٤٠٥٩ - (أَخْبَرَنَا أَبُو الأَزْهَرِ، أَحْمَدُ بْنُ الأَزْهَرِ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ، فَعَلَيْهِ الرَّجْمُ، أَوْ قَتَلَ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، أَوِ ارْتَدَّ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، فَعَلَيْهِ الْقَتْلُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو الأزهر، أحمد بن الأزهر النيسابوريّ": هو العبديّ، صدوقٌ، كان يحفظ، ثم كبر، فصار كتابه أثبت من حفظه [١١] ٦٦/ ١٨٠٢ من أفراد المصنّف، وابن ماجه.
و"إسحاق بن سليمان الرّازيّ": هو أبو يحيى كوفيّ الأصل، ثقة فاضل [٩] ١١/ ١٦٢٣.
و"المغيرة بن مسلم" الْقَسْملىّ بقاف، وميم، مفتوحتين، بينهما سين مهملة ساكنة- أبو سلمة السّرّاج بتشديد الراء- المدائنيّ، مروزيّ الأصل، صدوق [٦].
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ما أرى به بأسًا. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: صالحٌ. وقال الغلّابيّ، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، صدوقٌ. وقال العجليّ: ثقة. وقال الدارقطنيّ: لا بأس به. وقال يونس بن حبيب: حدّثنا أبو داود الطيالسيّ، حدّثنا المغيرة بن مسلم، وكان صدوقًا مسلمًا. وذكره ابن حبّان في "الثقات".
روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وله عند المصنّف ثلاثة أحاديث: حديث الباب، وحديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - في "كتاب قطع السارق" ١٣/ ٤٩٧٧ وحديث معاوية - رضي اللَّه تعالى عنه - في "كتاب الزينة" ٤٠/ ٥١٥٤.
و"مطر": هو ابن طهمان السلميّ مولاهم، أبو رجاء الخراسانيّ، سكن البصرة، صدوقٌ كثير الخطأ، وحديثه عن عطاء ضعيف [٦] ٣٨/ ٣٢٧٦. و"نافعٌ": هو مولى ابن عمر. و"ابن عمر": هو عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنهما -.
[ ٣١ / ٣٧٨ ]
وقوله: إلا بإحدى ثلاث": أي بسبب خصال ثلاث. وقوله: "رجل" يجوز جرّه على البدليّة، وقطعه إلى الرفع بتقدير مبتدأ: أي إحداها رجل، وهو على حذف مضاف، أي خصلة رجل الخ، أو النصب بتقدير فعل، ولا يمنع كونه بصورة المرفوع؛ لإمكان جعله على لغة ربيعة: أي أعني رجلًا. وقوله: "أو قتل الخ" صفة لرجل محذوف دلّ عليه ما قبله، أو رجل قتل الخ، وكذا قوله: "أو ارتدّ الخ".
والحديث صحيح، وهو بهذا السند من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في ٥/ ٤٠٢٠ - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٦٠ - (أَخْبَرَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، إِلاَّ بِثَلَاثٍ: أَنْ يَزْنِيَ بَعْدَ مَا أُحْصِنَ، أَوْ يَقْتُلَ إِنْسَانًا فَيُقْتَلُ، أَوْ يَكْفُرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ فَيُقْتَلُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "مؤمّل بن إهاب": هو الرَّبَعيّ العجليّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، نزيل الرَّمْلَة، أصله من كرمان، صدوقٌ له أوهام [١١] ٤٥/ ٥٩٣. و"عبد الرزاق": هو ابن همّام الصنعانيّ. و"أبو النضر": هو سالم بن أبي أُميّة، مولى عمر بن عبيد اللَّه التيميّ المدنيّ، ثقة ثبت [٥] ٩٨/ ١٢١. و"بُسر بن سعيد": هو العابد المدنيّ، مولى ابن الحضرميّ، ثقة جليلٌ [٢] ١١/ ٥١٧.
والحديث في سنده انقطاعٌ على ما قيل، قال ابن أبي حاتم في "العلل": سمعت أبي يقول: بسر بن سعيد، عن عثمان مرسل. انتهى. ذكره الحافظ في "النكت الظراف" ٧/ ٢٤٧.
لكنه صحيح بشواهده، فإن الحديث الذي قبله يشهد له، وكذا ما تقدّم في ٥/ ٤٠١٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٦١ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه عمران ابن موسى القزّاز الليثيّ، أبي عمرو البصريّ، وقد وثّقه هو وغيره. والسند مسلسلٌ بالبصريين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أيوب السختيانيّ، عن عكرمة، وفيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وتقدّموا غير مرّة. واللَّه تعالى أعلم.
[ ٣١ / ٣٧٩ ]
شرح الحديث
(عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبّاس، أنه (قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "مَنْ بَدَّلَ دِينة فَاقْتُلُوهُ) "من" شرطيّة مبتدأ، وجوابها: "فاقتلوه"، وهو الخبر على الراجح. وهو عامّ يُخصّ منه من بدّل دينه في الباطن، ولم يثبت عليه ذلك في الظاهر، فإنه تُجرى عليه أحكام الظاهر، ويُستثنى منه أيضًا من بدّل دينه في الظاهر، مكرهًا. أفاده في "الفتح" (^١).
وعمومه أيضًا يشمل الأنثى، ومنهم من خصّ الذكر؛ لما جاء من النهي عن قتل النساء في الحرب، والصحيح الأول، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى.
والمراد بالدين هو الدين الإسلام الذي هو الدين الحقّ الذي رضيه اللَّه تعالى لعباده، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ الآية، فلا يشمل عموم هذا الحديث كلّ الأديان، فمن انتقل من اليهوديّة، إلى النصرانيّة، أو غيرها من ملل الكفر، أو بالعكس، لا يقتل بذلك، وهذا الراجح، وفيه خلافٌ، سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٤/ ٤٠٦١ و٤٠٦٢ و٤٠٦٣ و٤٠٦٤ و٤٠٦٥ و٤٠٦٧ - وفي " الكبرى" ١٤/ ٣٥٢٢ و٣٥٢٣ و٣٥٢٤ و٣٥٢٥ و٣٥٢٦ و٣٥٦٧ و٣٦٥٨. وأخرجه (خ) في "الجهاد والسير" ٣٠١٧ و"استتابة المرتدّين" ٦٩٢٢ (د) في "الحدود" ٤٣٥١ (ت) في "الحدود" ١٤٥٨ (ق) في "الحدود" ٢٥٣٥ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ١٨٧٤ و٢٥٤٧ و٢٩٦٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم المرتدّة:
قَالَ ابْن الْمُنْذِر: قَالَ الْجُمْهُور: تُقْتَل الْمُرْتَدَّة، وَقَالَ عَلِيّ: تُسْتَرَقّ، وَقَالَ عُمَر بْن
_________________
(١) "فتح" ١٤/ ٢٧٢ - ٢٧٣ "كتاب استتابة المرتدين" رقم الحديث ٦٩٢٢.
[ ٣١ / ٣٨٠ ]
عَبْد الْعَزِيز: تُبَاع بِأَرْضٍ أُخْرَى، وَقَالَ الثَّوْرِيّ: تُحْبَس، وَلَا تُقْتَل، وَأَسْنَدَهُ عَنْ ابْن عبَّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قَالَ: وَهُوَ قَوْل عَطَاء. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: تُحْبَس الْحُرَّة، ويُؤْمَر مَوْلَى الأَمَة أَنْ يُجْبِرهَا.
وقال البخاريّ في "صحيحه": وقال ابْن عُمر، والزَّهْرِيّ، وَإبراهِيم -يَعْنِي النَّخَعِيَّ-: تُقتَل الْمُرْتَدَّة. انتهى.
قال في "الفتح": أمَّا قَوْل ابْن عُمَر، فَنَسَبَهُ مُغَلْطَاي إِلَى تَخْرِيج ابْن أَبِي شَيْبَة. وأمَّا قَوْل الزُّهرِيّ، وَإِبْرَاهِيم، فَوَصَلَهُ عَبْد الرَّزَّاق، عَنْ مَعْمَر، عَنْ الزُّهرِيّ، فِي الْمَرْأَة تَكْفُر بَعْد إِسْلَامهَا، قَالَ: تُستَتَاب، فَإِنَّ تَابَتْ، وَإِلَّا قُتِلت. وَعَنْ مَعْمَر، عَنْ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة، عَنْ أَبِي مَعْشَر، عَنْ إِبرَاهِيم مِثْله. وَأَخْرَجَهُ ابْن أَبِي شَيْبَة، مِنْ وَجْه آخَر، عَنْ حَمَّاد بْن أَبِي سُلَيْمَان، عَنْ إِبْرَاهِيم. وَأَخْرَجَ سَعِيد بْنِ مَنْصُور، عَنْ هُشَيْم، عَنْ عُبَيْدَة ابْن مُغِيث، عن إِبْرَاهِيم، قَالَ: إِذَا ارْتَدَّ الرَّجُل، أَوْ الْمَرْأَة عَنْ الإسْلَام، اُسْتُتِيبَا، فَإِنْ تَابَا تُرِكَا، وَإِنْ أَبَيَا قُتِلَا. وَأَخْرَجَ ابْن أَبِي شَيْبَة، عَنْ حَفْص، عَنْ عُبَيْدَة، عَنْ إِبرَاهِيم، "لا يُقَتْل"، وَالأَوَّل أقْوَى، فَإِنَّ عُبَيْدَة ضَعِيف، وَقَدْ اخْتَلَفَ نَقْله عَنْ إِبرَاهِيم.
ومُقَابِل قَوْل هؤُلاءِ، حَدِيث ابْن عبَّاس: "لا تُقْتَل النِّسَاء، إِذَا هُنَّ ارْتَدَدْنَ"، رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَة، عَنْ عَاصِمِ، عَنْ أَبِي رَزِين، عَنْ ابْن عَبَّاس، أَخْرَجَهُ ابْن أَبِي شَيْبَة، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَخَالفَهُ جَمَاعَة مِنْ الْحُفَّاظ، فِي لَفْظ الْمَتْن. وَأَخْرَجَ الدَّارقُطْنِيُّ، عَنْ ابْن الْمُنْكَدِر، عَنْ جَابِر: " أَنَّ امْرَأَة ارْتَدَّتْ، فَأَمَرَ النَّبِيّ - ﷺ - بِقَتْلِهَا"، وَهُوَ يعكُر عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْن الطَّلَّاع فِي "الأَحْكَام" أَنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنْ النَّبِيّ - ﷺ -، أَنَّهُ قَتَلَ مُرتَدَّة.
وقال في "الفتح" أيضًا: واسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى قَتْل الْمُرْتَدَّة كَالْمُرْتَدِّ، وخَصَّهُ الْحَنَفِيَّة بِالذِّكْرِ، وَتَمَسَّكُوا بِحَدِيثِ النَّهي عَنْ قَتْل النِّسَاء، وَحَمَلَ الْجُمْهُور النَّهْي عَلَى الْكَافِرَة الأَصْليَّة، إِذَا لَمْ تُبَاشِر الْقِتال، وَلَا الْقَتْل؛ لِقَوْلِهِ فِي بَعْض طُرُق حَدِيث النَّهْي عَنْ قَتْل النِّسَاء، لَمَّا رَأَى الْمَرْأَة مَقْتُولَة: "مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ"، ثُمَّ نَهَى عَنْ قَتْل النِّسَاء.
واحْتَجُّوا أيضًا بِأَنَّ "مَنْ" الشَّرْطِيَّة، لَا تَعُمّ الْمُؤنَّث. وتُعُقِّب بِأَنَّ ابْن عبَّاس رَاوِي الْخَبَر، قَدْ قَالَ: تُقْتَل الْمُرْتَدَّة، وَقَتَلَ أَبُو بَكْر فِي خِلافته امْرَأَة ارْتَدَّتْ، وَالصَّحَابَة مُتَوَافِرُونَ، فَلَمْ يُنْكِر ذَلِكَ عَلَيْهِ أَحَد، وَقَدْ أَخْرَجَ ذَلِكَ كُلّه ابْن الْمُنْذِر، وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطنيُّ أَثَر أَبِي بَكْر مِنْ وَجْه حَسَن، وَأَخْرَجَ مِثْله مَرْفُوعًا، فِي قَتْل الْمُرْتَدَّة، لَكِنَّ سَنَده ضَعِيف.
