قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الْحِنْث" -بكسر الحاء المهملة، وسكون النون، آخره شاء مثلّثة-: نقض اليمين، والنكْثُ فيها، يقال: حَنِث في يمينه يَحْنَثُ، من باب عَلِمَ، وكأنه من الْحِنث: أي الإثم، والمعصية. أفاده في "النهاية" (^١).
وقال في "القاموس": الْحِنْثُ -بالكسر-: الإثم، والحلف في اليمين، والمَيْلُ من باطل إلى حقّ، وعكسه، وقد حَنِثَ كعَلِمَ، وأحنثتُهُ أنا. انتهى.
وقال الفيّوميّ: حَنِثَ في يمينه يَحنَثُ حِنْثًا: إذا لم يَفِ بموجبها، فهو حانثٌ، وحَنَّثْته: جعلتُهُ حانثًا، والحِنثُ: الذنب، وتحنث: إذا فعل ما يخرُج به من الْحِنثِ. قال ابن فارس: والتحتّثُ: التعبّد، ومنه كان النبيّ - ﷺ - يتحنّث في غار حراء. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٨٠٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فِي رَهْطٍ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ، نَسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: "وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ"، ثُمَّ لَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ، فَأُتِيَ بِإِبِلٍ، فَأَمَرَ لَنَا بِثَلَاثِ ذَوْدٍ، فَلَمَّا انْطَلَقْنَا، قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: لَا يُبَارِكُ اللَّهُ لَنَا، أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، نَسْتَحْمِلُهُ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، قَالَ أَبُو مُوسَى: فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ - ﷺ - فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ، بَلِ اللَّهُ حَمَلَكُمْ، إِنِّي وَاللَّهِ، لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا، خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ").
_________________
(١) "النهاية" ١/ ٤٤٩.
[ ٣٠ / ٣٢٣ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (حماد) بن زيد بن درهم، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٨] ٣/ ٣.
[تنبيه]: "حمّاد" هنا: هو ابن زيد؛ لأن قتيبة لم يُدرك حمّاد بن سلمة. قاله في "الفتح" (^١). واللَّه تعالى أعلم.
٣ - (غيلان بن جرير) -بفتح الغين المعجمة، وسكون التحتانيّة- الأزديّ الْمِعْوَليّ البصريّ، ثقة [٥] ١٢٤/ ١٠٨٢.
٤ - (أبو بُرْدة) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر. وقيل: الحارث الكوفي،
ثقة [٣] ٣/ ٣.
٥ - (أبو موسى الأشعريّ) عبد اللَّه بن قيس بن سُلَيم بن حَضّار الصحابيّ المشهور، أمّره عمر، ثم عثمان، وهو أحد الحكمين بصِفِّين، مات - ﵁ - سنة (٥٠) وقيل: بعدها، تقدّمت ترجمته في ٣/ ٣. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه بصريين، وكوفيين، وبغلانيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) وفي الحديث قصَّة، في "الصحيحين"، وفي غيرهما، ولفظ البخاريّ -٧٥٥٥ - من طريق أيوب، عن أبي قلابة، والقاسم التميمي، عن زَهدم، قال: كان بين هذا الحي، من جَرْم، وبين الأشعريين وُدٌّ وِإخَاءٌ، فكنا عند أبي موسى الأشعري، فقُرِّب إليه الطعام، فيه لحم دجاج، وعنده رجل من بني تيم اللَّه، كأنه من الموالي، فدعاه إليه، فقال: إني رأيته يأكل شيئا، فقذرته، فحلفت لا آكله، فقال: هَلُمَّ فلأحدثك عن ذاك، إني أتيت النبي - ﷺ -، في نفر من الأشعريين نستحمله، قال: "واللَّه لا أحملكم، وما عندي ما أحملكم"، فأُتي النبي - ﷺ - بنهب إبل، فسأل عنّا، فقال: (أين النفر الأشعريون؟ "، فأمر لنا بخمس ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى، ثم انطلقنا، قلنا: ما صنعنا، حَلَفَ
_________________
(١) "فتح" ١٣/ ٤٦٧. "كتاب كفّارت الأيمان". رقم ٦٧١٩.
[ ٣٠ / ٣٢٤ ]
رسولُ اللَّه - ﷺ -، أن لا يحملنا، وما عنده ما يحملنا، ثم حمدنا، تَغَفَّلْنا رسولَ اللَّه - ﷺ - يمينه، واللَّه لا نُفلح أبدا، فرجعنا إليه، فقلنا له، فقال: "لست أنا أحملكم، ولكن اللَّه حملكم، وإني واللَّه، لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرا منها، إلا أتيت الذي هو خير منه، وتحللتها".
(فِي رَهْطٍ) -بفتح الراء، وسكون الهاء، أفصح من فتحها -: ما دون عشرة من الرجال، ليس فيهم امرأة، وهو جمعٌ لا واحد له من لفظه. وقيل: الرهط من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى ثلاثة نَفَر. وقال أبو زيد: الرهط، والنَّفَرُ: ما دون العشرة من الرجال. وقال ثعلب أيضًا الرهط، والنفر، والقوم، والْمَعْشَرُ، والْعَشِيرةُ: معناهم الجمعُ، لا واحد لهم من لفظهم، وهم للرجال، دون النساء. وقال ابن السّكّيت: الرهط، والعَشِيرةُ بمعنًى، ويقال: الرهط ما فوق العشرة إلى الأربعين. قاله الأصمعيّ في "كتاب الضاد والظاء"، ونقله ابن فارس أيضًا. ورهطُ الرجل: قومه، وقبيلته الأقربون. قاله الفيّوميّ (مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ) -بفتح الهمزة، وسكون الشين المعجمة- نسبة أشعر قبيلة مشهورة باليمن، والأشعر هو نبت بن أُدد بن زيد بن يَشْجُب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، قيل له: الأشعر؛ لأن أمه ولدته والشعر على بدنه. قاله في "اللباب" (^١).
وفي رواية للبخاريّ من طريق عبد السلام بن حرب، عن أيوب بلفظ: (إنا أتينا النبيّ - ﷺ - نفر من الأشعريين"، فاستدلّ به ابن مالك لصحّة قول الأخفش: يجوز أن يُبدل من ضمير الحاضر بدل كلّ من كلّ، وحمل عليه قوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية [الأنعام: ١٢]، قال ابن مالك: واحترزت بقولي بدل كلّ من كلّ عن البعض، والاشتمال، فذلك جائز اتفاقًا، وإليه أشار في "الخلاصة" بقوله:
وَمِنْ ضَمِيرِ الحَاضِرِ الظَّاهِرَ لَا … تُبْدِلهُ إِلاَّ مَا إِحَاطَةَ جَلَا
أَوِ اقْتَضَى بَعْضًا أَوِ اشْتِمَالَا … كَأَنَّكَ ابْتِهَاجكَ اسْتَمَالَا
ولَمَّا حكاه الطيبيّ أقرّه، وقال: هو عند علماء البديع يُسمَّى التجريد. لكن تعقّب الحافظ ذلك، وقال: لا يحسن الاستشهاد به، إلا لو اتفقت الرواة، والواقع أنه بهذا اللفظ انفرد به عبد السلام، وقد أخرجه البخاريّ في مواضع أخرى بإثبات "في"، فقال في معظمها "في رهط"، كما هي رواية ابن عُليّة، عن أيوب في "كفّارات الأيمان"، وفي
_________________
(١) "اللباب" ١/ ٦٤ - ٦٥.
