ٨٢.
٦ - (جرير) بن عبد اللَّه بن جابر البجليّ الأحمسيّ الصحابيّ المشهور، مات - رضي اللَّه تعالى عنه - سنة (٥١) وقيل: بعدها، تقدّم في ٤٣/ ٥١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين غير شيخه، فبغداديّ، والشعبيّ، وجرير، فكوفيان. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَرِيرٍ) بن عبد اللَّه - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ: رسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ) بفتح الباء الموحّدة، وكسرها، قال الفيّوميّ: أَبق العبدُ أبقًا، من بابي تَعِبَ، وقَتَلَ في لغة، والأكثر من باب ضَرَب: إذا هرب من سيّده، من غير خوفٍ، ولا كدّ عملٍ، هكذا قيّده في "العين"، وقال الأزهريّ: الأَبْقُ: هُرُوب العبدِ من سيّده، والإباق بالكسر-: اسم منه، فهو آبقٌ، والجمعُ أُبَّاقٌ، مثلُ كافر وكُفّار. انتهى. وقال النوويّ: ويقال: أبق العبد، وأبِقَ بفتح الباء، وكسرها لغتان مشهورتان، الفتح أفصح، وبه جاء القرآن: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. انتهى (^١).
وفي رواية مغيرة الآتية: "إذا أبق العبد إلى أرض الشرك، فلا ذمّة له"، وفي رواية أبي إسحاق الآتية: "أيما عبد أبق إلى أرض الشرك، فقد حلّ دمه"، وفي رواية له: "أيما عبد أبق من مواليه، ولَحِقَ بالعدوّ، فقد أحلّ بنفسه".
(لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ) قيل: القبول أخصّ من الإجزاء، فإن القبول هو أن يكون العملُ سببًا لحصول الأجر، والرضا، والقرب من اللَّه تعالى، والإجزاء كونه سببًا لسقوط التكليف عن الذّمّة، فصلاة العبد الآبق صحيحة مجزئة لسقوط التكليف عنه بها، لكن لا
_________________
(١) "شرح صحيح مسلم" ٢/ ٥٩. "كتاب الإيمان".
[ ٣١ / ٣٧١ ]
أجر له عليها، لكن باقي روايات الحديث تدلّ على أن المراد إذا أبق بقصد اللحاق بدار الحرب؛ إيثارًا لدينهم، ولا يخفى أنه حينئذ، يصير كافرًا، فلا تُقبل له صلاة، ولا تصحّ، لو فُرض أنها صلّاها. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- (^١).
وقال النوويّ في "شرح مسلم": أول الإمام المازريّ، وتبعه القاضي عياض -رحمهما اللَّه تعالى- هذا الحديث على أن ذلك محمول على المستحلّ للإباق، فيكفر، ولا تُقبل له صلاة، ولا غيرها، ونبّه بالصلاة على غيرها. وأنكر الشيخ أبو عمرو يعني ابن الصلاح- هذا التأويل، وقال: بل ذلك جارٍ في غير المستحلّ، ولا يلزم من عدم القبول عدم الصحّة، فصلاة الآبق صحيحة غير مقبولة، فعدم قبولها لهذا الحديث، وذلك لاقترانها بمعصية، وأما صحّتها، فلوجود شروطها، وأركانها المستلزمة صحّتها، ولا تناقض في ذلك، ويظهر أثر عدم القبول في سقوط الثواب، وأثر الصّحّة في سقوط القضاء، وفي أنه لا يُعاقب عقوبة تارك الصلاة. هذا آخر كلام الشيخ أبي عمرو -رحمه اللَّه تعالى-. قال النوويّ: وهو ظاهر لا شكّ في حسنه، وقد قال جماهير أصحابنا: إن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة، لا ثواب فيها، ورأيت في "فتاوى أبي نصر بن الصبّاغ" من أصحابنا التي نقلها