وَاحْتَجُّوا مِنْ حَيْثُ النَّظَر، بِأَنَّ الْأَصْليَّة تُسْتَرَقّ، فَتَكُون غَنِيمَة لِلْمُجَاهِدِينَ، وَالْمُرْتَدَّة لَا تُسْتَرَقّ عِنْدهمْ، فَلَا غُنْم فِيهَا، فَلَا يُتْرَك قَتْلهَا. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث مَعَاذ - رضي اللَّه
[ ٣١ / ٣٨١ ]
تعالى عنه -: أنَّ النَّبِيّ - ﷺ -، لَمَّا أَرسَلَهُ إِلَى الْيَمَن، قَالَ لَهُ: "أَيّمَا رَجُل ارْتَدَّ عَنْ الإسْلَام، فَادْعُهُ، فَإِنْ عَادَ، وَإلَّا فَاضْرِبْ عُنُقه، وَأَيّمَا امْرَأَة ارْتَدَّتْ عَنْ الإسْلَام، فادْعُها، فَإِنْ عَادَتْ، وَإِلَّا فَاضْرِبْ عُنُقها"، وَسَنَده حَسَن. وَهُوَ نَصٌّ فِي مَوْضِع النِّزَاع، فَيَجِب الْمَصِير إِلَيْهِ. وُيؤيِّدهُ اشْتِرَاك الرِّجال والنِّسَاء فِي الْحُدُود كُلّهَا، الزِّنَا، وَالسَّرِقَة، وَشُرْب الْخَمْر، وَالقَذْف، وَمِنْ صُوَر الزِّنَا رَجْم الْمُحْصَن حَتَّى يَمُوت، فَاسْتُثنِي ذَلِكَ مِنْ النَّهْي عَنْ قَتْل النِّسَاء، فَكَذَلِكَ يُسْتَثْنَى قَتْل الْمُرْتَدَّة. قاله في "الفتح" (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تحصّل مما تقدّم أن الأرجح قول الجمهور وهو أَنّ المرتدّة تُقتل، كما يُقتل المرتدّ من دون فرق بينهما؛ لوضوح الأدلة في ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): أنه استَدلّ بَعْض الشافعيّة بِعموم هذا الحديث على قَتْل مَنْ انْتَقَلَ مِنْ دِين كُفْر إِلَى دِين كُفْر، سَوَاء كَانَ مِمَّنْ يُقَرّ أَهْله عَلَيْهِ بِالْجِزْيَةِ، أَوْ لا.
وقد أجاب بعض الحنفيّة بِأَنَّ الْعُمُوم فِي الْحَدِيث فِي الْمُبدِل، لَا فِي التَّبْدِيل، فَأَمَّا التَّبدِيل فَهُوَ مُطْلَق، لا عُمُوم فِيهِ، وَعَلَى تَقْدِير التَّسليم، فَهُوَ مَتْرُوك الظَّاهِر اتِّفَاقًا فِي الْكَافِر، لَوْ أَسْلَمَ، فَإِنَّهُ يَدْخُل فِي عُمُوم الْخَبَر، وَلَيْسَ مُرَادًا.
وَاحْتَجُّوا أيضًا بِأَنَّ الكُفْر مِلَّة وَاحِدَة، فَلَوْ تَنَصَّرَ الْيَهُودِيّ، لَمْ يَخْرُج عَنْ دِين الْكُفْر، وَكَذَا لَوْ تَهَوَّدَ الْوَثَنِيّ، فوَضَحَ أَنَّ الْمُرَاد مَنْ بَدَّلَ دِين الإسْلَام بِدِينٍ غَيْره؛ لِأنَّ الدِّين فِي الْحَقِيقَة هُوَ الإسْلَام، قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وَمَا عَدَاهُ فَهُوَ بِزَعْم المُدَّعِي.
وأمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا، فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾، فقد احتجَّ بِهِ بَعْض الشَّافِعِيَّة، فَقَالَ: يُؤخَذ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُقَرّ عَلَى ذَلِكَ.
وَأُجيبَ بِأنَّهُ ظَاهِر فِي أَنَّ مَنْ ارتَدَّ عَنْ الإسْلَامِ، لَا يُقَرّ عَلَى ذَلِكَ. سَلَّمْنَا: لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه لَا يُقْبَل مِنْهُ، أَنَّهُ لَا يُقَرّ بِالْجِزْيَةِ، بَلْ عَدَم الْقَبُول وَالْخُسْرَان، إِنَّمَا هُوَ فِي الآخِرَة.
سَلَّمْنَا: أَنَّ عَدَم الْقَبُول، يُسْتَفَاد مِنْهُ عَدَم التَّقْرِير فِي الدُّنْيَا، لَكِنَّ الْمُسْتَفَاد أَنَّهُ لَا يُقَرّ عَلَيْهِ، فَلَوْ رَجَعَ إِلَى الدِّين الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَكَانَ مَقَرًّا عَلَيْهِ بالْجِزْيةِ، فَإنَّهُ يُقْتَل، إِنْ لَمْ يُسْلِم مَعَ إِمْكَان الإمْسَاك بأَنَّا لَا نَقْبَل مِنْهُ، وَلَا نَقْتُلهُ، وَيُؤيِّدُ تَخْصِيصَهُ بِالإسْلامِ، مَا جَاءَ فِي بَعْض طُرُقه، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْه آخَر، عَنْ عِكْرِمَة، عَنْ ابْن عَبَّاس،
_________________
(١) "فتح" ١٤/ ٢٧٣. "كتاب استتابة المرتدّين".
[ ٣١ / ٣٨٢ ]
رَفَعَه: "مَنْ خَالَفَ دِينَهُ دِينَ الإسْلَام، فَاضْرِبُوا عُنُقه"، قاله في "الفتح".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد ظهر بهذا أن الحقّ أن المراد بالدين هو الإسلام، فقَتلُ من ارتدّ عن دينه خاصّ بالدين الإسلاميّ فقط. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٦٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ نَاسًا ارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلَامِ، فَحَرَّقَهُمْ عَلِيٌّ بِالنَّارِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ أَحَدًا»، وَلَوْ كُنْتُ أَنَا لَقَتَلْتُهُمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و"أبو هشام": هو المغيرة بن سلمة المخزوميّ البصريّ، ثقة ثبت، من صغار [٩] ٢٨/ ٨١٥. و"وُهيب": هو ابن خالد بن عجلان الباهليّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت، لكنه تغيّر قليلًا بآخره [٧] ٢١/ ٤٢٧ و"أيوب" هو السختيانيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عِكْرِمة، أنَّ نَاسًا ارْتَدُّوا عَنْ الإسْلَامِ، فَحَرَّقَهُمْ عَلِيِّ بِالنَّارِ) وفي رواية للبخاريّ: "أُتيّ بزنادقة، فأحرقهم"، وسيأتي قريبًا معنى الزنادقة، وفي رواية الْحُمَيْدِيّ، عَنْ سُفْيَان: "حَرَقَ الْمُرْتَدِّينَ". ورواه ابْن أبِي شَيْبَة من وجه آخر بلفظ: "كَانَ أُنَاس يَعْبُدُونَ الأَصْنَام فِي السِّرّ"، وَعِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي "الأَوْسَط" مِنْ طَرِيق سُوَيْد بْن غَفَلَة: "أَنَّ عَليًّا بَلَغَهُ أَنَّ قَوْمًا، ارْتدُّوا عَنْ الإسْلَام، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ، فَأَطْعَمَهُمْ، ثُمَّ دَعَاهُم إِلَى الإسْلام، فَأَبَوْا، فَحَفَرَ حَفِيرَة، ثُمَّ أَتَى بهِمْ، فَضَرَبَ أَعْنَاقهمْ، وَرَمَاهُمْ فِيهَا، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ الْحَطَب، فَأَحْرَقَهُم، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللَّه وَرَسُوله" (^١).
وفي رواية لأحمد: "أن عليًّا أُتي بقوم من هؤلاء الزنادقة، ومعهم كتب، فأمر بنار، فأُجّجت، ثم أحرقهم وكتبهم". وروى ابن أبي شيبة من طريق عبد الرحمن بن عبيد، عن أبيه، قال: "كان ناس يعبدون الأصنام في السرّ، ويأخذون العطاء، فأُتي بهم عليّ، فوضعهم في السجن، واستشار الناس، فقالوا: اقتلهم، فقال: لا، بل أصنع بهم كما صُنع بأبينا إبراهيم، فحرّقهم بالنار" (^٢).
وَزَعَمَ أَبُو الْمُظَفَّر الإسْفَرَايِنِيّ فِي "الْمِلَل والنِّحَل" أَنَّ الَّذِينَ أَحْرَقَهُمْ عَلِيّ طَائِفَة مِنْ
_________________
(١) "فتح" ١٤/ ٢٧٠ - ٢٧١.
(٢) "فتح" ٦/ ٢٦٠. "كتاب الجهاد" رقم الحديث ٣٠١٧.