[ ٣٠ / ٣٢٥ ]
بعضها (في نفر"، كما هي رواية حماد، عن أيوب في "فرض الخمس". انتهى (^١).
(نَسْتَحْمِلُهُ) أي نطلب منه ما نركبه، ويحمل أثقالنا في الغزو، وكان ذلك في غزوة تبوك. وفي رواية لمسلم: "كنّا مشاة، فأتينا رسول اللَّه - ﷺ - نستحمله". وزاد في رواية ابن عليّة، عن أيوب: "وهو يَقسم غنمًا، من نَعَم الصدقة"، قال أيوب: أحسبه قال: "وهو غضبان"، وفي رواية عبد الوارث، عن أيوب: "فوافقته، وهو غضبان، وهو يَقسم نَعَمًا من نَعَم الصدقة"، وفي رواية وُهيب، عن أيوب عند أبي عوانة في "صحيحه": (وهو يَقسم ذَوْدًا من إبل الصدقة".
وفي رواية لمسلم-١٦٤٩ - من طريق بُريد بن عبد اللَّه، عن أبي بُردة، عن أبي موسى - ﷺ -، قال: "أرسلني أصحابي إلى رسول اللَّه - ﷺ -، أسأله لهم الْحُمْلان، إذهم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك، فقلت: يا نبيّ اللَّه، إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم، فقال: واللَّه لا أحملكم على شيء، ووافقته، وهو غضبان، ولا أشعُرُ، فرجعت حزينًا من منع رسول اللَّه - ﷺ -، ومن مخافة أن يكون رسول اللَّه - ﷺ - قد وجَدَ في نفسه عليّ، فرجعت إلى أصحابي، فأخبرتهم الذي قال رسول اللَّه - ﷺ -، فلم أَلبَث إلا سُويعة، إذ سمعت بلالا ينادي، أَيْ عبد اللَّه بن قيس، فأجبته، فقال: أجب رسول اللَّه - ﷺ - يدعوك، فلما أتيت رسول اللَّه - ﷺ -، قال: خذ هذين القرينين، وهذين القرينين، وهذين القرينين، لستة أبعرة، ابتاعهن حينئذ من سعد، فانطَلِقْ بهن إلى أصحابك، فقل: إن اللَّه -أو قال-: إن رسول اللَّه - ﷺ -، يحملكم على هؤلاء، فاركبوهن، قال أبو موسى، فانطلقت إلى أصحابي بهنّ، فقلت: إن رسول اللَّه - ﷺ -، يحملكم على هؤلاء، ولكن واللَّه، لا أَدَعُكم، حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول اللَّه - ﷺ -، حين سألته لكم، ومنعه في أول مرة، ثم إعطاءه إياي بعد ذلك، لا تظنوا أني حدثتكم شيئا، لم يقله، فقالوا لي: واللَّه إنك عندنا لَمُصَدَّق ولنفعلنّ ما أحببت، فانطلق أبو موسى بنفر منهم، حتى أتوا الذين سمعوا قول رسول اللَّه - ﷺ -، ومنعه إياهم، ثم إعطاءهم بعدُ، فحدثوهم بما حدثهم به أبو موسى سواء".
ويجمع بأن أبا موسى حضر هو والرهط، فباشر الكلام بنفسه عنهم.
(فَقَالَ) - ﷺ - (وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ) قال القرطبيّ: فيه جواز اليمين عند المنع، ورد السائل الملْحِف عند تعذر الإسعاف، وتأديبه بنوع من الإغلاظ بالقول (وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ) أي ليس عندي شيء من الإبل أحملكم عليه، وإنما ذكر - ﷺ - هذه الجملة-واللَّه أعلم-
_________________
(١) "فتح" ١٣/ ٤٧٧.
[ ٣٠ / ٣٢٦ ]
اعتذارًا، وبيانًا لسبب حلفه (ثُمَّ لَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ) أي من الزمن (فَأُتِيَ بِإِبِلٍ) بالبناء للمفعول. وفي رواية: "فأتي رسولُ اللَّه - ﷺ - بنَهب إبل" -بفتح النون، وسكون الهاء، بعدها موحّدة-: أي غنيمة، وأصله ما يؤخذ اختطافًا بحسب السبق إليه على غير تسوية بين الآخذين. ووقع في رواية الأصيليّ، وكذا لأبي ذرّ، عن السرخسيّ والمستملي: "فاُتي بشائل"، يقال: ناقة شائلة، ونُوق شائلٌ، وهي التي جفّ لبنها. وعن الأصمعيّ: إذا أتى على الناقة من يوم حملها سبعة أشهر جفّ لبنها، فهي شائلة، والجمع شُول بالتخفيف، وإذا شالت بذنبها بعد اللقاح، فهي شائل، والجمع شُوَّل بالتشديد انتهى.
وفي رواية بُريدة، عن أبي بُردة أنه - ﷺ - ابتاع الإبل التي حَمَل عليها الأشعريين من سعد، وفي الجمع بينها وبين رواية الباب عُسْرٌ، لكن يحتمل أن تكون الغنيمة لَمّا حصَلت حصل لسعد منها القدر المذكور، فابتاع النبيّ - ﷺ - منه نصيبه، فحملهم عليه. قاله في "الفتح" (^١).
(فَأَمَرَ لَنَا) وفي رواية ابن عُليّة عند البخاريّ: "فقيل: أين الأشعريّون؟ فأتينا، فأمر لنا"، وفي رواية حماد: "وأتي بنهب إبل، فسأل عنّا، فقال: أين النفر الأشعريّون؟ فأمر لنا"، وفي رواية يزيد: "فلم ألبث إلا سُويعة، إذ سمعت بلالًا ينادي، أين عبد اللَّه بن قيس؛ فأجبته، فقال: أجب رسول اللَّه - ﷺ - يدعوك، فلما أتيته، قال: خذ".
(بثَلَاثِ ذَوْدٍ) قال النوويّ: هو من إضافة الشيء إلى نفسه، وقد يحتجّ به من يُطلق الذّود على الواحد. انتهى.
وفي نسخة: "بثلاثة ذود"، بإثبات الهاء، قال النوويّ: هو صحيح، يعود إلى معنى الإبل، وهو الأبعرة.
وقال في "الفتح": قيل: الصواب الأول؛ لأن الذّود مؤنّثٌ، ووُجِّهَ بأنه إنما ذكّره باعتبار لفظ الذود، أو أنه يُطلق على الذكور والإناث، أو الرواية بالتنوين، والذود إما بدل، فيكون مجرورًا، أو مستأنف، فيكون مرفوعًا.
و"الذَّوْد" -بفتح الذال المعجمة، وسكون الواو، بعدها مهملة-: من الثلاث إلى العشر. وقيل: إلى السبع. وقيل: من الاثنين إلى التسع من النُّوق، قال في "الصحاح": لا واحد له من لفظه، والكثير أَذْوَاد، والأكثر على أنه خاصّ بالإناث، وقد يُطلق على المذكور، أو على أعمّ من ذلك، كما في قوله - ﷺ -: "ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة" ويؤخذ من هذا الحديث أيضًا أن الذود يُطلق على الواحد، بخلاف ما أطلق
_________________
(١) "فتح" ١٣/ ٤٧٨.