عنه ابن أخيه الْقَاضِي أبُو مَنْصُور، قال: الْمَحْفُوظُ مِنْ كَلَام أَصْحَابنا بِالْعِرَاقِ، أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَةِ صَحِيحَة، يَسْقُط بِهَا الْفرْض، وَلَا ثَوَاب فِيها. قَالَ أبُو منْصُور: وَرَأَيْت أَصْحَابَنَا بِخُراسَان اخْتَلَفُوا؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا تصِحُّ الصَّلاة. قَالَ: وَذَكَرَ شَيْخُنَا فِي "الْكَامِل" أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَصِحَّ، ويَحْصُل الثَّوَاب على الْفِعْل، فيَكُون مُثَابًا عَلَى فِعْله، عاصِيًا بِالْمُقامِ فِي الْمَغْصُوب، فَإِذا لَمْ نَمْنَع مِنْ صِحَّتهَا، لَمْ نَمْنَع مِنْ حُصُول الثَّوَاب. قَالَ أبُو مَنْصُور: وهذا هُو الْقِيَاسُ عَلَى طَرِيق مَنْ صَحَّحَهَا. واللَّه أَعْلَم. انتهى كلام النوويّ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي نقله النوويّ هذا من الشيخ أبي عمرو، واستظهره، وحسّنه فيه نظر لا يخفى، بل تأويل المازريّ، والقاضي عياض هو الواضح؛ لأن روايات حديث الباب تدلّ عليه، كقوله: "إلى أرض الشرك"، وقوله: "ولحق بالعدو"، فإن هذا ظاهر في كونه ارتدّ عن الإسلام، وهو رأي المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، حيث أورده في "كتاب المحاربين"، وترجم له بقوله: "العبد إلى أبق إلى أرض الشرك"، فالحقّ أن المراد بالآبق في حديث الباب هو الذي هرب إلى المشركين، ولحق بدار الحرب، فلو فرضنا أنه صلى الصلوات في تلك الحالة، فإنها لا تصحّ.
_________________
(١) "شرح السنديّ" ٧/ ١٠٢ - ١٠٣.
[ ٣١ / ٣٧٢ ]
وما ذكره من أن الصلاة في الدار المغصوبة تصحّ، مما لا دليل عليه، وقد خالف الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى-، فقال: إنها لا تصحّ، ولا يسقط بها الطلب، وهو الأصحّ، كما ذكرته في "شرح الكوكب الساطع" في الأصول، عند قوله:
مُطْلَقُ الأَمْرِ عِنْدَنَا لَا يَشْمَلُ … كُرْهًا فِفِى الْوَقْتِ الصَّلَاةُ تَبْطُلُ
أَمَّا الَّذِي جِهَاتُهُ تَعَدَّدَا … مِثْلُ الصَّلاةِ فِي مَكَانٍ اعْتَدَى
فَإِنَّهَا تَصِحُّ عِنْدَ الأَكْثَرِ … وَلَا ثَوَابَ عِنْدَهُم فِي الأَشْهَرِ
وقِيلَ لَا تَصِحُّ لَكِنْ حَصَلَا … سُقُوطُهُ والْحَنْبَليّ لَا وَلَا
وقوله: "والحنبلي لا لا" أي قال الإمام أحمد -﵀-: لا تصح الصلاة، ولا ثواب فيها، وهو الحقّ. واللَّه تعالى أعلم.
(حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَوَالِيهِ) أي إلى يرجع إلى مواليه تائبًا، فإذا رجع تائبًا قُبلت توبته؛ لحديث ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، مرفوعًا: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له"، أخرجه ابن ماجه (^١).
[تنبيه]: زاد مسلم في روايته بعد تخريج طريق منصور بن عبد الرحمن، موقوفة على جرير-: ما نصّه: "قَالَ: مَنْصُور: قَدْ واللَّه، رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَلَكِنِّي أَكْرَه أن يُرْوَى عَنِّي هَاهُنَا بِالْبَصْرَةِ".