[ ٣١ / ٣٨٣ ]
الرَّوافِض، ادَّعَوْا فِيهِ الإلَهِيَّة، وَهُمْ السَّبَائِيَّة، وَكَانَ كَبِيرهمْ عَبْد اللَّه بْن سَبَأ يَهُودِيًّا، ثُمَّ أَظْهَرَ الإسْلَام، وَابْتَدَعَ هَذِهِ الْمَقَالَة.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وَهَذَا يُمْكِن أَنْ يَكُون أَصْله، مَا رَوَيْنَاهُ فِي الْجُزْء الثَّالِث مِنْ حَدِيث أَبِي طَاهِر الْمُخَلِّص، مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن شَرِيك الْعَامِرِيّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قِيلَ لِعَليِّ إِنَّ هُنَا قَوْمًا، عَلَى بَاب الْمَسْجِد، يَدَّعُونَ أنَّك رَبّهمْ، فَدَعَاهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: وَيْلكُمْ مَا تَقُولُون؟ قَالُوا: أَنْتَ رَبُّنَا، وَخَالِقنَا، وَرَازِقنَا، فَقَالَ: وَيْلكُمْ إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ مِثلُكُم، آكُلُ الطَّعَام كَمَا تَأْكُلُونَ، وَأَشْرَبُ كَمَا تَشْرَبُونَ، إِنْ أَطَعْت اللَّه أَثَابَنِي، إِنْ شَاءَ، وَإنْ عَصَيْته خَشِيت أَنْ يُعَذِّبنِي، فَاتَّقُوا اللَّه، وارْجِعُوا، فَأَبَوْا، فَلَمَّا كَانَ الْغَد، غَدَوْا عَلَيْهِ، فَجَاءَ قَنْبَر، فَقَالَ: قَدْ واللَّهِ رَجَعُوا، يقُولُونَ: ذَلِكَ الْكَلَام، فَقَالَ: أَدْخِلْهُمْ، فَقَالُوا: كَذَلِك، فَلَمَّا كَانَ الثَّالِث، قَالَ: لَئِن قُلْتُمْ ذَلِكَ، لأَقْتُلَنَّكُمْ بِأَخْبَثِ قِتْلَة، فَأَبْوا إِلَّا ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا قَنْبَر ائْتِنِي بِفَعَلَةٍ، مَعَهُمْ مررُوهُمْ، فَخَدَّ لهُمْ أُخْدُودًا، بَيْن باب الْمَسْجِد والقَصْر، وَقَالَ: احْفِرُوا فَأَبْعِدُوا فِي الأَرْض، وَجَاءَ بِالْحَطَبِ، فَطَرَحَهُ بِالنَّارِ فِي الأُخْدُود، وَقَالَ: إِنِّي طَارِحكُمْ فِيهَا، أَوْ تَرْجِعُوا، فَأَبَوْا أَنْ يَرجِعُوا، فَقَذَفَ بهِمْ فِيهَا، حَتَّى إِذَا احْتَرَقُوا، قَالَ [من الرجز]:
إِنِّي إِذَا رَأَيْت أَمْرًا مُنْكَرًا … أَوْقَدْت نَارِي وَدَعَوت قَنْبَرَا
وَهَذَا سَنَد حَسَن. وَأَمَّا مَا أَخْرَجهُ ابْن أَبِي شَيْبَة، مِنْ طَرِيق قَتَادَة، "أَنَّ عَليًّا أُتِى بِنَاسٍ مِنْ الزُّطّ، يَعْبُدُون وَثَنًا، فَأَحْرَقَهُمْ"، فَسَنَدُهُ مُنْقَطِع. فَإِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى قِصَّة أُخْرَى، فَقَد أَخْرَجَ ابْن أَبِي شَيْبَة أَيْضًا، مِنْ طَرِيق أَيُّوب بْن النُّعْمَان، "شَهِدت عَليًّا فِي الرَّحْبَة، فَجَاءَهُ رَجُل، فَقَالَ: إِنَّ هُنَا أَهْل بَيْت، لَهُمْ وَثَن فِي دَار، يَعْبُدُونَهُ، فَقَامَ يَمْشِي إِلَى الدَّار، فَأَخْرَجُوا إِلَيْهِ بمِثالِ رَجُل، قَالَ: فَأَلْهَبَ عَلَيْهِمْ عَلِيٌّ الدَّارَ".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قصّة الزّطّ الذي قال عنه الحافظ: إنه منقطع، من رواية ابن أبي شيبة، سيأتي قريبًا للمصنّف موصولًا برواية قتادة، عن أنس - رضي اللَّه تعالى عنه -، فهو صحيح، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: أخرجِ الإسْمَاعِيليّ من طريق ابْن أَبِي عُمَر، وَمُحَمَّد بْن عَبَّاد، كلاهما عَنْ سُفْيَان: قَالَ: "رَأَيْت عَمْرو بْن دِينَار، وَأَيُّوب، وَعَمَّارًا الدُّهْنِيّ، اجْتَمَعُوا، فَتَذاكرُوا الَّذِين حَرَقَهُم عَلِيّ، فَقَالَ أيُّوب: فَذَكَرَ الْحَدِيث، فَقَالَ عَمَّار: لَمْ يَحْرقهُمْ، وَلَكِنْ حَفَرَ لَهُمْ حَفَائِر، وَخَرَقَ بَعْضهَا إِلَى بَعْض، ثُمَّ دَخَّنَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ عَمْرو بْن دِينَار: قَالَ الشَّاعِر [من الوافر]:
لِتَرْمِ بِيَ الْمَنَايَا حَيْثُ شَاءَتْ … إِذَا لَمْ تَرْمِ بِي فِي الْحُفرَتَيْنِ
[ ٣١ / ٣٨٤ ]
إِذَا مَا أَجّجُوا حَطَبًا وَنَارًا … هُنَاكَ الْمَوْت نَقْدًا غَيْر دَيْن
انتهى. قال الحافظ: وَكَأَنَّ عَمْرو بْن دِينَار، أَرَادَ بِذَلِكَ الرَّدّ عَلَى عمّار الدُّهْنِيّ، فِي إِنْكَاره أَصْل التَّحْرِيق.
قال: ثُمَّ وَجَدْت فِي الْجُزْء الثَّالِث مِنْ حَدِيث أَبِي طَاهِر الْمُخْلِص: "حَدَّثَنَا لُوَيْنٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ"، فَذَكَرَهُ عَنْ أَيُّوب وَحْده، ثُمَّ أَوْرَدَهُ عَنْ عَمَّار وَحْده، قال ابن عُيَيْنَةَ: فَذَكَرْته لِعَمْرِو بْن دِينَار، فَأَنْكَرَهُ، وَقَالَ: "فَأَيْنَ قَوْله: أَوْقَدْت نَارِي وَدَعَوْت قَنْبَرًا"، فَظَهَرَ بهِذَا صِحَّة مَا كُنْت ظَنَنْته. انتهى (^١).
(قَالَ ابْنُ عَبَّاس) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، لَمّا بلغه تحريق عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - لهم، وكان ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - حينئذ أميرًا على البصرة من قبل عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - (لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ) أي للنهي عن التحريق، كما بيّنه بقوله (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ أَحَدًا") أي وهو التعذيب بالنار. قال في "الفتح": هذا يحتمل أن يكون مما سمعه ابن عباس من النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ويحتمل أن يكون سمعه من بعض الصحابة. انتهى.
وقد أخرج البخاريّ من حديث أبي هريرة - ﵁ -، أنه قال: بعثنا رسول اللَّه - ﷺ - في بعث، فقال: "إن وجدتم فلانا وفلانا، فأحرقوهما بالنار"، ثم قال رسول اللَّه - ﷺ -، حين أردنا الخروج: "إني أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا، وإن النار لا يعذب بها إلا اللَّه، فإن وجدتموهما فاقتلوهما".
(وَلَوْ كُنْتُ أَنَا لَقَتَلْتُهُمْ) أي لأمر النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - بذلك، كما بيّنه بقوله (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ") زاد إسماعيل ابن عليّة في روايته: "فبلغ ذلك عليًّا، فقال: وَيْحَ أم ابن عبّاس"، كذا عند أبي داود، وعند الدارقطنيّ بحذف "أُمّ"، وهو محتمل أنه لم يرض بما اعترض به، ورأى أن النهي للتنزيه، وهذا بناء على أن "ويح" كلمة رحمة، فتوجّع له؛ لكونه حمل النهي على ظاهره، فاعتقد التحريم مطلقًا، فأنكر. ويحتمل أن يكون قالها رضًا بما قال، وأنه حفظ ما نسيه، بناء على أحد ما قيل في تفسير "ويح" أنها تقال بمعنى المدح، والتعجّب، كما حكاه في "النهاية"، وكأنه أخذه من قول الخليل: هي في موضع رأفة، واستملاح، كقولك للصبيّ: ويحه ما أحسنه، حكاه الأزهريّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "فتح" ٦/ ٢٦٠. "كتاب الجهاد".
[ ٣١ / ٣٨٥ ]
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدّم في الحديث الماضي بيان المسائل المتعلّقة بالحديث، فلا حاجة إلى إعادتها، وباللَّه تعالى التوفيق.
[فائدة]: قال في "الفتح": الزنادِقة:- بِزَايٍ، وَنُون، وَقَاف- جَمْع زِنْدِيق- بِكَسْرِ أَوّله، وَسُكُون ثَانِيه، قَالَ أَبُو حَاتِم السِّجِسْتَانِيّ وَغَيْره: الزِّندِيق فَارِسِيّ مُعَرَّب أَصْله: "زنده كرداي" يَقُول بِدَوَامِ الدَّهْر؛ لِأَنَّ "زنده": الْحَيَاةُ، وَ"كرد": الْعَمَلُ، وَيُطْلَق عَلَى مَنْ يَكُون دَقِيق النَّظَر فِي الأُمُور. وَقَالَ ثَعْلَب: لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب زِنْدِيق، وَإِنَّمَا قَالُوا: زَنْدَقِيّ لِمَنْ يَكُونَ شَدِيد التَّحَيُّل، وَإِذَا أَرَادُوا مَا تُرِيد الْعَامَّة، قَالُوا: مُلْحِد، وَدَهْرِيّ بِفَتْحِ الدَّال- أَيْ يَقُول بِدَوَامِ الدَّهْر، وَإذَا قَالُوهَا بِالضَّمِّ، أَرَادُوا كِبَر السِّنّ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ: الزِّنْدِيق مِنْ الثَّنَوِيّةِ، كَذَا قَالَ، وَفَسَّرهُ بَعْض الشُّرّاح بِأَنَّهُ الَّذِي يدّعِي، أَنَّ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر. وَتُعُقِّب بِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْهُ أَنَّ يُطْلَق عَلَى كُلّ مُشْرِك. والتَّحْقِيق مَا ذَكَرَهُ مَنْ صنّف فِي "المِلَل" أَنَّ أَصْل الزَّنَادِقة أَتْباع دَيْصَان، ثُمَّ مانِّي، ثُمَّ مَزْدَك، الأَوَّل: بِفَتْح الدَّال، وسُكُون الْمُثنَّاة التَّحْتَانِيَّة، بَعْدهَا صَاد مُهْمَلَة. والثَّانِي: بِتَشْدِيدِ النُّون، وَقَدَ تُخَفَّف، وَالْيَاء خَفِيفَة. والثَّالِث: بِزَايٍ سَاكِنَة، وَدَال مُهْمَلَة مَفْتُوحَة، ثُمَّ كاف. وَحَاصِل مَقَالَتهمْ: أَنَّ النُّور وَالظُّلمَة قَدِيمَانِ، وَأَنَّهُمَا امْتَزَجَا، فَحَدَثَ الْعَالَم كُلُّهُ مِنْهُمَا، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الشَّرّ، فَهُوَ مِنْ الظُّلْمَة، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْخَيْر، فَهُوَ مِنْ النُّور. وَأَنَّهُ يَجِب السَّعْي فِي تَخْليص النُّور مِنْ الظُّلْمَة، فَيَلْزَم إِزْهَاق كُلّ نَفْس، وَإلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْمُتَنَبِّي، حَيْثُ قَالَ فِي قَصِيدَته الْمَشْهُورَة [من الطويل]:
وَكَمْ لِظَلَامِ اللَّيْلِ عِنْدكَ مِنْ يَدٍ … تُخَبِّر أَنَّ الْمَانَوِيَّةَ تَكْذِبُ
وَكَانَ بَهْرَام جَدُّ كِسْرَى، تَحَيَّلَ عَلَى مَانِّي، حَتَّى حَضَرَ عِنْده، وَأَظْهَرَ لَهُ أَنَّهُ قَبِلَ مَقَالَته، ثُمَّ قَتَلَهُ، وَقَتَلَ أَصْحَابه، وَبَقِيَت مِنْهُمْ بَقَايَا، اتَّبَعُوا مَزْدَك الْمَذْكُور، وَقَامَ الإِسْلَام، والزِّندِيق يُطْلَق عَلَى مَنْ يَعْتَقِد ذَلِكَ، وَأَظْهَرَ جَمَاعَة مِنْهُمْ الإسْلَام، خَشْيَة الْقَتْل، وَمِنْ ثَمَّ أُطْلِقَ الاسْمُ عَلَى كُلّ مَنْ أَسَرَّ الْكُفْر، وَأَظْهَرَ الإسْلَام، حَتَّى قَالَ مَالِك: الزَّنْدَقَة مَا كَانَ عَلَيْهِ المُنَافِقُونَ، وَكَذَا أَطْلَقَ جَمَاعَة مِنْ الْفُقَهَاء الشَّافِعِيَّة، وَغَيْرهمْ، أَنَّ الزِّنْدِيق: هُوَ الَّذِي يُظْهِر الإسْلَام، ويُخْفِي الْكُفْر، فَإِنْ أَرَادُوا اشْتِرَاكهمْ فِي الْحُكْم، فَهُوَ كَذلِكَ، وَإِلَّا فَأَصْلهمْ مَا ذَكَرْت.
وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيّ فِي لُغَات "الرَّوْضَة": الزِّنْدِيق الَّذِي لَا يَنْتَحِل دِينًا. وَقَالَ مُحَمَّد بْن مَعْن فِي "التَّنْقِيب عَلَى الْمُهَذَّب": الزَّنَادِقة مِنْ الثَّنَوِيَّةِ، يَقُولُون بِبَقَاءِ الدَّهْر، وَبالتَّنَاسُخِ، قَالَ: وَمِنْ الزَّنَادِقَة الْبَاطِنِيَّة، وَهُمْ قَوْم، زَعَمُوا أَنَّ اللَّه خَلَقَ شَيْئًا، ثُمَّ خَلَقَ مِنْهُ شَيْئًا آخَر، فَدَبَّرَ الْعَالَم بِأَسْرِهِ، وَيُسَمُّونَهُمَا الْعَقْل، وَالنَّفْس، وَتَارَة الْعَقْل الأَوَّل، وَالْعَقْل
[ ٣١ / ٣٨٦ ]
الثَّانِي، وَهُوَ مِنْ قَوْل الثَّنَوِيَّةِ فِي النُّور وَالظُّلمَة، إِلاَّ أَنَّهُمْ غَيَّرُوا الِاسْمَيْنِ، قَالَ: وَلَهُمْ مَقَالَات سَخِيفَة فِي النُّبُوَّات، وَتَحْرِيف الآيَات، وَفَرَائِض الْعِبَادَات. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ سَبَب تَفْسِير الْفُقَهَاء الزِّنْدِيق، بِمَا يُفَسَّر بِهِ الْمُنَافِقُ، قَوْلُ الشَّافِعِيّ فِي "المُخْتَصَر": وَأَيّ كُفْر ارْتَدَّ إِلَيْهِ، مِمَّا يُظْهِر أَوْ يُسِرّ منْ الزَّنْدَقَةِ، وَغَيْرهَا، ثُمَّ تَابَ، سَقَطَ عَنْهُ الْقَتْل. وَهَذَا لَا يَلْزَم مِنْهُ اتِّحاد الزِّنْدِيق وَالْمُنَافِق، بَلْ كُلّ زِنْدِيق مُنَافِق، مِنْ غَيْر عَكْس، وَكَانَ مَنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ فِي الْكِتَاب وَالسُّنَّة، الْمُنَافِق يُظْهِر الإسْلام، وَيُبْطِن عِبَادَة الْوَثَن، أَوْ الْيَهُودِيَّة، وَأَمَّا الثَّنَوِيَّة، فَلَا يُحْفَظ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ أَظْهَرَ الإسْلام، فِي الْعَهْد النَّبَوِيّ. وَاللَّه أَعْلَمُ. وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّقَلَة، فِي الَّذِينَ وَقَعَ لَهُمْ، مَعَ عَلِيّ مَا وَقَعَ، عَلَى مَا تقدّم بيانه.
وَاشْتَهَرَ فِي صَدْر الإسْلَام الْجَعْد بْن دِرْهَم، فَذَبَحَهُ خَالِد الْقَسْريّ، فِي يَوْم عِيد الَأضْحَى، ثُمَّ كَثُرُوا فِي دَوْلَة الْمَنْصُور، وَأَظْهَرَ لَهُ بَعْضهمْ مُعْتَقَده، فَأَبَادَهُم بِالْقَتْلِ، ثُمَّ ابْنه الْمَهْدِيّ، فَأَكْثَرَ فِي تَتَبُّعهمْ وَقَتْلهمْ، ثُمَّ خَرَجَ فِي أَيَّام الْمَأْمُون بَابَك- بِمُوَحَّدتَيْنِ مَفْتُوحَتَينِ، ثُمَّ كَاف مُخَفَّفَة- الْخُرَّمِيّ (^١) -بِضَمِّ الْمُعْجَمَة، وَتَشْدِيد الرَّاء- فَغَلَبَ عَلَى بِلاد الْجَبَل، وَقَتَلَ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَهَزَمَ الْجُيُوش، إِلَى أَنْ ظَفِرَ بِهِ الْمُعْتَصِم، فَصَلَبَهُ، وَلَهُ أَتْبَاع، يُقَال لَهُمْ: الْخُرَّمِيَّة، وَقِصَصهمْ في التَّوَارِيخ مَعْرُوفَة. انتهى (^٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: سيأتي اختلاف العلماء، هل يُستتاب الزنديق، أم يقتل بدون استتابة؟، في الباب التاليّ، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٦٣ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و"محمد بن بكر": هو الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ. و"إسماعيل": هو ابن عُليّة،
_________________
(١) "الْخُرَّميّ" بضمّ الخاء المعجمة، وتشديد الراء المفتوحة، وكسر الميم: هذه النسبة إلى طائفة من الباطنيّة، وإلى جدّ المنتسب إليه، فأما الباطنيّة، فإنما قيل لهم الخرمدينيّة؛ لإباحتهم الحرمات، من شرب الخمر، والزنا، وغير ذلك، مما يتلذّذون به، فلما شابهوا بهذه الإباحة المزدكيّة من المجوس الذين خرجوا أيام قباذ، وأباحوا النساء، والمحرّمات، وقتلهم أنو شروان، قيل لهم: الخرمدينية؛ لأن المزدكيّة، كانوا يقال لهم هذا اللقب أيضًا. وأما النسبة إلى الجدّ، فهو الحسين بن إدريس الأنصاريّ الخرّميّ المعروف بابن خرّم. انتهى "اللباب في تهذيب الأنساب" ١/ ٤٣٦ - ٤٣٧، و"الأنساب" ٢/ ٣٥٢.
(٢) "فتح" ١٤/ ٢٧١ - ٢٧٢. "كتاب استتابة المرتدّين".
[ ٣١ / ٣٨٧ ]
ورواية ابن جُريج عنه من رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن ابن جريج من شيوخه، كما ذكر ذلك في "تهذيب التهذيب" ١/ ١٤٠ - من ترجمة إسماعيل. "ومعمر": هو ابن راشد.
[تنبيه]: ذكر الحافظ المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف" ٥/ ١٠٩ - عن المصنّف، أنه قال: "محمد بن بكر ليس بالقويّ في الحديث". ونقله أيضًا في "تهذيب التهذيب" في ترجمة محمد بن بكر، ونصّه: وقال النسائيّ في "كتاب المحاربة" من "سننه": ليس بالقويّ. انتهى.
قال الجامع: لم أر هذا الكلام في "كتاب المحاربين"، لا في "المجتبى"، ولا في "الكبرى"، فاللَّه تعالى أعلم.
ثم إن ما نُقل عن المصنّف في محمد بن بكر نقل نحوه عن ابن عمّار الموصليّ، فإنه قال: لم يكن صاحب حديث، تركناه، لم نسمع منه. لكن الجمهور على توثيقه، فقد وثّقه ابن معين، وأبو داود، والعجليّ، وابن قانع، وابن سعد وابن حبّان، وقال أحمد: صالح الحديث، وقال أبو حاتم: شيخٌ، محلّه الصدق (^١).
والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٦٤ - (أَخْبَرَنِي هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "هلال بن العلاء": هو أبو عمرو الرَّقّيّ، صدوق [١١] ١٠/ ١١٩٩ من أفراد المصنّف.
و"إسماعيل بن عبد اللَّه بن زُرارة"، أبو الحسن الرقّيّ، صدوقٌ تكلّم فيه الأزديّ بلا حجّة [١٠].
روى عن حماد بن زيد، وشريك، وإسماعيل بن عيّاش، وشعيب بن صفوان، وعبّاد بن العوّام، وغيرهم. وعنه ابنه إبراهيم، وإسماعيل سمّويه، وأحمد بن يونس الضبّيّ، وعبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، وهلال بن العلاء، وأبو شعيب الحرّاني، وأبو بكر الصغانيّ، وجماعة.
ذكره ابن حبّان في "الثقات". قال ابن عساكر: روى عنه ابن ماجه، وروى النسائيّ
_________________
(١) انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" ٣/ ٥٢٢ - ٥٢٣.
[ ٣١ / ٣٨٨ ]
عن رجل عنه. قال الحافظ المزّيّ: فأما ابن ماجه فقد تبيّن أنه لم يرو إلا عن القرشيّ، وأما النسائيّ، فلم نقف على روايته عن رجل عنه. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن في هذا الحديث أن النسائيّ روى عن هلال بن العلاء، عنه، والحمد للَّه، وقد ذكر جماعة من الحفاظ أيضًا بأن البخاريّ روى عنه، منهم الدارقطنيّ، والْبَرْقانيّ، والحاكم، وأبو إسحاق الحَبّال، وأبو عبد اللَّه بن منده، وأبو الوليد الباجيّ، وابن خلفون، وابن طاهر. انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" ١/ ١٥٦ - ١٥٧.
والحاصل أن رواية المصنّف له ثابتة، دون ريب، ولا شكّ، وكذا رواية البخاريّ عنه، على ما قاله هؤلاء الأئمة الحفّاظ، وهم القدوة في ذلك. واللَّه تعالى أعلم.
و"عبّاد بن العوّام": هو الكلابيّ، أبو سهل الواسطيّ، ثقة [٨] ٢/ ٣٩٠٧.
و"سعيد": هو ابن أبي عروبة.
والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٦٥ - (أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو الكنديّ المسروقيّ، أبو عيسى الكوفيّ، وهو ثقة، من كبار [١١] ٧٤/ ٩١.
و"محمد بن بشر": هو العبديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة حافظ [٩] ٥/ ٨٨٢.
و"سعيد": هو ابن أبي عروبة. و"الحسن": هو ابن أبي الحسن يسار البصريّ.
والحديث مرسلٌ، صحيح بما تقدّم.
وقوله (قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ (وَهَذَا أَوْلى بِالصَّوابِ، مِنْ حَدِيثِ عَبَّادٍ) يعني أن كونه من رواية سعيد، عن قتادة، عن الحسن، مرسلًا هو الصواب، من كونه عن سعيد، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عبّاس موصولًا.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: إنما رجّح المصنّف الإرسال على الوصل؛ لأن محمد بن بشر أحفظ من عبّاد بن العوّام، فإنه وإن كان ثقة إلا أن في روايته عن سعيد بن أبي عروبة اضطرابًا، كما قاله الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى-، فقد نقل في "تهذيب التهذيب" في ترجمته، عن الأثرم، عن أحمد أنه قال: مضطرب الحديث عن سعيد بن أبي عروبة. انتهى (^١).
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٢/ ٢٧٩ - ٢٨٠.
[ ٣١ / ٣٨٩ ]
لكن الحديث صحيحٌ موصولًا بما تقدّم من الأسانيد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٦٦ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"الحسين بن عيسى": هو أبو عليّ البسطامي القومسيّ، نزيل نيسابور، صدوقٌ، صاحب حديث [١٠] ٦٩/ ٨٦.
و"عبد الصمد": هو ابن عبد الوارث بن سعيد العنبريّ مولاهم، أبو سهل البصريّ، صدوقٌ [٩] ١٢٢/ ١٧٤. و"هشام": هو ابن أبي عبد اللَّه الدستوائيّ البصريّ.
والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٦٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِنَاسٍ مِنَ الزُّطِّ، يَعْبُدُونَ وَثَنًا، فَأَحْرَقَهُمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الإسناد هو الإسناد الماضي، وشيخ المصنّف هو أحد المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، والسند كله مسلسل بالبصريين.