[ ٣٠ / ٣٢٧ ]
الجوهويّ. انتهى.
ووقع في رواية بلفظ: "خمس ذود" قال النوويّ: لا منافاة بينهما، إذ ليس في ذكر الثلاث نفي للخمس، والزيادة مقبولة. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": قال ابن التين: اللَّه أعلم أيهما يصحّ. قال الحافظ: لعلّ الجمع بينهما يحصل من الرواية التي بلفظ: "خذ هذين القرينين، وهذين القرينين، وهذين القرينين"، فلعلّ رواية الثلاث باعتبار ثلاثة أزواج، ورواية الخمس باعتبار أن أحد الأزواج كان قرينه تبعًا، فاعتدّ به تارة، ولم يعتد به أُخرى. ويمكن الجمع بأنه أمر لهم بثلاث ذَوْد أوْلًا، ثم زادهم اثنين، فإن لفظ زَهْدَم: "ثم أتي بنهب ذَوْد، غُرَّ الذُّرَى، فأعطاني خمس ذود"، فوقعت في رواية زَهْدَم جملة ما أعطاهم، وفي رواية غيلان، عن أبي بردة مبدأ ما أمر لهم به، ولم يذكر الزيادة. وأما رواية "خذ هذين القرينين ثلاث مرار"، وفي لفظ "ستة أبعرة" فيمكن أن تكون السادسة تبعًا، ولم تكن ذروتها موصوفة بذلك، كما تقدّم. أفاده في "الفتح" (^٢).
(فَلَمَّا انْطَلَقْنَا) أي ذهبنا من عند النبيّ - ﷺ -. وفي رواية: "فاندفعنا"، وفي رواية: "فلبثنا غير بعيد" (قَالَ: بَعْضُنَا لِبَعْضٍ) وفي رواية للبخاري: "فقلت لأصحابي"، وفي رواية: "قلنا: ما صنعنا"، فيجمع على أنهم تكلّموا فيما بينهم، والبادىء هو أبو موسى - ﵁ - (لَا يُبَارِكُ اللَّهُ لَنَا) أي فيما أعطانا رسول اللَّه - ﷺ - من الذود، إن سكتنا عن ذلك، ولم نعرفه، ثم بين سبب عدم البركة بقوله (أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَسْتَحْمِلُهُ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا) أي ثم حملنا بعد الحلف، فإن هذا مما لا يرضاه اللَّه -﷿-. وفي رواية ابن عليّة عند البخاريّ: "نسي رسول اللَّه - ﷺ - يمينه، واللَّه لئن تغفلنا رسول اللَّه - ﷺ - يمينه، لا نُفلح أبدًا"، وفي رواية عبد السلام: "فلما قبضناها، قلنا: تغفّلنا رسول اللَّه - ﷺ - يمينه، لا نفلح أبدًا"، ووقع في رواية زيادة قول أبي موسى - ﵁ - لأصحابه: "لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول اللَّه - ﷺ -"، يعني في منعهم أوْلًا، وإعطائهم ثانيًا إلى آخر القصة. قال القرطبيّ: فيه استدراك جبر خاطر السائل الذي يؤدّب على الحاجة بمطلوبه إذا تيسّر، وأن من أخذ شيئًا يَعلَم أن المعطي لم يكن راضيًا بإعطائه، لا يُبارك له فيه.
(قَالَ أَبُو مُوسَى) - ﵁ - (فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ - ﷺ - فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ) وفي رواية ابن عليّة عند البخاريّ: "فرجعنا، فقلنا: يا رسول اللَّه أتيناك نستحملك، فحلفت أن لا تحملنا، ثم
_________________
(١) "شرح مسلم" ١١/ ١١٣.
(٢) راجع "الفتح" ١٣/ ٤٦٨.
[ ٣٠ / ٣٢٨ ]
حملتنا، فظننا، أو فعرفنا أنك نسيتَ يمينك، قال: انطلقوا، فإنما حملكم اللَّه … " (فَقَالَ: "مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ بَلِ اللَّهُ حَمَلَكُمْ) قال في "الفتح": قال العلماء: المراد بذلك إزالة المنّة عنهم، وإضافة النعمة لمالكها الأصليّ، ولم يُرد أنه لا صنع له أصلًا في حملهم؛ لأنه لو أراد ذلك ما قال بعد ذلك: "لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها، إلا أتيت الذي هو خير، وكفّرت".
وقال المازريّ: معناه أن اللَّه تعالى أعطاني ما حملتكم عليه، ولولا ذلك لم يكن عندي ما أحملكم عليه. وقيل: يحتمل أنه كان نسي يمينه، والناسي لا يُضاف إليه الفعل. ويردّه التصريح بقوله: "واللَّه ما نسيتها"، وهي في "صحيح مسلم". وقيل: المراد بالنفي عنه، والإثبات للَّه الإشارةُ إلى ما تفضل اللَّه به من الغنيمة المذكورة؛ لأنها لم تكن بتسبّب من النبيّ - ﷺ -، ولا كان متطلّعًا إليها، ولا منتظرًا لها، فكان المعنى: ما أنا حملتكم لعدم ذلك أوّلًا، ولكن اللَّه حملكم بما ساقه إلينا من هذه الغنيمة. انتهى (^١).
وقال القاضي عياض: ويجوز أن يكون أُوحي إليه أن يحملهم، أو يكون المراد دخودهم في عموم من أمر اللَّه تعالى بالقسم فيهم. واللَّه أعلم. انتهى (^٢).
(إِنِّي وَاللَّهِ) وفي رواية للبخاريّ: "إنى واللَّه، إن شاء اللَّه"، قال أبو موسى المدينيّ في كتابه "الثمين في استثاء اليمين": لم يقع قوله: "إن شاء اللَّه" في أكثر الطرق لحديث أبي موسى، وأشار إلى أنه - ﷺ - قالها للتبرّك، لا للاستثناء. قال الحافظ: وهو خلاف الظاهر.
(لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ) أي محلوف يمين، فأطلق عليه لفظ "يمين"؛ للملابسة، والمراد ما شأنه أن يكون محلوفا عليه، فهو من مجاز الاستعارة، ويجوز أن يكون فيه تضمين، فقد وقع في رواية لمسلم: "على أمر"، ويحتمل أن تكون "على" بمعنى الباء، فقد وقع في رواية النسائيّ (^٣): "إذا حلفت بيمين"، ورُجّح الأول بقوله: "فرأيت غيرها خيرًا منها"؛ لأن الضمير في "غيرها" لا يصحّ عوده على اليمين. وأجيب بأنه يعود على معناه المجازيّ للملابسة أيضًا. وقال ابن الأثير في "النهاية": الحلف هو اليمين، فقوله: "أحلف": أي أعقد شيئًا بالعزم والنيّة، وقوله: "على يمين" تأكيد لعقده، وإعلامٌ بأنه ليست لغوًا. قال الطيبيّ: ويؤيّده رواية النسائيّ بلفظ: "ما على الأرض يمين
_________________
(١) "فتح" ١٣/ ٤٨٠.
