٣٨٠٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، بِسَبْعٍ: أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ، وَرَدِّ السَّلَامِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجالَ هذا الإسناد رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة، و"محمد": هو ابن جعفر غندر. و"الأشعث بن سُليم": هو ابن أبي الشعثاء المحاربيّ الكوفيّ، ثقة [٦] ٩٠/ ١١٢. و"معاوية بن سُويد بن مُقَرِّن": هو المزنيّ، أبو سُويد الكوفيّ، ثقة [٣] ٥٢/ ١٤٧٩.
وقوله: "اتباع الجنائز": أي تشييعه إلى محلّ الصلاة عليه، ودفنه. وتقدّم تمام البحث فيه في "كتاب الجنائز".
وقوله: "وعيادة المريض": أي زيارته، وتفقّده، يقال: عاد يعوده عيادة: إذا زاره. وقوله: "وتشميت العاطس": بالشين المعجمة، هو الدعاء له إذا عطس، وحَمِدَ اللَّه تعالى، فعلى المشمّت أن يقول له: "يرحمك اللَّه"، كما بيّنه ما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" من حديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -، قال: "إذا عطس أحدكم، فليقل: الحمد للَّه، وليقل له أخوه) -أو- "صاحبه: يرحمك اللَّه، فإذا قال له: يرحمك اللَّه، فليقل: يَهدِيكم اللَّه، ويُصلح بالكم".
وقوله: "وإجابة الداعي" تعمّ الوليمة، وغيرها، ويتأكد في الوليمة، وقد تقدم بيانه في "النكاح".
وقوله: "ونصر المظلوم": أي إعانته على ظالمه، وتخليصه منه. وقوله: "ورد السلام": وفي رواية: "وإفشاء السلام": أي إشاعته، ولا يخصّ به من يعرف، دون من لا يعرف.
[ ٣٠ / ٣٢٠ ]
وهذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم للمصنّف في "كتاب الجنائز" -١٥٣/ ٩٣٩ - "الأمر باتّباع الجنائز"، وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، وإنما أتكلّم هنا ما يتعلّق بما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو إبرار "القسم"، وفي رواية: "إبرار المقسم"، واختُلف في ضبط سينه، فالمشهور أنها بالكسر، وضمّ أوله، على أنه اسم فاعل. وقيل: بفتحها: بمعنى الإقسام؛ لأن المصدر الزائد على الثلاثيّ يأتي بصيغة اسم المفعول، مثلُ أدخلته مُدخَلًا، أي إدخالًا.
و"الأبرار" -بكسر الهمزة: مصدر أبرّ يُبِرّ، و"القسم" بفتحتين: الحلف، وأصله من القَسَامة، وهي الأيمان التي على أولياء المقتول، سميت قَسامة لأن الأيمان تُقسم على أولياء القتيل، ثم استعمل القسم في كلّ حلف. أفاده في "الفتح" (^١).
فمعنى إبرار القَسَم: جَعْلُ الحالف بارًّا في حلفه بفعل ما أراد، إذا أمكن، كما إذا حلف واللَّه ليدخلنّ زيد اليوم داري، فعدم زيد به، وهو قادر على الدخول، ولا مانع له من ذلك، فعليه أن يُبرّه في قسمه، ولا يحنّثه.
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وأما إبرار القسم، فهو سنّةٌ أيضًا مستحبّة، متأكّدة، وإنما يُندب إليه إذا لم يكن فيه مفسدة، أو خوف ضرر، أو نحو ذلك، فإن كان شيء من هذا لم يُبرّ قسمه، كما ثبت أن أبا بكر - ﵁ - لَمّا عبّر الرؤيا بحضرة النبيّ - ﷺ -، فقال له النبيّ - ﷺ -: "أصبت بعضًا، وأخطأت بعضًا، فقال: أقسمت عليك يا رسول اللَّه، لتُخبرنّي، فقال: لا تُقسم، ولم يخبره". متّفق عليه.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في قوله: "مستحبّة" نظرٌ لا يخفى، إذ ورد الأمر بها، والأمر للوجوب، إلا لصارف، فإن كان هناك، صارف، من إجماع، أو نحوه، فذاك، وإلا فالظاهر الوجوب، فتأمّل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: اختُلف فيمن قال: أقسمت باللَّه، أو أقسمت مجرّدة، فقال قومٌ: هي يمين، وإن لم يقصد، وممن رُوي ذلك عنه ابن عمر، وابن عبّاس، وبه قال النخعيّ، والثوريّ، والكوفيّون. وقال الأكثرون: لا تكون يمينًا، إلا أن ينوي. وقال مالك: أقسمت باللَّه يمين، وأقسمت مجرّدة لا تكون يمينًا، إلا إن نوى. وقال الشافعيّ: المجرّدة لا تكون يمينًا أصلًا ولو نوى، وأقسمت باللَّه، إن نوى تكون يمينًا. وقال إسحاق: لا تكون يمينًا أصلًا. وعن أحمد رواية كالأول، وعنه كالثاني، وعنه إن قال قسمًا باللَّه، فيمين جزمًا؛ لأن التقدير أقسمت باللَّه قسمًا، وكذا
_________________
(١) راجع الفتح" ١٣/ ٣٩١. "كتاب الأيمان والنذور".
[ ٣٠ / ٣٢١ ]
لو قال: أليّةً باللَّه. قاله في "الفتح" (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن ما ذهب إليه الأكثرون من أنها لا تكون يمينا إلا بالنية أقرب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…