وقوله: "أن عليًّا" هو ابن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه -. وقوله: "أُتي" بالبناء للمفعول. وقوله: "بناس من الزُّطّ" قال في "القاموس"، و"شرحه": "الزّطّ" بالضمّ: جِيلٌ من الناس، كما في "الصحاح"، وقد جاء ذكره في "البخاريّ" في صفة موسى - ﵇ -: "كأنه من رجال الزُّطّ". واختُلف فيهم: فقيل: هم السيابجة، قومٌ من السند بالبصرة. وقال القاضي عياض: هم جنسٌ من السودان، طوال، ومثله في "التوشيح" للجلال، وزاد: "مع نحافة". ونقل الأزهريّ عن الليث: أنهم جِيلٌ من الهند، إليهم تُنسب الثياب الزُّطِّيَة، قال: وهو معرّب جَتّ بالفتح، بالهنديّة. قال الصاغانيّ: أما الليث، فلم يقل في كتابه هذا، وأما جَتْ بالهنديّة، فصحيحٌ، بفتح الجيم، وكذلك هو مضبوطٌ في نسخة صححها الأزهريّ، وعليها خطّه بفتح الجيم، وعلى هذا القياسُ يقتضي فتح مُعرَّبه أيضًا، وفي "الصحاح": الواحد زُطّيّ، كالروم والروميّ، والزنج والزنجيّ. وقال ابن دُريد: الزُّطّ: هذا الجِيلُ، وليس بعربيّ محضٍ، وقد تكلّمت به العرب، وأنشد [من الطويل]:
[ ٣١ / ٣٩٠ ]
فَجِئْنَا بِحَيِّ وَائِلٍ وَبِلَفِّهَا … وَجَاءَتْ تَمِيمٌ زُطُّهَا وَالأَسَاوِرُ
وقال أبو النجم [من الرجز]:
جَارِيةٌ إِحْدَى بَنَاتِ الزُّطّ … ذَاتُ جِهَادٍ مُضْغَطٍ مُلطٍّ
وكان خالد بن عبد اللَّه أعطى أبا النجم جاريةٌ من سبي الهند، وله فيها أرجوزةٌ، أوّلُها:
عَلِقْتُ خودًا مِنْ بَنَاتِ الزُّطِّ
انتهى "القاموس"، مع شرحه "تاج العروس" (^١).
وقوله: "يعبدون وثنًا" أي بعد ما أسلموا. وقوله: "فأحرقهم" قال السنديّ: قالوا: كان ذلك منه عن رأي، واجتهاد، لا عن توقيف، ولهذا لمّا بلغه قول ابن عبّاس، استحسنه، ورجع إليه، كما تدلّ عليه الروايات. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يشير السنديّ بقوله هذا إلى ما تقدّم من قول عليّ، لما بلغه إنكار ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهم -: "وَيْحَ أُمِّ ابْنِ عبَّاس"، وفي رواية: "ويح ابن عبّاس". لكن هذا الكلام ليس نصًّا في الاستحسان، بل هُو مُحْتَمَل له، ومحتملٌ للإنكار عليه، وقد تقدّم بيان ذلك، فلا تغفُل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، ثُمَّ أَرْسَلَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمَّا قَدِمَ، قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إِلَيْكُمْ، فَأَلْقَى لَهُ أَبُو مُوسَى وِسَادَةً؛ لِيَجْلِسَ عَلَيْهَا، فَأُتِيَ بِرَجُلٍ، كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ، ثُمَّ كَفَرَ، فَقَالَ مُعَاذٌ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا قُتِلَ قَعَدَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن بشّار) بُندار البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧.
٢ - (حماد بن مسعدة) التميميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقة [٩] ٩٧/ ١٠٤٠.
[تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى" غلطٌ،، ونصّه: "حدّثنا محمد بن بشار، وحدّثني حماد بن مسعدة، قالا: حدثنا قرّة الخ"، بوا العطف في "وحدّثني"، وضمير التثنية في "قالا"، وهو غلط فاحش؛ لأن ظاهره أن حماد بن مسعدة شيخ ثان للمصنّف، وليس
_________________
(١) "القاموس"، مع شرحه "تاج العروس" ٥/ ١٤٦ - ١٤٧.
[ ٣١ / ٣٩١ ]
كذلك، وإنما هو شيخٌ لمحمّد بن بشّار، فهو من الطبقة التاسعة، مات سنة (٢٠٢) قبل ولادة المصنّف بأكثر من عشر سنين، وإنما يروي عنه محمد بن بشّار، والصواب ما في "الكبرى"، ونصّه: "حدّثنا محمد بن بشّار، حدّثني حماد بن مسعدة، قال: حدثني قرّة الخ"، فقائل: حدّثني حماد هو محمد بن بشّار، وقائل: "حدّثني قرّة" هو حماد بن مسعدة، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٣ - (قُرّة بن خالد) السدُوسيّ البصريّ، ثقة ضابطٌ [٦] ٤/ ٤.
٤ - (حُميد بن هلال) أبو نصر العدويّ البصريّ، ثقة عالمٌ [٣] ٤/ ٤.
٥ - (أبو بُردة بن أبي موسى الأشعريّ) اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقة [٣] ٣/ ٣.
٦ - (أبوه) عبد اللَّه بن قيس بن سُليم بن حضّار، أبو موسى الأشعريّ الصحّابيّ المشهور، - رضي اللَّه تعالى عنه -، توفّي سنة (٥٠)، وقيل: بعدها، وتقدّمت ترجمته في ٣/ ٣. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى أبي بردة، وهو كوفيّ، وأبوه كوفيّ بصريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيّ، عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى الأشعريّ رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ) وقد تقدّم في "كتاب الطهارة" سبب بعث صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم له، فقد رواه من طريق، يحيى القطّان، عن قرة بن خالد عن حميد بن هلال، قال: حدثني أبو بردة، عن أبي موسى، قال: أقبلت إلى النبي - ﷺ -، ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، ورسول اللَّه - ﷺ - يستاك، فكلاهما سأل العمل، قلت: والذي بعثك بالحق نبيا، ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، فكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته قَلَصَت، فقال: "إنا لا، أو لن نستعين على العمل من أراده، ولكن اذهب أنت"، فبعثه على اليمن، ثم أردفه معاذ بن جبل - ﵄ -.
وكان بعثه بعد الرجوع من غزوة تبوك؛ لأنه شهد غزوة تبوك مع النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -. واستُدلّ به على أن أبا موسى - رضي اللَّه تعالى عنه - كان عالمًا فطنًا
[ ٣١ / ٣٩٢ ]
حاذقًا، ولولا ذلك لم يُولّه النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - الإمارة، ولو كان فوّض الحكم لغيره لم يحتج إلى توصيته بما وصّاه به، حيث قال له، ولمعاذ: "يسّرا، ولا تُعسّرا، وبشّرا، ولا تُنفّرا، وتطاوعا"، ولذلك اعتمد عليه عمر، ثم عثمان، ثم عليّ. وأما الخوارج، والروافض، فطعنوا فيه، ونسبوه إلى الغفلة، وعدم الفطنة؛ لما صدر منه في التحكيم بصِفِّين. قال ابن العربيّ وغيره: والحقّ أنه لم يصدُر منه ما يقتضي وصفه بذلك، وغاية ما وقع منه أن اجتهاده أدّاه إلى أن يجعل الأمر شُورَى بين من بقي من أكابر الصحابة من أهل بدر، ونحوهم، لما شاهد من الاختلاف الشديد بين الطائفتين بصفّين، وآل الأمر إلى ما آل إليه. قاله في "الفتح" (^١).
(ثُمَّ أَرْسَلَ مُعَاذَ بْنَ جَبَل) بن عمرو بن أوس الأنصاريّ الخزرجي، من أعيان الصحابة، شهد بدرًا وما بعدها، وكان إليه المنتهى في العلم بالأحكام والقرآن، مات - رضي اللَّه تعالى عنه - بالشام سنة (١٨) على المشهور، وتقدّمت ترجمته في ٤٢/ ٥٨٧ (بَعْدَ ذلِك) هذا نصّ في كون بعثه بعد أبي موسى الأشعريّ - رضي اللَّه تعالى - عهما، وظاهر رواية البخاريّ تقتضي أنهما أُرسلا معًا، ولفظه من طريق عبد الملك بن عُمير، عن أبي بردة، قال: بعث رسول اللَّه - ﷺ -، أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن، قال: وبعث كلّ واحد منهما على مِخْلاف (^٢)، قال: واليمن مخلافان، ثم قال: "يسرا، ولا تعسرا، وبَشِّرا، ولا تنفّرا"، فانطلق كل واحد منهما إلى عمله، وكان كل واحد منهما، إذا سار في أرضه، كان قريبا من صاحبه، أحدث به عهدا، فسلم عليه، فسار معاذ في أرضه، قريبًا من صاحبه أبي موسى، فجاء يسير على بغلته، حتى انتهى إليه، وإذا هو جالس، وقد اجتمع إليه الناس، وإذا رجل عنده، قد جُمِعت يداه إلى عنقه، فقال له معاذ: يا عبد اللَّه بن قيس، أَيُّمَ هذا؟ قال: هذا رجل كفر بعد إسلامه، قال: لا أنزل حتى يُقتَل، قال: إنما جيء به لذلك، فأنزل، قال: ما أنزل حتى يُقتل، فأمر به، فقُتِل، ثم نزل، فقال: يا عبد اللَّه، كيف تقرأ القرآن؟ قال: أَتَفَوَّقُه تَفَوُّقًا، قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل، فأقوم، وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب اللَّه لي، فأحتسب نومتي، كما أحتسب قومتي.
وفي رواية للبخاري في "كتاب استتابة المرتدّين": "ثم أتبعه معاذ بن جبل"، فقال في "الفتح": ظاهره أنه ألحقه به بعد أن توجّه، قال: لكن تقدّم في "المغازي" بلفظ: "بعث
_________________
(١) "فتح" ٨/ ٣٨٧ - ٣٨٨. "كتاب المغازي" رقم الحديث ٤٣٤٢.
(٢) المخلاف بكسر الميم، وسكون الخاء المعجمة، آخره فاء: هو الكورة، والإقليم. قاله في "الفتح". ٨/ ٣٨٦.
[ ٣١ / ٣٩٣ ]
النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أبا موسى، ومعاذًا إلى اليمن، فقال: يسّرا، ولا تعسّرا" الحديث. ويُحمَل أنه أضاف معاذًا إلى أبي موسى بعد سبق ولايته، لكن قبل توجّهه، فوصّاهما عند التوجّه بذلك. ويمكن أن يكون المراد أنه أوصى كلًّا منهما، واحدًا بعد آخر. انتهى (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الأخير هو الأقرب عندي؛ لأنه اختُلف في وقت بعث معاذ - رضي اللَّه تعالى عنه - إلى اليمن، فقيل: سنة عشر من الهجرة، قبل حجة النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، كما ذكره البخاريّ في أواخر "كتاب المغازي". وقيل: كان ذلك في أواخر سنة تسع عند منصرفه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - من تبوك. رواه الواقديّ بإسناده إلى كعب بن مالك، وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" عنه، ثم حكى ابن سعد أنه كان في ربيع الآخر سنة عشر. وقيل: بعثه عام الفتح سنة ثمان. واتفقوا على أنه لم يزل على اليمن إلى أن قَدِم في عهد أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه -، ثم توجّه إلى الشام، فمات بها. واختُلف هل كان معاذٌ واليًا، أو قاضيًا؟، فجزم ابن عبد البرّ بالثاني، والغسّانيّ بالأول. قاله في "الفتح" (^٢).
فالظاهر من هذا أنهما لم يذهبا إلى اليمن معًا، بل ذهب كلّ منهما وحده. واللَّه تعالى أعلم.
(فَلَمَّا قَدِمَ) أي معاذ - رضي اللَّه تعالى عنه - إلى اليمن (قَالَ: أَيُّها النَّاسُ، إِنِّي رَسُولُ رسُولِ اللَّهِ إِليْكُمْ) إنما ذكر لهم ذلك ليعرفوا له حقّه، ويستجيبوا دعوته؛ لأنهم إذا لم يعلموا ربّما لا يتساهلون في حقّه (فَأَلقَى لَهُ أَبُو مُوسَى) الأشعريّ (وِسَادَةً) بكسر الواو: المِخَذة، والجمع وِسادات، ووَسَائدُ، والوِسَاد بغير هاء: كلُّ ما يُتوسّد به، من قُماش، وتُراب، وغير ذلك. ويقال: الوِساد لغةٌ في الوسادة. قاله في "المصباح".