(٢) "راجع "شرح مسلم للنوويّ" ١١/ ١١٣.
(٣) لم أر هذه اللفظة عنده، إلا أن يحمل على اختلاف النسخ. فاللَّه تعالى أعلم.
[ ٣٠ / ٣٢٩ ]
أَحلِف عليها … " الحديث، قال: فقوله: "أحلف عليها" صفة مؤكّدة لليمين، قال: والمعنى: لا أحلف يمينًا جزمًا، لا لغو فيها، ثم يظهر لي أمرٌ آخر يكون فعلُه أفضل من المضيّ في اليمين المذكور إلا فعلته، وكفّرت عن يميني، قال: فعلى هذا يكون قوله: "على يمين" مصدرًا مؤكدًا لقوله: "أحلف". انتهى (^١).
(فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) هذا هو الذي أخذ منه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- الترجمة المذكورة الدّالة على جواز الكفّارة قبل الحنث، لكن فيه أن التقديم اللفظيّ لا يدلّ على التقديم المعنويّ، والعطف بالواو لا يدلّ على الترتيب، فيجوز أن يكون المتأخّر متقدّمًا، نعم قد يُقال: الأمر في الرواية الآتية لا دلالة له على وجوب تقديم الحنث، كما لا دلالة له على وجوب تقديم الكفّارة، ومقتضى الإطلاق دليل للمطلوب، وعلى هذا فقول من أوجب تقديم الحنث مخالف لهذا الإطلاق، فلا بدّ له من دليل يُعارض هذا الإطلاق، ويترجّح عليه حتى يستقيم الأخذ به، وترك هذا الإطلاق. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- (^٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي موسى الأشعريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٤/ ٣٨٠٦ و١٥/ ٣٨٠٧ و"كتاب الصيد والذبائح" -٣٣/ ٤٣٧٣ و٤٣٧٤ - وفي "الكبرى" ١٤/ ٤٧٢٠ و١٥/ ٤٧٢١ و"كتاب الصيد والذبائح" ٣٦/ ٤٨٥٨ و٤٨٥٩. وأخرجه (خ) في "فرض الخمس" ٣١٣٣ و"المغازي" ٤٣٨٥ و"الذبائح والصيد" ٥٥١٧ و"الأيمان والنذور" ٦٦٤٩ و٦٦٨٠ وفي "كفارات الأيمان" ٦٧٢١ و"التوحيد" ٧٥٥٥ (م) في "الأيمان" ٤٢٤١ و٤٢٤٢ و٤٢٤٣ و٤٢٤٥ و٤٢٤٦ (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٧٦ مختصرًا (ت) في "الأطعمة": ١٨٢٦ وفي "الشمائل" ١٤٨ (ق) في "الكفارات" ٢١٠٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواز التكفير قبل الحنث،
_________________
(١) راجع "الفتح" ١٣/ ٤٧٩.
(٢) "شرح السندي" ٧/ ٩ - ١٠.
[ ٣٠ / ٣٣٠ ]
وتقدّم وجهه، وفيه اختلافٌ بين العلماء، سنفصله في المسألة التالية، إن شاء اللَّه
تعالى. (ومنها): أنه يدك على جواز اليمين عند التبرّم. (ومنها): جواز ردّ المسائل المثقل عند تعذّر الإسعاف. (ومنها): مشروعيّة تأديب المسائل إذا لم يتيسّر للمسؤول إعطاؤه بنوع من إغلاظ القول، وذلك أنهم سألوه - ﷺ - في حال تحقّق فيها أنه لم يكن عنده شيء، فأدّبهم بذلك القول، ثم إنه - ﷺ - بقي مترقّبًا لما يُسعِف به طَلِبَتَهم، ويجبُرُ به انكسارهم، فلَمّا يسّر اللَّه تعالى عليه ذلك أعطاهم، وجبرهم على مُقتضى كرم خُلُقه الكريم - ﷺ -. قاله القرطبيّ. (ومنها): أن من حلف على فعل شيء، أو تركه، وكان الحنث خيرًا من التمادي على اليمين، عليه أن يحنث عن يمينه، وتلزمه الكفّارة، وهذا متّفقٌ عليه. (ومنها): أن الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- ترجم لهذا الحديث في "صحيحه" بقوله: "قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، وأراد أن أفعال العباد مخلوقة للَّه تعالى، وهذا مذهب أهل السنَّة؛ خلافًا للمعتزلة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم التكفير قبل الحنث:
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: أجمعوا على أنه لا تجب الكفّارة قبل الحنث، وعلى أنه يجوز تأخيرها عن الحنث، وعلى أنه لا يجوز تقديمها على اليمين، واختلفوا في جوازها بعد اليمين وقبل الحنث، فجوّزها مالكٌ، والأوزاعيّ، والثوريّ، والشافعيّ، وأربعة عشر صحابيًّا، وجماعات من التابعين، وهو قول جماهير العلماء، لكن قالوا: يستحب كونها بعد الحنث، واستثنى الشافعيّ التكفير بالصوم، فقال: لا يجوز قبل الحنث؛ لأنه عبادة بدنيّة، فلا يجوز تقديمها على وقتها، كالصلاة، وصوم رمضان، وأما التكفير بالمال، فيجوز تقديمه كما يجوز تعجيل الزكاة. واستثنى بعض أصحابنا حنث المعصية، فقال: لا يجوز تقديم كفّارته؛ لأن فيه إعانة على المعصية، والجمهور على إجزائها كغير المعصية.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه، وأشهب المالكيّ: لا يجوز تقديم الكفّارة على الحنث بكل حال. ودليل الجمهور ظواهر هذه الأحاديث، والقياس على تعجيل الزكاة. انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (^١)،
وقال في "الفتح": قال ابن المنذر: رأى ربيعة، والأوزاعيّ، ومالك، والليث، وسائر فقهاء الأمصار غير أهل الرأي أن الكفّارة تجزئ قبل الحنث، إلا أن الشافعيّ
_________________
(١) "شرح مسلم" ١١/ ١١٢.
[ ٣٠ / ٣٣١ ]
استثنى الصيام، فقال: لا يُجزىء إلا بعد الحنث. وقال أصحاب الرأي: لا تجزئ الكفّارة قبل الحنث. ونقل الباجيّ عن مالك وغيره روايتين، واستثنى بعضهم عن مالك الصدقة، والعتق، ووافق الحنفيّة أشهب من المالكيّة، وداود الظاهريّ، وخالفه ابن حزم، واحتجّ لهم الطحاويّ بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، فإن المراد إذا حلفتم، فحنِثتم. وردّه مخالفوه، فقالوا: بل التقدير: فأردتم الحنث، وأولى من ذلك أن يقال: التقدير أعلم من ذلك، فليس أحد التقديرين بأولى من الآخر.