قال النوويّ في "شرحه": مَعْنَاهُ أنَّ مَنْصُورًا، رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرٍ، مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ منْصُورٌ- بَعْد رِوايته إِياهُ موقُوفًا -: واللَّه إِنَّهُ مَرْفُوعٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَاعْلَمُوهُ أَيُّها الْخَوَاصُّ الْحَاضِرُونَ، فإِنِّي أَكْرَه أَنْ أُصَرِّحَ بِرَفْعِهِ فِي لَفْظ رِوَايَتِي، فَيَشِيع عَنِّي فِي الْبَصْرَة، الَّتِي هِيَ مَمْلُوءَة مِنْ الْمُعْتَزِلَة، وَالْخَوَارج الَّذِين يَقُولُونَ بِتَخْلِيدِ أَهْل الْمَعَاصِي فِي النَّار، والْخَوَارجُ يَزِيدُونَ عَلَى التخليد، فَيَحْكُمُون بِكُفْرِهِ، وَلَهُمْ شُبْهَةٌ فِي التَّعَلُّق بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيث، وَقَدْ قدَّمْنَا تَأْوِيلَهُ، وبُطْلَانَ مَذَاهِبِهِمْ، بِالدَّلائِلِ الْقَاطِعَةِ الْوَاضِحَةِ، الَّتِي ذَكَرْناها فِي مَوَاضِع مِنْ هَذَا الْكِتَاب. وَاللَّه أَعْلَم. انتهى كلام النوويّ (^٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
_________________
(١) حديث حسنٌ، أخرجه ابن ماجه، وفيه أبو عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود، عن أبيه، وهو منقطع، لكن له شواهد.
(٢) "شرح مسلم" ٢/ ٥٦. "كتاب الإيمان".
[ ٣١ / ٣٧٣ ]
حديث جرير بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٢/ ٤٠٥١ و٤٠٥٢ و٤٠٥٣ و١٣/ ٤٠٥٤ و٤٠٥٥ و٤٠٥٦ و٤٠٥٧ و٤٠٥٨ - وفي "الكبرى" ١٢/ ٣٥١٢ و٣٥١٣ و٣٥١٤ و١٣/ ٣٥١٥ و٣٥١٦ و٣٥١٧ و٣٥١٨ و٣٥١٩. وأخرجه (م) في "الإيمان" ٦٨ و٦٩ و٧٠ (د) في "الحدود" ٤٣٦٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان أن العبد إذا أبق إلى أرض الشرك، فهو في حكم المحارب، فيُقتل، كما فعله جرير - رضي اللَّه تعالى عنه -. (ومنها): أن صلاة الآبق غير مقبولة، إلى أن يرجع إلى مواليه. (ومنها): أن الرضى بالكفر كفر؛ لأن العبد الآبق لما هرب إلى دار الكفر راضيًا به، صار مرتدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٥٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: كَانَ جَرِيرٌ يُحَدِّثُ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - «إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ، وَإِنْ مَاتَ مَاتَ كَافِرًا»، وَأَبَقَ غُلَامٌ لِجَرِيرٍ فَأَخَذَهُ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود، وهو مِصّيصيّ ثقة. و"جرير": هو ابن عبد الحميد. و"مُغيرة ": هو ابن مِقْسم الضبّيّ الكوفيّ.
وقوله: "وإن مات مات كافرًا": أي لارتداده باللحوق بأرض الشرك راضيًا بالشرك، واللَّه أعلم.
والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٥٣ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: "إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ إِلَى أَرْضِ الشِّرْكِ، فَلَا ذِمَّةَ لَهُ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة حافظ. و"عبيد اللَّه بن موسى": هو العبسيّ الكوفيّ، من كبار شيوخ البخاريّ. و"إسرائيل": هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ.
وقوله: "فلا ذمّة له"، وفي رواية مسلم: "فقد برئت منه الذمّة". قال القرطبيّ: أي
[ ٣١ / ٣٧٤ ]
ذمّة الإيمان وعهده، وخَفَارته، إن كان مستحلًّا للإباق، فيجب قتله بعد الاستتابة؛ لأنه مرتدّ، وإن لم يكن كذلك، فقد خرج عن حُرْمة المؤمنين وذمّتهم، فإنه تجوز عقوبته على إباقه، وليس لأحد أن يحول بين سيّده وبين عقوبته الجائزة، إذا شاءها السيّد. انتهى (^١).
وقال النوويّ: قال الشيخ أبو عمرو -رحمه اللَّه تعالى-: الذمة هنا يجوز أن تكون هي الذّمّة المفسّرة بالذمام، وهي الحرمة. ويجوز أن يكون من قبيل ما جاء في قوله: "ذمّة اللَّه تعالى، وذمَّةُ رسوله - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -": أي ضمانه، وأمانته، ورعايته، ومن ذلك أن الآبق كان مصونًا عن عقوبة السيّد له، وحبسه، فزال ذلك بإباقه. انتهى (^٢).
والحديث صحيح مرفوعًا، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أُنيب".
…