والمعنى أن أبا موسى فرش لمعاذ - رضي اللَّه تعالى عنهما - وسادة (لِيَجْلِسَ عَلَيْهَا) قال في "الفتح": وقد ذكر الباجيّ، والأصيليّ، فيما نقله عياضٌ عنهما أن المراد بقول ابن عبّاس: "فاضطجعتُ في عَرْض الوسادة": الفراشُ. وردّه النوويّ، فقال: هذا ضعيفٌ، أو باطلٌ، وإنما المراد بالوسادة ما يُجعل تحت رأس النائم، وهو كما قال، قال: وكانت عادتهم أن من أرادوا إكرامه، وضعوا الوسادة تحته مبالغة في إكرامه. وقد وقع في حديث عبد اللَّه بن عمرو: إن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - دخل عليه، فألقى له وِسادةً"، كما تقدّم في "الصيام"، وفي حديث ابن عمر: أنه دخل على عبد اللَّه
_________________
(١) "فتح" ١٤/ ٢٧٥.
(٢) "فتح" ٤/ ١٢٦ - ١٢٧ "كتاب الزكاة" رقم الحديث ١٤٩٦.
[ ٣١ / ٣٩٤ ]
ابن مطيع، فطرح له وسادة، فقال له: ما جئتُ لأجلس". أخرجه مسلم، ولم أر في شيء من كتب اللغة أن الفراش يُسمّى وسادة. انتهى.
(فَأُتِي بِرَجُلِ) ببناء الفعل للمفعول: أي جيء أبو موسى - رضي اللَّه تعالى عنه - برجل (كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ، ثُمَّ كَفَرَ) وفي رواية مسلم، وأبي داود: "ثم راجع دينه دين السوء"، ولأحمد من طريق أيوب، عن حُميد بن هلال، عن أبي بُردة، قال: "قَدِم معاذ بن جبلٍ على أبي موسى، فإذا رجلٌ عنده، فقال: ما هذا؟ "، فذكر مثله، وزاد: "ونحن نُريده على الإسلام منذ -أحسبه- شهرين"، وأخرج الطبرانيّ من وجه آخر، عن معاذ، وأبي موسى: "أن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أمرهما أن يعلّما الناس، فزاد معاذٌ أبا موسى، فإذا عنده رجلٌ، موثَقٌ بالحديث، فقال: يا أخي أوَ بُعِثت تُعذّب الناس، إنما بُعثنا نُعلّمهم دينهم، ونأمرُهم بما ينفعهم، فقال: إنه أسلم، ثم كفر، فقال: والذي بعث محمدًا بالحقّ، لا أبرح حتى أحرّقه بالنار" (^١).
(فَقَالَ: مُعَاذٌ) - رضي اللَّه تعالى عنه - بعد أن سأل سبب قيده، ففي رواية البخاريّ المذكورة: "وإذا رجلٌ عنده، قد جُمِعت يداه إلى عُنُقه، فقال له معاذٌ: يا عبد اللَّه بن قيس، أَيُّمَ هذا؟، قال: هذا رجلٌ كفر بعد إسلامه، قال: لا أنزِل حتى يُقتل" الحديث (لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ) بالبناء للمفعول (قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوفٍ: أي هذا قضاء اللَّه تعالى، وقضاء رسوله صلى اللَّه تعالى عليه وسلم، ويجوز نصبه على أنه مفعول لفعل محذوف: أي اقضِ قضاء اللَّه تعالى، وقضاء رسوله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم (ثَلاثَ مَرَّاتٍ) أي قال معاذ هذا الكلام ثلاث مرّات. وفي رواية أبي داود أنهما كرّرا القول، أبو موسى يقول: اجلس، ومعاذ يقول: لا أجلس، فعلى هذا فقوله: "ثلاث مرّات" من كلام الراوي، لا تتمّة كلام معاذ. وزاد في رواية بعد قوله: "قضاء اللَّه، ورسوله: إن من رجع عن دينه أو قال-: "بدّل دينه، فاقتلوه".
(فَلَمَّا قُتِلَ قَعَدَ) وفي رواية: "فقال: واللَّه لا أقعد حتى تضربوا عنقه، فضُرب عنقه".
وفي رواية الطبرانيّ: "فأُتي بحطب، فألهب فيه النارُ، فكتفه، وطرحه فيها".
قال الحافظ: ويمكن الجمع بأنه ضَرَب عنقه، ثم ألقاه في النار. ويؤخذ منه أن معاذًا، وأبا موسى كانا يريان جواز التعذيب بالنار، وإحراق الميت بالنار، مبالغة في إهانته، وترهيبًا عن الاقتداء به. وأخرج أبو داود من طريق طلحة بن يحيى، ويزيد بن عبد اللَّه، كلاهما عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: "قَدِمَ عليّ معاذ"، فذكر قصّة
_________________
(١) "فتح" ١٤/ ٢٧٦. "كتاب استتابة المرتدّين".
[ ٣١ / ٣٩٥ ]
اليهوديّ، وفيه: "فقال: لا أنزل عن دابّتي حتى يُقتل، فقُتل"، قال أحدهما: وكان قد استُتيب قبل ذلك. وله من طريق أبي إسحاق الشيبانيّ، عن أبي بُردة: "أُتي أبو موسى برجل قد ارتدّ عن الإسلام، فدعاه، فأبى عشرين ليلة، أو قريبًا منها، وجاء معاذ، فدعاه، فأبى، فضرب عنقه". قال أبو داود: رواه عبد الملك بن عُمير، عن أبي بُردة، فلم يذكر الاستتابة، وكذا ابن فُضيل، عن الشيبانيّ. وقال المسعوديّ، عن القاسم- يعني ابن عبد الرحمن- في هذه القصّة: "فلم ينزل حتى ضرب عنقه، وما استتابه".
قال الحافظ: وهذا يعارضه الرواية المثبتة أن معاذًا استتابه، وهي أقوى من هذه، والرواياتُ الساكتةُ عنها لا تعارضها، وعلى تقدير ترجِيح رواية المسعوديّ، فلا حجّة فيه لمن قال: يُقتل المرتدّ بلا استتابة؛ لأن معاذًا يكون اكتفى بما تقدّم من استتابة أبي موسى. انتهى كلام الحافظ (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي موسى الأشعريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٤/ ٤٠٦٨ - وفي "الكبرى" ١٤/ ٣٥٢٩. وأخرجه (خ) في "المغازي" ٤٣٤٢ و٤٣٤٣ و٤٣٤٥ (م) في "الإمارة" ١٨٢٤ (د) في "الحدود" ٤٣٥٤ و٤٣٥٥ (أحمد) في "أول مسند الكوفيين" ١٩١٦٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم المرتدّ، وهو وجوب قتله، وهو مجمع عليه، وإنما الخلاف في حكم استتابته، وسيأتي البحث عنه في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أنه ينبغي للشخص أن يُعرّف برتبته لمن لا يعرفه، حتّى يستفيد منه، ولا يُقصّر في حقّه، فإن معاذًا - رضي اللَّه تعالى عنه - لَمّا أتى قال: "أيها الناس، إني رسول رسول اللَّه إليكم". (ومنها): تزاور الإخوان، والأمراء، والعلماء. (ومنها): إكرام الضيف، حيث إن أبا موسى ألقى لمعاذ - رضي اللَّه تعالى عنهما - وسادة؛ إكرامًا له. (ومنها): المبادرة إلى إنكار المنكر. (ومنها): وجوب إقامة الحدّ على من وجب عليه. (ومنها): ما قاله القرطبيّ: أن ظاهره يدلّ على أنه - صلى اللَّه تعالى عليه
_________________
(١) "فتح" ١٤/ ٢٧٦.
[ ٣١ / ٣٩٦ ]
وسلم - ولّى معاذًا على أبي موسى، ولم يَعزل أبا موسى، وعلى هذا يدلّ تنفيذ مُعاذ الحكم بقتل المرتدّ، وإمضاؤه. ويحتمل أن يكون - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - ولّى كلّ واحد منهما على عمل غير عمل الآخر، فإما في الجهات، وإما في الأعمال، وهذا هو الصحيح بدليل ما وقع في "صحيح البخاريّ" أن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - ولّى معاذًا على مِخْلاف من اليمن، وأبا موسى على مخلاف، والمِخْلافُ واحد المخاليف: وهي الْكُوَر. انتهى (^١).
(ومنها): أن بعضهم استدلّ به على أن المرتدّ يُقتل، ولا يُستتاب. وتُعقّب بأنه تقدّم أن هذا اليهوديّ استتيب عدّة أيام، فلم يتب.
(ومنها): أن فيه حجة على أن لوُلاة الأمصار إقامةَ الحدود في القتل، والزنى، وغيرهما، قال القرطبيّ: وهو مذهب كافّة العلماء: مالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة، وغيرهم. واختُلف في إقامة ولاة المياه، وأشباههم لذلك، فرأى أشهب ذلك، إذا جَعَل ذلك لهم الإمام. وقال ابن القاسم نحوه. وقال الكوفيّون: لا يُقيمه إلا فقهاء الأمصار، ولا يُقيمه عاملُ السواد.
واختُلف في القضاة إذا كانت ولايتهم مطلقةً، غير مقيّدة بنوع من الأحكام، فالجمهور على أن جميع ذلك لهم، من إقامة الحدود، وإثبات الحقوق، وتغيير المناكر، والنظر في المصالح، أكان الحقّ لآدميّ، أو للَّه تعالى، وحكمه عندهم حكم الوصيّ المطلق اليد في كلّ شيء، إلا ما يَختصّ بضبط بيضة الإسلام، من إعداد الجيوش، وجباية الخراج. واختلف أصحاب الشافعيّ، هل له نظر في مال الصدقات، والتقديم للجمع والأعياد، أم لا؟ على قولين. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا نظر له في إقامة حدّ، ولا في مصلحة إلا لطالب مُخاصم، وحكمه عندهم حكم الوكيل. انتهى كلام القرطبيّ (^٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٦٩ - (أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ، قَالَ: زَعَمَ السُّدِّيُّ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، أَمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - النَّاسَ، إِلاَّ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ، وَامْرَأَتَيْنِ، وَقَالَ: «اقْتُلُوهُمْ، وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ، مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ»، عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ، وَمِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ، فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ، فَأُدْرِكَ
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ١٧ - ١٨. "كتاب الإمارة".
(٢) "المفهم" ٤/ ١٨ - ١٩. "كتاب الإمارة".
[ ٣١ / ٣٩٧ ]
وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَاسْتَبَقَ إِلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، فَسَبَقَ سَعِيدٌ عَمَّارًا، وَكَانَ أَشَبَّ الرَّجُلَيْنِ، فَقَتَلَهُ، وَأَمَّا مِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ، فَأَدْرَكَهُ النَّاسُ فِي السُّوقِ، فَقَتَلُوهُ، وَأَمَّا عِكْرِمَةُ، فَرَكِبَ الْبَحْرَ، فَأَصَابَتْهُمْ عَاصِفٌ، فَقَالَ أَصْحَابُ السَّفِينَةِ: أَخْلِصُوا، فَإِنَّ آلِهَتَكُمْ، لَا تُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا هَاهُنَا، فَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ يُنَجِّنِي مِنَ الْبَحْرِ، إِلاَّ الإِخْلَاصُ، لَا يُنَجِّينِي فِي الْبَرِّ غَيْرُهُ، اللَّهُمَّ إِنَّ لَكَ عَلَيَّ عَهْدًا، إِنْ أَنْتَ عَافَيْتَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ، أَنْ آتِيَ مُحَمَّدًا - ﷺ -، حَتَّى أَضَعَ يَدِي فِي يَدِهِ، فَلأَجِدَنَّهُ عَفُوًّا كَرِيمًا، فَجَاءَ، فَأَسْلَمَ، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ، فَإِنَّهُ اخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَلَمَّا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ، جَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَايِعْ عَبْدَ اللَّهِ، قَالَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلَاثًا، كُلَّ ذَلِكَ يَأْبَى، فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: «أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ، يَقُومُ إِلَى هَذَا، حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ، فَيَقْتُلَهُ؟»، فَقَالُوا: وَمَا يُدْرِينَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فِي نَفْسِكَ؟، هَلاَّ أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ؟، قَالَ: «إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ، أَنْ يَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ أَعْيُنٍ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (القاسم بن زكريا بن دينار) أبو محمد الكوفيّ الطحّان، ثقة [١١] ٨/ ٤١٠.