واحتجوا أيضًا بأن ظاهر الآية أن الكفّارة وجبت بنفس اليمين. ورده من أجاز بأنها لو كانت بنفس اليمين لم تسقط عمن لم يحنث اتفاقًا. واحتجّوا أيضًا بأن الكفّارة بعد الحنث فرضٌ، واخراجها قبله تطوّعٌ، فلا يقوم التطوّع مقام الفرض. وانفصل عنه من أجاز بأنه يشترط إرادة الحنث، وإلا فلا يجزئ، كما في تقديم الزكاة. وقال عياض: اتفقوا على أن الكفّارة لا تجب إلا بالحنث، وأنه يجوز تأخيرها بعد الحنث، واستحبّ مالكٌ، والشافعيّ، والأوزاعيّ، والثوريّ تأخيرها بعد الحنث، قال عياض: ومنع بعض المالكيّة تقديم كفّارة حنث المعصية (^١)؛ لأن فيه إعانة على المعصية. وردّه الجمهور.
قال ابن المنذر: واحتُجّ للجمهور بأن اختلاف ألفاظ حديثي أبي موسى، وعبد الرحمن بن سمرة - ﵄ - لا يدلّ على تعيين أحد الأمرين، وإنما أمر الحالف بأمرين، فهذا أتى بهما جميعًا، فقد فعل ما أُمر به، وإذا لم يدلّ الخبر على المنع، فلم يبق إلا طريق النظر، فاحتُجّ للجمهور بأن عقد اليمين لمّا كان يحلّه الاستثناء، وهو كلام، فلأن تحلّه الكفّارة، وهي فعل ماليّ، أو بدنيّ أولى. ويرجّح قولهم أيضًا بالكثرة. وذكر أبو الحسن بن القصّار، وتبعه عياض، وجماعة أن عدّة من قال بجواز تقديم الكفّارة أربعة عشر صحابيًّا، وتبعهم فقهاء الأمصار، إلا أبا حنيفة، مع أنه قال فيمن أخرج ظبية من الحرم إلى الحل، فولدت أولادًا، ثم ماتت في يده هي وألادها أن عليه جزاءها، وجزاء أولادها، لكن إن كان حين إخراجها أدّى جزاءها لم يكن عليه في أولادها شيء مع أن الجزاء الذي أخرجه عنها كان قبل أن تلد أولادها، فيحتاج إلى الفرق، بل الجواز في كفارة اليمين أولى. وقال ابن حزم: أجاز الحنفيّة تعجيل الزكاة قبل الحول، وتقديم زكاة الزرع، وأجازوا تقديم كفّارة القتل قبل موت المجنيّ عليه.
واحتجّ الشافعيّ بأن الصيام من حقوق الأبدان، ولا يجوز تقديمها قبل وقتها
_________________
(١) تقدّم في كلام النوويّ عزوه لبعض الشافعيّة، ولعله محكي عن الفريقين. واللَّه تعالى أعلم.
[ ٣٠ / ٣٣٢ ]
كالصلاة والصيام، بخلاف العتق، والكسوة، والإطعام، فإنها من حقوق الأموال، فيجوز تقديمها كالزكاة، ولفظ الشافعيّ في "الأمّ": إن كفّر بالإطعام قبل الحنث رجوت أن يُجزىء عنه، وأما الصوم فلا؛ لأن حقوق المال يجوز تقديمها، بخلاف العبادات، فإنها لا تقدّم على وقتها، كالصلاة، والصوم، وكذا لو حجّ الصغير، والعبد، لا يجزئ عنهما إذا بلغ، أو عتق. وقال في موضع آخر: من حلف، فأراد أن يحنث، فأحبّ إليّ أن لا يكفّر حتى يَحنَثَ، فإن كفّر قبل الحنث أجزأ، وساق نحوه، مبسوطًا.
وادّعى الطحاويّ أن إلحاق الكفّارة بالكفّارة أولى من إلحاق الإطعام بالزكاة. وأجيب بالمنع، وأيضًا فالفرق الذي أشار إليه الشافعيّ بين حقّ المال، وحقّ البدن ظاهر جدًّا، وإنما خصّ منه الشافعيّ الصيام بالدليل المذكور. ويؤخذ من نصّ الشافعيّ أن الأولى تقديم الحنث على الكفّارة، وفي مذهبه وجهٌ، اختَلَف فيه الترجيح أن كفّارة المعصية يُستحبّ تقديمها.
قال عياضٌ: الخلاف في جواز تقديم الكفّارة مبنيٌّ على أن الكفّارة رخصةٌ لحلّ اليمين، أو لتكفير مأثمها بالحنث، فعند الجمهور أنها رخصةٌ، شرعها اللَّه لحلّ ما عقد من اليمين، فلذلك تجزئ قبلُ وبعدُ.
قال المازريّ: للكفارة ثلاث حالات: "أحدها،: قبل الحلف، فلا تجزئ اتفاقًا. [ثانيها]: بعد الحلف والحنث، فتجزىء اتفاقًا. [ثالثها]: بعد الحلف، وقبل الحنث، ففيها الخلاف. وقد اختَلَف لفظ الحديث، فقدّم الكفّارة مرّة، وأخّرها أُخرى، لكن بحرف الواو الذي لا يوجب رتبة، ومن منع رأى أنها لم تجز، فصارت كالتطوّع، والتطوّع لا يُجزىء عن الواجب.
وقال الباجيّ، وابن التين، وجماعة: الروايتان دالّتان على الجواز؛ لأن الواو لا ترتب، قال ابن التين: فلو كان تقديم الكفّارة لا يجزئ لأبانه، ولقال: فليأت، ثم ليكفّر؛ لأن تأخير البيان عن الحاجة لا يجوز، فلما تركهم على مقتضى اللسان دلّ على الجواز، قال: وأما الفاء في قوله: "فأت الذي هو خير، وكفّر عن يمينك"، فهي كالفاء الذي في قوله: "فكفّر عن يمينك، وائت الذي هو خير"، ولو لم تأت الثانية لَمَا دلّت الفاء على الترتيب؛ لأنها أبانت ما يفعله بعد الحلف، وهما شيئان: كفّارة، وحنث، ولا ترتيب فيهما، وهو كمن قال: إذا دخلت الدار، فكل، واشرب.
قال الحافظ: قد ورد في بعض الطرق بلفظ: "ثمّ" التي تقتضي الترتيب، عند أبي
[ ٣٠ / ٣٣٣ ]
داود، والنسائيّ (^١) في حديث الباب، ولفظ أبو داود من طريق سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن الحسن، به: "كفّر عن يمينك، ثم ائت الذي هو خير"، وقد أخرجه مسلم من هذا الوجه، لكن أحال بلفظ المتن على ما قبله. وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه" من طريق سعيد كأبي داود. وأخرجه النسائيّ (^٢) من رواية جرير بن حازم، عن الحسن مثله. لكن أخرجه البخاريّ، ومسلم، من رواية جرير بالواو، وهو في حديث عائشة عند الحاكم أيضًا بلفظ: "ثمّ". وفي حديث أم سلمة عند الطبرانيّ نحوه، ولفظه: "فليكفّر عن يمينه، ثم ليفعل الذي هو خير". انتهى (^٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما تقدّم من الأدلة أن ما ذهب إليه الجمهور، من جواز التكفير قبل الحنث هو الأرجح؛ لقوّة دليله، كما سبق تقريره. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الخامسة): اختُلف هل كفّر النبيّ - ﷺ - عن يمينه المذكور، كما اختُلف، هل كفّر في قصَّة حلفه على شرب العسل، أو على غشيانه مارية - رضي اللَّه تعالى عنها -، فرُوي عن الحسن البصريّ -رحمه اللَّه تعالى- أنه قال: لم يُكفّر أصلًا؛ لأنه مغفور له، وإنما نزلت كفّارة اليمين تعليمًا للأمة. وتُعُقّب بما أخرجه الترمذيّ من حديث عمر - ﵁ - في قصَّة حلفه على العسل، أو مارية، فعاتبه اللَّه، وجعل له كفّارة يمين. وهذا ظاهر في أنه كفّر، وإن كان ليس نصا في ردّ ما ادّعاه الحسن، وظاهر قوله أيضًا في حديث الباب: "وكفّرت عن يميني" أنه لا يترك ذلك، ودعوى أن ذلك كلّه للتشريع بعيد. قاله في "الفتح" (^٤)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٠٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْنَسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد إلى عمرو بن شُعيب رجال الصحيح، وتقدّموا. و"عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"يحيى": وابن سعيد القطّان.