٢ - (أحمد بن مفضّل (^١» القرشيّ الأمويّ، أبو عليّ الكوفيّ، الْحَفَريّ -بفتح المهملة، والفاء-، صدوقٌ شِيعيّ، في حفظه شيء [٩].
أثنى عليه أبو بكر بن أبي شيبة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن إشكاب: حدثنا أحمد بن المفضّل، دلّني عليه ابن أبي شيبة، وأثنى عليه خيرًا. وقال الأزديّ: منكر الحديث. وقال ابن سعد: توفّي سنة (١٥) وقيل: (٢١٤). تفرّد به المصنّف، وأبو داود بهذا الحديث فقط.
٣ - (أسباط) بن نصر الْهَمْدانيّ، أبو يوسف، ويقال: أبو نصر الكوفيّ، صدوق، كثير الخطأ، يُغرِب [٨].
قال حربٌ: قلت لأحمد: كيف حديثه؟ قال: ما أدري، وكأنّه ضعّفه. وقال أبو حاتم: سمعت أبا نُعيم يُضعّفه، وقال: أحاديثه عامتها سَقَطٌ، مقلوبة الأسانيد. وقال
_________________
(١) وفي كتب الرجال: "أحمد بن المفضّل"، بـ"أل"، وهي جائز الحذف، والذكر، كما قال ابن مالك: وَبَعْضُ الاعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلا … لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا كَالفَضْلِ وَالْحَارِثِ والنُّعمَانِ … فَذِكْرُ ذَا وَحَذْفُهُ سِيَّانِ
[ ٣١ / ٣٩٨ ]
النسائيّ: ليس بالقويّ. وقال البخاريّ في "تاريخه الأوسط": صدوقٌ. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال مرّة: ثقة. وقال موسى بن هارون: لم يكن به بأس. وقال الساجيّ في "الضعفاء": روى أحاديث لا يُتابع عليها عن سماك ابن حرب.
علّق له البخاريّ حديثًا واحدًا، وأخرج له الباقون، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: هذا الحديث، وفي "كتاب القسامة" ٤٠/ ٤٨٣٠ - حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: "كانت امرأتان جارتان، كان بينهما صَخَبٌ، فرمت إحداهما" الحديث. وفي "كتاب قطع السارق" ٤/ ٤٨٨٦ - حديث صفوان بن أميّة - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: "كنت في المسجد نائمًا على خميصة لي، ثمنها ثلاثون درهمًا، فجاء رجلٌ، فاختلسها" الحديث.
٤ - (السُّدّي) إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كَرِيمة، أبو محمد الكوفيّ، صدوق يَهِمُ، ورُمي بالتشيّع [٤] ١٠٠/ ٣٥٩.
٥ - (مصعب بن سعد) بن أبي وقّاص الزهريّ، أبو زُرارة المدنيّ، ثقة [٣] ٩١/ ١٠٣٢.
٦ - (أبوه) سعد بن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق، مات - رضي اللَّه تعالى عنه - بالعقيق سنة (٥٥) تقدّم في ٩٦/ ١٠٢١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم موثّقون. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. (ومنها): أن صحابيّه أحد العشرة المبشَرين بالجنة، وهو آخر من مات منهم - رضي اللَّه تعالى عنهم -، وأول من رمى بسهم في سبيل اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُصعَبِ بْنِ سَعْدٍ) -رحمه اللَّه تعالى- (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقّاص - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ) "كان هنا تامّة، ولذا اكتفت بمرفوعها، أي لَمّا وقع يوم فتح مكة. ويحتمل أن تكون ناقصةٌ، ويقدّر لها الخبر، أي لَمّا كان يوم فتح مكة حاضرًا.
[ ٣١ / ٣٩٩ ]
وفتح مكة كان في رمضان من السنة الثامنة من الهجرة (أَمَّنَ) بتشديد الميم، من التأمين، ويحتمل أن يكون بمد الهمزة، وتخفيف الميم، أي الإيمان، يقال: آمنت الأسير بالمدّ: أعطيته الأمان، فأَمِنَ هو بالكسر (رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - النَّاسَ، إِلاَّ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ) قال الفيّوميّ: -النفر بفتحتين-: جماعة الرجال، من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، ولا يُقال: نفرٌ فيما زاد على العشرة. انتهى (وَامْرَأَتَيْنِ، وقال: (اقْتُلُوهُمْ) أي المذكورين من النفر الأربعة، والمرأتين، أعاد ضمير جمع الذكور عليهم تغليبًا للذكور (وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُم، مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعبَةِ"، عِكْرِمةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ) يجوز نصبه بدلًا من "أربعة"، ورفعه خبر لمحذوف: أي أحد النفر الأربعة عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عُمَر بن مَخْزُوم القرشيّ المخزوميّ، كان كأبيه من أشدّ الناس على رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ثم أسلم عام الفتح، وخرج إلى المدينة، ثم إلى قتال أهل الرّدّة، ووجّهه أبو بكر الصّدّيق إلى جيش نَعْمان، فظهر عليهم، ثم إلى اليمن، ثم رجع، فخرج إلى الجهاد عام وفاته، فاستُشهد. وذكر الطبريّ أن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - استعمله على صدقات هوازن، عام وفاته، وأنه قُتل بأجنادين. وكذا قال الجمهور حتى قال الواقديّ: لا اختلاف بين أصحابنا في ذلك. وقال ابن إسحاق، والزبير بن بكّار: قُتِل يوم الْيَرْمُوك في خلافة عمر. وروى سيف في "الفتوح" بسند له، أنّ عكرمة نادى من يبايع على الموت؟ فبايعه عمّه الحارث، وضِرَار بن الأزور في أربعمائة من المسلمين، وكان أميرًا على بعض الكراديس (^١)، وذلك سنة خمس عشرة في خلافة عمر، فقُتلوا كلّهم إلا ضرارًا. وقيل: قُتل يوم مرج الصُّفَّر (^٢)، وذلك سنة ثلاث عشرة في خلافة أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه -.
(وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ) وقد تقدّمت قصّة قتله في "كتاب الحجّ" في ١٠٧/ ٢٨٦٨ - "باب دخول مكة بغير إحرام"، فراجعها تستفد، واللَّه تعالى وليّ التوفيق
(وَمَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ) بالصاد المهملة، وموحّدتين، بينهما ألف، هذا هو المشهور، وضبطه المجد في "القاموس" بالحاء المهملة بدل الصاد، ونصّه، مع شرحه: و"مِقيس" -كمِنبر- ابن حُبَابة بالضمّ، من بني كلب بن عوف من الدِّيل، وهو أحد الأربعة الذين لو يؤمّنهم النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - يوم فتح مكّة. وذكر الجوهريّ مقيص بالصاد، وهو بالسين. انتهى (^٣).
_________________
(١) في "القاموس": "الكُردوسة" بالضمّ: قطعة عظيمة من الخيل. اهـ.
(٢) في "القاموس": مَرْجُ الصُّفَّر، كسُكَّر: موضع بالشام. اهـ.
(٣) "القاموس" مع شرحه "التاج" ٤/ ٢٣٨.
[ ٣١ / ٤٠٠ ]
(وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ) بن الحارث بن حُبيّب بالمهملة، مصغّرًا- ابن حُذافة بن مالك بن حِسل بن عامر بن لؤيّ القرشيّ العامريّ، يكنى أبا يحيى، وكان أخا عثمان بن عفّان - رضي اللَّه تعالى عنه - من الرضاعة، وكانت أمه أشعريّة. وقال ابن يونس: شهد فتح مصر، واختطّ بها، وكان صاحب الميمنة في الحرب مع عمرو بن العاص في فتح مصر، وله مواقف محمودةٌ في الفتوح، وأقرّه عثمان على مصر، ولما وقعت الفتنة سكن عسقلان، ولم يُبايع لأحد، ومات بها سنة ستّ وثلاثين. وقيل: كان قد سار من مصر إلى عثمان، واستخلف السائب بن هشام بن عمير، فبلغه قتله، فرجع، فغلب على مصر محمد بن أبي حذيفة، فمنعه من دخولها، فمضى إلى عسقلان، وقيل: إلى الرملة، وقيل: بل شهد صفّين، وعاش إلى سنة سبع وخمسين. وذكره ابن سعد في تسمية من نزل مصر من الصحابة، وهو الذي افتتح إفريقية زمن عثمان، وولي مصر بعد ذلك، وكانت ولايته مصر سنة خمس وعشرين، وكان فتح إفريقية من أعظم الفتوح، بلغ سهم الفارس فيه ثلاثة آلاف دينار، وذلك سنة ثمان، وأما الأساود، فكان فتحها سنة إحدى وثلاثين بالنوبة، وهو هادنهم الهُدنة الباقية بعده. وقال خليفة: وفي سنة سبع وعشرين عُزل عمرو عن مصر، وولي عبد اللَّه بن سعد، فغزا إفريقية، ومعه العبادلة، وأرّخ الليث عَزل عمرو سنة خمس وعشرين، وغَزَاةَ إفريقية سنة سبع وعشرين، وغزاة الأساود سنة إحدى وثلاثين، وذات الصواري سنة أربع وثلاثين. وقال ابن الْبَرقيّ في "تاريخه": حدثنا أبو صالح، عن الليث، قال: كان ابن أبي سرح على الصعيد في زمن عمر، ثمّ ضمّ إليه عثمان مصر كلّها، وكان محمودًا في ولايته، وغزا ثلاث غَزَوات: إفريقية، وذات الصواري، والأساود. وروى البغويّ بإسناد صحيح، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: خرج ابن أبي سرح إلى الرملة، فلما كان عند الصبح، قال: اللَّهم اجعل آخر عملي الصبح، فتوضّأ، ثم صلّى، فسلّم عن يمينه، ثم ذهب يُسلّم عن يساره، فقبض اللَّه روحه، يرحمه اللَّه. وذكره البخاريّ من هذا الوجه. وأخرج السّرّاج عن عبد العزيز بن عمران، قال: مات ابن أبي سرح سنة تسع وخمسين في آخر عهد معاوية - رضي اللَّه تعالى عنهما -. ذكره في "الإصابة" (^١).
(فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ، فأُدْرِكَ) بالبناء للمفعول (وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكعبةِ، فاسْتَبَقَ إِلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ) بن عمرو بن عثمان بن عبد اللَّه بن عُمر بن مخزوم القرشيّ المخزوميّ، له صحبةٌ. قال الواقديّ: يقولون: إنه شَهِد فتح مكة، وهو ابن (١٥) سنة.
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٦/ ١٠٠ - ١٠٢.
[ ٣١ / ٤٠١ ]
مات بالكوفة. وهو أخو عمرو، وكان أسنّ منه. وقال الزبير بن بكّار: قُتل بظهر الحِيرة (وَعمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ) بن عامر بن مالك الْعَنْسيّ، مولى بني مخزوم، أبو الْيقْظان الصحابيّ المشهور، من السابقين الأولين، بدريّ قُتل بصفّين مع عليّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - سنة (٣٧)، وتقدّمت ترجمته في ١٩٥/ ٣١٢ (فَسَبَقَ سَعِيدٌ عَمَّارًا، وَكَانَ أَشَبَّ الرَّجُلَيْنِ) أي أحدثهما سنًّا، وأجلدهما، وأقواهما؛ لكونه في أوائل شبابه (فَقَتَلَهُ) وقيل: إن الذي قتله هو أبو برزة الأسلميّ، وقيل: قتله سعيد بن ذؤيب، وقيل: قتله الزبير بن العوّام، وتقدّم كلّ هذا في "كتاب الحجّ" في ١٠٧/ ٢٨٦٨ - "باب دخول مكة بغير إحرام".