و"عبد اللَّه بن الأخنس": هو النخعيّ، أبو مالك الْخَزّاز الكوفيّ، صدوق، يخطئ
_________________
(١) هو الآتي برقم ٣٨١٠.
(٢) هو الحديث الآتي رقم ٣٨١٠.
(٣) "فتح" ١٣/ ٤٧٤ - ٤٧٥.
(٤) "فتح" ١٣/ ٤٧٩.
[ ٣٠ / ٣٣٤ ]
٣٢/ ١٦٨٦. وأما عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، فسلسلة معروفة، والراجح أنها من الأسانيد الصحيحة.
وشرح الحديث يُعلم مما قبله، وهو صحيح، تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- (^١)، أخرجه هنا-١٥/ ٣٨٠٨ - وفي "الكبرى" ١٥/ ٤٧٢٣. وأخرجه (أحمد) في "مسند المكثرين" ٦٦٩٣ و٦٨٦٨ و٦٩٥١.
واستدلال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- به على الترجمة واضح، حيث يدلّ على جواز الكفّارة قبل الحنث، كما سبق تقريره. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٠٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «إِذَا حَلَفَ أَحَدُكُمْ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَنْظُرِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، فَلْيَأْتِهِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥.
٢ - (المعتمر) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، ثقة، من كبار [٩] ١٠/ ١٠.
٣ - (أبوه) سليمان بن طرخان التيمي، أبو المعتمر البصريّ، ثقة عابد [٤] ٨٧/ ١٠٧. والباقيان تقدّما قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ) الصحابيّ المشهور - ﵁ -، تقدّم قبل أربعة أبواب - ١٠/ ٣٨٠١ - وفي رواية إبراهيم بن صدقة، عن يونس بن عُبيد، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمُرة، وكان غزا معه كابل، أخرجه أبو عوانة في "صحيحه".
وكذا عند الطبرانيّ من طريق أبي حمزة إسحاق بن الربيع، عن الحسن، لكن بلفظ: "غزونا مع عبد الرحمن بن سَمُرَة". وأخرجه أيضًا من طريق عليّ بن زيد،
_________________
(١) أي لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره.
[ ٣٠ / ٣٣٥ ]
عن الحسن: (حدّثني عبد الرحمن بن سمُرة. ومن طريق المبارك بن فَضّالة، عن الحسن: "حدثنا عبد الرحمن" (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) هذا الحديث مشتمل على جزأين، اختصر المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا على الجزء الأخير منه، وسيأتي له الجزء الأول في "كتاب آداب القضاء" -٥/ ٥٤١١ - " النهي عن مسألة الإمارة" بلفظ: "لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة، وُكِلتَ إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة، أُعِنتَ عليها".
وقد ساقه الشيخان مساقًا واحدًا، ولفظ البخاريّ -٦٦٢٢ - من طريق جرير بن حازم، عن الحسن، حدثنا عبد الرحمن بن سمرة، قال: قال النبي - ﷺ -: "يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة، وُكِلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة، أُعِنت عليها، وإذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها، فكَفر عن يمينك، وأت الذي هو خير".
قال في "الفتح": وقد اختُلف فيما تضمّنه حديث عبد الرحمن بن سمرة - ﵁ - هل لأحد الْحُكْمين تعلّقٌ بالآخر، أو لا؟، فقيل: له به تعلّقٌ، وذلك أن أحد الشِّقّين أن يعطى الإمارة من غير مسألة، فقد لا يكون له فيها أربٌ، فيمتنع، فيُلزَمُ، فيَحلِف، فأمر أن ينظر، ثم يفعل الذي هو أولى، فإن كان في الجانب الذي حلف على تركه، فيحنث، ويُكفّر، ويأتي مثله في الشقّ الآخر. انتهى (^١).
(قَال: "إِذَا حَلَفَ أَحَدُكُمْ عَلَى يَمِينٍ) أي محلوف عليه، وقد تقدّم القول فيه مستوفًى في شرح حديث أبي موسى - ﵁ - الماضي (فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا) أي رأى غير المحلوف عليه خيرًا منه، وظاهر الكلام عود الضمير على اليمين، ولا يصحّ عوده على اليمين بمعناها الحقيقيّ، بل بمعناها المجازيّ، كما تقدّم، والمراد بالرؤية هنا الاعتقادية، لا البصريّة.
قال عياض: معناه: إذا ظهر له أن الفعل، أو الترك خير له في دنياه، أو آخرته، أو أَوْفَقَ لمراده وشهوته ما لم يكن إثمًا. وقد وقع عند مسلم في حديث عديّ بن حاتم - ﵁ -: "فرأَى غيرها أتقى للَّه، فليأت التقوى"، وهو يُشعر بقصر ذلك على ما فيه طاعة.
وينقسم المأمور به أربعة أقسام: إن كان المحلوف عليه فعلًا، فكان الترك أولى. أو كان المحلوف عليه تركًا، فكان الفعل أولى. أو كان كلٌّ منهما فعلًا وتركًا، لكن يدخل
_________________
(١) "فتح" ١٣/ ٤٨٣.
[ ٣٠ / ٣٣٦ ]
القسمان الأخيران في القسمين الأوّلين؛ لأن من لازم فعل أحد الشيئين، أو تركه تركُ الآخر، أو فعله. قاله في "الفتح" (^١).
(فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ) هذا محلّ الترجمة، حيث إنه يدلّ على جواز تقديم الكفّارة على الحنث، وقد تقدّم توجيهه. قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا أمر من النبيّ - ﷺ - بتقديم الكفّارة على الحنث، ونصّ في الردّ على أبي حنيفة، فإن أقلّ مرات هذا الأمر أن يكون من باب الإرشاد إلى المصلحة، وأقل مراتب المصلحة أن تكون مْباحة، فالكفّارة قبل الحنث جائزة مُجزئة، وقد تضافر على هذا المعنى فعل النبيّ - ﷺ - المتقدّم في حديث أبي موسى - ﵁ -، وأمره هذا، وكذلك حديث عديّ بن حاتم - ﵁ - الآتي بعد هذا. انتهى كلام القرطبيّ (^٢).
(وَلْيَنْظُرِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: أي الذي هو أكثر خيرًا، أي الذي هو أصلح -يعني- من الاستمرار على موجب اليمين، أو ما يخالف ذلك مما يحنث به، والأصح تارة يكون من جهة الثواب وكثرته، وهو الذي أشار إليه في حديث عديّ - ﵁ -، حيث قال: "فليأت التقوى". وقد يكون من حيث المصلحة الراجحة الدنيويّة التي تطرأ عليه بسبب تركها حرجٌ ومشقّةٌ، وهي التي أشار إليها النبيّ - ﷺ - بقوله: "لأن يَلَجَّ أحدكم بيمينه آثم له عند اللَّه من أن يكفّر"، يعني بذلك أن استمراره على مقتضى يمينه إذا أفضى به إلى الحرج -وهو المشقّة- قد يفضى به إلى أن يأثم، فالأولى به أن يفعل ما شرع اللَّه له من تحنيثه نفسه، وفعل الكفّارة. انتهى كلام القرطبيّ (^٣).
(فَلْيَأْتِهِ) وفي الرواية التالية: "إذا حلفت على يمين، فكفّر عن يمينك، ثم أئت الذي هو خير"، وهو نصّ في تقديم الكفّارة على الحنث؛ لأنه أتى بـ "ثُمَّ" التي للترتيب.
وسيأتي في الرواية الآتية -٣٨١٨ - بلفظ: "إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها، فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك"، وهو عند البخاريّ من طريق عبد اللَّه بن عون، عن الحسن. قال في "الفتح": هكذا وقع للأكثر، وللكثير منهم: "فكفّر عن يمينك، وائت الذي هو خير".
ووقع في رواية عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه عند أبي داود: "فرأى غيرها خيرًا منها، فليدعها، وليأت الذي هو خير، فإن كفّارتها تركُها"، فأشار أبو داود إلى ضعفه، وقال: الأحاديث كلّها: "فليكفّر عن يمينه"، إلا شيئًا لا يُعبأ به. وكأنه يشير إلى
_________________
(١) "فتح" ١٣/ ٤٨٣ - ٤٨٤.
(٢) "المفهم" ٤/ ٦٣١.
(٣) "المفهم" ٤/ ٦٣١ - ٦٣٢.
[ ٣٠ / ٣٣٧ ]
حديث يحيى بن عبيد اللَّه، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -، رفعه: "من حلف، فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خيرٌ، فهو كفّارته". ويحيى ضعيف جدًا.
وقد وقع في حديث عديّ بن حاتم - ﵁ - عند مسلم ما يوهم ذلك، وأنه أخرجه بلفظ: "من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خيرٌ، وليترك يمينه"، هكذا أخرجه من وجهين، ولم يذكر الكفّارة، ولكن أخرجه من وجه آخر بلفظ: "فرأى خيرًا منها، فليكفرها، وليأت الذي هو خير"، ومداره في الطرق كلّها على عبد العزيز بن رُفيع، عن تميم بن طَرَفَة، عن عديّ، والذي زاد ذلك حافظٌ، فهو المعتمد.
قال الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-: في الأمر بالكفّارة مع تعمّد الحنث دلالة على مشروعيّة الكفّارة في اليمين الغموس؛ لأنها يمين حانثة.
واستُدلّ به على أن الحالف يجب عليه فعل أيّ الأمرين كان أولى من المضيّ في حلفه، أو الحنث والكفّارة. وانفصل عنه من قال: إن الأمر فيه للندب بما مضى في قصَّة الأعرابيّ الذي قال: "واللَّه لا أزيد على هذا، ولا أنقُص منه"، فقال - ﷺ -: "أفلح إن صدق"، فلم يأمره بالحنث والكفّارة، مع أن حلفه على ترك الزيادة مرجوحٌ بالنسبة إلى فعلها. انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الرحمن بن سَمُرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٥/ ٣٨٠٩ و٣٨١٠ و٣٨١١ و١٦/ ٣٨١٦ و٣٨١٧ و٣٨١٨. وفي "الكبرى" ١٥/ ٤٧٢٤ و٤٧٢٥ و٤٧٢٦ و١٦/ ٤٧٣١ و٤٧٣٢ و٤٧٣٣. وأخرجه (خ) في "الأيمان والنذور" ٦٦٢٢ و"الكفّارات" ٦٧٢٢ و"الأحكام" ١٧٤٦ و٧١٤٧ (م) في "الأيمان والنذور" ١٦٥٢ (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٧٧ (ت) في " النذور والأيمان" ١٥٢٩ (أحمد) في "مسند البصريين" ٣٠٠٩٥ و٢٠١٠٥ (الدارمي) في "النذور والأيمان" ٢٣٤٦. وفوائد الحديث تقدمت في شرح حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ -. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
_________________
(١) "فتح" ١٣/ ٤٨٤.
[ ٣٠ / ٣٣٨ ]
(المسألة الثالثة): حديث عبد الرحمن بن سمرة - ﵁ - هذا مداره على الحسن البصريّ -رحمه اللَّه تعالى-، وقد رواه عنه الجمّ الغفير:
فقد أخرجه المصنّف من رواية سليمان بن طرخان، وجرير بن حازم، وقتادة في هذا الباب، ومن رواية منصور بن زاذان، ويونس بن عُبيد، وعبد اللَّه بن عون، ومنصور بن المعتمر عنه في الباب التالي.
ورواه عنه سماك بن عطية عند مسلم، وسماك بن حرب عند الطبرانيّ في "الكبير"، وحُميدٌ الطويل عند مسلم، وهشام بن حسّان عند أبي نعيم في "مستخرجه على مسلم"، والربيع وهو ابن مسلم على ما جزم به الدمياطيّ في "حاشيته"، وقال الحافظ: والذي يغلب على ظني أن ابن صَبِيح -بوزن عَظِيم، فعند أبي عوانة، والطبرانيّ، وعليّ بن زيد ابن جُدعان عند أبي عوانة، وإسماعيل بن مسلم عنده أيضًا، وإسماعيل بن أبي خالد عنده أيضًا. وقرّة بن خالد، والمبارك بن فضالة عند الطبرانيّ.
وأخرجه الطبرانيّ في "المعجم الكبير" عن نحو أربعين من أصحاب الحسن، فممن لم يتقدّم ذكره منهم: يزيد بن إبراهيم، وأبو الأشهب جعفر بن حيّان، وثابت البنانيّ، وحبيب بن الشهيد، وخُلَيد بن دُعلُج، وأبوعمرو بن العلاء، ومحمد بن نوح، وعبد الرحمن السرّاج، وعرفطة، والمعلّى بن زياد، وصفوان بن سُليم، ومعاوية بن عبد الكريم، وزياد مولى مصعب، وسهل السرّاج، وشبيب بن شيبة، وعمرو بن عُبيد، وواصل بن عطاء، ومحمد بن عُقبة، والأشعث بن سوّار، والأشعث بن عبد الملك، والحسن بن دينار، والحسن بن ذكوان، وسفيان بن حسين، والسريّ بن يحيى، وأبو عقيل الدورقيّ، وعبّاد بن كثير، فهؤلاء أربعة وأربعون نفسًا.
وقد خرّج طرقه الحافظ عبد القادر الرُّهاويّ في "الأربعين البلدانيّات" له عن سبعة وعشرين نفسًا من الرواة عن الحسن، فيهم ممن لم يتقدّم ذكره: يحيى بن أبي كثير، وجرير بن حازم (^١)، وإسرائيل أبو موسى، ووائل بن داود، وعبد اللَّه بن عون، وقرّة بن خالد، وأبو خالد الجزّار، وأبو عبيدة الباجيّ، وخالد الحذّاء، وعوف الأعرابيّ، وحمّاد ابن نَجِيح، ويونس بن يزيد، ومطر الورّاق، وعلي بن رفاعة، ومسلم بن أبي الذّيّال، والعوّام بن جُويرية، وعقيل بن صبيح، وكثير بن زياد، وسودة بن أبي العالية. ثم قال: رواه عن الحسن العدد الكثير من أهل مكة، والمدينة، والبصرة، والكوفة، والشام، ولعلهم يزيدون على الخمسين.
_________________
(١) هكذا قال في "الفتح" ١٣/ ٤٨٢ - وفيه نظر، فقد تقدّم ذكر جرير بن حازم، فتنبّه.
[ ٣٠ / ٣٣٩ ]
ثم ذكر طرقه الحافظ يوسف بن خليل، عن أكثر من ستّين نفسًا، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة - ﵁ -.
وسرد الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن ابن الحافظ أبي عبد اللَّه بن منده في "تذكرته" أسماء من رواه عن الحسن، فبلغوا مائة وثمانين نفسًا، وزيادة. ثم قال: رواه عن النبيّ - ﷺ - مع عبد الرحمن بن سمرة: عبدُ اللَّه بن عمرو، وأبو موسى، وأبو الدرداء، وأبو هريرة، وأنس، وعديّ بن حاتم، وعائشة، وأم سلمة، وعبد اللَّه بن مسعود، وعبد اللَّه بن عبّاس، وعبد اللَّه بن عمر، وأبو سعيد الخدريّ، وعمران بن حُصين. انتهى.
ولما أخرج الترمذيّ حديث عبد الرحمن بن سمرة، قال: وفي الباب، فذكر الثمانية المذكورين أوّلًا، وأهمل خمسة، واستدركهم الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ"، إلا ابن مسعود، وابن عمر، وزاد معاوية بن الحكم، وعوف بن مالك الجُشَميَّ والد أبي الأحوص، وأذينة والد عبد الرحمن، فكملوا ستة عشر نفسًا.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: أحاديث المذكورين كلّها فيما يتعلّق باليمين، وليس في حديث واحد منهم: "لا تسأل الإمارة"، لكن سأذكر من روى معنى ذلك عن النبيّ - ﷺ - في "كتاب الأحكام"، إن شاء اللَّه تعالى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وأنا سأذكر ما ذكره الحافظ في "كتاب آداب القضاة" - في باب "النهي عن مسألة الإمارة"، إن شاء اللَّه تعالى.
قال: ولم يذكر ابن منده أن أحدًا رواه عن عبد الرحمن بن سمرة غير الحسن، لكن ذكر عبد القادر أن محمد بن سيرين رواه عن عبد الرحمن، ثم أسند من طريق أبي عامر الخرّاز عن الحسن، وابن سيرين أن النبيّ - ﷺ - قال لعبد الرحمن بن سمرة: "لا تسأل الإمارة … " الحديث، وقال: غريبٌ ما كتبته إلا من هذا الوجه، والمحفوظ رواية الحسن، عن عبد الرحمن انتهى. وهذا مع ما في سنده من ضعف، ليس فيه التصريح برواية ابن سيرين عن عبد الرحمن.
وأخرجه يوسف بن خليل الحافظ من رواية عكرمة مولى ابن عبّاس، عن عبد الرحمن بن سمرة، أو رده من "المعجم الأوسط" للطبرانيّ، وهو في ترجمة محمد ابن عليّ المروزيّ بسنده إلى عكرمة، قال: كان اسم عبد الرحمن بن سمرة عبد كلوب، فسمّاه رسول اللَّه - ﷺ - عبد الرحمن، فمرّ به، وهو يتوضّأ، فقال: "تعال يا عبد الرحمن، لا تطلب الإمارة … " الحديث، وهذا لم يصرّح فيه عكرمة بأنه حمله عن عبد الرحمن، لكنه محتملٌ. قال الطبرانيّ: لم يروه عن عكرمة، إلا عبد اللَّه بن
[ ٣٠ / ٣٤٠ ]
كيسان، ولا عنه إلا ابنه إسحاق، تفرّد به أبو الدرداء عبد العزيز بن منيب.
قال الحافظ: عبد اللَّه بن كيسان ضعّفه أبو حاتم الرازيّ، وابنه إسحاق ليّنه أبو أحمد الحاكم. انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨١٠ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو رُهاويّ ثقة حافظ.
والحديث متّفقٌ عليه، وسبق شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله، ودلالته على ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- واضحة، حيث قال: "ثم ائت الذي هو خير"، فإنه ظاهر في تقديم الكفّارة على الحنث، وهو مذهب الجمهور، وهو الصواب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨١١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْقُطَعِيُّ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى -وَذَكَرَ كَلِمَةً، مَعْنَاهَا- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، قَالَ: «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن يحيى" بن أبي حَزْم -بفتح المهملة، وسكون الزاي- القُطَعيّ (^٢) -بضمّ القاف، وفتح المهملة- أبو عبد اللَّه البصريّ، صدوقٌ [١٠].
قال أبو حاتم: صالح الحديث، صدوقٌ. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال مسلمة: بصريّ ثقة. مات سنة (٢٥٣). روى عنه مسلم (^٣)، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده هذا الحديث فقط، وبقيّة رجال الإسناد رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"عبد الأعلى": وابن عبد الأعلى الساميّ البصريّ. و"سعيد": هو ابن أبي عَرُوبة البصريّ. والسند مسلسل بالبصريين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
_________________
(١) "فتح" ١٣/ ٤٨١ - ٤٨٣. "كتاب كفّارات الأيمان". رقم ٦٧٢٢.
(٢) "القطعي" -بضمّ القاف، وفتح الطاء المهملة: نسبة إلى قُطيعة، بطن من زُبيد، ومن قيس عيلان. أفاده في "لبّ اللباب" ٢/ ١٨٤.
(٣) قال في "تهذيب التهذيب": وفي "الزهرة": روى عنه مسلم عشرة أحاديث، وسمى جدّه مِهْران، ونسبه زُبيديًا، من زُبيد اليمن. انتهى ٣/ ٧٢٧.
[ ٣٠ / ٣٤١ ]
وقوله: "وذكر كلمة الخ" القائل هو محمد بن يحيى، والذاكر هو عبد الأعلى، ومعنى هذا أن محمد بن يحيى لم يحفظ صيغة الأداء التي ذكرها عبد الأعلى حين حدّثه بالحديث، ولكن معناها: حدّثنا سعيد الخ.
والحديث متّفقٌ عليه، وسبق البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…