(وَأَمَّا مَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ، فَأَدْرَكَهُ النَّاسُ فِي السُّوقِ) أي سوق مكة (فَقَتَلُوهُ، وَأَمَّا عِكْرِمةُ) بن أبي جهل (فَرَكِبَ الْبَحْرَ، فَأَصَابَتْهُمْ عَاصِفٌ) أي ريح شديدة، يقال: عصفت الريح عَصفًا، من باب ضرب، وعُصُوفًا: اشتدّت، فهي عاصفٌ، وعاصفةٌ، وجمع الأولى عَوَاصف، والثانية عاصفات، ويقال: أعصفت، ويقال: أعصفت بالهمزة أيضًا، فهي مُعصفةٌ، ويُسند الفعل إلى اليوم والليلة؛ لوقوعه فيهما، فيقال: يومٌ عاصفٌ، كما يقال: باردٌ؛ لوقوع البرد فيه. قاله الفيّوميّ (فَقَالَ أَصْحَابُ السَّفِينَةِ: أَخْلِصُوا) توحيدكم للَّه تعالى (فإِنَّ آلِهَتَكُمْ، لَا تُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا هَاهُنَا) أي في هذا الموضع الذي ماج فيه البحر، واضطرب، وكادت تغرق فيه السفينة، فلا منجي إلا اللَّه تعالى (فَقَالَ عِكْرِمَةُ: واللَّهِ لَئِنْ لَمْ يُنَجِّنِي) بتشديد الجيم، من التنجية، أو تخفيفها، من الإنجاء (مِنْ الْبَحْرِ، إِلاَّ الإخْلَاصُ) أي إخلاص التوحيد للَّه ﷾ (لا يُنَجِّيني فِي الْبَرِّ غَيْرُهُ) أي لأن البرّ والبحر في تصرّفه وحده لا شريك له (اللَّهُمَّ إِنَّ لَكَ عَلَيَّ عَهْدًا) أي ميثاقًا (إِنَّ أَنْتَ عَافَيْتَني) أي خلّصتني، وأخرجتني (مِمَّا أَنَا فِيهِ) من شدّة الخوف من الغرق (أَنْ آتِيَ مُحَمَّدًا - ﷺ -،) "أَنْ" بفتح الهمزة، مصدريّة، والفعل في تأويل المصدر مجرور بحرف محذوف قياسًا: أي بإتيان محمد - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (حَتَّى أَضَعَ يَدِي فِي يَدِهِ) كناية عن مبايعته على الإسلام (فَلأَجِدَنَّهُ عَفُوًّا كَرِيمًا) يريد أن يؤكّد لنفسه ما عزمت به من الإتيان إليه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - بأن خلُقه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - العفو، والصفح، والكرم، فمن كان مجبولًا على هذا الأخلاق الكريمة يحقّ لمن عاداه أن يأتي إليه تائبًا، وينال من كرمه العظيم العميم (فَجَاءَ، فَأَسْلَمَ) فأبلى في الإسلام بلاء حسنًا، حتى استُشهد في خلافة عمر، وقيل: في خلافة أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنهم -.
(وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ، فَإنَّهُ اخْتَبَأَ) بالهمز: أي اختفى، واستتر خوفًا من القتل (عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ) لأنه أخوه من الرضاعة، كما سبق (فَلَمَّا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، النّاسَ إِلَى البَيْعَةِ) بعد أن استقرّ الحال في مكة، وقُتل من قُتل ممن أمر النبيّ - صلى
[ ٣١ / ٤٠٢ ]
اللَّه تعالى عليه وسلم - بقتله (جَاءَ بِهِ) أي جاء عثمان بعبد اللَّه بن أبي سرح (حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى النَّبيِّ - ﷺ -، قال) عثمان (يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَايعْ عَبْدَ اللَّهِ) أي ابن أبي سرح (قَالَ فَرَفَعَ) - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (رَأْسَهُ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلَاثًا) أي فعل ذلك ثلاث مرّات (كُلَّ ذَلِكَ) منصوب على الظرفية، متعلّق بـ (يَأْبَي) أي يمتنع النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - في كلّ مرّة من المرّات الثلاث أن يبايع ابن أبي سرح؛ لعظم جريمته؛ لأنه كان كاتب الوحي، فسيأتي للمصنّف في الباب التالي، عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أن عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح، كان يكتب لرسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فأزلّه الشيطان، فلحق بالكفّار الحديث.
وذكر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- في "الاستيعاب" أنه أسلم قبل الفتح، وهاجر، وكان يكتب الوحي لرسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ثم ارتدّ مشركًا، وصار إلى قريش بمكة، فقال لهم: إني كنت أصرّف محمدًا حيث أريد، كان يُملي عليّ: "عزيز حكيم"، فأقول: أو عليم حكيم، فيقول: نعم، كلٌّ صواب، فلما كان يوم الفتح أمر رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - بقتله" (^١) (فَبَايَعَهُ) - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (بَعْدَ ثَلاثٍ) أي بعد مرّات، لا بعد ثلاث ليال (ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: "أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم-: أداة استفتاح، وتنبيه، مثلُ "ألا" (كَانَ فِيكُم رَجُلٌ رَشِيدٌ) الرُّشدُ: الصلاح، وهو خلاف الغَيّ والضلال، وهو إصابة الصواب، يقال: رشِد رَشَدًا، من باب تَعِبَ، ورَشَدَ يَرْشُدُ، من باب قتل، فهو راشدٌ، والاسم الرَّشَاد، ويتعدّى بالهمز. قاله الفيّوميّ. والمعنى هنا: رجلٌ فطنٌ لصواب الحكم (يقُومُ إِلَى هَذَا، حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ) من باب نصر: أي منعت (يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ، فَيَقْتُلُهُ؟ ") فيه أنه إنما أمهله، وامتنع ثلاث مرّات لأجل ذلك، فقد أخرج ابن سعد عن ابن المسيّب، قال: كان رجل من الأنصار نذر إن رأى ابن أبي سَرْح أن يقتله.
(فَقَالُوا: وَمَا يُدْرِينَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فِي نَفْسِكَ، هَلَّا أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ؟) أي أشرت إلينا بأن نقتله (قال: "إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ، أَنْ يَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ أَعْيُنٍ) أي أن يُضمر في نفسه غير ما يُظهره للناس، فإن كفّ لسانه، وأومأ بعينه إلى ذلك، فقد خان، ولكون ظهور تلك الخيانة من قِبَل العين سُمّيت خائنة الأعين، ومنه قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩]: أي ما يخونون فيه من مسارقة النظر إلى ما لا يحلّ، والخائنة
_________________
(١) "الاستيعاب" ٦/ ٢٢١. بهامش "الإصابة".
[ ٣١ / ٤٠٣ ]
بمعنى الخِيانة، وهي من المصادر التي جاءت على لفظ الفاعل، كالعافية. أفاده ابن الأثير. (^١).
وقال الفيّوميّ: خائنة الأعين: قيل: هي كسر الطَّرْف بالإشارة الخفيّة. وقيل: هي النظرة الثانية عن تعمّد، وفرّقوا بين الخائن، والسارق، والغاصب، بأن الخائن هو الذي خان ما جُعل عليه أمينًا، والسارق من أخذ خُفيةً من موضع كان ممنوعًا من الوصول إليه، وربّما قيل: كلُّ سارق خائنٌ، دون عكس، والغاصب من أخذ جهارًا، معتمِدًا على قوّته. انتهى (^٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سعد بن أبي وقّاص - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٤/ ٤٠٦٩ - وفي "الكبرى" ١٤/ ٣٥٣٠. وأخرجه (د) في "الجهاد" ٢٦٨٣ و٤٣٥٩. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم المرتدّ، وهو وجوب قتله. (ومنها): جواز إقامة الحدّ في الحرم، وقد تقدّم اختلاف العلماء في ذلك في "كتاب الحجّ". (ومنها): أن إخلاص التوحيد، والالتجاء إلى اللَّه تعالى هو الذي ينجي العبد من مكاره الدنيا والآخرة. (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - من مكارم الأخلاق، من العفو، والصفح، والكرم، حتى شهد له بذلك أعداؤه، فهذا عكرمة من أشدّ أعدائه له بعد أبيه أبي جهل، فقد وصفه بقوله: فلأجدنّه عفُوًّا كريمًا، وهذا مصداق قوله -﷿-: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقد قال اللَّه تعالى له: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، فكان كما أمره اللَّه تعالى به، وقال - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "بُعثت لأتمّم صالح الأخلاق". رواه أحمد في "مسنده" بإسناد صحيح.
_________________
(١) "النهاية" ٢/ ٨٩.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١٨٤.
[ ٣١ / ٤٠٤ ]
(ومنها): تأنّيه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - في مبايعته عبد اللَّه بن سعد؛ لشدّة جريمته، كما سبق بيانها، فأراد أن ينفّذ عليه القتل، إلا أن اللَّه تعالى أراد له الخير، فبايعه. (ومنها): جواز العمل بالقرائن القويّة؛ لأنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - لامهم على عدم قتله مع قيام القرينة القويّة على حلّ قتله، حيث أعلن بإهدار دمه سابقًا، ثم لما شفع له أخوه عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه -، أمهل الصحابة ثلاث مرّات لعلهم ينتبهون لإشارته بسكوته أن يقتلوه. (ومنها): أدب الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم -، حيث أمسكوا عن قتله؛ تأدّبًا معه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - حتى يأذن لهم صريحًا؛ عملا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [الحجرات: ١]. (ومنها): أن فيه: أَنَّ التوبة من الكفر في حياته - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - كانت موقوفة على رضاه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وأن الذي ارتدّ، وآذاه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - إذا آمن سقط قتله، وهذا ربّما يؤيّد القول أن قتل سابّ النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - للارتداد، لا للحدّ. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: سيأتي بيان الاختلاف في حكم من سبّ النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - بعد باب، إن شاء اللَّه تعالى.
(ومنها): أن شأن الأنبياء أرفع، وأنبل من أن يعاملوا أممهم معاملة الملوك والأمراء، وسائر الناس، حيث تكون لهم خائنة الأعين، ويعاملون الناس بالطرق الخفيّة التي لا يهتدي إليها إلا بعض الحذّاق، والنبهاء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإِتيُوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، - عفا اللَّه تعالى عنه - وعن والديه ومشايخه آمين:
قد انتهيت من كتابة الجزء الحادي والثلاثين من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى-، المسمّى "ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى"، أو "غاية المنى في شرح المجتنى".
وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، في مكة المكرمة زادها اللَّه تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأَعْظِمْ به تكريمًا.
وأخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
[ ٣١ / ٤٠٥ ]
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
"اللهم صلّ عليّ محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة اللَّه، وبركاته".
ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء الثاني والثلاثون مفتتحًا بالباب ١٥ "توبة المرتد" الحديث رقم ٤٠٧٠.
"سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".
[ ٣١ / ٤٠٦ ]
شرح سنن النسائي
المسمَّى
لجامعه الفقير إلى مولاه الغني القدير
محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الأيتوبي الوَلَّوي
المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة
عفا اللَّه عنه وعن والديه آمين
الجزء الحادي والثلاثون
دار آل بروم للنشر والتوزيع
[ ٣٢ / ١ ]
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٤هـ - ٢٠٠٣م
دار آل بروم للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم
ص ب: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوّال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)
[ ٣٢ / ٢ ]
شرح سنن النسائي
[ ٣٢ / ٣ ]
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
[ ٣٢ / ٤ ]